|
العولمة تساؤلات
في ضوء ثورتي الاتصال المعلومات
رشيد
عكار
كاتب إعلامي
مقدمة :
تأتي أهمية تناول مثل هذا
الموضوع من خلال التطور المتسارع في وسائل الاتصال
من جهة ، والانتشار السريع الواسع للمعلومات من
جهة أخرى .
وقد اثر ذلك في صيرورة
وتشكل النظام الدولي الجديد .
ينصرف البحث إلى إثبات
فرضية : بان العولمة ستواجهها صعوبات جمة ، وان
عملية تعميم الثقافة الغربية الامريكية على
المستوى العالمي لن تجرى بسهولة .
وللإجابة عن تلك الأسئلة : قسمنا البحث إلى فقرات
رئيسية :
أولا : التطور التقني وثورة
المعلومات.
ثانياً : اثر التطور التقني
.
ثالثاً : العولمة الثقافية
، النشأة والأهداف .
رابعاً : العولمة ومستقبلها
.
وقد تم إتباع المنهج
التحليلي في وصف ثورتي الاتصال والمعلومات ،
مركزين على تحليل الأسباب ، والنتائج التي تمخضت
عنهما وأثرهما في الوضع الدولي الذي يشهده العالم
، ولا سيما على المستوى الثقافي والإعلامي .
أولا : التطور التقني وثورة
المعلومات:
شهدت العقود الثلاثة
الأخيرة من القرن العشرين ، تطورات تقنية كبيرة في
مجال المعلومات ووسائل الاتصال ، فمنذ عام 1968
أنتج العالم من المعلومات ما يعادل إنتاج (5000)
سنة سابقة ، كما ينتج عالم اليوم (20) مليون كلمة
يومياً تستغرق قراءتها شهراً ونصف ، وان نسخة
واحدة من عدد صحيفة (نيويورك تايمز ) تحتوي على
معلومات يمكن إن يكتبها أوربي في القرن السابع عشر
طيلة حياته .
وإشارة جريدة (ريبلكيا)
الايطالية بعددها الصادر في 19/7/1997 إلى انه
يوجد في عالم اليوم (28/1) مليار تلفاز و (690)
مليون مشترك في شبكات الهاتف ، ومنهم (80) مليون
في الهاتف الخلوي وأكثر من (30) مليون مرتبط بشبكة
الانترنت .
وفضلا عن ضخامة وسرعة انتقال المعلومات ، اتسمت
هذه الثورة أيضا بسمتين رئيسيتين .
الارتباط بثورة تكنولوجيا
الاتصال ، وذلك من خلال تفجر المعلومات ، وتضاعف
الإنتاج الفكري ، أدى ذلك إلى ظهور الحاجة لتحقيق
سيطرة ممكنة على فيض لمعلومات المتدفقة وإباحته
للباحثين ، ومتخذي لقرارات بأسرع وقت ، وبأقل جهد
، وتنظيم المعلومات من خلال الاعتماد على
الكومبيوتر ، واستخدام التكنولوجيا الاتصالية ،
بمساندة مؤسسات المعلومات ، ودفع خدماتها لتصل عبر
القارات ، وقد جمع النظام الرقمي بين تكنولوجيا
المعلومات وتكنولوجيا الاتصال ، فترابطت شبكات
الاتصال مع شبكات المعلومات ، وهو ما نلمسه واضحاً
في حياتنا اليومية من التواصل (بالفاكس) عبر شبكات
التلفاز . إذ إن (الهاتف ، التلفاز ، الموجات
المايكروية ، الإطباق اللاقطة ..) وغيرها تدمج
بمنظومة واحدة وتوضع تحت تصرف المجتمع ، للإفادة
منها في الحياة العملية .
تدفق المعلومات باتجاه من
الشمال الى الجنوب من(90%) من المعلومات
والإنباء تصدر عن نيويورك ولندن وباريس ، مع
المحاولات المستمرة بمنع نقل التكنولوجيا وعلى
الرغم من ان عالم الجنوب يضم (80%) من سكان العالم
لا يوجد فيه سوى (5%) من الحاسبات المستخدمة في
العالم ، ولا يزيد نصيبه عن (4%) من الإنفاق
العالمي عن البحث والتنمية ، فمن صال (25) مليار
دولار مكرسة للبحث العلمي عام 1992 تسهم الولايات
المتحدة الأمريكية بـ (38%) ، والاتحاد الأوربي بـ(28.3%)
واليابان بـ (15.8%) ولا يتجاوز في أمريكا
اللاتينية عن (1%) هذا فضلا عن دمج جميع التقنيات
المتوفرة في عالم الشمال على صعيدي الاتصالات
والمعلومات في منظومة مندمجة واحدة سميت بـ (جادة
المعلومات) .
وإزاء ما تقدم تترتب على التطور التقني الهائل
وثورة المعلومات نتائج عدة لعل من أبرزها :
إضفاء الطابع الدولي على
وسائل الاتصال لجماهيرية حيث أصبح من الصعوبة
بمكان التفرقة بين ما هو إعلامي وطني وما هو
إعلامي دولي . فتكنولوجيا الاتصال جعلت برامج
العديد من الدول المتقدمة من خلال الأقمار
الصناعية تشاهد في إنحاء عديدة من العالم .
بث الايدولوجيا من خلال
ثقافة الاتصال ، فقد طفقت الدول المؤثرة في
السياسة الدولية تبث أفكارها وقيمها من خلال ثقافة
الاتصال ، وتستخدم فيها البرامج السمعية والبصرية
.
إحلال دبلوماسية الأقمار
الصناعية او دبلوماسية الإعلام الالكتروني ، والتي
تلعب دوراً مهما على مستوى العلاقة بين دولتين في
تهيئة الرأي العام لقبول مسألة ما . وأصبح من
اليسير تحاول رؤساء الدول وجهاً لوجه ، أو من خلال
الهاتف وبما يسمى (دبلوماسية القمة ) ، كما ان
الإحداث الدولية تنقلها قنوات التلفاز أسرع من
انتقالها عبر تقارير البعثات الدبلوماسية .
تحرك المعلومات بسرعة الضوء
من خلال قنوات الكومبيوتر الى الجماهير الغفيرة في
إنحاء العالم ، أدى إلى (لا مركزة السلطة ) .
ثانياً : اثر التطور التقني :
احدث التطور التقني تغييرات
كبيرة على مستوى الوسائل والأساليب المعتمدة في
عملية الاتصال ، فالأقمار الصناعية والحاسبات
المتطورة وغيرها نقلت البشرية إلى مرحلة جديدة على
المستوى الاتصالي ، اذ ترك كل ذلك تأثيرات كبيرة
في عمليات نقل ، وإحلال قيم القوى المهنية دولياً
وبالتالي أصبح بإمكان من يمتلك ناحية العلم
والتكنولوجيا ، إن يصدر القيم ونماذج السلوك إلى
دول العالم الأخرى خصوصاً (عالم الجنوب) غير
المتطور ولأسباب شتى لا مجال للبحث عنها ، والذي
يسهل اختراقه بأساليب شتى لعل أبرزها :
أساليب الإغواء : لإيهام الآخرين بالقيم الجديدة
من خلال وسائل الإعلام المختلفة .
اعتماد عملية (التثاقف) : لترجيح الصراع على
الحوار بين الثقافات .
إزاء تلك الأساليب يرى بعض
الباحثون ، ان التطور التقني والإعلامي أدى إلى
إحداث العديد من التفاعلات تجاه تعزيز الوعي
الحضاري وتقوية الإحساس بالاختلاف بين الحضارات
وليست إلغائها .
ثالثاً : العولمة الثقافية
((النشأة والأهداف)):
تشير العولمة بشكل عام إلى
عملية تدريجية جارية منذ بدء الاستعمار الحديث ،
وقد تسارعت واتخذت إشكالا جديدة مع تطورات الثورة
التقنية ، فهي ظاهرة تاريخية موضوعية نشأت نتيجة
للطابع التوسعي التنافسي وهيمنه الإنتاج الرأسمالي
، وفي ظل هذه الهيمنة أخذت المشروعية الدولية
تتآكل ، التي قامت مؤسساتها عقب الحرب العالمية
الثانية ، وتعبر محاولات فرض قوانينها على البلدان
النامية (عالم الجنوب) عن تلك الهيمنة ، أي إن
العولمة جاءت بعد مرحلة الاستعمار التقليدي وهو ما
يعني ليست هناك من قطيعة مع (ألما قبل) فالعولمة
تعني : تنازل الدولة الوطنية او حملها على التنازل
عن حقوق لها لدول أخرى ، أي المتحكمين فيها ، وهي
على غرار قولبة : أي تحويل الشيء الى وضعية أخرى ،
والعولمة ظهرت اولا في مجال التجارة ،والمال ،
والاقتصاد ، ولعسكرية ، فأضحت العولمة تشمل
السياسة ، والفكر ، والايدولوجيا ، والعسكرية ،
وهي ترجمة لكلمة (
mondialisation)
الفرنسية ، والتي تعني (جعل الشيء على المستوى
العالمي ) ، فتعني بذلك إلغاء حدود الدولة القومية
التي تتميز بمراقبتها الصارمة لكل شيء في داخلها .
إن العولمة الثقافية تجلت
بوسائل الاتصال الحديثة في اختراق الدولة القومية
(أي دولة الأمة) ، بما فيها الحدود الثقافية
باتجاهين :-
الاتجاه الأول :-
التأثر بمراكز صناعة
الثقافة في أجهزة العلوم الاجتماعية ، وحتى حالات
الترفيه والاستهلاك .
الاتجاه الثاني :-
تعددية ثقافية تتجلى في
اكتشاف الهويات الثقافية الجزئية في ضمن الدولة
القومية .
رابعاً : العولمة الثقافية ومستقبلها .
عند مناقشة احتمالية – ما
ينبئ به الزمن الأتي ، لا بد من الأخذ بنظر
الاعتبار – إن تلك الاحتمالية ترتبط بمعطيات
الماضي والحاضر – ولا شك إن موضوعة العولمة او
((الأمركة)) لم تكن وليدة الحاضر ، بل تمتد بعيداً
في أغوار الماضي ، فهي لم ترتبط بمرحلة الحرب
البردة ، بل قبلها ، لان إحداث الحرب العالمية
الأولى والثانية ومن ثم الصراع بين الاتحاد
السوفيتي والولايات لمتحدة الأمريكية قد اجل
الكثير من ملامح العولمة في الظهور ، لقد تبدلت
السياسة بعد الحرب العالمية الثانية وعنت جامعات
مثل (هارفارد ، ميشيغان ، بنسلفانيا ) بالدراسات
واللغات السامية والآثار القديمة ، ومنذ عام 1947
أخذت مؤسسات (روكلفر ، فورد ، كارينجي) ، وغيرها
تقدم الهبات المالية غالى أساتذة متخصصين وطلاب
للتفرغ لدراسة شؤون الشرق ، بل الأمر لم يقتصر على
ذلك ، فقد سعت الولايات المتحدة الأمريكية إلى
الحصول على كل منشور ذي اهمية في كل لغة مهمة من
لغات الشرق نشر منذ عام 1900 وعدها محاولة ينبغي
على الكونغرس ان يقرها بوصفها إجراءات الأمن
القومي ، وانشأ مؤسسات لمعرفة كل شيء خارج أمريكا
من بينها : مؤسسة راند ، معهد هدسون ، وزارة
الدفاع ، شركات النفط ، معهد الشرق الأوسط في
واشنطن وغيرها .. .
ان محاولات المعرفة تلك ،
كما نرى كانت في إطار تضخيم الأنا ونفي الأخر ،
باعتباره مجرد مجال حيوي لتحقيق ونر العولمة
الثقافية . إذ إن نشر القيم الغربية على المستوى
لعالمي ، والتي تأثرت بالتفوق التقني والمعلوماتي
، ومن ثم الاعتماد على المعلوماتية (والاتمته ) في
مرحلة لاحقه سيلغي قيمة (الجيوبولتك) ، فقد اغفلا
اهمية الجغرافية والموارد الخام والسكان .
إما فيما يخص المتغيرات على
صعيد السياسة الدولية ، فيستخدم الكاتب ((مايكل
فلايوس)) مفهوم – المنطقة الثقافية- كأساس لتحديد
معطيات مستقبل العولمة ، اذ يتناول العلاقة بين
الثقافة والسياسة في ضوء مجالات (خمسة) وهي :
عملية توحيد ألمانيا ، التهديد الياباني ، تهديد
العالم الثالث ، استخدام القوة ، القيادة العالمية
، ويتوقع (فلايوس) ظهور ثلاث مناطق ثقافية كبرى هي
أمريكا وكندا من جهة ، وأوربا الغربية من جهة
ثانية ، واليابان من جهة ثالثة .إما دول عالم
الجنوب ستواجه الدول محاولات سيطرة الثقافة
الأمريكية .
ويرى (فلايوس) إن الأوربيين
واليابانيين طوال سنوات سابقة خلت ، لم يكن لهم
خيار / إما ألان فيتوفر لهم هذا الخيار ، وهو
المضي ف يطرقهم الخاص ، واستغلال منطقتهم الثقافية
،؟ فالعالم ليس سوى سلسلة من قرى المناطق الثقافية
، وحتى بعد انهيار الاتحاد السوفيتي ، سيبقى
العالم خاضعاً لسيطرة مناطق ثقافية كبرى ثلاث :
الولايات المتحدة الأمريكية ، ووربا الغربية ،
واليابان .
نستخلص مما تقدم : إن
العالم يشهد وبإيقاع متزايد تطورات في مجال
المعلومات ، والتطور التقني في وسائل الاتصال إلى
الحد الذي أطلق عليه العديد من الباحثين ثورتي
الاتصال والمعلومات ، فضلاً عن ضخامة وسرعة انتقال
المعلومات ، وان العولمة لثقافية تخترق حدود
الدولة الثقافية ، لبث قيم ومفاهيم جديدة . |