|
من أسرار القصة
القصيرة
كاظم الشويلي
العنصر
الرابع : البيئة
لا يمكن أن تصنع قصة قصيرة
أو رواية من دون اللجوء الى عنصر البيئة ، حيث
نلمس عنصر البيئة في جميع القصص التي اطلعنا عليها
، ولا تخلو قصة من هذا العنصر مطلقا . لابد أن
الحادثة التي نسجت منها خيوط القصة لها بعدان ،
بعد زماني وشكل مكاني .
والبيئة هي مسرح وقوع
الحوادث و صراع الشخصيات في زمان ومكان معين ، حيث
لا بد للقاص أن يصف طقوس وأجواء القصة ليتسنى له
أن يشرح بواعث ونوايا الشخصيات ولتكون ممهدة
لوقائع الحوادث ولصراع الشخصيات، فيجب على القاص
أن يصف لنا المكان أو الأرضية التي تحركت عليها
الشخصيات والظروف التي عايشتها وصفا وافيا وعليه
ان يجيب على أسئلتنا قبل أن نسألها ويصف لنا
زمكانية القصة بدقة متناهية ، هل وقعت الحادثة في
ريف أم مدينة ؟ في منطقة جبلية أو مستنقعات مائية
؟ في بيداء أو خضراء ؟ ويفضل أن يصف الالبسة التي
يرتديها مجتمع ما ، في بيئة معينة فضلا عن شرح
عادات هذا المجتمع وتقاليده وتباين أخلاقه و غيرها
من الاشياء.
ويتجلى دور القاص في وصفه
واستنطاقه للجمادات الخرساء لبيئة معينة حيث يقوم
بتحويلها إلى حياة نابضة بالنشاط والحركة والحيوية
، وممكن ان يصور أجواء المناطق الصناعية أو الحقول
الزراعية أو المناطق البركانية أو الحياة الدراسية
أو قسوة الجيش أو بيئة مستشفى ، أو أجواء دينية أو
مناخات ايمانية إلى آخره من المناخات والطقوس
البيئية التي تتصارع فيها الشخصيات وتحلق في افقها
الرؤى والنظريات، ويعود اختيار البيئة لخيال القاص
وقدرته على تصويرها، حيث تفرض البيئة ذاتها ثم
تخبرنا بأنها مرافقة وملاصقة للحادثة الحاصلة
للشخصيات ، فلا يمكن أن يصف لنا صحراء ثم يسرد لنا
حادثة غرق سفينة فيها ، و لا يمكن أن يصف لنا
أمطار غزيرة ثم يخبرنا بأنها سقطت نهار المنتصف من
تموز في مدينة الناصرية ، أو تصف لنا المنطقة
الشمالية ثم تحدثنا عن ارتداء سكانها لأزياء
الجنوب كالعقال والكوفية ، يفترض أن توصف البيئة
التي يتناولها النص بشكل يكون متطابق ومنسجم مع
الواقع أشبه بالصورة الفوتوغرافية .
و يأتي وصف البيئة بدقة من
خلال التجارب المتراكمة لدى القاص أو من خياله
الخصب فمرة نرى القاص يصف لنا مدينة تاريخية وأخرى
ينتقل فيها إلى بيئة فضائية وآخرة يعود فيها إلى
مدن معاصرة وربما يصف القاص في القصة الواحدة
مجموعة من البيئات المختلفة والطقوس والمناخات
المتباينة والعادات المتناقضة والتقاليد المختلفة
.
تبقى البيئة من العناصر
المهمة التي تساعد المتلقي على فهم النص بصورة
جيدة وشفافة ولا بد للقاص من ان يفصّـل ويشرح مسرح
الأحداث من ناحية المكان ومن الناحية الزمان ويبين
: أين حصلت هذه القصة ؟ في أي مكان من الأرض ؟
وحتى لو كانت خارج نطاق الأرض مثل قصص الخيال
العلمي والفضاء ، حيث يترك القاص خياله الخصب ان
يصورالمناطق الخارجة عن نطاق الأرض و يستند في ذلك
على التقارير العلمية الموثقة .
ولا ينسى القاص الذي يحترم
جميع أدوات القصة أن يشرح لنا زمن وقوع القصة
وجوها ويبين لنا متى حصلت القصة ؟ في هذه السنة أم
قبل عشر سنوات ، هذا العصر أم قبل عصور فإذا كان
يتناول قصة تاريخية فيجب عليه أن يرسم تضاريس
الأرض وفقا للمنقول والمعروف عن تلك المدينة وذلك
وفق مرحلتها الزمنية المعينة ، ويفضل للقاص أن لا
يقحم نفسه في بيئة صعبة لا يعرف جوها الخاص
وطقوسها فلابد أن يكون الفشل حليفه ورفيقه
والإخفاق ينتظره .
أخيرا يبدو أن تأثير الزمان
والمكان في عنصر البيئة أشبه بتاثير جناحين لطائر
، حيث لا يستطيع هذا الطائر أن يحلق بجناح واحد
أبدا ، كذلك البيئة فلايمكن ان توصف من شطر واحد ،
إذن لابد من وصف دقيق لظرفي الزمان والمكان واشباع
عنصر البيئة ، ليساهم في بناء قصة رائعة . |