|
عن الاسلام
والديمقراطية
نظرة في محاولات الإصلاح
قاسم محمد عباس
يأتي فعل الاصلاح سواء عبر
مطبوعات حديثة أم ندوات وكتب حيويا منفعلا، وتحت
عنوانات تتباين بين الاندماج مع الاخر والمحافظة
على الخصائص الثقافية، وفي مجمل الاحوال تكون
الديمقراطية بوصفها انجازا للفكر الغربي في طرف،
والاسلام بوصفه هويتنا الوحيدة على الطرف الاخر.
والمشروع اساسا يدرج في حمى الاصلاح الذي يجيء
كفعل خطير منذ صار تقديمه على انه مشروع للاندماج
مع الآخر، وتوفيقا بين الحداثة كنمط للحياة
والإسلام كدين.
وقد بدا من مقدمات متعددة
من ردود الافعال ازاء الاصلاح انه لا يتم تقبل
الاصلاح على انه مشروع للنقد والفهم تجاه تحرير
مقدرات المنطقة العربية والاسلامية ثقافيا
وانسانيا في محاولة للخروج من ربقة مقولات
تاريخية. يجري هذا النقاش في اطاره العام في ظل
دول قومية تعيش نظاما ثقافيا اسلاميا نشره الاسلام
عبر قرون.
ان المقاربة الممكنة حول
وعي مقبول عن الاصلاح ليس بمشروع جديد للنخب
الثقافية الاسلامية، فقد تم النظر عبر مقدمات
تاريخية في قدرات النظام الثقافي للمجمتع العربي
الاسلامي بهدف خلق افق للانسجام مع الحداثة عموما.
وفي مجمل الطروحات يستعان بالمشروع الاسلامي
كظاهرة، بمعنى ان الاسلام لم يزل كظاهرة في حمى
دول قومية تواجه خلخلة مفهوم الدولة الوطنية في ظل
العولمة بمستوياتها الثقافية والاقتصادية، فضلا عن
الخلخلة التي تتعرض لها الخصوصيات الثقافية في
اجواء غدا فيها ترحيل القيم والثقافات امرا يسيرا.
وقد خلصت طائفة من الحوارات
والطروحات والمشاريع وهي بصدد التصدي لمفاصل
الاصلاح الى مواقف عدة منها اعتبرت الاصلاح دخولا
نهائيا في الحداثة، وعليه لا بد من الاندماج فيه
بقيمه السياسية والثقافية والفكرية، ومن ثم الدعوة
الى الانسحاب من المشهد السياسي لمصلحة مشروع
عقلاني يؤطر عملية التحول من نظام تقليدي الى
مجتمع حداثي.
واعترض على هذا الموقف دعاة
يتصورون وجود تناقضات كبيرة تبتلع نقاط التوافق
والاندماج مع المشروع الحداثي، بفهم قدرة المفاهيم
الحداثية على محو القيم الدينية، مما سيقود الى
اضمحلال الهوية الاسلامية وانماطها الثقافية.
وبرز طرف ثالث ذهب الى وجود
أبعاد حداثية في الاسلام، عبر اقتراح اسلمة
الحداثة عن طريق استعارة مفاهيم الاجتهاد وإعمال
العقل في ربط المقدس بالواقع.واجتهد اصحاب هذا
الرأي في اقتطاع الكثير من المعاني من مواقعها
لاثبات ان الاسلام والديمقراطية لا يتعارضان مع
وجود عوائق عديدة ابسطها مسألة حقوق الانسان.
والموقف الاخير عموما هو
صدى لمزاعم ما بعد الحداثة عند اللجوء الى قراءة
نقدية للمشروع الحداثي، بفهم انه لو تم تبني
المشروع بوعي فسيوفر الخروج من ازمات ومشكلات
الحداثة ذاتها.
ولو توفرت فرصة لتقديم خلاصة حول مسالة الاصلاح
عموما لتمت الاشارة الى ان الرهان في النتيجة في
مواجهة بين الاسلام والحداثة، والعلاقة بين
الاثنين احتكمت دائما الى فكرتي الغزو والهجرة،
فهل ينبغي اعادة النظر في هذه العلاقة، والتحذير
من فكرة الاندماج خشية ان تؤدي الى تفريع الكليات،
او العودة بالجزئيات الى الكليات؟
وبقدر تعلق الامر بثقافات
المجتمع العربي يتم الخلط على الدوام بين الثقافة
العلمية والثقافة الايديولوجية، مما يساوي بين
الاثنين، الأمر الذي دفع دعاة الاصلاح المتبنين
للنزعة النقدية الى القيام بتحليل الظاهرة
الاسلامية المستغلة للسلطة بوساطة مبادئ حقوق
الانسان، وربما في موقف تحليل السلطة التي تسيطر
على الظاهرة الدينية، بوصفها قوة تستغل المخيال
الاجتماعي. لان هذه الظاهرة كانت على الدوام تتوجه
الى المخيال الاجتماعي اكثر من العقل.
ان المواقف المعترضة على
الاصلاح ترفض المتغير التاريخي الذي يدفع تجاه
الاندماج في فضاء الحداثة، وتتحصن بفكرة الحفاظ
على الهوية، مع ادراكها ان اشكالية الهوية عائدة
الى اوضاع تاريخية بدلالة ان الخوف من دعوات
الاندماج كشفت عن صراع اجتماعي داخل المجتمعات
الاسلامية، وفي واقع الامر هو صراع حول الافكار،
صراع حقيقي حول المواقف العقلية من مسألة المعرفة.
في ظل هذا النقاش جرى القفز
على سياقات ثقافية واجتماعية عدة، وتم اغفال حقيقة
انه تم منح الاسبقية للخطاب الايديولوجي، في حين
اهملت جهود التحرر من القيود التي تهيمن على
المخيال الاجتماعي، طبقا لموقف ان كل الخطابات هي
نتاج المخيال الاجتماعي، وهي بالضرورة غير ناتجة
عن ممارسة العقل النقدي.
اذن فالربط بين الاصلاح
السياسي والدين مسألة مستقرة في الواقع والفكر،
ومسألة الاصلاح الديني بكل مقارباتها وتأويلاتها
في الدرس الاسلامي المعاصر تنحاز الى قطيعة كاملة
مع المشروع الحداثي، وعليه يعيش المجتمع الاسلامي
طبقا لمقولة القطيعة حالة من الشد المتوزعة بين
الحداثة المستلِبة ـ التي تترجم بجلد الذات او
رفضها ـ وبين هوية تقودها الى الاقصاء والابعاد عن
المشهد العام.
يرتسم هذا الوصف اثر غياب
فكري ومدني (طبيعة مؤسساتية) للحداثة على حياة
المجتمعات الاسلامية، وما يعاش حقيقة من حوادث
ووقائع يشير الى ازمة سياسية واجتماعية اكثر منها
ازمة دينية. بدلالة الجدل الدائرحول الاندماج،
وتقبله من الخارج هو جدال سياسي اكثر مما هو فكري،
ونقاط الافتراق بين الدخول الى الحداثة من عدمه
يوجهنا الى مشكلات حساسة مهمة، منها التعددية
والديمقراطية والاستبداد، وهو ما يتطلب من الخطاب
الاسلامي حسم امره، والتوقف عن الاصطفاف مرة الى
جانب الديمقراطية ومرة الركون الى نظرة شمولية
انتجت تجليات الاستبداد في كل مرة. لكن واقع الحال
ان الجدل حول الاسلام بعد الحادي عشر من ايلول خلف
جوانب جيوسياسية وجيوستراتيجية جديدة بفهم ان
الاسلام صار جزءا من معادلة السياسات الدولية، بعد
ان تحول الاسلام (في شكله المتطرف) الى مؤثر دولي،
وليس في صوره المتباينة، وعليه غدا النقاش حول
الاصلاح والديمقراطية يتجاوز البعد العبادي الى
معارك عدة دخلت في سياقات توظيفية اقليمية
ودولية.في ظل ظروف تتحول فيه اوربا وعبر قفزة
تاريخية من مرحلة الامة الى مرحلة الاتحاد
الاوربي.
ويأتي البعض بعد كل هذه
الوقائع ليعلن ان الاسلام ليس لديه اشكالية ضد
الحداثة مستشهدا بتجربة الدولة العثمانية وآلية
الملل التي طبقت على مختلف الاديان، او يستذكر
تجربة مصر في ظل حكم الملكية. لكن هؤلاء يواجَهون
دوما بتيارات اصولوية ترفض الحداثة القادمة من
الغرب. والمشهد يتحرك وفق عدم ايمان بعلمانية
الدولة وهو ما سيقود الى دولة دينية مصادمة
بطبيعتها للحداثة.ليعاد من جديد اقتراح التحول من
فكرة (الحل) الى مسار نقدي ايديولوجي للدين.
وفيما يتعلق بالراهن
العراقي بوصفه جزءا من المشهد العام الامل في
تيارات اسلامية لها من الاراء الناشطة في مجال
حقوق الانسان، وقد عبر الكثير من هؤلاء عن موقفهم
الذي يعتمدون فيه بمسألة الحقوق المدنية على
مرجعيات القانون الدولي وغيره اكثر من الاعتبارات
الدينية. وهو موقف يذكر بدفاع (شبستري) عن ضرورة
الاعتراف غير المشروط بحقوق الانسان العالمية
وبالديمقراطية من دون الاستناد في ذلك الى مرجعية
الاسلام، بفهم ان مبدأ القناعات الدينية، والاراء
والنظريات يمكنها ان تكون أشكالاً تعبيرية عن
الايمان، لكنها بالتأكيد ليست الايمان ذاته. |