|
الاستبصار في عالمنا العربي
أسبابه وآفاقه
صلاح نوري عبود
باحث وأكاديمي - جامعة كربلاء
إن مدرسة الإمام جعفر الصادق
عليه السلام تمتلك من مقومات الاستمرار بالحياة
والتطور ذاتياً الشيء الكثير لإستنادها بشكل أساسي
إلى الأدلة النقلية والعقلية الرصينة وإنفتاحها
على الثقافات الأخرى إنفتاحاً مسؤولاً .
شاع في الآونة الأخيرة بين
أوساط المثقفين وغير المثقفين الحديث عن الأنتشار
المتسارع لفكر أهل البيت عليهم السلام في أوساط
الشباب العربي من الخليج الى المحيط. وأصبحت ظاهرة
استبصار رجال الدين من بقية المذاهب الاسلامية
وركوبهم سفن النجاة حديث الساعة ومصدر قلق شديد
للكثير من الطائفيين خصوصاً مع كثرة العراقيل التي
دأب الكثير منهم على وضعها بوجه ذلك الفكر الخلاق.
فماهي الأسباب الكامنة
للاستبصار وماهو حجمه وما طبيعة التحركات المضادة
له؟
من الواضح ان مدرسة الأمام
جعفر الصادق عليه السلام تمتلك من مقومات
الاستمرار بالحياة والتطور ذاتياً الشيء الكثير
لاستنادها بشكل أساسي الى الأدلة النقلية والعقلية
الرصينة وانفتاحها على الثقافات الاخرى انفتاحاً
مسؤولاً ساهم بتعريف الاسلام بوجهه الحقيقي لجميع
شعوب المعمورة الا اننا سنحاول التركيز على
الاسباب المادية التي ساهمت في دعم حركة الاستبصار
ضمن رقعة البلدان العربية.
لقد تكاملت مجموعة من الأسباب وبتوقيت متقارب
لتعطي زخماً كبيراً جداً لانتشار الفكر الشيعي في
أوساط واسعة جديدة داخل بلدان لم تكن شعوبها لتفرق
بين مصطلح الشيعة ومصطلح الشيوعية ويمكن تلخيص هذه
الاسباب بما يلي:
أولاً : لاشك ان التغيير
الاستراتيجي المهم الذي مر به العراق والمتمثل
بانهيارأبشع دكتاتورية عرفها تأريخ العراق المعاصر
كان له الأثر البالغ على منظومة الحكومات
الدكتاتورية العربية رغم أن ذلك التغيير قد جاء
على يد من وضع تلك الحكومات على عروشها المتهالكة،
بل يمكن القول ان ذلك التغيير قد وضع الولايات
المتحدة الأمريكية نفسها في مأزق لاتحسد عليه.
فبعد أن تهالك نظام المقبور البائد وبدأ العد
التنازلي لسقوطه سارعت الولايات المتحدة بتهيئة
المستلزمات العسكرية اللازمة لتوجيه ضربتها
القاضية اليه لأن البديل كان ولا يزال هو الحركة
الاسلامية الشيعية العراقية وهي بطبيعة ولائها
الفكري تشكل خطراً أكبر وتهديداً أوسع على مصالح
الغرب بشكل عام وامريكا بشكل خاص مما حدا بالأخيرة
لاعلان الحرب على نظام البعث الفاسد في العراق
واسقاطه في التاسع من نيسان من العام (2003) وكان
الهدف من وراء ذلك هو فرض شكل نظام الحكم مابعد
الطاغية بما يتلاءم مع مصالحها في الشرق الأوسط
المتمثلة بتقويض دور الشيعة في العراق لأنها تعي
تماماً أن العراق كان ولايزال بلداً استراتيجياً
ومصدر اشعاع فكري مهم في المنطقة اذ لم يخطئ
المفكر توماس فريدمان أبداً عندما قال بالحرف
الواحد (ان الذي سينتصر في العراق سيحكم العالم )
ولهذا أصبح الشعب العراقي محط أنظار بالنسبة اليهم
وخصوصاً الشيعة الذين يشكلون الغالبية منه ولكن لم
يكن للامور أن تسير كما خطط لها من قبلهم اذ تمكنت
القيادة الدينية لغالبية العراقيين والمتمثلة
بمرجعية آية الله العظمى السيد علي الحسيني
السيستاني (دام ظله) من فرض نظام الانتخابات
النيابية وهي تعي تماماً لحجم الثمار التي يمكن
قطفها من جراء تطبيق هكذا نظام وتلك كانت نقطة
البداية لصراع جديد مرير وغير معلن بين الولايات
المتحدة الامريكية من جهة والحركة الاسلامية
العراقية من جهة ثانية وكان أن ربح الاسلاميون هذه
الجولة من الصراع وتحقق حلم الملايين من العراقيين
بحق تقرير المصير من خلال انتخابات حرة نزيهة جائت
النتائج فيها مدوية ليس فقط على الصعيد المحلي
وانما على صعيد المنطقة بشكل عام اذ ان تقلد
الاسلاميين الشيعة لمقاليد الحكم في العراق رغم كل
ما عانوه من القمع والابادة في السابق ورغم
المحاولات الأمريكية اليائسة لكبح جماحهم أعطى
دفعاً قوياً للحركات الاسلامية بشكل عام والشيعية
بشكل خاص في بقية بلدان المنطقة. بل أن هذا
الانتصار قد أعطى دفعاً جديداً وقوياً لحركة
التشيع السياسي داخل المجتمعات العربية وبالتالي
ساهم في دعم التشيع الفقهي (الأستبصار) في تلك
المجتمعات. خصوصاً بعدما انزلقت الحركة الوهابية
منزلقاً خطيراً في تفسير الجهاد تفسيراً مشوهاً
بعيداً عن الخلق الاسلامي الاصيل وأعلانها زوراً
وبهتاناً تمثيل طائفة السنة في العراق. فالمواطن
العربي اذاً اصبح أمام مقارنة معروفة النتائج بين
فكرين اساسيين داخل الجسد الاسلامي شاء أم أبى،
فِكْرٌ قاتل وقاوم ببسالة ومناقبية دخول القوات
الأجنبية لبلاد المسلمين ولعب السياسة بشكل فاعل
ولافت للنظر وحقق مكاسب لم يحققها أي شعب عربي الى
يومنا هذا وفِكْرٌ بالمقابل سلم بلاده لقمة سائغة
للأجنبي مقابل وعود كاذبة لينتهي به الحال الى قطع
الطرق وسفك الدماء وأنا هنا اشير الى الفكر
الوهابي الذي منه الفكر السني براء.
ثانياً : السبب المهم الآخر
وراء تطور واتساع حركة الاستبصار في العالم العربي
يكمن في المواقف السياسية الواضحة للجمهورية
الاسلامية في ايران تجاه القضايا المصيرية التي
تواجهها الامة الاسلامية وعلى رأسها الموقف من
احتلال اليهود لفلسطين اذ وبسبب السياسات .
الخاطئة للحكومات العربية
والتواطئ المشؤوم بينها وبين اسرائيل بيعت أرض
المقدس وقدمت على طبق من ذهب الى اليهود وشرد
أهلها وامتصت حركاتها الثورية شيئاً فشيئاً لينتهي
الحال بها أرضاً مقطعة الأوصال وغير معترف بها
اعترافاً كاملاً مقابل اعتراف عربي وبامتياز بدولة
اسرائيل! وباتت الشعوب العربية بشكل عام
والفلسطينيين بشكل خاص ينظرون الى التجربة
الاسلامية الايرانية بعين الاعتبار ويؤيدون
سياساتها المعادية للوجود الغاصب على ارض فلسطين
والتي تنطلق من ثوابت اسلامية لاتقبل التشكيك. هذا
التأييد السياسي خلق القاعدة الأساسية للانفتاح
على مذهب أهل البيت عليهم السلام ويعطي اليوم
ثماره بشكل ملحوظ.
ثالثاً : لاشك ان لانتصار
المقاومة الاسلامية في لبنان والمتمثلة بحزب الله
دوراً أساسياً ومحورياً في اتساع رقعة التشيع في
العالم العربي. اذ لم تسجل الجيوش العربية مجتمعة
في نضالها الشكلي مع الكيان الصهيوني أية نتائج
تذكر مقارنة بما سجلته ثلة مؤمنة من أتباع أهل
البيت في جنوب لبنان عبر نضال حقيقي وتفسير منطقي
وأصيل لمفهوم الجهاد الاسلامي الملتزم. وعبر تحقيق
هذا النصر سقطت مقومات الأمن الأسرائيلي وسقطت
شعارات التهدئة والتطبيع مع العدو وسقطت معها كل
الأقنعة عن الانظمة المتسلطة على الشعوب العربية
والتي تحكم باسم الدين وتدعي انها على مذاهب جمهور
المسلمين. وأصبح الأمين العام لحزب الله السيد حسن
نصر الله اليوم قائداً عقائدياً بالنسبة لشرائح
واسعة من المجتمع العربي وخصوصاً داخل فلسطين.
وبتزامن انتصارات حزب الله مع الصراع اللاأخلاقي
بين الحركة السلفية الجهادية بقيادة بن لادن من
جهة والولايات المتحدة الامريكية والمجتمع الغربي
من جهة ثانية تجسدت لدى الكثير مقارنة حقيقية بين
المدرستين البعيدتين عن بعضهما البعض مدرسة أهل
البيت بجهادها الملتزم ومدرسة القاعدة بجرائمها
التي طالت الانسانية جمعاء.
طالت الانسانية
جمعاء
رابعا : نظراً للظروف
القاهرة التي مر بها الشعب العراقي من قتل وتجويع
وتشريد على أيدي السلطات البعثية الصدامية وتركز
هذه الظروف على أتباع أهل البيت عليهم السلام فقد
اضطرت شرائح واسعة من الشعب العراقي الى الهجرة
خارج العراق بعيداً عن قبضة البعث الصدامي المتسلط
آنذاك. واستقرت اعداد كبيرة منهم في البلاد
العربية الخليجية وبلاد الشام وشمال افريقيا مما
ساهم كثيراً بانتشار فكر أهل البيت في تلك البلدان
بعد اندماجهم مع مجتمعاتها. ولعل الانتشار الشيعي
في الجزائر وليبيا يعزى بمجمله الى هذه النقطة
الحيوية. حيث أن وجود الجالية العراقية هناك ساعد
على ازالة الغموض ودحض الشائعات المغرضة التي
يروجها باستمرار النواصب من أتباع الفكر الوهابي
التكفيري ليعبد الطريق أمام انفتاح شعوب تلك
البلدان على فكر أهل البيت الخلاق.
تلك كانت أهم الاسباب التي
ساهمت بانتشار حركة الاستبصار والتشيع في البلدان
العربية المختلفة وسنحاول تسليط الضوء على نماذج
من تلك الحركة وبشكل موجز لغرض استقراء مستقبل هذا
الانتشار المبارك.
في سوريا القلب النابض
لبلاد الشام تتناقل الانباء تشيع قرى بأكملها مثل
قرية زرزور قرب جسر الشغور وبناء عشرات الحسينيات
في دمشق وحلب والرقة وحوران وغيرها بالاضافة لبناء
كلية شريعة جديدة في الرقتة لتدريس المذهب الجعفري
الاثني عشري يلتحق المتخرجون منها في قم لمتابعة
الدراسة العليا في علوم الشريعة ليتولوا عملهم
كدعاة في مجتمعهم.
أما في الاردن فقد ذكر
تقرير صحفي للقدس برس نشر في العاصمة الأردنية
مؤخراً أن أعداداً كبيرة من الشبان الاردنيين قد
تحولوا من المذهب الحنفي الى المذهب الشيعي وأن
الأوساط الاردنية المختلفة قد شهدت قيام هؤلاء
الشباب باحياء ذكرى عاشوراء في شباط الماضي عند
ضريح جعفر بن أبي طالب عم النبي محمد صلى الله
عليه وآله وسلم. وذكر التقرير أن هؤلاء الشبان قد
تأثروا بشكل مباشر بحزب الله اللبناني الذي ألحق
هزيمة غير مسبوقة بجيوش الأحتلال الاسرائيلية
وأجبرها على الانسحاب من التراب اللبناني الذي كان
يخضع للأحتلال طوال عقد من الزمان. وأفادت تقارير
صحفية أن الوجود الشيعي الأردني أصبح حقيقة خصوصاً
بعدما دخلت عائلات بكاملها الى التشيع في قرى
عديدة مثل الطرة وكفر أسد ودير أبي سعيد وتمدد
الانتشار الشيعي الى اربد والرمثا قرب الحدود
السورية. ولعل وجود مايزيد عن ثلاثة ارباع المليون
عراقي مهاجر في الاراضي الاردنية دور مهم في هذا
الانتشار الشيعي. وإثر ذلك أصبح وجود مركز شيعي
عام في الاردن ضرورة ملحة مما حدا برجال أعمال
ومستثمرين عراقيين هناك الى التقدم بطلب لدى .
السلطات لبناء أول مسجد
شيعي وحسينية في العاصمة عمان وقام هؤلاء بشراء
قطعة أرض في منطقة عبدون الراقية جنوب عمان بقيمة
ثلاثة ملايين دولار استعداداً لاقامة هذا المركز
الحيوي. ولم يقف الأمر عند ذلك فحسب وأنما تعدى
ليشمل تنظيم الأخوان المسلمين في مخيم البقعة شمال
العاصمة عمان والذي يستضيف قرابة المائة ألف لاجئ
فلسطيني. فقد نسبت صحيفة المجد الأردنية في صدر
صفحتها الأولى يوم الاثنين الموافق(5/3/2007) الى
أن المكتب التنفيذي لجماعة الاخوان المسلمين قد
أصيب بقلق شديد أثر تقرير رفعه اليه محمد مسعد
نائب شعبة جماعة الاخوان في مخيم البقعة يفيد
بانتشار التشيع بين كوادر الاخوان في المخيم مما
حدا بالمراقب العام لجماعة الاخوان المسلمين في
الاردن (سالم الفلاحات) الى تشكيل لجنة من أعلى
المستويات للتحقيق في الموضوع واستجواب المتهمين
وقد تبين بالفعل وجود حالات تشيع عديدة بين تلك
الكوادر الامر الذي اعتبرته الجماعة اختراقاً
خطيرا لصفوفها مما حدا بها الى تطويق الازمة عبر
الأعلان ان التشيع بين كوادرها هو تشيع سياسي وليس
فقهي!
وفي فلسطين المحتلة لم يعد الكلام عن التشيع فيها
غريباً بل أصبح اليوم حديث الساعة بين أهلها. ولعل
التواصل الذي كان موجوداً بين قرى شمال فلسطين من
جهة وقرى الجنوب اللبناني من جهة اخرى وكذلك
انبهار الفلسطينيين بتجربة حزب الله الرائعة ودعم
ايران المسؤول للحركات والاحزاب الفلسطينية دور
مهم مهد لانتشار فكر أهل البيت في أرض
المقدس.وتعتبر حركة الجهاد الاسلامي اليوم من اكثر
الحركات الفلسطينية تشيعاً بسبب التأثر الشديد
لمؤسسها وأول أمين عام لها الدكتور فتحي الشقاقي
(رحمه الله) بالتجربة الايرانية اذ يذكر الدكتور
رمضان شلح الامين العام الحالي لحركة الجهاد
الاسلامي انه عندما اندلعت الثورة الايرانية في
شباط 1979 طلب من الدكتور الشقاقي ان يشرح لهم
أبعاد حركة الامام الخميني وأهدافها لان المقربين
من الشقاقي وأنصاره لم يكونوا ملمين بحقيقة ماجرى
فقرر الدكتور الشقاقي ان يكتب لهم دراسة من عشر
صفحات ليتطور الامر بعد ذلك الى كتيب يطبع ويوزع
في كل فلسطين حيث وصل حماس الشقاقي للثورة
الاسلامية في ايران الى الحد الذي ضمن فيه الكتيب
عبارة يصف فيها تلك الثورة بالقول (انها المرة
الاولى منذ أكثر من مئة عام يملك فيها الاسلام
أرضاً وحكومة وشعباً بمثل هذه الروح الاستشهادية)
وكان رحمه الله يردد مراراً (لقد تربينا على كتب
الشهيد محمد باقر الصدر يوم كنا في فلسطين في
السبعينيات وفكر الامام الخميني). تلك كانت البذرة
الاولى للتشيع المعاصر في فلسطين ليتم بعد ذلك
انشاء عدة مؤسسات خاصة في بيت لحم مثل اتحاد
الشباب الاسلامي (وهو عبارة عن جمعية خيرية دعوية)
ومستوصف الاحسان الخيري ومستوصف السبيل ومركز نقاء
الدوحة الجراحي ومدرسة النقاء ومركز النقاء النسوي
اضافة الى فتح دور للقرآن الكريم في المساجد
وغيرها من المؤسسات. ولايقتصر انتشار التشيع على
حركة الجهاد الاسلامي بل تعدى الى حركات وطنية
اسلامية اخرى مثل الحركة الاسلامية الوطنية التي
بتشيع رئيسها الاستاذ محمد أبو سمرة وكوادرها
اصبحت من الحركات التي تحسب على شيعة فلسطين وقد
انشأت الحركة مركز القدس للدراسات والبحوث لدعم
نشاطها الدعوي. وتعتبر بيت لحم اليوم مركزاً
رئيسياً للشيعة في فلسطين باشراف محمد شحادة أحد
انصار حركة الجهاد وأحد مبعدي مرج الزهور. و في
قضاء الجليل وتحديداً في دبوريق انشأت الجمعية
الجعفرية باشراف الاستاذ أشرف أمونة وهي جمعية
تتولى رعاية هيئات منها حسينية الرسول الأعظم صلى
الله عليه وآله وسلم ومكتبة الزهراء عليها السلام
ومجلة السبيل. ولو جئنا لكتائب شهداء الأقصى
التابعة لحركة فتح لوجدنا ان المخابرات
الاسرائيلية تقدر عدد خلايا التشيع فيها بخمسين
خلية.
البذرة الاولى للتشيع
المعاصر في فلسطين ليتم بعد ذلك انشاء عدة مؤسسات
خاصة في بيت لحم مثل اتحاد الشباب الاسلامي (وهو
عبارة عن جمعية خيرية دعوية) ومستوصف الاحسان
الخيري ومستوصف السبيل ومركز نقاء الدوحة الجراحي
ومدرسة النقاء ومركز النقاء النسوي اضافة الى فتح
دور للقرآن الكريم في المساجد وغيرها من المؤسسات.
ولايقتصر انتشار التشيع على حركة الجهاد الاسلامي
بل تعدى الى حركات وطنية اسلامية اخرى مثل الحركة
الاسلامية الوطنية التي بتشيع رئيسها الاستاذ محمد
أبو سمرة وكوادرها اصبحت من الحركات التي تحسب على
شيعة فلسطين وقد انشأت الحركة مركز القدس للدراسات
والبحوث لدعم نشاطها الدعوي. وتعتبر بيت لحم اليوم
مركزاً رئيسياً للشيعة في فلسطين باشراف محمد
شحادة أحد انصار حركة الجهاد وأحد مبعدي مرج
الزهور. و في قضاء الجليل وتحديداً في دبوريق
انشأت الجمعية الجعفرية باشراف الاستاذ أشرف أمونة
وهي جمعية تتولى رعاية هيئات منها حسينية الرسول
الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم ومكتبة الزهراء
عليها السلام ومجلة السبيل. ولو جئنا لكتائب شهداء
الأقصى التابعة لحركة فتح لوجدنا ان المخابرات
الاسرائيلية تقدر عدد خلايا التشيع فيها بخمسين
خلية.
وبالانتقال الى شمال
افريقيا لم تعد تجدي نفعاً العصي التي وضعت في
دواليب المد الشيعي هناك ففي المغرب أصبح الوجود
الشيعي علنياً بوجود ثلاث جمعيات شيعية ثقافية
معترف بها وهي الغدير والبصائر والتواصل وفي
الجزائر فان التشيع اكثر من منتشر بل منفجر في
كامل التراب الجزائري كما صرح بذلك السيد محمد
العامري المشرف العام على شبكة (شيعة الجزائر)
لقناة العربية الفضائية. وقد تعالت الاصوات
الطائفية المحذرة من هذا المد الشيعي في الجزائر
بعد تمدد التشيع من حدود العاصمة الشرقية (الثنية)
أو مايعرف بحي (لافلاسيير) لتنتقل الموجة الى
الغرب الجزائري لتشمل بعد ذلك كل الجزائر ولعل
الصراع الفكري المتكافئ حجماً الذي تشهده مساجد
ولاية وهران يعطي فكرة واضحة عن حجم الانتشار
الشيعي وتمكنه في الجزائر وأهم مناطق تركز ذلك
الانتشار المبارك بعد وهران والعاصمة باتنة وسطيف
وتيارت وسيدي بلعباس.
وأما في مصر فقد شبهت احدى
الصحف البريطانية مؤخراً في مقال لها تناول انتشار
التشيع في مصر شبهت ذلك الانتشار المبارك (بانتشار
الايدز في افريقيا لايمكن للسلطات السيطرة عليه
رغم كل الاجراءات القاسية للحد منه!) وقد استطاع
شيعة مصر مؤخراً من .
علان جمعية رعاية ال البيت
والتقدم بطلب لتشكيل حزب الغدير بل انهم اليوم
يستعدون لتدويل قضية استعادة الازهر الفاطمي بعدما
خففت السلطات المصرية من الترهيب والاعتقالات ضدهم
بضغط من الامم المتحدة.
وفي السودان بدأ الانتشار
الشيعي واضحاً في الاوساط الجامعية في جامعة
الخرطوم وجامعة أم درمان لتنتقل الدعوة بعد ذلك
الى الاوساط السودانية العامة حتى ان بعض القرى قد
تشيعت برمتها مثل قرية أم دم القريبة من مدينة
الأبيض وكذلك قرية الكربة في شمال السودان والتي
تسكنها احدى قبائل الشمال وهي الرباطاب وتقترب
الان ثلاث قرى في ولاية دارفور لاعلان تشيعها
بالكامل.
ولعل من المفارقات الغريبة أن تتصدر المملكة
العربية السعودية قائمة الدول الخليجية التي تشهد
حركة تشيع واسعة رغم الجذور العميقة للفكر
التكفيري فيها. ويكفي أن نستمع الى احدى محاضرات
الشيخ السلفي السعودي ممدوح الحربي التي يصف فيها
المد الشيعي بالاخطبوط ليتضح لنا أن التوسع الذي
يشهده التشيع في السعودية يقلق مضاجع الطائفيين
وهو انتشار جدي ذو أبعاد مستقبلية مشرقة ولن نكون
مبالغين اذا قلنا ان انتشار التشيع في السعودية
لايطال أفراداً هنا وهناك وانما يشمل قبائل
بأكملها مثل قبائل النخاولة وهي من قبائل المدينة
وقبائل وائلة ودهم. وتعتبر اليوم قبيلة حرب من
أكثر القبائل دخولاً في التشيع.
كل هذه الآثار للمد الشيعي
المتنامي والآفاق المفتوحة أمامه قاد الدول
العربية وبتنسيق كامل مع الولايات المتحدة
الأمريكية لسلسلة من الاجراءات الاستراتيجية لوضع
الحواجز الكفيلة بتحجيمه بل والقضاء عليه وضمان
عدم تكرره على الأقل في المستقبل القريب ويمكن
تلخيص تلك الاجراءات والتحركات بما يلي:
أولاً: التحرك نحو اسقاط
الحكومة المنتخبة في العراق عبر محاصرتها
اقتصادياً واعلامياً وتشكيل جبهة عمل عسكري ضدها
من خلال تسهيل حركة الارهاب صوبها وبسقوطها يتم
القضاء على الديموقراطية الوليدة في هذا البلد
وفرض شكل الحكم البديل والذي يتم التحضير له على
انه حكومة انقاذ وطني وبذلك تبعد الاغلبية الشيعية
في العراق عن حكمه. هذه الغاية وفي حال تحققها
سيكون لها الاثر الاعلامي البالغ بان الفكر الشيعي
لايصلح لبناء دولة وانما هو فكر يبدع فقط في
المجال المعارض المحدود مما يسهم في خلق كوابح
كفوءة جدا لعجلة المد الشيعي. ولعل النقمة الشعبية
على سوء الأداء الحكومي ( في مجال الخدمات خصوصاً)
دليل على حصول تقدم مهم لتلك الجبهة المعادية
للتشيع في هذا المجال وهو ما شجع الارهاب التكفيري
على مضاعفة الهجمات على المرافق الخدمية كمحطات
توليد الطاقة الكهربائية وملحقاتها ومحطات تنقية
المياه.
ثانياً : محاصرة الجالية
العراقية خارج العراق وحصر تواجدها ومراقبتها بشكل
فاعل لتقليل آثار اختلاطها مع بقية الجاليات ونلحظ
جلياً بوادر هذا التحرك من خلال الاجراءات التي
اتبعتها سوريا ضد الجالية العراقية الموجودة على
اراضيها وكذلك الحال الاجراءات التي اتخذتها
الحكومة الاردنية والتي كان اخرها ترحيل الاجهزة
الأمنية الاردنية لثلاثة وعشرين مقيماً عراقياً
بتهمة نشر التشيع بين كوادر الاخوان ومنهم
أكاديميون يعملون في الجامعات الأردنية.
ثالثاً : توجيه الجهد
الأعلامي العربي للتقليل من أهمية النصر الذي حققه
حزب الله على جيش الاحتلال الاسرائيلي وتوجيه
الموضوع نحو مغالطة أن الذي تحقق على يد ذلك الحزب
العقائدي لم يكن نصراً وانما مغامرة فاشلة يدفع
ثمنها الشعب اللبناني كل يوم ومحاولة رمي
الانقسامات السياسية التي يعاني منها لبنان اليوم
على عاتق تلك المواجهة المشرفة.
رابعاً : الحشد الغربي
بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية وبمباركة عربية
اسرائيلية لاجهاض البرنامج النووي الايراني حتى لو
تطلب ذلك المواجهة العسكرية المباشرة مع الجمهورية
الاسلامية في ايران. فالقضاء على العمق
الاستراتيجي للاسلاميين الشيعة سيؤدي الى فقدان
مدهم لأهم عناصره المادية. فلنا أن نتصور أهمية
امتلاك الشيعة لقوة ضاربة في ايران ولقدرات
اقتصادية متنامية في العراق في المستقبل المنظور.
والسؤال المطروح الآن :
هل يتمكن الشيعة في العالم
العربي من تخطي كل هذه المؤامرات والجبهات
المضادة؟ وهل تعي شيعة العراق حجمها وأهميتها
ودورها في كل ما يحدث؟
|