|
في سايكولوجية
الأسماء
إن إطلاق التسميات قديماً
وحديثاً لا تخلو من إرهاصات نفسية أبداً إن لم نقل
بهيمنة العامل النفسي المطلقة على مطلقي التسمية.
بالغ ذوو الاسماء القبيحة
في اطلاق تسميات غاية في الرقة والغرابة على
انتمائهم من باب التعويض لما عانوه من ألم وهم
يعيشون باسمائهم القدرية القبيحة.
تحت وطأة الاحساس الثقيل
بالرعب يلجأون الى تسميات يعتقدون انها توقع
الرهبة في قلوب اعدائهم وتجبرهم على احترام حقوق
صاحب الاسم وعدم الاعتداء عليه
د. سلمان عبد الواحد كيوش
جامعة بغداد/كلية التربية وعلم النفس
جاء:
((شو بطيت))
سمعت هذه الجملة من أحدهم
فانتابتني الحيرة، اذ ان كل الدلالات تشير الى ان
((شو بطيت)) اسم لشخص نظراً للصيغة الكلية للموقف
فضلاً عن التنغيم الذي قيلت به. اقترب شخص عرفت
فيما بعد ان اسمه ((شو بطيت)) ولا غيره! وعرفت
ايضاً ان معارفه ينادونه بالشق الثاني فقط من اسمه
((بطيت)) مهملين الـ ((شو)) هذه اختصاراً. غير ان
محبيه، لاسيما امه، يصرون على نطق الاسم كله،
وكأنهم بذلك يؤكدون حبهم له وتعظيمه في الوقت
نفسه.
قادتني هذه الواقعة الصغيرة الى دراسة هذه الظاهرة
الغريبة بعض الشيء وهي اطلاق التسميات الغريبة على
الاولاد والبنات. يمكن القول عموماً ان اطلاق
التسميات قديماً وحديثاً لا تخلو من ارهاصات نفسية
ابداً ان لم نقل بهيمنة العامل النفسي المطلقة على
مطلقي التسمية. تصل قناعتي في هذه القضية الى حد
التأكيد بأن اسماء اولادك الذين سميتهم انت مفتاح
الى ولوج قناعتك وتوجهاتك في الحياة.
عموماً تأخذ عملية اطلاق التسميات دلالتين عامتين
واضحتين، تقف الديمومة الزمنية متغيراً كبيراً
للتفريق بينهما. وأعني بالديمومة الحالة التي
هيمنت على مطلق التسمية.
الدلالة الاولى: آنية منقطعة وتتضمن الحالات
الآتية:
1- دفع الحسد:
هناك قناعة راسخة بالحسد
وانتشاره واتجاه الاجواء النموذجية لوجوده
وانطلاقه. ولدرئه عن الولادات الذكورية المتأخرة،
بعد وجود عدد كبير نسبياً من ولادة الاناث يسبقها،
يعمد الاباء الى اطلاق تسميات موغلة في الانحطاط
ومتلبسة بالمسخ وحتى النجاسة لغرض ابعاد عين
الحاسد. ولا تقف هذه الظاهرة منعزلة منفردة بل
تصحبها مظاهر اخرى كتعمد عدم تنظيف اجساد الاولاد
والحرص على عدم ارتدائهم ملابس جميلة وحلاقة شعور
رؤوسهم بطريقة قاسية، وتعليق (خضرمة) زرقاء عادة
تتدلى على جباههم وغيرها من الاجراءات.
ومن بين الاسماء الكثيرة
التي يمكن ان تصلح مصداً لعين الحاسد هي: جليب
(مصغر كلب)، وجرو، وبعرور (روث الاغنام)، وخنزير،
وبكور (من اسماء الخنزير)، وجريذي (مصغر جرذ)،
وحتيته (ما لا ينفع من الصوف المتبقي بعد غزله)،
و(زباله) وغيرها من الاسماء. من الواضح ان
الدلالات سواء الدينية او الذوقية متوفرة بكثرة في
مثل هذه الاسماء. فكأنها محاولة لاثارة اشمئزاز
الحاسد وصرفه عن تسليط نظراته المدمرة مادام
اصحابها لا يزيدون عن ان يكونوا مجرد كلاب او
فضلات حيوانات وهكذا. وهناك منحى نفسي آخر يشير
الى توفير فرصة للتعاطف مع صاحب الاسم مادام يحمل
هذه الصفة التي تثير التعاطف معه من قبيل مطشر
(وتعني موزعاً وفاقداً للتماسك) والشيء نفسه مع
موذر، ومحسر (أي ان نصيبه من الحسرات كثير).
لدي استنتاج بسيط في هذه
المسألة، فملاحظتي الشخصية أفضت بي الى ان هناك
كثيراً من الفلاحين في جنوبي العراق، في محافظة
ميسان تحديداً، وجدوا صعوبة بالغة في التعايش
والتكيف السليمين في المدن بعد الارتحال من قراهم،
لا لشيء الا لأسمائهم الوحشية القبيحة. فعمد
الحساسون منهم الى تغيير اسمائهم. وعلى الرغم من
هذا الاجراء لم يتخلصوا من تبعات هذه التسميات
لوجود كثيرين ممن يعرفونهم باسمائهم القديمة. وقدم
فلاحون كثيرون اسباباً كثيرة تبرر عدم رغبتهم في
الارتحال الى المدن، غير ان السبب الحقيقي نفسي في
المقام الاول هو عجزهم عن مواجهة شخصياتهم ذات
التسميات المرعبة، ذلك لان هذه التسميات، فضلاً عن
انها فجة وثقيلة على السمع حتى في بيئتها احياناً،
تعطي مجالاً واسعاً للسخرية والتهكم في المدينة.
لهذا بالغ ذوو الاسماء
القبيحة في اطلاق تسميات غاية في الرقة والغرابة
على انتمائهم من باب التعويض لما عانوه من ألم وهم
يعيشون باسمائهم القدرية القبيحة. حتى وصل الامر
الى تسميات غير عربية اصلاً عن معرفتهم بمعانيها
من قبيل ميرفت ورنا وغيرها من التسميات التي توحي
بالعيش الناعم الرغيد.
ان منشأ هذا الاجراء، واعني
اطلاق التسميات الصادة لعين الحاسد، هو طبيعة
البنية الاجتماعية والاقتصادية للمجتمع الزراعي.
فبالنظر لانعدام المكننة الزراعية في مجتمع تقوم
حياته على حجم الجهد العضلي المبذول من قبل افراده
تتعملق الحاجة الى وجود ايد عاملة كثيرة في
العائلة الواحدة. هذا من ناحية، ومن ناحية اخرى
مكملة للاولى في طبيعتها، يؤدي الذكر مهمات قتالية
دفاعية عن الحقوق الزراعية اذا جازت التسمية. فمن
طبيعة المجتمعات البدائية عجزها النسبي عن حفظ
الحقوق وعدم الاتفاق النهائي على حدودها، الامر
الذي يجعل من قيام المنازعات امراً وراداً جداً.
فتصبح مهمة زيادة الولادات
الشغل الشاغل للمتزوجين، فلا محددات للنسل ابداً
ولا تخطيط لعدد الاطفال. ويعمد المنعمون منهم،
وحتى المعدمون، الى الزواج بأكثر من امرأة للغرض
نفسه، ما ان يجدوا الى ذلك سبيلا، وما أسهل ان
يجدوه، فهاجس الكثرة العددية، الذي يفضي الى
الاحساس بالمنعة والغلبة وسرعة انجاز المهمات
الزراعية التي تقوم مقام العمود الفقري لبقائهم،
لا يفارقهم. وتحول وجوده من شعور منطقي الى مجرد
جذوة متقدة ابداً في لا وعيهم.
2- الدعاء المتواصل
لا تحسد الانثى ما دامت
عذراء في بيت ابيها، غير انها قد تكون عرضة لسهام
الحاسدين في حال تأسيسها لبيت سعيد منتظم يفتقده
الحاسدون. وعموماً تندر فرصة حسد الانثى، غير ان
الامر يبدو معكوساً مما هو عليه في الحالة الاولى،
حالة الولادات الذكورية. فعندما تلد المرأة انثى
لا تستقبل ولادتها بما يستقبل به المولود الذكر
ابداً. هذا اذا كانت ولادتها تلك الاولى. اما في
حال تكرار الولادات الانثوية فان برودة الاستقبال
للمولودة تصل الى مديات متطرفة بعض الاحيان مع
تكرار الولادات الانثوية. ولا يكتفون ببرودة
الاستقبال للمولودة فحسب، بل ينسحب على الام وهم
متيقنون من انها لا ذنب لها البتة في تعيين نوع
جنس المولود. حتى قالوا في امثالهم واصفين بؤس
امرأة ما ((مكروهة وجابت بت)) وبت تعني بنتاً،
أحياناً تفقد المرأة التي تلد الاناث مهابتها
واحترامها في العائلة مهما كانت تحمل من مواصفات
طيبة اخرى.
وتستمر في انتظارها للمولود
الذكر، وتستعجل حملها في كل مرة على امل ان يكون
المولود القادم ذكراً، فتضمن دعاءها ولهفتها
للمولود الذكر وتلقيه على الولادات الانثوية فتصبح
اسماؤهن دعاءً متواصلاً من قبيل بس عاد (ألا
يكفي؟)، وكافي (كفى)، وملّينا ((مللنا))، وبسنه
(اكتفينا)، وواجد (كفى) وغيرها.
يعتقد البعض ان هذه الاسماء
ليست دعاءً متواصلاً، بل اعتراضاً وتذمراً
متواصلين. قد تحمل الدلالة الظاهرية للاسم هذه
المسحة الاعتراضية، غير ان هؤلاء الناس ابعد من ان
يعترضوا على المقدر والرزاق، فلا وجود للاعتراض
وهم متيقنون من الحكمة الالهية وان لا حيلة لهم
امامها سوى القبول.
وفي حال استجابة الدعاء
وجاءت الولادة ذكورية بعد سلسلة ولادات انثوية
فيلجأون الى توثيق فرحتهم وابتهاجهم بهذا القدوم
الطيب فيسمونه (شو بطيت) أي تأخرت، و (وين جنت؟)
أي اين كنت؟، وعيد وغيرها.
المنطلقات النفسية
للتسميات
تلك كانت ابرز الملامح
لاسباب التسميات المتطرفة، واعني بها التي تأتي
بعد عدد كبير يسبقها سواء أكانت انثوية ام ذكورية.
اما المنطلقات او الاعتبارات النفسية للتسميات
عموماً فأظن انها لا تشذ عن واحدة مما يلي:
1-الخوف
في النفس نزعة الى ان يصدر السلوك منها دون تأثير
من الخارج، وهـذا هو جوهر الحرية، غير ان هذه
الحرية مفيدة تقودها الحتمية او الجبرية بمعنى ان
السلوك تحكمه الضوابط والظروف التي قد تكون قاهرة
تشعر بالعجز، وقد تكون ايضاً كما هو المألوف، موضع
تأمل ونظر عميقين بغية السيطرة عليها وتطويعها،
سواء كانت الظاهرة على السلامة الشخصية او على
عماد مفردات الحياة الزراعية. فمثلاً ينظر اهل
الاهوار بقلق عميق الى الرياح الشديدة حين يصادف
مرورهم بالبحيرات المفتوحة التي لا ينمو فيها
القصب والبردي لعمقها او لحداثتها التكوينية.
فالرياح هنا حتى لو كانت بمستويات متوسطة كفيلة
باغراق زوارقهم المعدة اصلاً لتخرق المياه شبه
الراكدة في الاهوار والانهار. يلجأون الى تحويل
خوفهم وقلقهم هذا الى مواجهة مستمرة حين يجسدونه
عبر تسميات يطلقونها ليضمنوا بذلك دوامها الذي
يلهمهم ربما القدرة على المواجهة.
ان الخوف هنا ليس محضاً فهو
مصحوب بالرجاء في الغلبة والسيطرة على الظاهرة
والحفظ من شرها فيقوم الاسم هنا بمهمة التذكير
الدائم بالخطر واتقائه عبر عدم الانجرار الى
المغامرة.
الشيء نفسه يمكن ان يقال على كل الاسماء التي لها
طابع الخطورة من قبيل (كوسج)، (جويريد)، (زلزلة)
و(جحيل) وتعني ثلجاً، وآفة و (صيهود) انخفاض
مناسيب المياه، و(زود) أي زيادة المياه الشديدة.
والملاحظ على هذا النوع من التسميات انها اسماء
لاشياء حسية ولا تشمل النوع الثاني من الاسماء مما
له طابع الصفة.
2-الحماية والاحساس بالمنعة
تقع ضمن هذا الاعتبار
الكثير من الاسماء. فعلى الرغم من ان منحى
الدراسات النفسية يشير الى ان ابناء الريف يتميزون
بقلق اقل مقارنة مع سكان المدن لاعتبارات تخص
طبيعة العمل وشكل الحياة التي يغلب عليها وضوح
العلاقات الاجتماعية وبساطتها، غير ان القلق سمة
انسانية لا مناص منها، لا يستثني مجتمعات دون اخرى،
وكأن القلق ضريبة يدفعها الانسان ازاء كونه
انساناً.
مصادر القلق والاحساس
بالتهديد كثيرة في البيئة الفلاحية الزراعية، يقف
على رأسها قلق الجهل في تفسير الظاهرة الطبيعية،
فـهم محاطون بالظاهرة التي يعجزون عن تفسيرها
يجمعون عليه فيـزدهر لديهم التفسير البدائي الساذج
الذي يبدو محاولة يائسة بائسة للتفضل والتنكر
للخوف منها. وهناك مصدر آخر للقلق يتمثل في
امكانية الاعتداء ونظراً لانعدام التحديد الصريح
والمنظم الذي يعتـرف بالملكية ويحترمها، فتنشأ
والحال هذه قوانين افتراضية هشة. وتحت وطأة هذا
الاحساس الثقيل بالرعب يلجأون الى تسميات يعتقدون
انها توقع الرهبة في قلوب اعدائهم وتجبرهم على
احترام حقوق صاحب الاسم وعدم الاعتداء عليه. فـ(صلبوخ)
على سبيل المثال - وهـو الحجر الصلد الكبير - يوحي
بالقوة والمنعة وهو ما يحتاجه مطلق الاسم. وتؤدي
التسمية القاسية الصلبة -اذا جازت التسمية- دوراً
آخر يتمثل في ان نشأة الطفل على هذا الاسم ستعمل
على تنبيه الطفل وتذكيره على ضرورة مطابقة سلوكه
لاسمه. والشيء نفسه يمكن ان يقال عن حنظل وزهر
(السم الزعاف) وحسج (نوع من الشوك الموغزة)،
وخنياب التي تعني الفيضان الطاغي، وجبل ونمر.
3-الاعجاب
كثيراً ما يعجب الانسان بما
يحيطه سواء أكان هذا الاعجاب بالشخوص ام بالظواهر.
وبغض النظر عن مكامن هذا الاعجاب فانه - أي
الاعجاب - يجد طريقه الى التجسيد. وقد يتعملق
الاعجاب ليتحول الى عرفان بالجميل، كما هو الحال
عند النذور، فكثيراً ما ينذر البسطاء من الناس
نذوراً طمعاً في الاسراع في تحقيق ما يصبون اليه،
لذا يجد الناذر ان الوسيلة التي يعبر بها عن
امتنانه واعجابه باستجابة نذره والمسؤول عنها هو
اطلاق اسم او صفة المنذور له على الولادة. اشهر
الاسماء في هذا الاسم عباس وحمزة وكاظم وباقي
الائمة واصحاب الاضرحة.
وقد يكون الاعجاب سياسياً
كما هو الحال حين اطلق اهلنا تسمية كريم وعبد
الكريم على آلاف المواليد الذكور - وحتى الاناث
باسم كريمة - بعد عام 1958 واعجاباً وعرفاناً بفضل
الزعيم عبد الكريم قاسم -رحمه الله-.
ومما يلفت الانظار انتشار
اسماء بريطانيا واسكتلندية بعد الحرب العالمية
الاولى في جنوب العراق ووسطه. لقد خلق الفارق
الكبير في الهيئة الجسدية والملامح وامارات
العافية والمواهب لا سيما في الرماية وركوب الخيل
التي يعجب بهما الفلاحون حالة شديدة من الاعجاب
فاطلقوا اسماء القادة العسكريين الميدانيين على
المواليد الذكور من قبيل مكنزي وجوني وكرملي وكوكز
وركسن وغيرها. وتعاظم الامر الى تسمية بعض الانهار
على اسماء هؤلاء القادة كما هو في شط (الكرملية)
اعجاباً بالقائد العسكري الميداني كرملي.
4-المصادفة
تشير هذه الحالة الى
الاهمال وربما عدم الانسجام النفسي بين الزوج
وزوجه او مع عائلته. وهي وان كانت نادرة غير انها
موجودة. فالتجربة الشخصية لي تؤكد ان هناك كثيراً
من المواليد الذكور لم يكلف احد نفسه عناء البحث
عن اسماء لهم، لذا يجدون انفسهم مضطرين الى اطلاق
اوضح صفة له لا لشيء الا لتمييزه ومناداته، قد
تبقى هذه الاسماء وتتوثق لتصبح هي الاسماء
الدائمة، وقد تستبدل في حال التوثيق، ومن هذه
الاسماء الاكوش - ذي الشعر الاجعد- والادبس -أي
شديد السمرة فكأنه الدبس- والاشهب -اذا خالط بياض
وجهه حمرة- والابرش وغيرها.
بقي ان اشير اخيراً ان
الامر اختلف تماماً الآن عما كان عليه في السابق
ولم يعد الاسم مؤشراً لشيء الا في الحدود الدنيا،
فالكل يميل الى اطلاق التسميات ذات الوقع الجميل
والجرس الرقيق. هذا لا يعني ان الاسباب النفسية
اختفت في اطلاق التسميات على المواليد، بل استبدلت
باسباب اخرى. قد يكون لنا معها وقفة قادمة. |