الصفحة السابقة الأرشيف وقفة تراث اتصل بنا كلمة زيتونة الرئيسة
 
حق المعرفة فوق كل الحقوق جميع الحقوق محفوظة لموقع زيتونة موقع زيتونة نافذة مستقلة ليست مسؤولة عن مضمون المقالات التي تنشر ولا تعتبر المقالات المنشورة وجهة نظر رسمية للموقع ، بل فقط تعبرعن رأي الكاتب asfook@yahoo.com

نهاية التاريخ أم نهاية العقل دراسة نقدية لنظرية نهاية التاريخ على ضوء التطورات

 

د. محمد سعيد الأمجد

النفط والسياسية في العراق

 حسن عبد راضي الفريجي أكاديمي وباحث إعلامي

نماذج تاريخية من التقارب المذهبي في العراق

 

واثق الحسني - باحث واعلامي

التنمية البشرية المستدامة والمواطنة (قراءة في جدلية مبادلة التأثير) - العراق أنموذجا)

د. منعم العمّار - باحث واكديمي

التعددية العراقية ودورها في ترسيخ الوحدة الوطنية - شروط إقامة السلم الأهلي

 

رحيم الساعدي - باحث وأكاديمي

سيكولوجية اللعب عند الأطفال

إعداد . د. حسن منديل الطائي

أضواء على أطروحات توينبي في فلسفة التاريخ

تعريف ونقد : علاء الدين السيد محمد تقي الحكيم

نظرية المعرفة للسيد محمد باقر الصدر

 

 د. عائشة يوسف المناعي - قطر

الحقيقة الحقيقية والحقيقة الإيديولوجية

 

د. مشتاق عباس معن

 إشكالية الشعر في ضوء النقد الأدبي المعاصر

بقلم الدكتور : أ.م.د.فاضل محمد عبد الله الزبيدي : كلية الآداب – جامعة الكوفة

المبحث الأول

نشأة النقد العربي الحديث والمحاولات الأولى

استمد النقد العربي الحديث حياته من واقع الحياة العربية الجديدة، والبعث الذي بدأ يدب في أوصال الفكر والأدب منذ القرن التاسع عشر. وقد اتجهت النهضة الفكرية وجهات ثلاث : الدعوة العربية ، والدعوة الإسلامية ، والدعوة الأوربية. واتخذت كل دعوة من هذه الدعوات الثلاث سبيلها إلى الفكر العربي عن طريق ما ألف وكتب المؤمنون بها من كتب ومقالات .

وكان نصيب الأدب من هذه الدعوات الثلاث نصيب غيره من جوانب الفكر والفن ، فقد تنازعته كذلك هذه الاتجاهات ، اتجاه دعا إلى بعث الأدب العربي القديم والاستعانة بروائعه لبناء النهضة الأدبية الحديثة ، فاستعان الشعراء بما نظم أبو نواس وأبو تمام والبحتري وابن الرومي والمتنبي الشريف الرضي و وغيرهم من فحول الشعر العربي القديم ، وحاولوا تقليدهم أولا و محازاتهم ، ثم معارضتهم ومحاولة التفوق عليهم بما اكتسبوه من إمكانيات لم تكن لسابقيهم. وهكذا خرج البارودي وأضرابه ، وحاول النقد أن يلحق بهذه الحركة الجديدة في الشعر فيرعاها ويؤيدها ، ويدعو لها ، مبينا ما ظهر في محاولات البارودي من توفيق ، وكان الشيخ حسين المرصفي الناقد الذي أبرز أهمية هذه الدور الجديد للنقد فقد استعان في كتابه ((الوسيلة الأدبية)) بأصول النقد العربي القديم , محاولا عرضها في لبوس جديد مطبقا على روائع الشعر العربي مستعينا لإبراز محاسن الشعر بعيون شعر البارودي ، مقارنا بينه وبين سابقيه ، معلنا في أكثر من مناسبة تفوقه على سابقيه من فحول الشعراء في فنون الشعر المختلفة.

واتخذ الاتجاه الإسلامي سبيله إلى النقد عن طريق توجيه الشعر نحو المبادئ الإسلامية ومطالبة الكتاب والشعراء بإحياء تلك المبادئ والسير على هداها، وعدم الخروج على ما توارثناه من القيم الدينية. وكان الاتجاه الإسلامي ينحو ، أحيانا ناحية المحافظة والجمود ويخرج أحيانا من عقال الجمود منطقا مجددا مستعينا بالفكر الحديث متطورا مع مقتضيات العصر ، موفقا بين الدين والحضارة الجديدة بقدر الإمكان. وكان الاتجاه الإسلامي بارزا في بعض الحركات الفكرية ، والاجتماعية التي ثارت في أخريات القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين . ومنها الصراع بين الإسلام والحضارة الحديثة ممثلا في الاتهامات التي كالها بعض الكتاب والعلماء الغربيين للإسلام متهمين إياه بالجمود والرجعية وعدم مسايرة الفكر والأخذ بأساليب العقل ، مما ظهر بصورة جلية بين هنوتو الفرنسي ومحمد عبده. وبدا الأثر الإسلامي واضحا في الجدل الذي ثار حول تحرير المرأة بين قاسم أمين ومعارضيه .

أما الاتجاه الثالث وهو الاتجاه الأوربي فقد بدت دلائله واضحة على الأدب والنقد في كتابات كثير من الكتاب الذين ثقّفوا ثقافة غربية ، وقد تحمس لهذه الدعوة رهط من أدباء الشام ، فدعوا إلى الأخذ بأسباب التطور التي توجد في ادب الغرب والتنازل عن بعض السمات والملامح التي تطبع أدبنا ، وتعوقه – في نظرهم – عن السير في طريق التطور .

 وأثرت هذه الاتجاهات في النقد العربي وقضاياه منذ نشأته ، ولا تزال آثارها إلى الآن . وسنبدأ في تناول قضايا النقد، ومشكلاته الهامة التي ثار حولها الجدل، وأول تلك المشكلات وأخطرها مشكلة اللغة.

وأثارت هذه المشكلة التي حملها بعض الكتاب والعلماء والتي تعني الرجوع باللغة إلى اللغة الفصيحة الخالية من تلك العجمة التي سادت في أساليب العصور المتأخرة ، والرجوع إلى لغة القرآن والصدر الأول ، حتى يمكن التعبير عن واقعنا تعبيرا قويا ، وليكون في لغتنا الفصحى سند لمستقبلنا الفكري والحضاري . واشتد الجدل حول صلاحية اللغة العربية للتعبير عن واقعنا ولتكون لغة حية تعكس أحاسيسنا في أدبنا ، وذلك لما كان موجودا آنذاك وبصورة واضحة من الفروق البعيدة بين لغة الناس العامية ولغة الدواوين الرسمية التي تشوبها الألفاظ التركية والمستعربة، والتي تجري في اساليب ركيكة ومستهجنة مهلهلة.

وقد أدت هذه الفروق إذن إلى جدل طويل نعرض صورة له ها هنا .

ونمثل لفريق الدعاة إلى اللغة الفصحى ، بما كتب احمد فارس الشدياق واليازجي وجبر ضومط . فأما الشدياق فقد ألّف في اللغة العربية كتبا كثيرة منها كتاب ((كنز الرغائب)) دعا فيه علماء العرب إلى تكريس الجهود لحفظ العربية ومعرفتها حق المعرفة ، وتقديرها حق قدرها ، واستخدام الألفاظ العريبة بدلا من المعربة أو الدخيلة ([1]).

وكذلك فعل إبراهيم اليازجي ، إذ كتب في معالجة بعض المشكلات اللغوية ، ووجه النقد إلى بعض جهود المجمع اللغوي في مصر عند بدء تكوينه ([2]) .

أما جبر ضومط فقد والى كتابة المقالات في المقتطف,والهلال بين سنتي 1888م، 1928م ضمنها دراسات في اللغة العربية والدفاع عنها، جمعها في كتاب ((فلسفة اللغة العربية وتطورها )). ويرد فيه على الاتجاه الذي بدا من بعض الأدباء والشعراء في عصره من ميل إلى التخفف من أعباء الفصحى، والجنوح للعامية وأساليبها في كتاباتهم وأشعارهم يقول خلف الله ([3]):

((وللشعراء الذين يشكون من اللغة العربية أنها تغص بأفكارهم وتضيق دائرة ألفاظها وتراكيبها عن دائرة خيالاتهم وتصوراتهم الشعرية ، يقول : يا هؤلاء ما أنصفتم لغتكم ، ولو أنصفتم لسمعتم هاتفا يقف بكم أن وسّعوا دائرة خيالكم وتصوراتكم عن ابتكار لا عن تقليد، وعن رغبة لا عن ترجمة ، وأنا الضمين أن العربية تتسع أمامكم كما اتسعت لمن تقدمكم وأنكم تجدون في الفظها المتولدة ، والتي يمكن أن تتولد على القياس – كفاهم الاشتقاق والقياس – ما تطلبون وفوق ما تطلبون )). وتقدّم أمين فكري ابن عبد الله فكري إلى مؤتمر المستشرقين الثامن سنة 1889ببحث في اللغة العربية يتناول هذه المشكلة موضوعه ((أبطال رأي القائلين بتعويض اللغة العربية الصحيحة باللغة العامية في الكتب العامية في الكتب والكتابة)) يرد فيه على ادعاء لبعض المستشرقين.

أولاهما – ما ذهب إليه بعض المستشرقين من أن اللغة العربية المستعملة للتخاطب اليوم في البلاد العربية قد صارت في غاية البعد عن اللغة العربية الفصيحة الأصلية ، وان هذه اللغة العامية التي تستعمل في التخاطب وافية بحاجات أهلها في التفاهم ولهم أن يستعملوها في جميع أنواع المعاني )). ثانيتهما – هي ما تخيّله بعض مشاهير السياسة في الكلام على مصر من أن أمل التقدم ضعيف مادامت العامة تتعلم اللغة العربية الفصيحة العربية لغة القرآن كما في الوقت الحاضر بدلا من تتعلم اللغة العربية المستعملة (العامية) )). ويرد عليهما أمين فكري فيقول أن ما يجدونه من الصعوبة في اختصاص اللغة الفصيحة بالعلوم والفنون ، واستئثارها بالكتابة سيجدونه في نقل العلوم إلى اللغة العامية ، بل يجدون في الثاني ما هو اشد من الأول ، وذلك لاختلاف اللغة العامية باختلاف الأقطار والبلاد بما لا ينقص عن الاختلاف بين العامي والفصيح ، بل ربما زاد . ويستشهد المؤلف لهذا الوجه بأمثلة كثيرة من الاستعمال العامي في مفردات اللغة بمصر وسوريا والحجاز والمغرب ، ثم يستشهد كذلك بما يوجد بين اللهجات العامية من الاختلاف الفاحش في هيئات التراكيب ، وبما ستدعو إليه الضرورة من وضع علم جديد لرسم كلمات اللغة العامية .

والوجه الثاني الذي يورده المؤلف في الرد على أنصار العامية هو أن تلك اللغة لم تبلغ مبلغ لغة ثانية في موادها, ولا في هيئات تراكيبها حتى يعول عليها وتوضع فيها العلوم والآداب ، وانما هي تحريف للغة أخرى ([4]) .

ووقف آخرون موقفا وسطا – كما بينا – يدعو إلى تجديد اللغة في حدود قواعدها المعروفة، وأصولها الثابتة ، ومن هؤلاء الشيخ الخضري الذي نادى بالتجديد اللغوي حتى تتلاءم مع أحوال المتكلمين بها ، إذ لا ينبغي عنده الجمود عند قوالبها الموروثة والتي قد لا يتفق بعضها مع حياتنا العصرية([5]).

يقول: (( ومتى ثبت أنها تتجدد بتجدد الحاجة، فالمحتاج من المتمسكين بها متى علم أصولها ولهجتها له حق التعريب بالضرورة، كما كان هذا الحق لسلفه)).

ولا يرى الخضري المغالاة في الاستعمال للألفاظ المستجدة دون مراعاة أصول اللغة .

كذلك يمكننا أن نستشهد بمقال لفتحي زغلول مثالا يعبر عن هذا الاتجاه إلى الدعوة لتحرر اللغة حتى توافق الزمن الحديث، دون التمسك بالقوالب القديمة الجامدة، والوقوف بها عند ما خلّفه السلف من تراكيب وألفاظ لا تساير مقتضيات الحياة العصرية، يقول ([6]):

((ليس لنا أن نتمسك بالقديم لقدمه ، وان أصبح عديم الجدوى ، وإلا فأولى بنا أن نكف عن الدرس أو المطالعة وان نكتفي من كل شيء بما ورثنا عن الآباء فنعيش كما عاش الأولون غير أني أرجوكم أن تتعلموا الصبر فلا تجزعوا إذا أصابتكم مصائب التقدم فتركتم آخر القوم ، ولا تجزعوا إذا هصرتكم عوامل الرقي فمنيتم بمن يقف متفرجا عليكم ، وانتم كالصور المتحركة الناطقة ، لكنها تتحرك بحركة هي عبارة عن اهتزاز الشيء مكانه ، وتنطلق بلغة دائرة قد خلت من العلم الذي أصبح على ألسنة المتفرجين .. خاف خصوم مذهبنا على اللغة العربية وحسبوها طعاما سهل التناول والهضم في معد اللغات الأجنبية، فاستجاروا من التعريب، وصاحوا إننا لا نطيق اسما أعجميا يدخل عليها...وقالوا ذلك يفسد علينا لغتنا لغة القران، ولا خوف على القران مادام في الوجود مسلم، ألا ترون أن القران محفوظ مصون عند من لم يعرف العربية من المسلمين، إليكم الترك، والهند، والصين )).

كذلك وقف حافظ إبراهيم الشاعر موقفا قريبا من موقف فتحي زغلول فدعا إلى التجديد في حدود معقولة ولم ينفر من التعريب لان فيه أغناء للغة في الألفاظ وفتحا لمجالات جديدة أمامها.يقول :

((فخذوا أيها القادرون على الإصلاح بيد اللغة وانظروا كم ادخل فيها آباؤكم الأولون من كلمة فارسية ...وهذا كتاب الله بين أيديكم يأذن لكم بما ندعوكم إليه . وهذا باب الاشتقاق وباب النحت لا يزالان بحمد الله مفتوحين لم يصبهما ما أصاب باب الاجتهاد فادخلوا منهما آمنين ))

ويحذر حافظ من التغالي في استخدام الألفاظ الدخيلة حتى لا يذهب رونق العربية ، وتضيع أصالتها وسط زحام العامي والدخيل . ويهاجم الاتجاه إلى استخدام العامية في الأدب ، ونظم قصيدته المشهورة في الدفاع عن اللغة الفصحى يقول فيها:

أنا البحر في أحشائه الدر كامن
أيهجرني قومي عفا الله عنهمو
سرت لوثة الاعجام فيها كما سرى

 

 

فهل ساءلوا الغواص عن صدفاتي
إلى لغة لم تتصل برواة
لعاب الأفاعي في مسيل فرات

 

ويشارك الرافعي زميله فيحمل على الاتجاه ناحية العامية([7]).

وأما الاتجاه الثالث المتطرف ، فهو يدعو إلى التحرر في استعمال الألفاظ اللغوية المناسبة دون التقيّد بقواعد اللغة وأصولها المتوارثة ، أو هو يدعو إلى استخدام اللغة العامية في الأدب لأنها لغة الناس والحياة اليومية ، وهي لهذا اصدق في عرفهم في التعبير عن كل الخلجات في كثير من الصدق والوضوح ، مما لا يتسنى التعبير عنه في اللغة الفصحى .

وممن دعا إلى تحرير اللغة والتوسع في استعمال الألفاظ حسبما يرى الشاعر أو الكاتب دون تقيّد بأصول قديمة جماعة من أدباء سوريا ولبنان، وخاصة ممن هاجروا إلى أمريكا الشمالية. وعلى رأسهم جبران خليل جبران وميخائيل نعيمة . يقول جبران في مقاله :

((لكم لغتكم ولي لغتي ...لكم منها الرثاء والفخر والتهنئة ، ولي منها ما يتكبر عن الرثاء من مات وهو في الرحم ، وتأبى مديح من يستوجب الاستهزاء ، لكم من لغتكم عازف يتناولها عودا فيضرب عليكم أنغاما تختارها أصابعه المتظالفة، ولي من لغتي قيثارة أتناولها فاستخرج منها أغنية تحلم بها روحي ، وتذيعها أصابعي )).

ويقول في مقال له بعنوان((مستقبل اللغة العربية ))([8])

((إنما اللغة مظهر قوة الابتكار في مجموع الأمة أو ذاتها العامة، فإذا هجعت قوة الابتكار توقفت اللغة عن مسيرها وفي الوقوف تقهقر الموت والاندثار )). ثم يفسر لنا معنى هذا الابتكار فيقول بأنه النبوغ والقدرة التي تخلق في الأفراد لوضع ميول الجماعة في أشكال باهرة محسوسة ، ويرى أن تأثر للغة العربية بالتمدين الأوروبي والروح العربي واجب لان التأثر ((لون من الطعام تتناوله اللغة من خارجها فتمضغه وتبتلعه وتحول الصالح منه إلى كيانها الحي كما تحول الشجرة النور والهواء وعناصر التراب إلى أفنان فأوراق فأزهار فأثمار ، لكن إذا كانت اللغة بدون أضراس تقضم ، ولا معدة تهضم فالطعام يذهب سدى ، بل ينقلب سما قاتلا )). ثم يرى أن العامية مصدر ما ندعوه فصيحا. يقول ([9]) :

((إن اللهجات العامية تتحور وتتهذب ويدلك الخشن منها فيلين ، ولكنها لا ولن تغلب – ويجب إلا تغلب – لأنها مصدر ما ندعوه فصيحا من الكلام ، ومنبت ما نعده بليغا من البيان .

إن اللغات تتبع مثل كل شيء سنة بقاء الأنسب. وفي اللهجات العامية الشيء الكثير من الأنسب الذي سيبقى لأنه اقرب إلى فكرة الأمة وأدنى إلى مرامي ذاتها العامة )). ويرى أن اللغة العامية ستكتسب حيوية عن طريق نظم الشعراء والكتاب بها وهي اصدق تعبيرا وأجدى وأكثر نضارة في التعبير. ثم يقول : وعندي أن في المواليا والزجل والعتابا والمعنى من الكنايات المستجدة والاستعارات المستملحة والتعابير الرشيقة المستنبطة ما لو وضعناه بجانب تلك القصائد المنظومة بلغة فصيحة والتي تملأ جرائدنا ومجلاتنا لبانت كباقة من الرياحين بقرب رابية من الحطب أو كسرب من الصبايا الراقصات المترنمات قبالة مجموعة من الجثث المحنّطة )) .ثم يرى أن هذا الرأي القائل بتحرير العامية وجعلها لغة الأدب ليس بدعة بل أن كثيرا من اللغات الحديثة كالايطالية كان في الأصل لهجة عامية ارتفعت إلى مستوى الأدب الرفيع بعد أن ألف فيها جماعة من كبار الشعراء أمثال دانتي وبترارك . ثم يقول : ((وليست اللهجات العامية في مصر وسوريا والعراق ابعد عن لغة المعري والمتنبي من لهجة ( الهمج ) الايطالية عن لغة أوفيدي وفرجيل ، فإذا ما ظهر في الشرق الأدنى عظيم ووضع كتابا عظيما في إحدى تلك اللهجات تحوّلت هذه إلى لغة فصحى )).

ويسير نعيمة على الدرب نفسه ([10]) ، ولكن الكاتبين لم يترجما آراءهما إلى حقائق إلا بقدر يسير ، فلم يتحرر جبران من قيود اللغة الفصحى إلا بقدر ، وكذلك نعيمة ، ولم يوغلا في استخدام العامية أو الكتابة بها ، إنما استخدماها أحيانا ألفاظا وعبارات ، عندما يعوزهم التعبير الفصيح ، أو لا يواتيهم بالصورة التي أرادا .

وهكذا البارودي في الشعر الحديث اثر على النقد العربي جعل النقاد يعيدون النظر في الشعر بصفة عامة ، ويحاولون إيجاد مفهوم جديد له في ضوء تجربة البارودي ، وكان الاتجاه بين الشعراء والنقاد وكل المعنيين بالبيان العربي إلى محاولة بعث التراث العربي القديم في أوج ازدهار البيان وقوته إبان العصور الإسلامية الأولى واتخذوا من الشعراء المبرزين طلائع تكشف الطريق ومثلا يقتدونهم ، وينظمون على طرائقهم .

وهكذا فعل البارودي في مجموعة من شعر أبي نواس والمتنبي والشريف الرضي وغيرهم ، وحاول النقاد بدورهم تتبع مواطن الجمال في ذلك الشعر القديم مقارنا بينه وبين الشعر الحديث .وخصصا المرصفي في كتاب ((الوسيلة الأدبية)) جانبا كبيرا لهذه المقارنات جاعلا غايته أن يضع شعر البارودي في موازاة تلك الروائع القديمة مبينا جماله وتفوقه أحيانا على سابقيه ([11]).

ولكن النقاد لم يقفوا عند مجرد الموازنة ، بل حاولوا كذلك أن يبعثوا مع قيم الشعر العربي القديم المفاهيم والقيم النقدية السابقة على عصور البديع المتأخرة ، ونجد في كتاب الوسيلة الأدبية المذكور محاولة من هذا النوع في الجزء الثاني منه إذ يتصدى لعرض أبواب البلاغة والنقد والتاريخ الأدبي عرضا جديدا مع نماذج مشرقة من الأدب العربي شعرا ونثرا في مختلف عصور الأدب الزاهرة ، محللا ومستعينا بكثير من آراء النقاد السابقين أمثال الجاحظ وأبي هلال العسكري والرماني والقاضي الجرجاني والامدي ، وابن سنان وابن الأثير ([12]) .

وتناول جماعة من الدارسين والمهتمين بالبلاغة والبيان العربي من العلماء بعض كتب الأقدمين القيمة في البلاغة والنقد فبعثوها من مرقدها ، وألقوا عليها الأضواء بعد الإهمال الطويل ، فقد اخذ الأستاذ الإمام الشيخ محمد عبده – مثلا- يدرّس كتابي ((دلائل الإعجاز)) و ((أسرار البلاغة)) لطلبته في الأزهر معلقا وشارحا في أسلوب وفهم جديدين ، نابذا وراء ظهره كل ما علقه من تصدي لدراسة هذا الموضوع من كتب المختصرات والحواشي والشروح التي وضعها المتأخرون على كتاب ((مفتاح العلوم للسكاكي)).

واتخذت  هذه الحركة التي تجعل من الشعر العربي القديم ودراسات البيان والبلاغة وسيلة لبعث التراث القديم في النقد – طريقها إلى تدعيم وبث وتطور هذه الدعوة عن طريق التأليف ، أو نشر كتب النقد القديمة ، أو التصدي لنتاج الأدباء المعاصرين وتطبيق أصول النقد القديم على إنتاجهم ([13]) .

وقامت إلى جانب تلك الحركة حركة أخرى افترقت عنها في منهاجها والأصول التي اعتمدت عليها لنهضة النقد وإحيائه ، فجعلت نصب عينيها ما استجد في آداب الغرب من مفاهيم للأدب عامة والشعر خاصة ، محاولة تطبيق تلك المفهومات على الأدب العربي ، كذلك حاول دعاة هذه الحركة بما لهم من اطلاع على آداب الغرب وطرقه في النقد أن يدرسوا النقد العربي القديم. وان يكشفوا عن عيوبه ونقائصه ويبينوا ويوازنوا بين الشعر العربي والشعر الغربي([14]).

وان يبينوا ثراء الشعر الغربي بالقيم الإنسانية وتحليقه في أجواء لم يبلغها الشعر العربي لتقيده بتقاليده الجامدة , وقوالبه الجافة التي سلبته ماءه وحيويته .

المبحث الثاني

آراء المحدثين في الشعر الحديث

 

عيسى اسكندر المعلوف:

 

ويعرف المعلوف الشعر حسب المفهوم الحديث مستعينا بآراء الأوروبيين، بادئا قوله ببيت الشعر:

      ما كل من قال القصائد شاعر            هيهات يطعن كل من حمل القنا

ثم يبين أهمية الشعر في انه مرآة تتمثل فيه أخلاق وعوائد الأمم، وانه أشبه بالتاريخ الموصوف بأنه شاهد الأزمة محيي الذكر. ويشير إلى أن أرسطو قد فضله على التاريخ بقوله: ((أن التاريخ يذكر الأشياء كما هي، لكن الشعر يذكرها كما يجب أن تكون، لذلك ما الفيلسوف إلا شاعر )).

ويرى أن الشعر مقدم على النثر وان تاريخ الأمم القديم مستنبط ومعروف من شعر شعرائها ومن بينهم هوميروس اليوناني ، وسليمان الحكيم ، وأيوب الصديق ، وفرجيل الروماني ....الخ .

كذلك نبغ العرب في الشعر في الجاهلية ، وأشعرهم أصحاب المعلقات . يقول :

((على انك إذا تصفحت شعر كل الشعراء الأقدمين والمتأخرين من يونان ورومان وعرب وافرنج تجده عامرا بالمعاني المخترعة والأوصاف الملائمة لحالة الاعصر التي نظم فيها . مما يدل صريحا على تاريخ الأمم ودرجة عمرانها ومنزلتها بين جاراتها ، وهو الغاية المطلوبة من النظم ، وإلا فان في قرع النحاس وطنين الذباب ما يغني عنه ))، ويقول : ((إذا نظرت إلى شعر العصر من عربي وافرنجي تجد بينهما فرقا لان الغربي قد كلف بالاختراعات ووصفها وذكر حالة العمران فانطبع على ذكر الحال المشاهدة فكان لشعره من الطلاوة ما رفعه في أعين القوم ، وسلمته الطبيعة قيادها فترقرق على شعره ماء الانسجام والسلاسة حتى ذهب فيه كل مذهب وأجاد كل الإجادة ))([15]) .  

ويقارن بين هذا الاتجاه في الشعر الغربي والاتجاه الذي يعاصره في الشعر العربي فيرى أن الشاعر العربي العصري لا يزال يقلد معاني من سبقه من الشعراء، فيسطو على ما يستطيع منها ويسبكها في قوالب لا توافق حالة العصر لأنه لا يعلم كيف يظهرها بمظهر تناسب الحالة الحاضرة .

ولا يرى هذا الحكم منطبقا على كل ما عاصره من الشعراء العرب ، بل يستثني بعضهم ممن يرى في أشعارهم بعض الاتجاهات الجديدة لاطلاعهم على الشعر الغربي مثل الشيخ ناصيف اليازجي . ويروي أمثلة من دواوينه .

كذلك يتهم شعراء عصره بأنهم يتصدون لنظم الشعر دون اجتهاد فيه أو عناء - لا يريقون فيه دم الاجتهاد ، على مذبح المطالعة حتى يتنسم العطر من شعرهم برائحة الرضى)). ويتهمهم بأنهم بذلك أضاعوا رونقه وخاصة بالإغارة على غيرهم من الشعراء ((فكانوا أشبه بمن يبني بأنقاض بيت دارا ، والأنقاض على علاتها ، فيظهر في ذلك البناء نقائص واعوار يمجها الذوق)).وينتقد بناء القصيدة العربية التقليدي الذي غالبا ما يبدأ بالمقدمة الطللية بالغزل ، فيعيب على المحدثين أخذهم بهذا التقليد الذي لا يعني شيئا سوى السير على ما نهجه القدماء ولا يتفق وروح العصر ، وحبك الشيء يعمي ويصم؛ فاهتمام المحدثين بالغزل في مطالع القصائد بصفة خاصة لم يمكن نابعا من حاجتهم أو ضرورة كما كان الحال بالنسبة لبدء القصيدة به عند القدماء ، إذ  إن اهتمام القدماء بالغزل كان لبواعث كثيرة في حياتهم. ومعلوم أن بواعث الغزل عند الأقدمين كانت كثيرة لأنهم قبائل رحل لا يستقر بهم مقام ، فكانوا يبكون الدمن والأطلال ، ويتذكرون الأحباب والأصدقاء ، فاشتدت الحاجة إليه عندهم ، ومن ذلك أن النساء كن يتحجبن عن الرجال بدليل قول شاعرهم:

        سقط النصيف ولم ترد إسقاطه     فــتنالتـــه واتقتنــــا باليـــد

لذلك كثر شوقهم إليهن فتوسلوا بغزلهم للحصول على مشافهتهن ومشاهدتهن أشفاء لغليل الوجد، ولما كان دون ذلك شق الأنفس وخرق حجاب العادة بالغوا في الغزل وأفرطوا فيه ، حتى ملئت دواوين كثيرة منه ، وهي رقيقة لأنها شرح حالة كانوا عليها.

كذلك يرى انه لا ينبغي لشعراء العصر ان يتبعوا القدماء في أساليبهم لانه لا يتسنى لهم مجاراتهم فيه ، فالقدماء قد استنفدوا جميع المعاني ، ففي الغزل مثلا لم يبق لهم المتقدمون من أبوابه ما تصرفوا فيه كل التصرف ، وذهبوا كل المذاهب فلم يبقوا ولم يذروا ، ومر بهم من الدواعي والشؤون ما لا يمر بنا اليوم)).

من هذا نرى أن أساس مآخذ المعلوف على شعر العصر انه لا يشارك في مشكلة الحياة المعاصرة وانه مقلد للشعر القديم لمجرد الحب لذلك اللون من الشعر أو الإعجاب به دون مراعاة لظروف كل منهما , فقد كان للشعر القديم حياة تناسبه يتلون بها ويهتف بمعانيها، ويتطور بأساليبها ، وللشعر المعاصر أن لا يقلد دون مراعاة لواقع الحياة بل عليه أن يصطنع أساليبه ومعانيه بما يناسب الحياة الجديدة المعاصرة لا حياة العرب القدماء ، كذلك أن التقليد نفسه يجعل المقلد دائما في منزلة أدنى من المقلد ، والمعاني التي ابتكرها القدماء وتصرفوا فيها بوحي من حياتهم ويحاول المحدثون أتباعهم فيها ، فلن يبلغ بهم جهدهم في التعبير عنها شأو القدماء لان هؤلاء تصرفوا بدواع من عصرهم وبيئتهم، وانهم تفننوا في معانيهم وطرقوا كل باب حتى أغلقوا أو كادوا أبوابها أمام المحدثين .

ويجدد الدعوة للمحدثين ليلائموا بين الشعر والحياة ، فيرى أن يصرفوا همهم إلى ما نشأ في العصر من مستحدثات ؟ .

 كذلك يرى أن العصر قد ألغى بالضرورة بعض الموضوعات التقليدية في الشعر لان الدوافع والدواعي التي اقتضتها في القدم لم يعد لها وجود في العصر الحديث، وترددها في شعر العصر لم يعد مستساغا. فشعر المديح مثلا كان الدافع إليه قديما العيش والكسب عن طريق الجائزة ،وهو دافع حيوي قوي ، أما العصر الحديث فلم يعد عصر الارتزاق بالشعر ، بل يصح أن يقال في عصرنا ((أفلس من شاعر كانت موارد الرزق تجري من شق قلمه :

            أنى لرزق يرتجى    من شك تلك القصبة؟

وان كان هذا لا يمنع من أن بعض الشعراء لقوا من الجزاء والتكريم ما لقوا في الغرب مثل الشاعر الانجليزي تنيسون الذي أثرى من الملكة فكتوريا ، ومع ذلك فشعره يجري على الطبيعة ، فلا غزل فيه ولا مبالغة.

ويستمر المعلوف في نقائص الشعر العربي المعاصر. فيرى أن بعض من يتصدون لنظم الشعر من الشباب لا يملكون من القريحة ما يمكنهم من الإجادة ، أو على الأقل من الإحسان ، فترى في منظومهم ركاكة وابتذالا ، وجوازات يمجها الذوق لأنهم لم يصرفوا وقتا في المطالعة الآداب الشعر ، بل اكتفوا بان يعرفوا أبحره ونحوها ، وذلك لا يفي بالغرض المطلوب. ثم يستشهد بقول احد مشاهير الفرنجة انه يمكن للإنسان أن يصير خطيبا بالمزاولة والتمرين ولكن لا يصير شاعرا إلا إذا ولد كذلك.

ثم يرى ضرورة الجمع بين القريحة والدربة عند الشاعر المجيد، وكذلك المعرفة بأصول الشعر واللغة حتى لا يخطئ ولا يأتي بما لا يجوز)).

وتنتهي مقدمة المعلوف لكتابه إذ عرض لمشكلتين أساسيتين من مشكلات الشعر في مطلع تاريخه الحديث ،وهما مشكلتا التقليد والضعف ، وما يتبعهما من تعرض لبعض القضايا الأخرى كقصة اتصال الشعر بالعصر وتعبيره عن الحياة العصرية التي يحياها الناس ، والحديث عن أسلوب الشعر وما ينبغي أن يتسم به من السلامة والبعد عن الركاكة، وما إلى ذلك.

نجيب الحداد:

ونخرج من مآخذ المعلوف على الشعر الحديث إلى حديث آخر قريب النسب وهو حديث نجيب الحداد في المقارنة بني الشعر العربي والشعر الأوربي ، إذ يعرّف لنا الشعر بقوله : ((الشعر هو الفن الذي ينقل الفكر من عالم الحس إلى عالم الخيال ، والكلام الذي يصور مشاعر القلوب على أبدع مثال ، والحقيقة التي تلبس أحيانا أثواب المجاز، والمعنى الكبير الذي تبرزه الأفكار في أحسن قوالب الإيجاز)).ثم يعلن أن الموسيقى أساس في الشعر، وليست مجرد مظهر أو شكل يفرق بين الشعر والنثر، أو الشعر وأي لون آخر من ألوان الأدب فيقول:

((وما احسب الشحرور يغني والقمري ينوح إلا ولهما من انتظام تغاريدهما طرب ومن وزن ألحانهما سرور ومسرة الشعر في النفس وطيب أوزانه على الأذان وخفة تقطيعه على الحواس ، وما الغناء لولا توازن نبراته وتشابه إيقاعه إلا صوت ممل لا معنى له ولا تأثير فيه ))، ثم يعقد المقارنة بين الشعر العربي والإفرنجي في جانبي ((اللفظ والشكل ))و((المعاني والموضوعات )) فيرى:

خلافا بين الاثنين في الجانب الأول ، ذلك أن للشعر العربي قوالبه وصيغه المعروفة، وكذلك أوزانه المحدودة في علم العروض العربي ، أما الشعر الغربي فيختلف بان له أوزانا أخرى تعتمد لا على التفعيلات ، بل على أصوات الحروف الساكنة والصامتةVowels Consonents  التي تكون فيما بينها اقداما  Feet تكون في مجموعها أوزانا لشعرهم .

 وبالنسبة للمعاني فالشعر العربي يختلف عن الإفرنجي اختلافا بينا فيها ، وذلك أن العرب تميل في المعاني الشعرية إلى المبالغة بدرجة أكثر من الفرنج ، ونستشهد بقول العرب: ((إن أعذب الشعر أكذبه    وأحسنه أصدقه))، بينما يرى الفرنج أن أعذب الشعر أصدقه ، كذلك يرى أن مبالغة الشعراء زادت واشتدت بعد الإسلام ، وخاصة بعد المتنبي بدرجة لا تستساغ في الشعر الغربي .

ج- ومن حيث الموضوعات فان الشعر العربي اعتمد على موضوعات تقليدية دار عليها معظم ما قيل فيه كالفخر والمديح ، وهذان الموضوعان مما لا يرغب فيه ولا يقبل عليه شعراء الغرب .

د- يرى أن العرب يجيدون في وصف الذوات فلا يبلغ درجتهم الفرنج بينما يجيد الفرنج وصف الحالات ، فمثلا تجد العرب يبدعون في وصف ناقة أو فرس أو حمار وحشي ، بينما يقصرون في وصف واقعة أو حدث من الأحداث ، على عكس الإفرنج.

هـ- أبدع الغربيون في أنواع من الشعر لم يعرفها العرب قديما كالشعر القصصي والتمثيلي ,واخذ العرب في تناولها حديثا, مثل ما فعل الشيخ خليل اليازجي في ((المروءة والوفاء)).

ويخرج من تلك المقارنة كما خرج صاحبه الأول بنتيجة مشابهة هي أن الشعر العربي المعاصر متخلف عن الشعر الغربي لعناصر أساسية فيه تمنعه من التبلور والتجدد ، وينبغي للشعراء والنقاد النظر فيها ليتخلصوا منا أو ليعدلوا على الأقل فيها بما يناسب العصر والآداب والحديثة .

واشترك الحداد مع صاحبه المعلوف في توجيه تهمة التقليد واعتماد الشعر العربي في عصره على المديح والفخر وعلى الأوزان التقليدية ، والأسلوب التقليدي ، ويضيف إليه أن الشعر العربي لا يعبر بصدق عما ينبغي التعبير عنه ، بل يعمد إلى المبالغة ، والمبالغة تقلل من قيمته بينما يرفع عنصر الصدق من درجته الفنية في شعر الغرب ، كذلك يتهم الشعر العربي عامة بإجادة وصف الذات دون الحالات.

آراء القدماء في الشعر العربي

  صحيح أن الشعر العربي لم يبرع في وصف المعارك والأحداث والملاحم في صورة متصلة واضحة المعالم كما هو الحال في الشعر الإفرنجي ، وبعض الشعر في الأمم الأخرى مثلما هو الحال في الفارسية والهندية، فلم يحفل الشعر العربي بأحداث متتالية كما هو الشأن في الإلياذة والأوديسة لهوميروس ، أو الشاهنامة للفردوسي ، لكن ذلك لا يعني خلوه من وصف الأحداث في قصائد منفصلة لا تمثل ملحمة ، بل إننا نجد الشعر العربي من الجاهلية إلى البارودي يعنى بالأحداث ؛فيبرزها في صور منفصلة حسب طابع القصيدة العربية، وكم من الأحداث خلّدها الشعر العربي، من أيام العرب في الجاهلية والإسلام إلى الغزوات والفتوح ومعارك العرب والفرس والعرب والروم ، وسقوط المدن وزوال الدول ، وما إليها ، وكيف نغفل شعر النقائض وشعر الحماسة ، وشعرا كبائية أبي تمام في فتح عمورية ، وسيفيات المتنبي في وقائع سيف الدولة مع الروم ، ورثاء الابيوردي لبيت المقدس ، ووصف الشعراء لفتوح صلاح الدين وانتصاراته واستعادة بيت المقدس ، وقصائد البارودي في حرب كريت ، والبلقان ، كل هذه قصائد شعرية بارعة خلّدت أحداثا جليلة في إطار من الفن الشعري الرفيع ، لا نستطيع أن نقلل من شأنها أو نحكم بتخلف درجتها عن شعر الغربيين ، لعدم التساوي في النوع فالشعر العربي شعر القصيد ، والشعر الغربي شعر الملاحم .

أما خلو الشعر العربي  من القصص والتمثيليات فقد تنبه له النقاد القدماء كابن الأثير حين تعرض للمقارنة بين شعر العرب وشعر العجم ، يقول ((وعلى هذا فاني وجدت العجم يفضّلون العرب في هذه الناحية المشار إليها ، فان شاعرهم يذكر كتابا مصنفا من أوله إلى آخره شعرا ، وهو شرح قصص وأحوال ، ويكون مع ذلك في غاية الفصاحة والبلاغة في لغة القوم ، كما فعل الفردوسي في نظم الكتاب المعروف بشاهنامة ، وهو ستون ألف بيت شعر يشتمل على تاريخ الفرس ، وهو قرآن القوم ، وقد اجمع فصحاؤهم على انه ليس في لغتهم أفصح منه ، وهذا لا يوجد في اللغة العربية على اتساعها وتشعب فنونها وأغراضها ، وعلى أن لغة العجم بالنسبة إليها كقطرة من بحر )). وذكر حازم القرطاجني في كتاب ((منهاج البلغاء)) علة عدم الاهتمام بالشعر التمثيلي كما عرفه اليونان فقال : ((ان أشعار اليونانية إنما كانت أغراضا محدودة في أوزان مخصوصة ، ومدارج أشعارهم على خرافات كانوا يضعونها ، يعرضون فيها وجود أشياء وصور لم تقع في الوجود ويجعلون أحاديثها أمثالا ككليلة ودمنة ونحوا مما ذكره النابغة من حديث الحية وصاحبها ، وكانت لهم طريقة أيضا وهي كثيرة أشعارهم يذكرون فيها انتقال أمور الزمان وتصاريفها وتنقّل الدول وما تجري عليه أحوال الناس وتئول إليه ، فأما غير هذه الطرق فلم يكن لهم كثير تصرّف كتشبيه الأشياء بالأشياء ، فان شعر اليونانيين ليس فيه شيء منه ، وانما وقع في كلامهم التشبيه في الأفعال لا في ذات الأفعال. ولو وجد هذا الحكيم أرسطو في شعر اليونانيين في شعر اليونانيين ما يوجد في شعر العرب من كثرة الحكم والأمثال والاستدلالات واختلاف ضروب الإبداع في فنون الكلام لفظا ومعنى وتخيرهم أصناف المعاني وحسن تصرفهم في وصفها ووضع الألفاظ بإزائها ، وفي أحكامها فيها واقتراناتها ولطف التفاتاتهم وتشبيهاتهم واستطراداتهم ، وحسن مآخذهم ومنازعهم ، وتلاعبهم بالأقاويل المخيلة كيف شاءوا ، لزاد ما وضع من القوانين الشعرية ، فان أبا علي بن سينا قد قال عند فراغه من تلخيص كتاب ((الشعر))للمعلم الأول ، وقد بقي منه شطر صالح ، ولا يبعد أن نجتهد نحن ، فنبتدع في علم الشعر المطلق ، وفي علم الشعر بحسب عادة هذا الزمان كلاما شديد التحصيل والتفصيل ، وأما ها هنا فلنقتصر على هذا المبلغ )). وفي كلامه إشارة إلى تفخيم علم الشعر، وما أبدت فيه العرب من العجائب، والى كثرة تفاصيل القول في ألفاظه ومعانيه ونظمه وأساليبه واتساع مجال القول في ذلك)).

ونلاحظ أن حازما قد اعترف باختلاف طبيعة كل من الشعرين اليوناني والعربي ، مما أدى إلى الاختلاف فيما نعرض له كل منهما من الفنون ، من الاهتمام الشعر العربي بالأسلوب من حيث اللفظ والمعنى ووضع كل منهما موضعه الملائم للآخر ، كذلك اهتمام الشعر العربي بتشبيهه الذوات ووصفها دون الأحداث والأفعال ، بخلاف الشعر اليوناني ، كذلك نرى أبن سينا يبرز جانب الاهتمام بالقافية وصورة القصيدة التقليدية في الشعر العربي بينما يعمد اليونان إلى الشعر المطلق ، مما ساعد، كما قال ابن الأثير في طول النفس ورواية القصص والتاريخ.

ويعود حازم مرة أخرى فيحدثنا عن التمثيليات والأساطير التي تسود الشعر اليوناني ، فيقول :

((وكان شعراء اليونان يختلقون أشياء يبنون عليها تخايلهم الشعرية ويجعلونها جهات لأقاويلهم ، ويجعلون تلك الأشياء التي تقع في الوجود كالأمثلة لما وقع فيه ، ويبنون على ذلك قصص مخترعة ، نحو ما تحدّث به العجائز الصبيان في أشعارهم من الأمور التي يمتنع وقوع مثلها)) . ويقول: ((وقد ذم ابن سينا هذا النوع من الشعر فقال : ولا يجب أن يحتاج في القيل الشعري إلى هذه الخرافات البسيطة، التي هي قصص مخترعة . وقال أيضا: أنها ليس مما يوافق جميع الطباع)). كذلك يرى أن الدين لا يقبل مثل هذه الاختراعات التي تدخل ضمن المبالغات والأكاذيب ([16]).

من ذلك يتضح أن بعض الاتهامات التي وجهها دعاة التجديد في الشعر ، بالمقارنة مع شعر الغرب كانت لها أصول في النقد العربي القديم ، وخاصة ما يتصل بالشعر التمثيلي وشعر القصص، وعللها النقاد كما رأينا باختلاف الطبيعة بين الشعرين ، وحرص الإسلام على عدم التوغل في مثل هذه الأوهام . وكذلك عدم تقبل الذوق العربي لها ببساطة كما وقفنا عليه في كلام ابن سينا والقرطاجني .

ووقف جماعة من الباحثين في الشعر العربي من نقاد ذلك العصر موقفا آخر مغايرا للموقف الذي وقفه المعلوف والحداد، موقفا فيه دعوة للتجديد في اعتدال مع تفهم لروح الشعر العربي ، ونعرض من هؤلاء لآراء جماعة مثل شكيب ارسلان، فقد كتب معللا عن ((حقيقة الشعر)) يقول فيه :

((إن الشعر لغة النفوس ، وانه أجلّ ملكات الإنسان)) نعم أن الشعر قوة روحية يفيضها الله على من يشاء من عباده فتحلق بالشاعر تحليق الأجنحة بالطائر وتطوف به سبع سماوات الخيال ، فيرى الطبيعة في أفخم مشاهدها واشمخ شرفاتها وأبهى مجاليها، وأشجى أصواتها، وأذكى أعرافها))([17]).

ويقول: (( فالشعر إذن مظهر المرء في أسمى خواطر فكره ، وأقصى عواطف لبه ، وابعد مرامي إدراكه ، والشعر هو رؤية الإنسان الطبيعة بمرآة طبعة ، فهو شعور عام ، وحسن مستغرق ، يأخذ المرء بكليته، ويتناوله بجميع خصائصه حتى يرى نشوان خمرته ، أسير رايته ، ويريه الأشياء أضعافا مضاعفة، ويصورها بألوان ساطعة ، وحلى مؤثرة تفوق الحقائق، وربما أزرت بها ، وصرفت النفس عن النظر إليها فهو أحيانا أحسن من الحسن وأجمل من الجمال ، وأشجع من الشجاعة، واعف من العفاف ، وان الظبي في قصيدة غير الظبي في فلاة , بل غير الظبي في ملاءة ، ولان الأسد في منظومة غير الأسد في مفازة ، وذلك حين كان الشعر كلاما يلقي بلسان الإحساس ، ونطقا ينزل عن وحي المخيلة، وأوصافا يفضي بها الشوق ، وانما كانت المبالغة زيادة عن الحقيقة لتمكين السامع من الوصول إلى مقدار الحق , والحرص على أن لا ينقطع منه قسم على طريق الإلقاء وفي أثناء الانتقال .فكأن هذه الزيادة جعلت لتملأ الفراغ الواقع بين المَدرك والمُدرك . حتى لا يصل إلى الذهن إلا كاملا بكل قوته ، ولا يحل في العقل إلا بجميع حاشيته )).

ويقول : ((وللشعر سعة المذهب والتفنن في شعوب القول بحسب ما تقتضيه المطالب ، فهو ملك الكلام ، يقول فيه كيف يشاء ، فيه تجسيم المجرد ، وتجرد المجسم ، وتشبيه المجردات ، فتراه يجسم المجرد حتى يكاد يحس ويمس ، وتقع عليه الأيدي وتنعكس أشعة نوره على العين ، وتهتز دقائقه فتهز الهواء طبلة الآذن. فإذا شاء هلهل واذا شاء أجزل ، وإذا شاء أجمد ، وكأنه كيمياء الكلام يركب من أجزائه ما يريد ليبرم الصورة التي يرسمها الخيال )).

ونرى في حديث شكيب ارسلان عن الشعر وحقيقته صورة مجددة لحديث البلاغيين ونقاد العرب القدماء عن الشعر خاصة والبيان عامة ، فالشعر عندهم من الشعور والإحساس والعاطفة([18]) , وهو الذي يؤثر في النفس تأثير السحر ، ويلعب بالألباب بما فيه من فنون البيان فيجسم المعاني المجسمة ، فهو كالكيمياء يغير من طبائع الأشياء . وهذا منطق البلاغة العربية ، غايتها اللعب بالألباب والتأثير في النفوس بطريق اللفظ والخيال ، وسداها ولحمتها هذه الفنون من التشبيهات والاستعارات والمجازات .

ولكن شكيب ارسلان يلم الماما رقيقا ، ويقترب اقترابا هينا من المعني الإنساني في الشعر حين يقول إن الشعر هو رؤية الإنسان الطبيعة بمرآة طبعه ، وتوسع في هذا رواد حركة النقد التي تأثرت بحركة الرومانتيكيين الغربية .

ويحدثنا الرافعي عن الشعر حديثا قريبا من حديث شكيب ارسلان ، فيرى الشعر في جدة المعاني وتفردها ويقول ((وابرع الشعراء من كان خاطره هدفا لكل نادرة ، فربما عرضت للشاعر أحوال مما لا يغني غيره عنه ، فإذا علّق بها فكرة تمخضت عن بدائع من الشعر ، فجاءت بها كالمعجزات ، وهي ليست من الإعجاز في شيء. ولا فضل للشاعر فيها إلا انه تنبه لها))([19]).

ويتحدث عن قوة تأثير الشعر ، والصدق في الوصف فيقول :

((وليس الشاعر من إذا أنشدك لم تحسب أن سمعه مخبوء في فؤادك، وان عنينيك تنظر في شغافه ، فإذا تغزل أضحكك أن شاء ، وأشكاك أن شاء، وإذا تحمس فزعت لمسقط رأسك, وإذا وصف لك شيئا هممت بلمسه حتى إذا جئته لم تجده شيئا ، فإذا عتب عليك جعل الذنب لك ألزم من ظلك)).

ويقول: ((وجماع القول في براعة الشاعر أن يكون كلامه من قلبه فان الكلمة إذا خرجت من اللسان لم تجاوز الأذان )).

ويذهب احد أدباء العصر ([20]) إلى عرض مفهوم جديد للشعر على أساس غير ما اتفق عليه القدماء من الوزن والقافية اللذين يحدان الشعر العربي ، فيطرق قضية الشعر من أساسها ، ويعبر الحدود وراء القواعد التقليدية ، والأشكال والنظم التي اصطلح عليها العرب في الشعر ، فيتحدث عن الشعر في حقيقته بوصفه العام ، ولا يخص الشعر العربي فيقول: ((الكاتب الخيالي شاعر بلا قافية ولا بحر ، وما القافية والبحر إلا ألوان وإصباغ تعرض للكلام فيما يعرض له من شؤونه وأطواره ، ولا علاقة بينها وبين جوهره وحقيقته . ولو أن غريزة النفس أن يردد ترويحا عن نفسه وتطريبا لعاطفته لما نظم شاعر شعرا، ولا روى عروضي بحرا)). ثم يقول: ((ليس كل منظوم شعرا ولا كل ناظم شاعرا ، فالنظم ملكة تعلق بالنفس من طول ترديد المنظوم والتغني به مقطّعا تقطيعا يوازن تفاعيله . فهو نغمة موسيقية ، ولحن خاص من الحان الغناء يتمثل في قول الملك الضليل :

قفا نبك من ذكر ى حبيب ومنزل

كما يتمثل في قول الخليل:

فعولن مفاعيلن فعولن مفاعلن

وينتهي الكاتب في مقاله إلى أن الشعر أمر وراء الأنغام والأوزان , وما النظم بالإضافة إليه إلا الحلى في جيد الغانية الحسناء ، أو الوشي في ثوب الديباج المعلم ، فكما أن الغانية لا يحزنها عطل جيدها ، والديباج لا يزري به انه غير معلم ، كذلك الشعر لا يذهب بحسنه وروائه انه غير منظوم ولا موزون )).

وكذلك يرى أن الشعر في أساسه تصوير ناطق ، وان ميزان جودته مدى أثره ولقد كتب الكاتبون في تعريف الشعر فافتنوا في ذلك افتنانا يعبر به عن مكانه ، وعندي أن أفضل تعريف له هو انه تصوير ناطق ، ولان قاعدة الشعر المطردة هي التأثير ، وميزان جودته ما يترك في النفس من الأثر ، وسر ذلك التأثير أن الشاعر يتمكن ببراعة أسلوبه وقوة خياله ودقة مسلكه وسعة حيلته من هتك ذلك الستار المسبل دون قلبه ، وتصوير ما في نفسه للسامع تصويرا تكاد يراه بعينه ويلمسه ببنانه ، فيصبح شريكه في حسه ووجدانه ، يبكي لبكائه ، ويضحك لضحكه ويغضب لغضبه ويطرب لطربه، ويطير معه في ذلك الفضاء الواسع من الخيال فيرى الطبيعة بأرضها وسمائها . وشموسها وأقمارها ورياضها وإزهارها ، وسهولها وجبالها وصدحها وباغمها، وناطقها وصامتها ، من حيث لا ينقل إلى ذلك قدما ، ولا يلاقي في سبيله نصبا ، فان سمع قول القائل :

 

وقانا لفحة الرمضاء واد
نزلنا دوحة فحنا علينا
وارشفنا على ظمأ زلالا
يصد الشمس أنى واجهتنا
يروع حصاه حالية العذاري

 

 

سقاه مضاعف الغيث العميم
حنو المرضعات على الفطيم
ألذ من المدامة للنديم
فيحجبها ويأذن للنسيم
فتلمس جانب العقد النظيم

 

خيل له انه يخطر في ذلك الروض البليل بين أنواره وأزهاره خطران النسيم بين ظلاله وأشجاره ، وانه يرى بعينه أولئك العذارى السانحات وقد راعهن منظر الحصباء اللامع فوق تلك الديباجة الخضراء فتولهن وفزعن إلى جوانب عقودهن يلمسنها بأطراف بنانهن يحسبن أن قد وهت فانتثرت جواهرها في ذلك الروض الاريض ([21]) ، أو سمع :

 

وارحمتا للغريب في البلد النا
فارق أحبابه فما انتفعوا

 

 

زح ماذا بنفسه صنعا
بالعيش من بعده وما انتفعا

 

هملت عيناه وجدا على ذلك الغريب الحائر وتمنى أن لو رآه في بعض مذاهبه فعطف عليه وآنس وحشته وخفف لوعته ثم اخذ بيده فانزله من نفسه منزلا كريما وأبدله أهلا بأهل وجيرانا بجيران )).

كذلك يرى انه لا يؤثر في نفس الإنسان غير الشعر وما خضع إنسان لشيء في جميع ادوار حياته إلا للشعر . وللشعر الفضل الأول في نبوغ الإنسان وارتقائه وبلوغه هذا المبلغ من الكمال ، ولقد أحب الإنسان الشعر ناطقا وصامتا .أما الشعر فقد عرفته ، وأما الشعر الصامت ؛فهذه التماثيل التي يراد ببعضها تمثيل حياة عظماء الرجال بعد مماتهم شعر ، وهذه النغمات الموسيقية التي تصور خواطر القلوب ووجدانياته فتهيج عاطفة الحب في العاشق ، وعاطفة الحماسة في نفس الجندي شعر ، وهدير الأمواج شعر ، لأنه يمثل المناجاة في مواقف العشاق ، وبكاء الحمائم شعر لأنه يمثل فجعة البين ولوعة الفراق)).

ويرى أن الشعر سر هذه الحياة الذي يحببها إلينا فنسكن إليها ))([22]).

وينظر النقاد إلى شكل الشعر وصورته ، فيعرضون لنظمه ، وعروضه وقوافيه ، ويختلفون كذلك في مواقفهم من العروض والقوافي ، فبعضهم المحافظ يرى عدم التحول عن عروض الشعر العربي القديم وقواعده وقوافيه وأصولها ، وما يلزم فيها وما لا يلزم ، وبعضهم الآخر يرى التحرر في القوافي والموسيقى الشعرية تجديدا عاما دون التقيد بما ورثنا من القدماء، ودون التقيد كذلك بقافية واحدة، ونادى هؤلاء الشعر المنثور الذي لا يلتزم بموسيقى ذات قوالب محددة، ولا يحافظ على الأشكال التقليدية للقصيدة.

ورأى بعضهم تجديد موسيقى الشعر بتعديل البحور واتخاذ التفعيلة أساسا ، دون التقيد بالبحر ، واقتفوا في ذلك آثار الشعراء الأندلسيين الذين عدلوا في عروض الشعر فنظموا الموشحات ، واعتبر ذلك تجديدا عن موسيقى وأشكال الشعر العربي التقليدية .

ووقف بعض دعاة التجديد في شكل الشعر وموسيقى موقفا وسطا فرأى التغيير في بحور الشعر في حذر دون إطلاق يد الشاعر المحدث.

فمن دعاة المحافظة جبر ضومط الذي كتب مجموعة مقالات ، يقول في إحداها مما يتصل بموضوعنا:

((وبعض هؤلاء يقولون – تقليدا على ما أظن – بالشعر الأعمى ، أي الشعر الذي لا قافية له ، فيالله من أمثال هؤلاء ، فإنهم على ما هو أولى أن يقال فيهم ، غلبهم حب التقليد على حسن ذوقهم الطبيعي فجعلهم يرون المحاسن على غير صورتها الحقيقية ، وجعلهم يرون القافية العربية الجميلة الرنانة تثقل على إسماعهم ويشكون منها ، بل تطرف بعضهم- وهم قلائل – فعدلوا إلى طرق غير مطروقة، والى صور غير مألوفة لا عندنا ولا عند الغربيين كذلك اقتداء على حسن ظن – على ما أظن – ببعض أساتذتنا الغربيين، الذين قالوا في القافية العربية فما قالوه عن غير تحقيق ، أو قالوه متسرعين في الراجح ؟))([23])

وكتب أمين واصف في مجلة المقتطف داعيا إلى التوسع في القافية العربية حتى لا تصبح رتيبة تثقل على السمع وتتنافى مع التطور الموسيقى))([24]).

وكتب مصطفى الرافعي كذلك مقالا في المقتطف ينتقد فيه آراء القائلين برأي أمين واصف والذاهبين مذهبه  من شعراء المهجر وغيرهم من المنادين بالتحرر من القافية والوزن ، ونظم الشعر المأثور ، ويرى أن الشعر العربي صناعة موسيقية دقيقة يظهر فيها الاختلال لأول علة, لأيسر سبب ، ولا يوفق في سبك المعاني فيها إلا من أمده الله بأصلح طبعة واسلم ذوق وانصع بيان.

وحجة الداعين إلى التطور والتحرر من الوزن والقافية . وابتداع أوزان جديدة وموسيقى جديدة للشعر العربي الحديث هي أن هذه الأوزان والقوافي قيدت الشعر العربي ، أو كما يقول احمد أمين ((فمن ناحية الشكل قيد الشعر بقيد الوزن والقافية كما رسمها الشعر الجاهلي ، فالبحور الجاهلية هي البحور التي سار عليها الشعر العربي كله إلى الآن إلا أشياء قليلة ، والقافية مع البحور ليست إلا أوزانا والأوزان موسيقى والموسيقى تختلف باختلاف العصور ، فكما أن الغناء الجاهلي لا يناسبنا ، كذلك الأوزان والقافية التي كانت مستعملة في زمنها لا تناسبنا ، أما أن تخضع أذاننا للأوزان والقافية الجاهلية فحسب فنوع من السجن لا يليق بأمة راقية تتحرر من القيود الثقيلة ، وقد جنى هذا القيد علينا جنايات كبرى تتصل بالموضوع، فالتقيد بالقافية حرمنا من الملاحم الطويلة الممتعة لان اللغة مهما غنيت بالمترادفات لا تستطيع أن تقدم للشاعر مئات الكلمات على روى واحد ، وعلى حرف واحد)).

واستهدف النقاد هذين العنصرين من عناصر الشعر العربي ، فهاجموهما ، واشتد هجوم المهجريين خاصة على لسان جبران خليل جبران وميخائيل نعيمة ([25]) .يقول جبران في مقال عن الشعر والشعراء ((قوانين الشعر كسواها من الشرائع والسنن ، تقيد الحر وتعتق المقيد ، فهي سجن للقريحة الوقادة ومسرح لا تحد أطرافه للقريحة الخامدة)).ويرى أن هذا ((السياج الذي يحيط بالشعر العربي التقليدي دفنت كثيرا من الأرواح الحرة والنسمات السماوية والقرائح الحية ، وأدخلت إلى الشعر المتشاعرين والمدعين القادرين على مجرد النظم واصطناع الأوزان والقوافي )). ثم يقول ((إذا شق عليكم أن تودعوا الشعر أفلا سبيل لكم أن تستغنوا عن علمي العروض والقوافي وان لم يسهل عليكم أن تطروحوا الأوزان أفلا طريقة نطرح بها عنا القافية ؟، وإذا استحال علينا أن ننبذ القوافي أمن الواجب أن نلصق بكل بيت من أبيات القصيدة ذنبا...ان كانت الغاية من التقفية تشنيف السمع ، فبئسها من موسيقى تشنف بها إذننا إذا كنا نسمع بين اللحظة والأخرى صوتا واحدا لا يتغير كوقع الدلفة أو نقيق الضفادع ، تصوروا قصيدة من 120 بيتا أو أكثر تسمعون فيها كل عشر ثواني كلمة عين ، نعم شجية هذه الموسيقى ولا شك ولكن عند بدوي يسير وراء جمله يقطع ألحانها على وزن وطئها ، وما أجملنا اليوم نقلد البدوي في نيويورك وباريس وبيروت والقاهرة )).

((حتى لو كان في ذلك بعض اللذة الموسيقية فيمن الحيف والجهل أن نضحي من اجلها بحرية الإبداع في الشعار وان نطلب منه أن يشوه الفكر الذي يود نقله والصورة التي يرغب في نقشها لأجل تلك اللذة التي لا اقدر أن ادعوها مع كل اعتباري للموسيقى سوى بلاهة موسيقية))([26])

ويلتفت النقاد حولهم ليجدوا الآداب العالمية وقد حفلت بضروب من الفنون الأدبية لا يجدون لها مثيلا في الأدب العربي ، فيتحسسون على ذلك ، ويأخذون في اتهام القيود الشعرية بهذا التقصير ، وأنها فرضت الجمود على القرائح ، وأنها حالت بين الرواية والملحمة، فتخلف بذلك الشعر العربي عن الشعر الفارسي الذي أبدع الشاهنامة،والشعر اليوناني وغيرها.

ولكن أنصار الشعر العربي في ثوبه القديم لا يلبثون يهاجمون هذه الدعوى متهمين أصحابها بالقصور وعدم الإلمام والتعمق في اللغة والشعر ، والشعر وسع كل شيء قديما ، ويتسع لكل شيء حديثا ، لمن تمكن من الشعراء ، وعندئذ لن تقف أمامهم قيود الوزن والقافية. وكذا لا ينتهي جدل الفريقين إلى نتيجة حاسمة، ويظل الرجحان من نصيب دعاة الاحتفاظ للشعر العربي بطابعه التقليدي ، مع جواز التجديد في الأوزان في الموقف التي يتطلبها التجديد دون مساس بأصول العروض العربي ، وفي الحدود التي رسمها المجددون السابقون في الشعر من أمثال شعراء العباسيين وشعراء الأندلس . ولم يجد دعاة التجديد أنفسهم بدا من إتباع الأشكال التقليدية للشعر، فنظموا في قوالب القصائد العربية وقوافيها وان كان تجديدهم في الأسلوب والموضوع اشمل وأبين.

ونلاحظ أن كثيرا من شعراء المهجر أنفسهم – وهم المغالون في دعوة التجديد – يحافظون على البناء التقليدي للقصائد .

 

معاني الشعر وموضوعاته :

وتعرض النقاد كذلك للمعاني والموضوعات في الشعر المعاصر ، وقد اشرنا في حديثنا عن كتاب المعلوف ومقال الحداد إلى أن الناقدين قد حددا مسار الحديث في معاني الشعر وموضوعاته لكثيرين من النقاد الذين تبعوهم. فالخطوط التي رسمها المعلوف لمعاني الشعر المعاصر وموضوعاته ، والتي اقتبسها عن شعر الغرب هي نفسها التي دعا إليها نجيب الحداد ، وكلها تدور حول ضرورة الملاءمة بين العصر وموضوعات الشعر ، وان يستهدف الشعر غاية اجتماعية.

ورأى النقاد الآخرون وخاصة من أدباء المهجر ضرورة استهداف الجوانب الإنسانية ، ومحاولة التعبير عنها في صدق وإيحاء ، دون تكلف الصنعة في الأسلوب واللغة ، فالصنعة تفسد السبيل أمام العاطفة وتعرقل الشاعر عن نقل إحساساته في صدق.

واستجاب كثير من الشعراء لهذا الرأي من النقاد ، فاتجهوا إلى النواحي الاجتماعية والإنسانية ، واتجهوا كذلك إلى الحديث عن مظاهر الحضارة الجديدة ومخترعاتها ، وابتعدوا في معانيهم وموضوعاتهم شيئا فشيئا عن الموضوعات والمعاني التقليدية القديمة.

وان ظل بعض الشعراء في جو قديم ، ولكنه استهدف هجوم النقاد ، وكانت الحملة التي شنها محمد المويلحي على شوقي كذلك والمازني على حافظ إبراهيم ، تدور حول إتباع كل من الشاعرين أساليب القدماء , واقتباسهم من معانيهم مما قصر بها عن إدراكهم ، ووضعهما في موضع المتخلف عن القديم والجديد جميعا .

المبحث الرابع

نموذج من النقد النظري

 لم يظهر في النقد العربي الحديث دراسات تتسم بالمنهجية إلا في أخريات القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين ، وأما ما قبل ذلك فقد كانت كلها محاولات متفرقة ، ومقالات تعرض من هنا وهناك بعض الآراء النقدية على عرفنا من قبل . وحدثنا عيسى اسكندر المعلوف عن حال النقد العربي في القرن التاسع عشر فقال :

((.....وقد كثرت التأليف في أبحر الشعر وما يتعلق بها ، وقل من تعرض للآداب الشعرية أو النقد الذي هو من أهم أركان العلم في هذا الجيل ، وان كان بعضهم قد المع إليه ، ولكن لم تخصص له أبواب تبحث في الأذواق ونقد المعاني ، وجل النقد عندنا مقصور على الألفاظ والتراكيب مما يتعلق بالفصاحة أو العلوم اللسانية واللغوية . وأما آداب الشاعر فالمعروف منها في كتب القوم أما أن لا يفي بالحاجة وأما لا يناسبها لاختلاف الاعاصر والأذواق وغاية الناقد عندنا بعد إتقان العلوم الإنسانية أن يلم بشيء من فنون العصر الرياضية والتعليمية ونحوها من معرفة لغة أجنبية إذا تيسر ليقف على الأفكار والاختراعات الحديثة فيقوي تصوره ويتلطف ذوقه ، ولا يقع فيما هو مخلف للعلوم الحديثة ومباين لها من قبل الاعتقادات الخرافية وتخرصات الأوهام ، وزبدة القول أن عصرنا عصر حضارة وعمران وفنون وصنائع ، فالأحرى بنا أن نفيد من منظومنا تاريخ غرائبه ووقائعه لأنها أشهر من سواها ، فتبقى ذكرى لمن بعدنا . وما نفعنا من ذكر الأطلال والدمن والشعاب والوديان والمها والجاذر، ولدينا كثير من المسنمات والصروح والمشاهد العصرية المختلفة والله الموفق)).

ثم يورد أمثلة على ما يقول بعض مقطوعات من أشعار عصرية منتخبة في موضوعات جديدة مثل قوله في النرجيلة وفي الكهرباء وبرج إيفل والفونوغراف والتلغراف والسكة الحديدية ، وما إليها .

ويعرض ناقد آخر لحال النقد في هذا العصر ، ويهتم بجانب غير ما أثار اهتمام المعلوف بالحضارة ، والاستفادة منها في النقد ، فيرى المويلحي وجوب قيام نقد موضوعي لان النقد العربي المعاصر كان بعيدا عن تلك الموضوعية واغرق في الجوانب الشخصية من مديح للشاعر أو الكاتب وإطراء له إلى هجاء أو سب . يقول ([27]):

((الانتقاد قائد الاجتهاد والإحسان ، ورائد الإجادة والإتقان ، وهو للإنسان بمنزلة الصيقل للصورام ,والصيرفي للدراهم، ولولا النقد لما امتاز الصحيح من الفاسد ولا تبين الحالي من العاطل ، ولما قيل للإنسان في كل عمل يعمله : أحسنت وأصبت ، ولقف الناس في سبيل الإحسان ،ولم يهتدوا إلى مواضع الخطأ ومواقع الزلل. ولا يكون الإتقان واضحا إلا عند إطلاق الانتقاد وصدق القول.ولقد كان الرجل في إقبال دولة الفصاحة وعز مقام الأدب إذا انشأ رسالة أو نظم قصيدة عرضها على نقاد الكلام ، فاستحسنوا منها الحسن ونبهوه إلى القبيح فيحذف منها ما لم يرضوه ،أو يرجع إلى تهذيبه وتنقيحه فترسخ فيه ملكة الإتقان ما تكرر عليه الانتقاد حتى بلغ كثير من الشعراء أنهم لم يكونوا ليعرضوا قصائدهم على ممدوحيهم إلا بعد ان ينتقدها ويرفضها أو يجيزها من كان مكلفا على أبوابهم بوظيفة الانتقاد من أساتذة الكلام وجهابذة البيان )).ويذكر مثالا لذلك حال أبي تمام مع عبد الله بن طاهر والناقدين أبي العميثل , وأبي سعيد الضرير.

ويقول: ((كذلك كان انتقاد الشعر والأدب في ذلك العهد بهذه المنزلة العالية من الاعتبار والاهتمام، وبه راجت سوق الأدب واصفا جوهر الشعر)).

            وذلك حال النقد وتلك مكانته عند العرب، وكذلك قدره عند الغربيين ، فمنزلته بينهم عظيمة، وهو ضرورة وآلة نافعة لتقدم العلوم والفنون . يقول: ((ثم انك إذا التفت إلى حال الغربيين وجدت الانتقاد عندهم انفع الآلات لتقدم العلوم والفنون ، وارتقاء المخترعات والمبتدعات ، فلا تخلو جريدة عندهم من عاملين موظفين أو ثالثة أو أربعة لانتقاد ما يكون له قيمة من تأليف أو تصنيف أو ابتكار أو ابتداع حتى ان المؤلف الذي لا ينتقد تأليفه منتقد بينهم يعد نفسه ساقط المزلة بين أقرانه )).

            وأما حال النقد المعاصر في مصر فقد صوره المويلحي ، بأنها حال لا ترضي أحدا من الأدباء ولا النقاد يقول :((فمن نكد الدنيا على الأدب في مصر ان أرباب الجرائد فيها لم يلتفتوا يوما إلى هذا العمل النافع بل جعلوا ديدنهم التعالي وسوء المبالغة في مدح ما يظهر في الوجود من رسالة كاتب أو قصيدة شاعر أو تأليف مؤلف أو تعريب معرب بقطع النظر عما إذا كان من يمدحون أهلا للمديح وجدير بالثناء ، ونسوا انه هذه العادة ينتج عنها أمران مذمومان ، احدهما ان مدح الرجل في وجهه – وصفحات الجرائد مدح في الوجه – أمر غير مرض طالما نهى عنه الناهون)).

ويأخذ في نقد ديوان شوقي – في طبعته الأولى – مبنيا انه سينهج في نقده السبيل الذي رسمه، أي تقييمه ووضعه الوضع الجدير به دون إطراء أكثر مما يستحق، أو ذم لما لا يستوجب الذم)).

الخلاصة

ونخلص مما سبق إلى أن الشعر فن العربية الأول كان هو الشغل الشاغل للنقاد منذ أن عرف العرب الإبداعات الأدبية؛ خاصة وان الشعر هو ديوان العرب كما يقولون، وهو فن العربية الأول لان العرب عرفت الشعر قبل أن تعرف غيره من الآداب مثل القصة أو الرواية أو المسرحية أو المقالة أو غيرها .

ولان الشعر استحوذ على الاهتمام الأكبر من النقاد لذلك كانت همومه ومشاغله هي الشغل الشاغل للنقاد وكانت قضية الأصالة والحداثة أو الشكل العمودي والشكل الحر هي أهم قضايا الشعر من حيث الشكل. أما من حيث المضمون فقد اجتهد الشعراء في تطوير وسائل التعبير الشعري واجتهد معهم النقاد في تقييم هذه الاجتهادات بين الإجابة والفشل وخرج من صراعات النقاد نتاج أدبي نقدي عظيم الأثر أوجزناه فيما سبق من هذه الدراسة

 

 الدكتورفاضل محمد عبد الله الزبيدي : كلية الآداب – جامعة الكوفة

المصادر

1- معالم التطور الحديث في اللغة العربية وآدابها محمد خلف الله – طبعة دار المعرفة.

2- مختارات المنفلوطي (بدون تاريخ) مصطفى لطفي المنفلوطي – القاهرة

3- بلاغة العرب في القرن العشرين مصطفى أمين ط القاهرة 1954.

4- الغربال لميخائيل نعيمة ط القاهرة سنة 1923

5- الوسيلة الأدبية لحسين المرصفي جـ1،جـ2

6- الأدب العربي المعاصر في مصر للدكتور شوقي ضيف ط القاهرة 1961

7- لمحات من الشعر والعصر ط لبنان سنة 1898

8- عيار الشعر لابن طباطبا.

9- الأعلام لخير الدين الزركلي عشرة أجزاء طبعة القاهرة 1954.

 10- العمدة لابن رشيق القيرواني تحقيق محمد محي الدين عبد الحميد جـ1،جـ2

11- تاريخ الآداب العربية في القرن التاسع عشر لويس شيخو جـ1،جـ2طبعة بيروت - 1908

12- تاريخ آداب اللغة العربية لجرجي زيدان تحقيق د. شوقي ضيف القاهرة سنة 1957.

13- جريرة المقتطف عدد يناير 1926.


([1])  معالم التطور الحديث في اللغة العربية وآدابها لمحمد خلف الله .

([2])  معالم التطور 120.

([3])  معالم التطورص121.

([4]) معالم التطور ص57/58 .

([5]) مختارات المنفلوطي172.

([6]) مختارات المنفلوطي ص 113 .

([7]) قال الرافعي:

أم يكيد لها من نسلها العقب
كانت لهم سببا في كل مكرمة

 

 

ولا نقيصة إلا ما جنى النسب
وهم لنكبتها من دهرها سبب

 

 

([8]) بلاغة العرب في القرن العشرين ص 59  .

([9])  بلاغة العرب 68.

([10]) راجع الغربال ص 91,73 .

([11])  الوسيلة الأدبية جـ2 ص36.

([12]) معالم التطور 127-142, والأدب العربي المعاصر في مصر ص 35 .

([13]) راجع مقال الشيخ المهدي عن ((الموازنة بين الشعراء )) في مختارات المنفلوطي  .

([14])  لمحات في الشعر والعصر ، ط لبنان 1898.

([15]) لمحات في الشعر والعصر ،ص4 .

([16]) منهاج الأدباء ص 120 .

([17])  مختارات المنفلوطي115/117.

([18])  راجع أقوال ابن طباطبا في عيار الشعر ، وكذلك ما نقله وكتبه ابن رشيق في العمدة مما يتصل بهذا المعنى ص36-76.

([19]) مختارات المنفلوطي 12- 104 .

([20])مختارات المنفلوطي49 .

([21]) مختارات المنفلوطي52/53 .

([22])مختارات المنفلوطي ص 57 .

([23]) معالم التطور ص 121  .

([24]) المقتطف عدد يناير 1926  .

([25]) كتاب الغربال لميخائيل نعيمة ص43 .

([26]) بلاغة العرب في القرن العشرين 130 .

([27]) مختارات المنفلوطي 139 .

الصفحة الرئيسية  

مقالات

بحوث ودراسات

آفاق

حديث عراقي

تقارير منوعة

أسرة ومجتمع

أوراق ثقافية

مجتمع مدني

نصوص مترجمة

كتب

البحث في القرآن

 

نوافذ ثقافية وفنية

شعر
قصة قصيرة
تشكيل
سينما
مسرح

لوحات

كاريكاتير

صور من العالم

ضع إعلانك هنا

حق المعرفة فوق كل الحقوق
جميع الحقوق محفوظة لموقع زيتونة
موقع زيتونة نافذة مستقلة ليست مسؤولة عن مضمون المقالات التي تنشر
  ولا تعتبر المقالات المنشورة وجهة نظر رسمية للموقع ، بل فقط  تعبرعن رأي الكاتب
asfook@yahoo.com