الصفحة السابقة الأرشيف وقفة تراث اتصل بنا كلمة زيتونة الرئيسة
 
حق المعرفة فوق كل الحقوق جميع الحقوق محفوظة لموقع زيتونة موقع زيتونة نافذة مستقلة ليست مسؤولة عن مضمون المقالات التي تنشر ولا تعتبر المقالات المنشورة وجهة نظر رسمية للموقع ، بل فقط تعبرعن رأي الكاتب asfook@yahoo.com

نهاية التاريخ أم نهاية العقل دراسة نقدية لنظرية نهاية التاريخ على ضوء التطورات

 

د. محمد سعيد الأمجد

النفط والسياسية في العراق

 حسن عبد راضي الفريجي أكاديمي وباحث إعلامي

نماذج تاريخية من التقارب المذهبي في العراق

 

واثق الحسني - باحث واعلامي

التنمية البشرية المستدامة والمواطنة (قراءة في جدلية مبادلة التأثير) - العراق أنموذجا)

د. منعم العمّار - باحث واكديمي

التعددية العراقية ودورها في ترسيخ الوحدة الوطنية - شروط إقامة السلم الأهلي

 

رحيم الساعدي - باحث وأكاديمي

سيكولوجية اللعب عند الأطفال

إعداد . د. حسن منديل الطائي

أضواء على أطروحات توينبي في فلسفة التاريخ

تعريف ونقد : علاء الدين السيد محمد تقي الحكيم

نظرية المعرفة للسيد محمد باقر الصدر

 

 د. عائشة يوسف المناعي - قطر

الحقيقة الحقيقية والحقيقة الإيديولوجية

 

د. مشتاق عباس معن

الملحمة العربية بين الآداب العالمية

في النظرية والتطبيق

The Arabic Epic Among the World

Literature

بقلم أ.م.د.فاضل محمد عبد الله الزبيدي

جامعة الكوفة / كلية الآداب

 المقدمة

      الملاحم فرع أصيل من فروع الأدب شرقه وغربه. ضارب في جذور الحضارة ممتد إلى عصور قديمة استعصت على النقاد اقدميتها .

      والأدب العربي شانه شان الآداب العالمية عرف الملحمة وأنشائها وصاغ خيالاً وفكرا وثقافة وصياغة، وأعطاها كل حقها من الأصول الفنية. ولكن كثيرا من النقاد من الشرق والغرب؛ لهم رأي آخر إذ اعترفوا بفن الملاحم لدى الشعوب الأخرى، واستكثروا على العرب أن يكون لديهم أدب ملحمي والحقيقة أن آلهجوم كان ينصب أساسا على الحضارة الإسلامية والعربية ،وأراد هؤلاء النقاد ومنهم كثير من المستشرقين أن يؤكدوا إن الحضارة العربية ما هي إلا ضيف ثقيل على الحضارة اللاتينية وهذه المقولة تهدم كل الإبداع الثقافي العربي .

       ويحاول هؤلاء المستشرقون أن يدسوا السمَّ في العسل فيقولون (غير أن الناقد العربي معذور لأنّه كان إذا التفت إلى موروث ثقافي قديم اتجه بنظره إلى الجاهلية، وهي ذات موروث ثقافي فقير إذا قارناه بما كان لدى الداعين إلى الآداب القديمة من موروث غني خصب. والمورث الفقير لا يهيء لمن يتوجهون إليه إلا إلاماً ضئيلا وهذا التسليم الافتراضي بضالة وضحالة الموروث الثقافي الجاهلي تسليم مغرض هدّام، ومقدمة مكذوبة الفرض منها ترتيبات توالي أكثر منها كذبا)([1]).

      وإذا كان الأدب الغربي قد عرف ملاحم ؛مثل الإلياذة والأوديسة كما عرف ملحمة السيد أو تلك الملاحم الخالدة التي استلهم منها شكسبير روائعه ،وكذلك عرف الشرقيون من الفرس الروزنامة والشاهنامة وبقية الملاحم الأخرى وانشأ آلهند كما يشاع إلف ليلة وليلة...

      فانه يجب أن نقف موقف الإنصاف  لتقول : إن الأدب العربي لم يقف عاجزا أو متفرجا. ومن منا لم يقرأ الملاحم العربية ولم يحاول أن يدرس هذه الملاحم دراسة حقيقية لمعرفة إلى أي حد لعبت هذه الملاحم والسير الشعبية دورها في التعبير عن هموم الإنسان العادي وتجاربه المعاصرة مغلفة من القالب الملحمي الأسطوري التاريخي القديم.

      ونحن من خلال هذا البحث نحاول استعراض تاريخ الملاحم من الآداب العالمية شرقا وغربا وقد ركزنا على وجه الخصوص على الملحمة في الأدب الإغريقي والأدب الانجليزي ثمَّ الأدب الاسباني لما له من صلة عميقة بالأدب العربي وتاريخ العرب.

     كما ركزنا على الأدب الفارسي لشهرته العالمية في أدب الملاحم وسنحاول من خلال هذا البحث المتواضع إلقاء الضوء على أهم الملاحم العربية قديما وحديثا بأسلوب نقدي علمي محايد لنرد على أولئك الناقدين المشككين من وجود الملحمة العربية كفن أصيل في الأدب العربي.

المبحث الأول

الملحمة في الشعر العربي قديما وحديثا وإشكالية وجود الملحمة في الشعر العربي

                        -1-

      من المسلمات الخاطئة الكثيرة التي تمتلئ بها مفاهيمنا الأدبية ، تلك المسلمة التي تقول إن العرب لم يعرفوا الملاحم ، وان تراث العربية قد خلا منها خلوا كاملا، وان هذا قد أدى إلى أن يخلو أدبنا العربي من الفن الدرامي وعلى قمته المسرح .

       ونحن منذ البدء نرفض هذه ((المسلمة)) رفضا تاما، فليس معقولا أن تعرف معظم الأمم والشعوب ملاحم تاريخية خالدة تسجل تواريخ ملوكها وأبطالها وفرسانها ولا يكون عند العرب ملاحم تحقق الغرض نفسه وتناظر إلياذة هوميروس، وشاهنامة الفردوسي ، أو إلياذة فرجيل ، أو مجمعات المابهارتا الهندية....

    فما هي تلك الملاحم التي أعجزت الفن العربي فعرفتها البشرية كلها دونه في زعم أصحاب المسلمات الأدبية الثابتة ؟...

    الملاحم قصائد قصصية طويلة تتوافر لها عناصر الحبكة وتعالج سير بطل من الإبطال ، أو مجموعة من الأفذاذ الذين صنعوا بأعمالهم البطولية تاريخ حقبة من حقب التاريخ المهمة في حياة شعب من الشعوب ...

     وإذا كان هذا هو الإطار الموضوعي للملاحم فهناك دائما دور خطير ومهم تقوم به الملاحم حين تربط هذا الواقع الموضوعي عن طريق الرمز الذي يمثله أبطالها بأساطير الشعوب القديمة التي كانت تحاول تفسير وجود الإنسان على الأرض، ويعني الظواهر التي يتعرض لها الإنسان في حياته فوقها ، وما تخيلته هذه الأساطير من صراعات بين الآلهة المتعددة لتبرير معارك الإنسان التي لا تنتهي من أجل البقاء والخير ، فمنذ استقر في ذهن الإنسان أن العالم حوله تحكمه قوى خفية وهو يجسد هذا القوى ليعبدها مقدما الحب لآلهة الخير والخصب والجمال ، ومسترضيا بالقرابين والضحايا آلهة القحط والشر والغرائز ...وجسدت أساطيره ما بين هذه الآلهة من معارك ضارية ودائمة تنتقل مساحاتها بين الأرض والسماء وتتحكم نتائجها في مصير الخير على الأرض، ومصير حياة الإنسان والحيوان والنبات جميعا...

    وقد تمكن دارسو الانثولوجي والميثولوجي أن يردوا الكثير من الملاحم إلى هذه الأصول الأسطورية التي تمثل حركة العقل البشري وخياله منذ بدأ يحاول فهم سر الكون ، ومنذ بدأ يحاول تفسير لغز وجوده ، ولغز ما يلقي من عنت وتعاسة وشقاء فوق الأرض. ومن هنا لم تكن الملحمة مجرد قصيدة طولية ، ومن هنا أيضا لم تكن مجرد قصة تسرد حكاية ملك أو بطل أو فارس ومن هنا أيضا لم تكن مجرد تسجيل قصص شعري لفترة من حياة أمة أو شعر ، وإنما كانت الملحمة كل هذا جميعه بالإضافة إلى هدفها الإنساني الخالد في تمجيد قيم البطولة ومعاني الشرف في الإنسان، وتثبيت انتصاره الدائم على قوى الشر والعدوان ...

    ولكن دارسي الأديب العربي انساقوا وراء مؤرخيه القدماء ، كما انساقوا وراء أحكام المستشرقين في القول بأن الأدب العربي على تاريخه الطويل لم يعرف الملاحم ، ولم يقدم في هذا الفن ما يضارع مثل هذه العطاءات العالمية التي قدمتها الشعوب العريقة القديمة التي كتبت تاريخ حضارة الإنسان، وسجلت رصيد صراعاته البطولية المجيدة من أجل إرساء قيم الإنسان ، وإقراره كمخلوق خلقه الله ليكون سيدا على العلم ، بمثل ما فعلت ملاحم الشعوب العريقة القديمة الأخرى..

    ولابد لنا أن نحلل سر هذا الموقف من المؤرخين والعلماء القدماء ثمَّ من المستشرقين أولا قبل أن ندخل إلى مناقشة هذه المسلمة نفسها...

   أما العلماء القدماء فقد غلبت عليهم النظرة الدينية من ناحية والنظرة العلمية المجردة من ناحية أخرى، ففضلوا تجاهل كل ما جاء في الموروث العربي القديم أو الموروث الإسلامي المعاصر لهم من حكايات وقصص وبالتالي من أعمال مجمعة أو قصائد مطوّلة تتناول هذا التاريخ القديم بالعرض القصصي أو الشعري . وهذا الموقف قد أدّى إلى تجاهل كتب تاريخ الأدب لهذا اللون من الأعمال الفنية ، كما أنه أدّى إلى تجنب أدباء العصر وكلّ عصر القيام بإعادة صياغة هذه المأثورات القديمة صياغة شعرية أو قصصية جديدة تحمل عطاءهم الفني ، وتستفيد من قدرتهم الشعرية أو الأدبية ، فبقيت هذه الموروثات الفنية تتناقل بعيدا عن مجال الشعراء والأدباء المعترف لهم بالفحولة الشعرية أو القدرة القصصية حتى الآن ..

   ولكن هذا لم يمنع الشعب العربي من التشبث بهذه المناهل الروحية التي لا يستطيع شعب من الشعوب أن  يستغني عنها فظل أدباء الشعب أو الأدباء الشعبيون بتعبير أدق يتداولون هذه القصص من موروثهم بالإضافة والتجميع والتقليد والعناية حتى كوّنوا منها ملاحم عظيمة فخمة ، إن افتقدت جرس الشعر الفحل وافتقدت قدرات الشعراء الفحول، إلا إنها ظلت موجودة ومتوازنة على الرغم من تواضعها السردي والشعري على حد سواء ...

     أورد السيوطي قول الإمام أحمد بن حنبل: ((ثلاثة ليس لها أصل: التفسير، والملاحم ، والمغازي))([2]). ويعني قول الإمام إنه كان يعرف الملاحم ، وإنها كانت موجودة بالفعل ومتداولة على السنة الناس ، وإنها شيء مقرر معروف عند العرب سواء بسواء مثل التفاسير والمغازي..ومعنى قوله أيضا انها مرفوضة من العلماء من أمثال ابن حنبل للأسباب نفسها التي رفضوا من أجلها التفسير والمغازي . ذلك انه لا أصل لها...

   وإذا أردنا أن نفهم هذا التعبير فهما دقيقا فعلينا أن نعرف ما امتلأت به كتب التفسير من البقايا الأسطورية السامية المتعلقة بالأحداث والأمم التي أشار إليها القرآن الكريم ، وكذلك علينا أن نعرف ما امتلأت به المغازي والأيام من ذكر عادات الجاهلية ونعرات العصبية .

    ويقول السيوطي في حديثه عن العلوم المستنبطة من القرآن : ((وتلمحت طائفة ما فيه من قصص القرون السالفة والأمم الخالية ، ونقلوا أخبارهم ودونت آثارهم ووقائعهم حتى ذكروا بدء الدنيا وأول الأشياء ، وسموا ذلك بالتاريخ والقصص))([3]) فالقرآن كان سببا لكي يلجأ المسلمون إلى من بقيت في ذاكرتهم أو في مدوناتهم أخبار هذه الأمم والشعوب التي جاء ذكرها بالقرآن الكريم ، وهؤلاء لم يكونوا يحفظون التاريخ كتاريخ وإنما كان حفظهم له على مثل ما تحفظ به الشعوب أخبار ملوكها وفرسانها من الاتجاه إلى الأسلوب الملحمي والأسطوري مما هو من معطيات الشعب الفنية ...

    ويؤكد هذا ما يقوله  (كارل بروكلمان ): ((..فعرب الشمال هؤلاء وان لم يعرفوا تقويم التاريخ بمعناه الرفيع فقد احتفظوا بذكريات الماضي وأحداثه، كما احتفظ الإسرائيليون القدماء ، ووفروا لهذه الذكريات والأحداث مادة الحياة والبقاء عدة أجيال على الأقل . بيد أن خيال الرواة والقصاص من قدماء العرب لم يكن يتقيد بقوانين التأريخ الصحيح، بل كان يتحدث عن مآثر الأسلاف وأثارهم بمثل الحرية والاختيار الذي يتناول به العامة أساطيرهم. فلم يكن متقيدا إلا بقوانين الفن الشعبي، بغض النظر عن التزام الدقة والأمانة التاريخيتين ))([4]).

    فالمسالة إذن إن العلماء لم يجدوا في الملاحم والتفسير والمغازي الدقة العلمية المرتجاة والتي تجعلهم يعترفون بها ويدخلونها في التأليف الصحيحة المعتمدة، والمسالة أيضا أن العلماء المسلمين خشوا مما احتشد في هذه الملاحم والتفاسير والمغازي من حكايات تحمل بقايا وثنية وقيما رفضها الإسلام كدين ، ويخشى علماء الدين من مغبة ترسبها في أذهان العامة وقلوبهم ..والواقع أنهم اعتبروا هذه الأعمال الشعبية أعمالا مبتذلة يتجاهلون حتى ذكر أسماء مؤلفيها ويقول بروكلمان : ((واقبل الناس في القرن الرابع للهجرة على قراءة قصص مبتذلة ، وقد سمي الصولي سنة 322هـ / 934م ، بعض هذه القصص في كتاب الأوراق (3:6) دون أن يسمي مؤلفيها ، قال : ((إن الناس في زمانه تداولت كتب الخرافات كعجائب البحار وحديث السندباد ، والسنور والغار ))([5])...

    فمسالة لم تعد دينية فقط وإنما أصبحت خلقية أيضا، إذ انتشرت في هذه القصص- في رأى علماء البصرة - حكايات يمكن إن تكون مدمرة لخلقيات العامة ومثلها..وهذا الموقف الأخلاقي نفسه هو – في رأينا – ما منع كبار الكتاب من الإقبال على هذه الآثار إحياء وكتابة وصياغة بحيث تصبح ملك الأدب الرسمي   كما هي ملك للأدب الشعبي المتداول الذي يهرب بما عنده من عطاءات فنية من رقابة أصحاب الدين وأصحاب التربية والعقل وأصحاب الخلق والنفوذ المتصل بالسلطة المدنية التي لا تريد لأبناء الشعب مثل هذا العطاء الروحي الذي يمكن أن ينبه إلى مواطن الضعف في قوة السلطة الحاكمة التي تستمد وجودها من ادعاء الارتباط الديني والخلافة الإسلامية والأرومة العربية ..

     وملاحم الشعوب ليست غرس حس الشعب وحسب؛ وإنما هي ككل شيء يبقى ويخلد ، لا بد له من العبقري الذي يصوغه بكل ملكاته وإمكانياته ليقدم من خلاله فن عصره ، بل وفن قومه كله ، عبر عصره وامتدادا إلى كل عصر- وان كان الأديب الرسمي قد تخلى عن هذه الرسالة خضوعا للمفهوم العام ، فقد قام بها الأديب الشعبي وأثمر عمله هذه الملاحم الشعبية التي بقيت لنا بالرغم من شعوب كثيرة أخرى ، فكما أن الزير سالم وعنترة وسيف وذات الهمة والظاهر بيبرس وعلي الزيبق وحمزة البهلوان مجهول مؤلفها فان المهابهارتا وايزيس واوزوريس وجلجامش وديوجينس وغيرها كثير جدا في موروثات الشعوب مجهول مؤلفها أيضا .

      والأمر لا يخلو من بعض المحاولات التي قام بها الكتاب والشعراء في هذا الميدان. فقد أعاد ابن المقفع صياغة كليلة ودمنة وأدخلها بهذا في باب الأدب الرسمي المعترف به ويحكى ابن النديم في الفهرست أن إبان بن عبد الحميد اللاحقي ينظم كليلة ودمنة وكتاب مزدك وكتاب السندباد وكتاب بلوهر وبوداسف وسيرة اردشير وسيرة انوشروان .

-2-

     أما موقف المستشرقين فهو إهمال الملاحم العربية إهمالا تاما ومحاولة إما جعلها نسخا منقولة دون إضافة من نتاج شعوب أخرى ، وأما اعتبارها من سقط القول الذي لا يعتد به ، وإما الاهتمام بها من حيث كونها مادة فولكلورية وحسب...وهذا الموقف غريب لأنهم في الحقيقة – أعني علماء الغرب - اعترفوا بملاحم اليونان واعتبروها قمة أدبية وأفردوا لها الدراسات المستفيضة من حيث هي نتاج متميز أدى إلى ظهور الدراما عندهم .. وبالقدر نفسه من الاهتمام تناولوا ملاحم أوروبا كلها بحيث غدت هذه الملاحم المصدر الأم للكثير من الأعمال الأدبية في كل عصر من العصور الأدبية ابتداء من مسرحيات شكسبير التي اعتمدت على بقايا ملحمية لشعوب أوروبا المختلفة وحتى عصرنا هذا الذي غدا فيه أبطال الملاحم القديمة رموزا تعكس تمزق أبطال العصر ، وتعين الشاعر أو الكاتب على تعميق وجود بطله الإنساني .

       ونحن لا نعجب كثيرا لهذا الوقف الذي التزم به معظم المستشرقين إذ إن كل همهم كان النظر إلى العطاء العلمي أو الفلسفي للموروث العربي، وهم قد حددوا أنفسهم موقفا محددا من الثقافة الإسلامية. ومنذ قال (رينان) إن العقل العربي يهتم بالجزيئات ولا يهتم بالكليات ، وعلى هذا فهو عقل غير قادر على الخلق والإبداع، وأقوال المستشرقين تغرق في هذا الاتجاه ، وتحاول تبريره وإثباته إثباتا علميا، ويقول فون جروثيباوم في حديثه عن الخيال العربي (( لم يتخلَّ الفكر الإسلامي على وجه العموم ، عن سيكولوجية ارسطوطاليس أبدا ، وهذه السيكولوجية لا تمنح الخيال, نسبيا؛ منزلة رفيعة بل تضعه مع القوة الحيوانية على صعيد واحد. كذلك فان النظرة الكلامية أيدت هذا التهوين من شأن تلك القوة الإنسانية الخالقة )).

      فالمسالة مسالة موقف من العقل الإسلامي كله ، وهو موقف محير ، لان العرب إن كانوا قد اعتنقوا آراء أرسطوطاليس في المنطق ، فلماذا لم يعتنقوا آراءه في الفن . وأرسطو يتحدث عن التراجيديا ، ولكنه وان خصها بمعظم حديثه إلا انه يمزج بينها وبين الملحمة ، وهو يتحدث عن الشبه بين الملحمة والتراجيديا في النوع فكل منهما – الملحمة والتراجيديا منهما – بسيطة أو معقدة أو خلقية أو انفعالية ، كما إن الملحمة والتراجيديا يتشابهان في أهم عناصرهما وهي العقدة والخلق ، والفكر والعبارة ، ثمَّ يذكر ما بينهما من فروق ومن أهمها أن مجال الخوارق أوسع في الملحمة منه في التراجيديا([6]) .

    وإذا كان العرب قد عرفوا ارسطوطاليس فلا شك إذن إنهم عرفوا أن الملحمة فن مهم من فنون القول ، وعرفوا أيضا أن ما في تراثهم من ملاحم يقوم على الأسس والمقومات التي تقوم عليها الملاحم الإغريقية نفسها ... وعرفوا بالتالي أن أرسطو يحترم الخيال ويقنن له وينزله في الفن منزلة رئيسية ومهمة

    والأمر ليس أمر أفكار أرسطو وإنما يتجه المستشرقون إلى اتهام الإسلام بقتل ملكة الخلق عند المسلمين ، وانه هو وتعاليمه يشكلان العوامل الرئيسية التي أوقفت العقل العربي الإسلامي فمنعته من الإبداع والخلق ويقول جروثيباوم : ((ثمَّ أن الدين وقف سدا دون الإيمان بقدرة الإنسان على الخلق ، ومما أيده في ذلك عجز الناس عن أن يميزوا على وجه اليقين بين الخلق الفني والعقلي والخلق من العدم )).

      وهذا موقف غريب فان استعمال كلمة الخلق ههنا يخرج عن معناه تماما، فالخلق الذي يعني إيجاد الماديات المحسوسة مرفوض لا إسلاميا وحسب وإنما عقليا أيضا ، أما الإبداع الفني فلم يقف شيء في سبيله ، ولعل الإسلام هو الدين الوحيد الذي لم يلجا إلا اثبات مبادئه بادعاء قدرة الخلق لرسوله ، فعيس بعث الحياة في الموتى ، وموسى رمى عصاه فغدت حية تسعى ، أما محمد (ص) فقد رفض هذا المنطق في إقناع المسلمين . وإنما هو لجأ إلى عاملين مهمين في اثبات حجة رسالته ، العقل والخيال ..

      أما العقل فهو في استنفار الإنسان إلى النظر حوله والمناقشة والجدل ليعرف بحكم هذا كله معنى وحدانية الله ، وقصة إبراهيم وتجريبه لعبادة القوى المختلفة في السماء ثمَّ رفضه لها واحدة؛ واحدة تعني إيمان الإسلام بأن العقل وسيلة مهمة تؤدي باستعمالها إلى الوصول إلى معنى الله ووحدانيته في الوجود...

      والقرآن ملئ بالايات التي تدعو الناس إلى النظر فيما حولهم والى التفكر، والى استعمال العقل في البحث عن المعنى دون خوف أو وجل ...

     أما الخيال فهو في فتح مغاليق القلوب لتدرك ما لا يدرك بالعقل وحده ، وليستكمل الخيال الصحي صور المعطيات غير الحسية التي على أساسها ينبي التصديق بما لا يقع في دائرة المحسوس أو المنطقي ولكنه موجود تدركه نفس المسلم عن طريق تفجير الطاقة الروحية التي لا بد أن تستند إلى رؤية إبداعية يغذيها الخيال ، فاليوم الآخر ، والبعث بعد الموت، والحساب والجنة والنار ،لابد لإدراكها كلها من طاقة خيالية مبدعة خلاقة تجسد في النفس هذه المعاني غير المحسوسة ولا الممنطقة حتى يكتمل إسلام المسلم.

      والمستشرقون يعتمدون على أحكام العلماء العرب القدماء الذين يمثلون واجهة واحدة من واجهات الثقافة الإسلامية المتعددة و وإذا كان تصور هؤلاء العلماء للفن قد ارتبط بالتوظيف النفعي له ، فإننا ندرك أن هذه النظرة فرضت لونا معينا من العطاء القول على كتب النقد والبلاغة ، ولكن هذا اللون ليس هو كل الإبداع العربي الإسلامي ، وإذا كان المستشرقون يستندون على هذه الأحكام في اتهام العقل العربي فهو استناد مغرض لأنه يلجأ إلى ما يثبت الرأي المسبق ، ولا يدخل إلى ساحة البحث مجردا من فكرة سابقة يريد أن يثبتها بكل طريق .

      والعجيب أن واحدا كجروثيباوم يحاول جاهدا أن يثبت أن الحضارة العربية ليست من الأصالة في شيء وإنما هي طفرة للحضارة الهلينستية ما أن ظهرت حتى اختفت ، وهذه المقولة تناقض كل حديثه عن الخيال العربي والعقلية الإسلامية على التسليم بصحتها وهو أمر مشكوك فيه تماما . وحين يحس بهذا التناقض في أحكامه يحاول من جديد أن يجد المبرر (العلمي) لرأيه فيقول : ((غير أن الناقد العربي معذور إذا قيس إلى رصيفه الكلاسيكي لأنه كان إذا التفت إلى موروث قديم اتجه بنظره إلى الجاهلية ، وهي ذات موروث فقير إذا قارناه بما كان لدى الداعين إلى الآداب القديمة من موروث غني خصب ، والموروث الفقير لا يهيئ لمن يتوجهون إليه إلا الهاما ضئيلا ، وهذا التسليم الافتراضي بضحالة الموروث الجاهلي تسليم مغرض ومقدمة منطقية مكذوبة توضع هنا كأنها مسلمة علمية ليصح أن تبنى عليها نتيجة أكثر خطأ وإعراضا .

     فالأستاذ جروثيباوم يعرف أن الجاهلية – وهو اسم ديني محض – كانت تزخر بكل الموروث السامي القديم بما في ذلك كل موروث الإسرائيليين وان الجاهلية أيضا ارتبط أهلها بكل ثقافات العالم عن طريق الرحلة والتجارة فحملوا معهم كل البقايا الثقافية التي عرفها العالم قبل البعثة المحمدية . والعرب في الجاهلية كانوا يعرفون أخبار الأمم حولهم وهم بحكم مركزهم المتوسط كانوا مصبا لهذه الأخبار وهذه الثقافات ، والملاحم العربية التي جاءتنا عن هذه الفترة تحوي كل الإشارات الأسطورية والفكرية التي تدل على ارتباط كامل بالموروث العالمي بعامة والسامي بخاصة المعروف قبل الإسلام. ويقول الهمذاني: ((لم يصل إلى احد خبر من أخبار العرب والعجم إلا من العرب ، وذلك أن من سكن مكة أحاط بعلم العرب العاربة وأخبار أهل الكتاب وكانوا يدخلون البلاد للتجارات فيعرفون أخبار الناس ، وذلك أن من سكن الحيرة وجاور الأعاجم علم أخبارهم وأيام حمير وسيرها في البلاد . وكذلك من سكن الشام خبر بأخبار الروم وبني إسرائيل واليونان، ومن وقع بالبحرين وعمان فمنه أتت أخبار السند وفارس، ومن سكن اليمن علم أخبار الأمم جميعا لأنه كان في ظل الملوك السيارة ))([7]).

    فمقولة جروثيباوم خاطئة نقلا وعقلا أيضا ، وإلا فمن أين جاء هذا الفيض الزاخر من الأساطير والحكايات التي ملأت كتب التفاسير ، ثمَّ من أين امتدت هذه الأخبار لتفرض وجودها على المتلقي العربي فيه كتب الأخبار والتراجم والسير ؟.. ومن أين جاء هذا الاختلاط في كتب التاريخ العربي بين ما هو حقيقة وما هو أسطورة من موروثات كل الشعوب التي ورث العرب ثقافاتهم وعلومهم وأساطيرهم أيضا ؟.

    والواقع أن ما بذله المستشرقون من جهود مضنية كان يحاول دائما أن يجعل من الدين الإسلامي عائقا دون عطاء حضاري حقيقي وبهذا ينتفي دور الأمة الإسلامية كلها في الإضافة إلى الزاد الإنساني الكبير، ويبدأ تاريخ الإنسان عندهم من اليونان لينتهي إلى أوروبا، وهي نظرة كما ترى – مهما ارتدت من مسوح العلم - عنصرية تعصبية واضحة...

    فإذا ما سقطت دولة المستشرقين ومحاولاتهم في حصر العقل العربي سقط معها قول الأستاذ ليتمان إلى يزعم إن العرب لا يمتلكون ملحمة وطنية لان اللون الذاتي الذي هو الأساس في الشعر الملحمي غير موجود لغلبة الطابع الغنائي على أشعارهم. وسقط كذلك قول جروثيباوم عن كاتب السيرة من انه (( قصر همه على معالجة الشعور الديني والمتعة الحسية الشهوانية ، إلى حد ما ، دون أي شيء آخر ، أما التجربة الذاتية فلم توضع موضع الحقيقة الموضوعية في قصة أو مسرحية ، ولا دست بشكل غير مباشر في تشخيص فصيلة أو فكرة ، ولا ألبست للشخصيات التاريخية والأسطورة , لكي تكون من خلا ل هذه جميعا ممثلة معبرة عن النزعات الذاتية ))([8]).

   ولسنا نجد تبريرا لمثل هذا القول إلا بأنه لم يقرأ الملاحم العربية ولم يحاول أن يدرس هذه الملاحم دراسة حقيقية لمعرفة إلى أي حد لعبت هذه الملاحم والسير الشعبية دورها في التعبير عن هموم الإنسان العادي وتجاربه المعاصرة مغلفة في القالب الملحمي الأسطوري التاريخي القديم؛ بل لعله لم يحاول أن يدرك أن موقف العلماء المسلمين المرتبط بمركز الخلافة كان من أهم العوامل التي جعلتهم ينكرون مكان السير والملاحم العربية لما تحمل من معاني الرفض والمقاومة من إنسان العصر لسقف أصحاب السلطان وشاهدنا في هذا سيرة علي الزيبق وما تحمل من معاني الثورة السياسية والاجتماعية معا .

-3-

     يقول جوستاف لوبون جرونيباوم: ((..لا ريب أن حرب الثغور التي لم يكن ينطفئ لها مع الروم اورار قد تركت آثارها فيما سطر العرب ، ولم يقتصر الأمر على أن يشيد الشعراء بمعارك لعب فيها سادتهم دورا مشرفا ، بل إن أحداثا وشخصيات تتصل بهذا الكفاح الذي لم ينته قط إلى نتيجة حاسمة ، قد أدخلت في القصص الشعبي كما تشهد بذلك رواية الملك عمر النعمان التي أضيفت فيما بعد إلى كتاب ألف ليلة وليلة ، بيد أن هذه الشواهد على الاهتمام المعاصر تبدو غير ذات بال إذا قورنت بصورة تلك الأحداث عنها كما انعكست في الملحمة الشعبية عند البيزنطيين . فالأدب العربي لا يعوزه فحسب مؤلف من طراز وجدارة تلك الملحمة اليونانية التي تتركز حول ديجينس اكرياتس بطل حرب الثغور؛بل إن جو مناطق الثغور الخاص وطبقة الحياة فيها في صورتها التي لا تشك أنها تطورت إليها ، لم يجد لسانا يعبر عنهما في كل من الشعر والنثر العربيين))([9]).

     وهذه السقطة تحدد كل ما أردنا قوله من قبل. فقصة عمر النعمان الملحقة بألف ليلة وليلة لست إلا جزءا من ملحمة شعبية ضخمة سجلت حروب الثغور تسجيلا نثريا وشعريا رائعا، بل لعلها من أطول الملاحم وأروعها ، وأحفلها بكل القواعد والأسس التي قامت عليها الملاحم في كل مكان ، تلك هي ((سيرة الأميرة ذات الهمة وابنها الأمير عبد الوهاب والسيد البطال))([10]).

   فتجاهل العمل وإصدار الأحكام الخاطئة يسقطه ظهور العمل الكامل الذي يجعل كل الحجج المبنية على الخطأ عنها ، وهذه السيرة رغم أنها تتحدث عن مرحلة تاريخية محددة هي حروبا العرب والروم ، وفي منطقة محددة نقطة الثغور وبالذات في(ملطية) إلا أنها تحقق عرض هموم الإنسان العربي في زمن السيرة أي زمن إحداها ، وفي زمن مؤلف السيرة أي في زمن كتابتها .

     وتلخص الدكتورة نبيلة إبراهيم هذا الهدف في دراستها المقارنة لسيرة ذات الهمة بسيرة ديجينس البيزنطية فتقول: )(...نستطيع أن نقول إن سيرة ذات الهمة بهدفها هذا ، قد ربطت ماض تاريخ الشعر العربي بحاضره ، حينما أبرزت مشكلته الأساسية التي عاني منها ولا يزال يعاني منها حتى اليوم . فما زال الشعب العربي يعاني من حكام لا يستطيعون – خوفا على مصالحهم – الجهر بعناصر الفساد وإعلان الحرب عليها. ولا تزال الدولة البيزنطية المهددة لكيان الدولة الإسلامية تظهر بصورة أو بأخرى، ثم ما زال عقبة يظهر بين الحين والآخر ليقوم بدور النفاق الذي يقدم أكبر عون للدولة المعادية وان كان يعمل – وهو لا يدري – على هلاكه المحتوم ))([11]).

    وإلى جوار هذه البعد الاجتماعي والسياسي الذي أبرزته الدكتورة نبيلة إبراهيم ابرز كتاب أضواء على السير الشعبية جانبا آخر مهما في السيرة وهو دور المرأة ووضعها في المجتمع العربي ، والدفاع عن مشاركتها الكاملة في صنع مجتمعها إما محاربة (أمازونية) وأما عالمية فاضلة، وأما حاكمية عادلة ,وأما عابدة خاشعة متبتلة .

    ومع هذه الأبعاد الاجتماعية التي تمثل هموم المسلم ومشاكله الذاتية يبرز بعد الكفاح البطولي ضد العدو وهو في سيرة ذات آلهمة الروم ، وهو في سيرة الطاهر بيبرس الصليبيون وهو في سيرة سيف بن ذي يزن الأحباش ، وهو فيسيرة علي الزيبق الفساد والعسف المملوكي ، وهو فيسيرة عنترة بن شداد دولتا الروم والفرس، وهو في سيرة حمزة البهلوان دولة الفرس ...

    ومع الاهتمام بالإطار التاريخي في صورته الملحمية في هذه السير فهي ترتبط ارتباطا كليا بموروث الثقافة الإنسانية القديمة فإذا أبطالها رموز الأبطال الأساطير القديم التي تمثل أول مطهر من مظاهر تعبير الإنسان عن بحثه عن مكانه ومعنى ما يلقي في هذا الوجود.

     والدراسة القيمة التي قدمها الدكتور لويس عوض لملحمة الزير سالم تحت عنوان ((أسطورة اوريست والملاحم العربية)) لا تعقد صلة قربى بين الملحمة العربية والإغريقية وحسب وإنما هي ترجعهما معا إلى صورة من صور أسطورة ايزيس واوزوريس الصرية أن وهو يرجع أحداث هذه السيرة – سيرة الزير – إلى عصور موغلة في القدم في تاريخ العرب أن استدعتها إحداها المعارك بين العرب والصليبيين أن ثمَّ استمرت تعكس – في تراكم ملحمي – أحداه الشعر الإسلامي أيام العثمانيين ...

      ودراسة التراكم الملحمي في الملاحم العربية الأخرى سيحدد لنا عدة ((موتيفات))عالمية التداول في ملاحم الشعوب وأساطيرها ئن فالابن المنتقم لأبيه سنجده في سيف بن ذي يزن كما نجده في علي الزيبق .. كما أن ((موتيفة)) الأم المستهترة أو قاتلة الأب التي نجد رمزها في اليكترا الإغريقية نجدها في ((قمرية)) أم سيف وفي وجه من وجوه ((جليلة)) امرأة كليب ، وهكذ...

-4-

    الملاحم العربية إذ موجودة ما وجدت الملاحم عند كل الشعوب، وموقف العلماء العرب ورجال النقد الادبي المرتبطين بالسلطة الزمانية ، وكذلك موقف المستشرقين المتحيز لا يستطيع أن ينفي وجوده ، وتأخر الاعتراف بها ، وتأخر دراستها شعبيا وأدبيا لا يعني أنها لم تكتب لتسجل دورا مهما للكاتب العربي في المشاركة في التعبير العالمي عن الإنسان وأحلامه وهمومه وتطلعه الدائم إلى المثل العليا من خلال كفاحه الملحمي أمام التحديات الخارجية ممثلة في ((الأعداء)) أعداء الوطن والدين..والتحديات الداخلية ممثلة في الفساد الاجتماعي والظلم الاجتماعي وأمراض المجتمع بكل ألوانها وضروبها .

    ووجود هذه الملاحم ينهي أسطورة عجز العقل العربي عن الخلق ، كما ينهي أسطورة قصور الخيال الإسلامي عن الإبداع، وما يحاول به الكثيرون من المستشرقين اتهام طابع الدين الإسلامي وفلسفته بأنها المسؤولان عن جمود العرب والمسلمين ، وقصر دور الحضارة الإسلامية على مجرد النقل للحضارة الهلينستية السيدة العبقرية .. بل إننا نستطيع أن نقول إن الإسلام هو الذي خلق هذه الملاحم بحكم ما أورثه العقل العربي والخيال العربي معا من قدرة وتفتح، وبحكم ما حدده للإنسان المسلم من رسالة لا تنتهي في الجهاد في سبيل الله. ومعنى الجهاد هو أول معالم الوجود الملحمي الخارجي في المعارك المستمرة مع أعداء الدين، والداخلي في العطاء الملحمي الذي يبرز بطولة المكافحين والمناضل بأروع ما يستطيع القلم أن يصوره ويرسمه.

 

الملحمة في الأدب الغربي

-1-

الملحمة في الأدب الإغريقي القديم

 

    الملحمة، في تعريف سريع مجمل ، هي قصيدة قصصية طويلة جيدة السبك ، تتوافر فيها الحبكة ، تتسم وقائعها وأحداثها بالشرف والجلال ، ويعالج فيها الموضوع على نحو يتناسب مع أعمال البطولة في أسلوب رائع ، وسيرة البطل في العادة هي الموضوع الذي يربط كل أجزاء القصيدة ([12])...

   وتتنوع الملاحم عادة ، فمنها ما يخترعه أو يؤلفه شاعر واحد ، مثل ((الاينيذة )) لفرجيل، و ((الفردوس المفقود)) لملتون...ومنها ما يخترعه أو يؤلفه شعراء مجهولون عديدون يعملون في عصور مختلفة معتمدين على أساطير شعبية مرتبطة بالأبطال، مثل ((بيوولف وأغنية رولان)).

    وتضم الملحمتان المشهورتان الإلياذة والأوديسة هذين النوعين ، وتقلدهما اينيذة فرجيل . وتجسم بعض الملاحم المثل العليا لأمة من الأمم أو شعب من الشعوب، مثل ((الكاليفالا الفنلندية)). ومن الملاحم المشهورة ((خلاص بيت المقدس)) لتاسو،و ((ملكة الجان)) لسبنسر ، ومسيد الاسبانية ، و((الشاهنامة )) الفارسية ، و((المهباراتا)) الهندية ...

     وكان المعتقد عند الباحثين أن الأدب العربي يخلو من الملحمة ، ولكن الدراسات الحديثة أثبتت وجدود الملاحم في الأدب العربي ، والى جانب القصائد الطوال (المعلقات) التي تحكي أيام العرب باللغة الفصحى ، يوجد ضربان من الملاحم العربية يغلب الشعر على الأول منها ، مثل ((سيرة بني هلال)) ويغيب النثر على ثانيهما ، مثل سيرة ((الظاهر بيبرس)) ونلتمسهما في اللهجات البدوية والعامية . ومن  الملاحم العربية المشهورة ((سيرة عنترة))و((سيرة سيف بن ذي يزن)).

    أعود الآن إلى العصر الهومري الذي ازدهرت فيه الملحمة ازدهارا لم يعرف له مثيل من قبل ولا من بعد، واني لعلى يقين من أن ملحمتيه ((الإلياذة)) و((الأوديسة)) لتعتبران – بدون شك – المثل الأعلى لشعر الملاحم ، لامتيازهما بالإبداع والفخامة وسمو الأسلوب وروعة الموضوع الذي يعالجانه . فالأوديسة مثلا قصة شعرية بل ملحمة قصصية راسخة متينة البنيان ، مكينة الأركان ، تصور لنا أمورا لها العجب العجاب ، وترسم لنا أحداثا تشيب لهولها الولدان ، وتحمل إلينا أجواء باهرة الروعة مفعمة بالعجائب والغرائب ..

    والرائد الأول لعصر الملاحم، هو شاعر البشرية الأول هوميروس الشاعر الفريد إلى عبقريته ، والغامض في مولده ، إذ تواجهنا صعوبة في تحديد التاريخ والعصر اللذين عاش فيهما فليست هناك في الواقع أية تواريخ محددة لمولده أو لمماته ، ومع ذلك فهناك حقيقة مهمة في أن تاريخ هوميروس يمكن ربطه بتاريخ شاعر آخر يدعى ((هسيودوس)) كما يقول بعضهم انه عاش قبل هوميروس ، كما يقول فريق آخر مثل ((هيرودوت)) المؤرخ اليوناني الشهير انه وهوميروس عاشا في عصر واحد أي إنهما متعاصران . فأيهم يحق لنا أن نصدق ؟.

    لعب هوميروس دورا عظيما في تسجيل أحداث زمانه والترنم بشجاعة رجاله وأبطاله والإشادة بجسارة المحاربين الذين تفانوا في الدفاع عن شرفهم وسمعة وطنهم.

    وكان هوميروس يعتبر معلما ولكنه – بخلاف هسيودوس – معلم غير مباشر ، إذ كان دائما رائدا في فنه وتصويره حتى لنصدق إن قلنا انه علم الشعراء الآخرين كيف يتقنون ((فن الأكاذيب كما يجب)) فضلا عن انه راح يعلم بني جنسه الشؤون الحربية([13]).

    وبالرغم من اعتبار كل من هوميروس وهسيودوس معلمي العصور القديمة، وبالرغم من استعمالهما لهجة واحدة وأسلوبا واحدا، إلا أن هوميروس غير هسيودوس ، ومعلمات الأول غير معلمات الثاني . فالفرق بينهما شاسع بلا شك ، إذ لا يخاطب هوميروس غير الإشراف وطبعة الارستقراطيين . ولا يكترث بطبقات العوام ولا يلتفت أيها ، بينما لم يهتم هسيودوس لغير طبقة العوام، فالأخير بلا شك لسان حال هذه الطبقة . ومما لا يرفى إليه الشك أن أشعار هوميروس كانت الأساس المكين الذي نهضت عليه الآداب والتعاليم الإغريقية...

    وكما حاول الكثيرون الطعن في هوميروس كمؤلف لملحمتي الإلياذة والأوديسة طعنوا فيه أيضا كمؤلف لأي منظومات شعرية أخرى.

    فقد بدت هذه الأعمال الأدبية في نظرهم فوق مقدور رجل واحد وعقل واحد..ولكن مما لا شك فيه أن ((هوميروس بن مايون))، الشاعر الضرير، هو ذلك العملاق الذي كتب بملحمتيه صفحات الخلود بحروف من نار ونور .

    والآن ماذا عن الإلياذة ؟ من المتفق عليه أن الإلياذة كانت ولا تزال – وستظل أبد الدهر – صرحا ضخما من صروح الأدب الإنساني ، ومرجعا فريدا من مراجع المعرفة ، وديوانا خالدا من دواوين الحماسة والبطولة ، كان له على التربية والأدب والثقافة- الإفريقية والعالمية – ابلغ الآثار وأعظمها على مر الأجيال .

    و((الإلياذة)) مدينة بخلودها إلى قوة موضوعها، وحرارة أبياتها، وسلاسة أسلوبها، البسيط، الوقور، الرائع..وأخيرا إلى تصويرها الناطق الحي لنفسيات الإغريق – رجالا ونساء – في ذلك العصر الحافل بصور بطولتهم النادرة في الحرب .. وفي الحب

    وتتألف ((الإلياذة)) من خمسة عشر ألفاً وخمسمائة نم أبيات الشعر... وهي تخذ صور حوادث واحد وخمسين يوما من أيام السنة العاشرة والأخيرة من حصار الإغريق لطروادة... ومن ثم فأنت لكي ترأها وتستمتع بها على الوجه الأكمل لابد أن تعرف أولا قصة حرب طروادة ، والغرام العارم الذي كان السبب المباشر لاشتعالها .. والأبطال الذين اكتووا بنارها- سواء من البشر، أو الآلهة..

     ذلك أن أبطال الإلياذة خليط من البشر والآلهة...فمن أبطالها البشريين : باريس, وهكتور ، ابنا ملك طروادة ، وعدوهما مينيلاوس ملك اسبرطة ، وشقيقة اجامنون قائد جيشه ...أما أبطال الملحمة من الآلهة فمنهم : ((زوس)) كبير الآلهة ويطلق عليه الرومان ((مينيرفا)). هم أخيل – أو أشيل – ابرز أبطال جيش أجا ممنون ، وهيلين ، زوجة ملك اسبرطة الفاتنة ، التي نشبت بسببها الحرب مع طروادة ...

     دعني الآن أقص عليك طرفا من أساطير هؤلاء الأبطال  ، ومغامراتهم في الحب والحرب ، قبل أن أقدمهم في قصتهم الكبرى ((الإلياذة)) كي يتهيأ لك الجو المناسب لفهم هذه الملحمة .

    كانت لآله البحر ((بوسايدون)) حورية تدعى ((ثيتيس)) وقعت عليها عين زوس كبير الآلهة ، فأعجبته ...لكنه علم من ((الأقدار)) أن الحورية سوف تلد ابنا يصير أعظم من أبيه ...فأبى أن يكون هو ذلك الأب..ومن ثمَّ قرر إلا يضيفها إلى قائمة عشيقاته العديدات، بل يزوجها إلى ملك بلد مجاور. ولكي يضفي على الزواج رونقا وبهاء ، رأى أن يحضر بنفسه حفلة العرس، مصحوبا بزوجته ((هيرا)) لآلهة الزواج، وغيرهما من آلهة جيل الأوليمب .

        وكان آله البصر – والد العروس – قد تعمد أن يغفل دعوة آلهة ((الشقاق)) الكريهة إلى عرس ابنته، لكن اللعينة ذهبت إلى ذلك الحفل متطفلة. وهناك ألقت وسط المدعوين الصاخبين ((تفاحة)) كتبت عليها هذا الإهداء الماكر: إلى ((أجمل)) الحاضرات !.فتنازعت عليها ثلاث منهن : ((هيرا))، آلهة الزواج، وابنتها ((أثينا)) آلهة الفكر، ثم ((افروديتي)) آلهة الحب كل تزعم أنها أحق بها من سواها! وتشيع لكل ربة من الثلاث فريق من أنصارها والمعجبين بها ، حتى كاد العرس يتحول إلى ميدان قتال !...لولا أن استقر رأي الحاضرين على يحتكموا في النزاع إلى راع وسيد الطلعة يدعى ((باريس))، يرعى قطيع ماشيته على سفح جبل ((ايدا))القريب.

   وبالرغم أن الراعي الشاب ((باريس)) كان يكسب عيشه من هذه الحرفة المتواضعة ، فانه كان سليل ملكين من أعظم ملوك ذلك الزمان ، هما ((بريام)) ملك طروادة ، و ((هيكوبا)) ملكتها ! وكان عراف قد تنبأ له في طفولته بأنه سوف يجلب الخراب والكوارث على وطنه ، فاثر والداه أن يضحيا به في سبيل طروادة ، فتركاه على سفح تل ليمون .. لكن الأقدار هيأت له راعيا فقيرا عثر عليه فأنقذه ، وتبناه !.

    وشب باريس فاتن الطلعة رائع الجمال، إلى حد أوقع الحوريات والراعيات في هواه ..أما هو فوقع في هوى حورية تدعى ((اوينون)). وعاش الاثنان في سفوح جبل ايدا حياة مترعة بالسعادة .

     وذات يوم ، جاءته الربات الثلاث المتنازعات على التفاحة: أفروديتي ، وهيرا، وأثينا – فاليقين بالتفاحة الذهبية بين يديه ، وسألنه أن يحكم بينهن بالعدل ، فيمنحها لمن يراها أحقهن بها !

     ثمَّ شرعت كل واحدة تحاول أن ترشوه – بغير استحياء – كي ينحاز إلى صفها- فوعدته ((هيرا)) بالسلطان والثراء..ومنته ((أثينا)) بالشهرة والمجد الحربي.. أما افروديتي فقد عرضت عليه أن تزوجه من  أجمل نساء الأرض.

    وراقت له الأمنية الأخيرة أكثر من سابقتيها، فمنح ((تفاحة الجمال)) الذهبية لآلهة الحب.

    ولم تمض أيام حتى هجر ((باريس)) زوجته وماشيته، وأبحر في ركاب أفروديتي  إلى شواطئ اليونان .

    في تلك الأيام كان لملك ((اسبرطة)) زوجة تدعى ((ليدا)) راقت في عيني كبير الآلهة ((زوس))، فأنجبت منه طفلا وطفلة من الآلهة ، بعد أن أنجبت من زوجها طفلا وطفلة من البشر.. فلما كبر الأربعة زوجت الابنة (( البشرية )) من اجاممنون ملك((مسينا)) فجلبت عليه الكوارث – كما سنرى.. أما الطفلة ((الإلهية)) – وكانت تدعى ((هيلين)) – فقد خطبها شقيقة ((مينيلاوس)) فظفر بها وصار وريثا لعرش اسبرطة في أن واحد .

     وكان ملك اسبرطة الشيخ قد أدرك بفطنته، أن زوج هيلين – التي كانت تعتبر أجمل نساء الأرض قاطبة .

    لا بد أن يتعرض بسبب جماله لكثير من الأخطار والأحقاد ، فاقترح على جميع خاطبي ود هيلين – قبل أن يزوجها من احدهم – إن يقسم كل منهم قسما لا حنث فيه على أن يرضخ لحكمه فلا يحاول التعرض لها فيما لو صارت من نصيب سواه، بل وان يخف لمساعدة الزوج الذي يظفر بها على استردادها ، فيما لو خطفها  عاشق حسود .

وسترى أن ذلك القسم كان السبب في نشوب حرب طروادة .

    وتمّ زواج هيلين من ((مينيلاوس)) الذي صار الآن ملكا لاسبرطة، وعاش الزوجان أعواما سعيدين...وذات يوم نزل ضيفا عليهما في قصرهما أمير شاب من أمراء طروادة ، ولم يكن الأمير سوى الراعي الوسيم ((باريس)) الذي منح افروديتي تفاحة ((الجمال)) الذهبية فوعدته بأن تمنحه بدورها أجمل نساء الأرض، وتنفيذا لوعدها نصحته بأن يعود إلى قصر أبيه ملك طروادة فيعرفه بنفسه ويحصل منه على السفن اللازمة كي يقوم برحلة بحرية إلى بلاد اليونان حيث تقيم هيلين ((أجمل نساء الأرض))...فقد كان من سوء المصادفة أن الفاتنة إلى وعدته بها افروديتي كانت زوجة لسواه لكن عقبة ((تافهة)) كهذه ما كانت لتعوق آلهة عن الوفاء بوعد قطعته على نفسها ...وهكذا، بتأثير تحريض ربة الحب والجمال ، انتهز الشاب ((باريس)) فرصة غياب مضيفه مينيلاوس عن القصر. فاختطف زوجته ((هيلين)) وفر بها إلى طروادة.

    وكانت خيانة وضيعة من جانب الضيف، فان مضيفه كان قد استقبله بكل مظاهر الترحيب اللائق بالأمير الشاب، وأكرم وفادته كأعظم ما يكون الإكرام. فلما عاد من غيبته وعرف نبأ فرار زوجته مع ضيفهما ، بادر فأرسل رسله على عجل إلى جميع طالبي يد ((هيلين)) السابقين، مذكراً إياهم بقسمهم القديم على نجدته في مثل هذا الظرف بالذات .

    وهرع الجميع من فورهم إليه، ودعا رؤساء العشائر لإبداء رأيهم في الموقف الحربي الذي قد يتطور إليه النزاع، فوقع اختيار المجتمعين على ((اجاممنون))- زوج شقيقة هيلين، وشقيق زوجها– كي يكون قائدا لهم في عراكهم المقبل...وبفضل دهاء احد الحاضرين ، وهو ((اوديسيوس)) ملك احد الأقاليم المجاورة – ضم إلى صفوفهم البطل الصنديد ((أخيل)) أبن الحورية ((ثيتيس))...وهو الذي كانت الافداذ تنبأت له بأنه سوف يصير أعظم من أبيه .

    وهكذا التأم شمل جيش الإغريق نحو غايتها، تمخر عباب بحر قاتم، أكسبت الظلماء ماءه لون النبيذ.

وبذلك تبدأ حرب طروادة المشهورة .

تبدأ الإلياذة حول فكرة معينة وثيقة الاتصال بغضب أخيل ، ذلك انه كان قد رفض اجاممنون أن يعطي ابنته خروسايس إلى كاهن أبولو . غير انه في مقابل ذلك يطالب اجاممنون بأن يعطي بربسايس احد أسيرات أخيل . إلا أن أخيل يعتبر هذا الطلب مسبة وعارا له فيغضب ويرفض الاشتراك في القتال ثمَّ يذهب إلى خيمته ويقبع فيها يؤيده في ذلك الرب زوس الذي كان يشجعه على هذا المسلك .

ثمَّ يأتي زوس إلى اجاممنون في نومه ويخبره بأن هناك أحداثا جساما ستقع. ومن ثمَّ يعقد اجاممنون العزم على القتال ويجمع الملوك والرؤساء للتشاور في هذا الأمر، وبعد هذا المجلس الصغير يعقد المجلس الكبير الذي هو مجلس الشعب المكون من جميع المحاربين البالغين سنا معينة لا تقل عن العشرين. يتظاهر اجاممنون بادئ ذي بدء برغبته في الرحيل ويؤيده الجميع في هذه الرغبة ويبدون استعدادهم لذلك ويعيدون العدة للرحيل وبينما هم على هذا العزم إذ يجيئهم اوديسيوس فيشد من عزائمهم ويشجعهم ويقدم لهم النصائح ويحثهم على القتال فيغير من رأيهم ويحملهم على مواصلة القتال.

يستفز باريس الاخيين ويحملهم على القتال، ولكنه يفر أمام مينيلاوس ملك اسبرطة فيؤنبه هكتور ويوجه إليه اللوم على هروبه فيتفقان على أن تكون هيلينا من نصيب المنتصر. وتتقدم هيلينا على حصون طروادة، وتشرع هيلينا في عد أسماء الملوك والزعماء والرؤساء اليونانيين لبريام والد باريس من بين براثن الموت مؤنبة امرأته هيلينا على ذلك، غير أنها من فرط حبها له تنسى هذا التوبيخ وترضى عنه، وتعود إلى الوفاق معه. أما اجاممنون فيطالب بتنفيذ المعاهدة.

وتحصل الربة ((هيرا)) على موافقة زوجها زوس برجوع حالة الحرب بين اليونان وطروادة وتقترح الربة أثينا على بنداروس أن يصوب سهما نحو ديوميديسس ملك اسبرطة فيصيبه السهم ويجرحه ولكنه لا يموت من آثار الجراح. أما اجاممنون فيحض جنوده على القتال الذي يعود إلى ما كان عله

تتناول أعمال البطولة التي قام بها دروموديس بن توديوس . وبالرغم من جراحه التي أصيب بها فانه يواصلا لقتال في حماس عظيم بفضل مساعدة أثينا، وبتمكن من قتل بنداروس ويجرح اينوس  بيد أنها تجرح هي الأخرى فتصعد إلى جبل اوليمبوس وعندئذ  يظهر أبولو وينفذ اينوس ويشفيه من جراحه أما ديوميديس فان أثينا تحثه على القتال حتى يتمكن من جرح أريس.

يأخذ أهل طروادة في التقهقر والتراجع ويترك هكتور ميدان القتال بعد ان ينصحه بذلك هيليوس، ثمَّ يذهب هكتور لينصح أمه هيكوبي ويتوسل إليها أن تذهب إلى الربة أثينا للحصول على مساعدتها ثمَّ يحرض هكتور باريس ويدفعه إلى ميدان القتال ليحارب هناك ثمَّ يودع هكتور زوجته اندروماخي الوداع الأخير.

يستفز هكتور أشجع شجعان اليونان ويدعى اجاكس فتنشأ بينهما معركة لا تنتهي إلى النتيجة ولكن على أثرها يعقد الطوفان هدنة لدفن الموتى ثم يأخذ اليونان في تحصين معسكرهم فيحصنونه بسور وخندق ثمَّ يأتي الليل مصطحبا معه حوادث جساما.

ينهزم الاخيون، وذلك أن زوس اكبر آلهة اليونان يحرض الآلهة جميعا على عدم التدخل بين الطرفين المتعاركين ويدعوهم إلى التزام الحياد في هذا القتال. أو هو يعود إلى مكانه فوق جبلا ايدا أو يصعد إليه ليرى من فوقه الجيشين المتحاربين. وكان التقاتل بينهما سجالا في بادئ الأمر ثمَّ انتهى بنتيجة ايجابية وهي انتصار جيش طروادة، فاضطر اليونان بعد هزيمتهم إلى التراجع نحو تحصيناتهم كما حاول اجاممنون أن يشد من أزر جنوده وتقوية روحهم المعنوية. بيد أن هكتور ظل منتصرا ومن ثمَّ حاولت الربة هيرا والربة أثينا التدخل في القتال فمنعهما زوس ولما اقبل الليل فصل بين المتحاربين وعسكر الطرواديون في السهل.

يجمع اجاممنون الزعماء ويعقد مجلسا ليأخذ رأيهم ثمَّ يقترح عليهم الرحيل ومغادرة ارض طروادة . ولكن يعارضه في هذا الري كل من ديوميديس واوديسيوس ثمَّ يقترح نسطور ان تبذل الجهود لعقد الصلح مع أخيل . فيقبل اجاممنون هذا الاقتراح ويعلن استعداده إلى رد بريسايس التي كان قد أخذها من أخيل على أن يعطيه بعض التعويضات لإرضائه. ويقرر المجلس إرسال سفراء إلى أخيل، وقد أحسن مقابلتهم ولكنه رفض الاشتراك في القتال في جانب الاغرقة.

يعقد زعماء اليونان مجلسا جديدا ويقترح البطلان ديوميدس واوديسيوس في هذا المجلس أن يأخذا على عاتقهما مهمة الذهاب إلى معسكر جيش الطرواديين للتجسس على ما يقوم به ذلك الجيش من استعدادات حربية . ولكن هذين البطلين يقابلان رجلا من طروادة اسمه دولون أرسله هكتور للتجسس على جيش اليونان ونقل أخباره إلى الطرواديين .

فيخاف هذا الجاسوس على حياته عند مقابلته للبطلين اليونانيين ومن ثمَّ يكشف عن أسرار جيش طروادة أملا في النجاة بحياته من الخطر المحدق به ومع ذلك يقتله ديوميديس ثمَّ يعود البطلان إلى معسكر اليونان .

تدور المعركة من جديد بين الجيشين. وفي هذه المعركة يظهر اجاممنون كثيرا من الشجاعة حتى يضطر أهل طروادة إلى التراجع إلى تحصيناتهم. ولكن اجاممنون يجرح ويصبح غير قادر على مواصلة القتال لذلك ينتصر أهل طروادة من جديد ويجرح اوديسيوس وديوميديس . وأخيرا يرسل الملك نسطور بتروكلوس اعز أصدقاء أخيل إلى هذا الأخير ليوقفه على الهزائم التي نزلت باليونانيين أملا من وراء ذلك أن تأخذه الشفقة باليونانيين فيعطف ويعود إليهم ليناصرهم ويساعدهم في هذا القتال العنيف.

يقترب الجيش الطروادي من تحصينات الجيش اليوناني ويستعد لعبور الخندق ولكنه يفشل في أول الأمر ثمَّ يتمكن أخيراً من فتح ثغرة في الأسوار بالرغم من دفاع اليونانيين المستميت وخصوصا دفاع البطلين اجاكس واوديسيوس . وكان يقود الطرواديين ساربيدون وجلاوكوس ثمَّ تمكن البطل العظيم هكتور من اختراق معسكر اليونانيين ويتبعه الطرواديون حتى يصلوا إلى داخل معسكر الاغارقة نفسه.

تقوم معركة بجانب الأسطول وهنا ينصرف الرب زوس انصرافا مؤقتا عن الحرب كان فيها الجناح الأيسر للأسطول اليوناني تحت قيادة ايدومينيوس والقلب بقيادة اجاكس . وتدور رحى موقعة بحرية عنيفة تسيل فيها دماء الطرفين . وأخيرا يتقهقر الجيش الطروادي قليلا . ولكن هكتور يجمع الرؤساء والزعماء ويستشيرهم في هذا الموقف العصيب ويقرر بعد اخذ رأيهم مواصلة القتال ثمَّ يتحدى اجاكس هكتور وتبدأ المعركة من جديد اشد هولا مما كانت عليه.

تدور الحوادث الرئيسية بعد ذلك حول الحب الذي بين كبير الآلهة وهيرا . وكما يوافق اليونانيون على رأي ديوميديس القاضي بمتابعة القتال . ولكن هيرا تأخذ في تجميل نفسها لأنها تريد أن تفتن كبير الآلهة فتستعير من افروديتي ربة الجمال الزنار الذي تربط به خصرها وتستدعي له النوم من جزيرة ليمنوس وتقترح عليه تنويم كبير الآلهة فينام زوس ويغفل عن الحرب فينتهز بوسابدون هذه الفرصة ويساعد اليونانيين مساعدة جدية حتى ينقلب الموقف في صالحهم ويتمكن اجاكس من جرح هكتور. أما الطرواديون فيتقهقرون ويدفعهم اليونانيون بعيدا عن الأسطول بقيادة البطل اجاكس.

عندما يستيقظ زوس من نومه  يحتد على هيرا ويرسل ايريس وابولو لمساعد جيش طروادة. عندئذ يترك الآلة بوسايدون ميدان القتال فيخلو الجو أمام أبولو ويتمكن من شفاء هكتور وبث روح الثقة بين الطرواديين وإدخال الرعب والفزع في قلوب اليونان وتشجيع جيش طروادة حتى يتمكن من الوصول إلى داخل المعسكر اليوناني. ثمَّ يذهب بتروكلوس لمقابلة اخيلا كي يرجوه أن يساعد إخوانه في الجنس واللغة والدين ثمَّ يدافع اليونانيون عن معسكرهم دفاع المستميت وفي هذه الأثناء يستعد هكتور لإيقاد النيران في سفينة بروتيسيلاوس.

ويعطي أخيل بتروكلوس حلته الحربية لإدخال الرعب في قلب جيش طروادة بشرط ألا يستخدمها في المعركة بل يكتفي بالظهور بها لبث الرعب والخوف. ولكن بتروكلوس ينسى وعده ويقود هجوما عنيفا على الطرواديين وينجح في قتل ساربيدون . ولكن أبولو ينتزع منه السلاح الذي كان قد أعطاه إياه أخيل، فيتمكن هكتور من الإجهاز عليه .

ييأس أخيل عندما يعلم بخبر موت بتروكلوس ولكن أمه ثيتيس تعزيه في مصابه وتعده أن تحضر له أسلحة جديدة تعوضه بها عن الأسلحة التي سبق أن أعطاها لبتروكلوس كما تعده بأنها ستساعده على خصمه العنيد هكتور على أن يتم ذلك بعد يوم ثمَّ تذهب إلى جبل اوليمبوس وترجو هيفايستوس الحداد أن يصنع لها هذه الأسلحة . ثمَّ يخرج أخيل من خيمته وهو يصيح عاليا ومنظره غاية في الرعب حتى خاف أهل طروادة على أنفسهم فولوا الأدبار . ثمَّ يقضي اليونانيون تلك الليلة في معسكرهم باكين نائحين حول جثة بتروكلوس .وأخيراً تصل ثيتيس من جبل اوليمبوس ومعها الأسلحة التي وعدت بها ابنها أخيل .

تقوم محاولة صلح أخيل مع اليونانيين. فيعقدون مجلس الشعب وهو عبارة عن جميع رجال الجيش في ذلك الوقت ثمَّ يقف أمامه أخيل ويعلن على أسماع جميع أعضاء هذا المجلس نياته الطيبة وحسن استعداده لخدمة إخوانه الاخيين ثمَّ يخلفه في دور الخطابة اجاممنون الزعيم الأكبر ويعترف الأخير علانية بالأخطاء والذنوب التي سبق أن ارتكبها في بادئ هذه الحملة ثمَّ يتقدم نحو أخيل ويربت على كتفيه ويعرض عليه هدايا ثمينة جدا ولكن أخيل يرفضها رفض باتا في إباء وشمم وعندئذ يتقدم إليه اوديسيوس ويلح عليه بشدة في أن يقبلها فيضطر أخيل إلى أن يقبلها ثمَّ نرى بريسايس يعود إلى سفينة أخيل باكية ويشاركها في هذا البكاء صديقها أخيل وكلاهما يبكي على هذا المصاب الفادح بفقدهما العزيز بتروكلوس ثمَّ تعلن إلى أخيل نبوءة بأنه سيموت قريبا غير انه لا يهتم بهذه النبوءة لأنه كان قد صمم على الانتقام لصديقه بتروكلوس ويريد إشباع نهم هذه الرغبة .

يسمح زوس للآلهة بالاشتراك في هذه الحرب فتنقسم الآلهة قسمين فريق مع اليونانيين وفريق مع الطرواديين. كان مع الاخيين هيرا وأثينا وهيرميس ، وكان مع الطرواديين أريس وارتيميس وابولو وافروديتي .

يتقدم أبولو بالنصيحة إلى أهل طروادة ويشجع اينوس على مبارزة أخيل كما انه ينصح هكتور بعدم مبارزة أخيل أو مقاتلته . فيركن هكتور إلى نوع ما من الهدوء ولكن أخيل يقتل اصغر إخوته واسمه بولودوروس اصغر أبناء بريام ملك طروادة . فيتحمس هكتور من جديد ويريد أن يثار لأخيه وبينما هو يستعد يسرع إليه أبولو أملاً في إنقاذه من الخطر الذي يكاد يتعرض له هكتور ثمَّ يمعن أخيل في قبل عدد كبير جدا من جيش طروادة.

تتجلى بعد ذلك هزيمة الطرواديين وتأخذ الربة أثينا في تشجيع البطل أخيل غير أن الخطر يحدق به. فتتقدم هبرا وترسل هيفايستوس إلى إنقاذه من براثن الموت. ثمَّ تأخذ الآلهة  في محاربة بعضها البعض الآخر ، وبعد ذلك تعود جميعها إلى جبل اوليمبوس وتترك أبولو وحده فيتمكن الأخير بمكره من مساعدة أهل طروادة وإنقاذهم من الخطر الذي اشرفوا عليه .

يعود أخيل ويقترب من أسوار مدينة طروادة ويتقابل مع البطل هكتور الذي يعتمل في دخيلة نفسه حب منافسة البطل أخيل . ثمَّ يقترب أخيل من هكتور ويظل يقترب وريدا رويدا إلا أن منظر أخيل كان غاية في الهول والرعب فيخاف هكتور على نفسه عندهم يرى غريمه ويهرب مسرعاً. ولكن أخيل يعدو وراءه ويستمر الاثنان في هذا العدو حول أسوار المدينة ثلاث مرات وأخيرا يزن الإله زوس مصير البطل هكتور في كفة من كفتي الميزان ومصير أخيل في الكفة الأخرى ويوازن بين الكفتين . وأخيرا يصمم زوس على التخلي عن هكتور ويلقي به إلى الربة أثينا . لذلك يفلح أخيل بعد تخلي زوس عن هكتور من قتل هذا الأخير ونزع الملابس التي كان يرتديها . ويبدأ في جر الجهة حتى يصل بها إلى الأسطول. أما أهل طروادة وخصوصا أسرة هكتور وهم أبوه بريام وأمه هيكويا وزوجته اندروماخي فانهم يبكون عليه بكاء مراً.

يخيم اليأس على أخيل من فرط حزنه على فقد صديقه العزيز بتروكلوس الذي كان يحبه حباً جماً. لذلك كان يريد أن يشبع غريزة الانتقام المتولدة فيه فلا يكتفي بقتل هكتور بل يريد يمثل بجثته تمثيلا شنيعا لذلك نراه يجر جثة هكتور ويطوف بها مرارا حول مقبرة بتروكلوس . ولكن كبير الآلهة زوس يتدخل من جديد في صالح أهل طروادة ويأمر أخيل بإعادة جثة هكتور إلى أهله وأبناء عشيرته وإرجاعها إلى أبيه بريام ثمَّ يبعث الرسل إلى بريام ليبلغه الخبر ويطلب الرسل منه أن يذهب لشراء ما بقي من جثة ابنه . فيذهب بريام متنكرا إلى أخيل دون أن يعلم أهله وعشيرته شيئا عن هذا السعي إذ يذهب بريام بإرشاد هيرميس فيتقابل مع أخيل الذي يوافق أخيراً على أن يتسلم الأب جثة ابنه هكتور ويعود بها إلى طروادة.

-2-

الملحمة في الأدب الانجلوسكوني

    قليل من يعرف أن الأدب الانجليزي القديم – على قلته .. يحتوي على ملحمة كاملة تكاد ترتفع إلى مستوى الإلياذة والأوديسة...فكل ما لدينا من الشعر الانجليزي القديم الذي كتب قبل العصور الوسطى باللغة الانجليزية القديمة المسماة ((انجلوس اكسون)) هو 30,000بيت . فالأبيات تحتوي على ملحمة كاملة في مخطوط واحد يبدو عليه آثار تعرضه لحريق في يوم ما ولكنه أنقذ ليتعرف العالم على حضارة الانجليز الساكسون من خلال ملحمة البطل ((بيولف))

    ولقد كانت الجزيرة البريطانية في القرون الثلاثة الأول التالية لخروج الرومان في القرن الخامس لا تنتمي تماما إلى العالم المتحضر، وان كانت هناك ممالك صغيرة متفرقة كالواحات في وسط الصحراء: ممالك صغيرة دانت بالمسيحية فاتصلت بالعالم المتحضر. كما كان هناك عديد من الأديرة التي كانت خلايا حية للعلم والدراسة. وكانت الممالك صغيرة تتكون من الملك ومن حوله مجموعة من النبلاء يكونون مجتمعا له تقليده وعاداته ومثله العليا وقيم يدافع عنها . والملحمة الموجودة تعطي صورة لهذا المجتمع .

    وهناك من الدارسين من يعتقد أن الملحمة تكونت على مر السنين من تراث الأدب الشعبي ، وأنها بدأت تنشد شفاهة في القرن السادس الميلادي ثمَّ دونت في القرن الثامن حين ادخل عليها بعض من القصص والمفاهيم المسيحية. ولكن الرأي الغالب أنها ملحمة أدبية من خلق شاعر واحد يرتكز على كثير من التراث الشعبي للقبائل الجرمانية المنتشرة في شمال اوربا والبلاد الاسكندنافية ، كما يستعين ببعض قصص من تاريخ هذه الشعوب ولكنها عمل خلاق يحقق ما تحققه ملاحم العلم من أنها تعبر عن عادات وتاريخ شعب بأكمله ...

   وتنقسم الملحمة إلى قسمين الأول يحكي قصة انتصار البطل ((بيولف)) على الوحش الآدمي ((جرندل)). والثانية تحكي انتصاره على التنين الذي كان يهدد مملكته .

    تبدأ الملحمة بعرض تفصيلي لجنازة ((سكيلد)) المؤسس الأسطوري لملوك الدانمارك . بعد الانتهاء من مراسيم الجنازة يبني الملك الانجليزي هروثجارت قاعة كبيرة أطلق عليها اسم هيروت، يقيم فيها الولائم ويعقد الاجتماعات مع أتباعه . وكان البهو هو مركز الإشعاع الحضاري في المملكة. ولكن وحشا نصف ادمي يدعى ((جرندل)) أغضبته أصوات المرح والحياة المنبعثة من البهو ، فيهجم على القاعة ليلا ويقتل ثلاثين من رجال الملك . ويعيد الوحش الكرة مرة بعد مرة ، والملك ومحاربوه عاجزون عن ردعه ، حتى خيم السكون على القاعة وانفض النبلاء من حول مليكهم ، وأصبحت القاعة رمزا للهزيمة والأسى ...واستمر الحال على ذلك فترة حتى وصلت أنباء هذا الوحش إلى ((بيولف)) وهو أبن أخ ملك الجيت وهي سلالة مقيمة في جنوب السويد ويقرر البطل أن يساعد((هروشجارت)) فيبحر مع أربعة عشر من رجاله إلى هيروت . وهناك يقيم لهم هروشجارت وليمة ضخمة يصف تفاصيلها الشاعر الملحمي بإسهاب ، ثمَّ بعد انتهاء الحفل يقبعون في انتظار الوحش.

     وعندما يأتي المساء يهجم الوحش ويدفع الباب عنوة ويقتل ويأكل احد أتباع بيولف ، ثم يستدير ليهجم على البطل ولكن هذا يمسك به. وبعد معركة عنيفة يصف الشاعر تفصيلها بإسهاب ويمدح قوة البطل الجسمانية- يستطيع بيولف أن ينزع احد ذراعي الوحش نزعا، ويهرب الوحش جريحا ليموت في عرينه ...

     وتقام الاحتفالات لتكريم بيولف ورجاله . وهنا يدمج الشاعر واحدة من الأحداث العرضية التي هي من أسس تكوين الملاحم فيجعل شاعر الحفل ينشد قصة من تاريخ الشعب الفنلندي. وهي تقص بطريقة تدل على أن جمهور المستمعين في القاعة وجمهور الشاعر الملحمي أصلا ملمون بهذا التاريخ، إذ أن قارئي الملحمة من الدارسين لم يستطيعوا تتبع الأحداث إلا بالرجوع إلى مخطط آخر كتبت فيه تلك الحوادث بالتفصيل. وان هذا لدليل على أن الملحمة كتبت لمجتمع متكامل ذي تراث واحد.

    وبعد انتهاء الحفل ينام الأبطال فتهجم على القاعة أم جرندل لتنتقم لموت ابنها فتخطف واحدا من اعز أصدقاء البطل ...وتذكرنا هذه الواقعة بموت صديق اخيل في الإلياذة ..وعندما يكتشف بيولف هذه الحقيقة في الصباح يخرج وراء هذا الخطر الجديد ويتتبعها إلى قاع البحيرة حيث تعيش . ومرة أخرى يصف الشاعر صراع البطل تحت الماء حتى يتمكن من القضاء عليها في وكرها ثمَّ يجد جثة جرندل في قاع البحيرة فيفصل الرأس عن الجسد بضربة سيف ويعود بها منتصرا إلى هروثجارت .

     ومرة ثالثة تقام الاحتفالات ويلقي هروثجارت خطابا طويلا من تلك الخطب التي تعج بها الملاحم ولكن خطبة هروثجارت تمتلئ بالنصائح والعظات عن الحياة ودور الإنسان فيها يظهر من خلالها القيم المسيحية إلى جانب القيم البطولية . ثمَّ يغدق الهدايا على نيولف وأتباعه . هدايا تدل على عالم بلغ درجة عالية من المهارة في معالجة الذهب والفضة.

    وعندما يرجع بيولف إلى بلده وملكه تقام الاحتفالات ثانية ويقص خلالها مغامراته بتفاصيلها ثمَّ يقدم ما نال من هدايا إلى ملك الذي يبادله الهدايا بهدايا أخرى، كل ذلك مصحوبا بخطب وطقوس تدل على درجة من الحضارة والرقي الاجتماعي

    وإلى أن تنتهي المغامرة الأولى لبيولف وهي كما ترى عبارة عن تمجيد البطل الفردي الذي عليه بمفردة حماية مجتمع بأسره والمجتمع يبجله ويكرمه. والعلاقة بين الاثنين علاقة تربطها الصداقة والشهامة والكرم المادي والمعنوي

     أما الغامرة الثانية التي تدور حوادثها في الجزء الثاني من الملحمة، فحوادثها تقع بعد مرور أكثر من خمسين عاما على حوادث المغامرة الأولى. يكون بيولف قد أصبح ملكا على ((الجيت)) بعد موت الملك وابنه في حروب بين السويد والفرنسيين. وحكم بيولف مملكته في سكينة وهدوء لمدة خمسين عاما... وفجأة يظهر تنين خطير يدمر الحياة من حوله تدميرا !لقد كان التنين  يحرس كنزا ثمَّ جاء احدهم وحاول الوصول إلى الكنز فثارت ثورته واخذ يبث نيرانه متجولا في أنحاء مملكة بيولف.

    ويقرر البطل العجوز الخروج لملاقاة التنين بمصاحبة أحد عشر نبيلا من أتباعه. وكما هو الحال في كل الملاحم يخطب خطابا طويلا يذكر بشبابه وبأحداث تاريخية عن العداء القديم بين السويد والجيت . ثمَّ تبدأ مبارزته للتنين ، ولكن سيفه ينكسر. وأمام هذه المصيبة يهرب أتباعه فيما عدا واحد يدعى ويجلاف ويتمكن الاثنان معا – في معركة طويلة موصوفة بتفاصيل كثيرة- من القضاء على التنين بالرغم من لهبه ولكن بيولف يكون قد أصيب بجراح مميتة ويلفظ آخر أنفاسه بين ذراعي صديقه .

    ويخطب الصديق خطبة ثائرة لاعنا الأعوان الثارين 0 ففي الملحمة خطب بقدر ما هناك من معارك . ويبعث برسول ينبئ القوم بموت ملكيهم..

    وفي خطاب ملحمي آخر يتنبأ الرسول بالمصائب التي ستحل بالقوم بعد موت بيولف وهذا الخطاب الخاص بالمستقبل هو جزء من تفاصيل الملاحم فالملحمة تلم بتاريخ الشعب الماما كاملا. ويقص كيف أن الحروب ستندلع بينهم وبين السويد والفرنسيين، وأنهم بعد موت بيولف سيأخذون بكل ما لهم من ثأر تاركين الجيت شعبا يحس مرارة الهزيمة.

    ويزور القوم المكان الذي مات فيه مليكهم ويستولون على الكنز الذي أصبح مباحا بعد موت التنين ثمَّ يلقون بجثة التنين في البحر ويقيمون كومة عالية من الحطب يحرقون عليها جثة الملك البطل ، ثمَّ يقيمون تلا على أنقاض الحريق يضعونه فوق الكنز ويبدأون مراسم الجنازة ويطوف اثنا عشر محاربا من محاربي بيولف بكل مكان في المملكة ينوحون الملك الراحل ويمتدحون خصاله ويبكون موته.

    ولا شك أن هناك نوعا من البدائية في الشخصيات الخرافية التي تهدد المجتمع فهي تذكرنا بالغول والعنقاء، إلى جانب أنّها تبدو مفككة في انقسامها التام إلى مغامرتين لا علاقة للأولى بالثانية.

    ولكن احد المتخصصين في اللغة الأنجلو ساكسونية استطاع في تحليله للملحمة أن ينبه إلى أن ما قد يبدو بدائية هو في الواقع عمل واع.

    فمثلا أشار إلى أن بناء الملحمة لا يقوم على السرد البسيط بل على أسس المقابلة والمقارنة. فالملحمة تبدأ بجنازة وتنتهي بأخرى ، والقصة الأولى تقدم البطل في شبابه والثانية في كهولته ...

    والشخصيات الخرافية تحمل دلالات رمزية . فالوحش الأول كما تقول الملحمة من سلالة قابيل وصراع البطل في هذه الحالة هو صراع الخير ضد الشر ..واذا كان البطل يتحطم في النهاية فيما ذلك إلّا لان الخير لا يستمر منتصرا إلى النهاية بمفرده.  ثمَّ أن الإنسان قد يستطيع أن ينتصر على الشر المجسم خرجه – الوحش والتنين – ولكن نهاية الملحمة تبين أن الإنسان لن يستطيع أن يتغلب على الشر النابع من داخله. فان القصص التاريخية المتناثرة داخل الخط القصصي والتنبؤات الأخيرة تثبت أن ما يحطم الإنسان هو الإنسان نفسه وليس هناك بطل لينقذه من عدائه لأخيه الإنسان .

    والغريب في الأمر انه بالرغم من أن الملحمة كتبت في انجلترا ومؤلفها انجليزي ساكسوني واللغة التي يكتب بها هي (( الأنجلو ساكسون)) اللغة الانجليزية القديمة ، إلا أنّها مبنية على تاريخ الجرمان . وهي لا تذكر الإنسان الانجليزي فهناك محاربون دانمرك وجيت وسويد بل وفنلنديون، وحتى الشخصيات الأقل بروزا فهي أما من قصص وأما من أساطير الشعوب الجرمانية ومع ذلك فان القارئ يشعر بأن الملحمة تحكي عن الإنسان كما عرفه الشعب الانجليزي والمجتمع الذي يوصف هو ولا شك مجتمعه والقيم التي كان يشيد بها هي قيمة – قيم المجتمع المعروف بالمجتمع البطولي .

    وبيولف ملحمة ((أصيلة)) بما أنّها كتبت لتمجد البطل في عصر كان محتاجا للبطل للدفاع عن كيانه وبمعنى أن الملحمة كانت هي التعبير الطبيعي لشعوب لا تعرف إلّا الملحمة للتعبير عن مخاوفها وآمالها وقيمها ومعتقداتها . وكان المفروض أن تنتهي الملاحم بانتهاء عصر البطولة الفردية، العصر الذي يمجد البطل ذا القوة الخارقة الذي يحمل مجتمعه على كتفيه ولكن بعد اختفاء الملاحم لعدة قرون عادت لتظهر ظهورا مهما في العالم الغربي فلقد اكتشف الغرب في عصر النهضة حضارة وفلسفة وأدب الإغريق عند سقوط الإمبراطورية الرومانية الشرقية على أيدي الأتراك.. إذ فر إلى أوربا من فر من الدارسين الروم والإغريق حاملين معهم المخطوطات القيمة. وبدأت أوربا تدرس وتقيم هذه الحضارة وهذا الأدب – وهو ما يخصنا في هذا الحديث – إلى حد جعل منه المثل الأعلى الذي يجب أن يحتذى واستحوذت الملاحم على اكبر قسط من الإعجاب والتقدير وفاقت في تقدير الناس على جميع أصناف الأدب الأخرى حتى التراجيديا . وأصبح أمل كل من يطلب المجد والخلود أن يكتب ملحمة على نمط الملاحم الإغريقية. وكانت هناك محاولات عدة من كتاب عديدين لم تكتمل فيما عدا واحدة تلك ملحمة ((جون ميلتون)) الكاتب الانجليزي الذي أصيب بالعمى في منصف العمر ومع ذلك استطاع أن يكتب الملحمة الأدبية الانجليزية الوحيدة ((الفردوس المفقود))....

    ويفاخر الأدب الانجليزي بهذه الملحمة أي فخر . فان الشاعر من أقوى الشعراء الانجليز له أسلوب مميز استطاع أن يحمله لهجة البطولة الضرورية للملاحم. ومع ذلك فالملحمة تحمل بعض القصور ، وبالرغم من الإعجاب الشديد بالكاتب فنجد دائما من يعتذر عن هذا الضعف أو ذلك .

    والواقع أن الموضوع الذي اختاره ميلتون لملحمته موضوع شائك شديد الصعوبة...فموضوعه هو ((زلة الإنسان الأولى)) وما حدث له مع (( تلك الثمرة الممنوعة)) التي أدت به إلى الخروج من الجنة بائسا معذبا لا أمل له في العودة حتى أتى من حمل عنه وزره وأعاد له أمنه في الجنة ثانية ألا وهو المسيح.

    فملحمة الفردوس المفقود عبارة عن قصة الخطيئة والخلاص كما تقدم في التوراة والإنجيل . وبالرغم من أن الموضوع موضوع شائك إلا أن هناك من الأسباب ما جعل اختيار ملتون له مسألة تكاد تكون حتمية .

    فالشاعر رجل شديد التمسك بالدين ألقى بكل ثقله مع حركة المتطهرين التي قامت بحرب أهلية في انجلترا نتج عنها إعدام الملك وإعلان حكومة عسكرية دينية. ولقد انتمى ميلتون لهذه الحركة حتى انه عزف عن كتابة الشعر فترة طويلة من الزمن ليتفرغ للدعاية لأفكارها وفلسفتها الدينية.

    ثمَّ أن مقاييس عصره النقدية التي كانت شائعة حتى قبل قيام الثورة بخمسين عاما كانت تعتبر الكتابة في المواضيع الدينية هو أسمى أنواع الكتابة الأدبية. ولقد سبقت فرنسا انجلترا وكتب شاعر من شعراء الدرجة الثانية يدعى ((دي بارتاس)) ملحمة الأسابيع حول قصص الإنجيل وحازت الترجمة الانجليزية لهذه الملحمة إعجاب وتقدير الخاصة كما نالت شعبية كبيرة بين العامة، هذا بالرغم من ان المترحم سيلفستر مثله مثل المؤلف الأصلي من شعراء الدرجة الثانية . كان العصر بأكمله يرى أن أسمى أنواع الخلق هو كتابة الملحمة وأسمى المواضيع هو المواضيع الدينية وبالتالي فليس أرقى من الملحمة الدينية. لذلك كان اختيار ميلتون لموضوع ديني كما قلت يكاد يكون ضرورة حتمية.

     ولكن يملتون لم يحذ حذو ((دي بارتاس)) في أن يقص قصص الأنبياء وقصة الخليفة كما وردت في التوراة والإنجيل ، بل انه أطلق لخياله العنان وتصور أن صراع الخير والشر في الإنسان هو صراع الملائكة التي قبلت السجود لآدم وعلى رأسهم يقودهم الرب، ضد الملائكة التي رفضت هذا السجود وعلى رأسها الشيطان.

    ورأى انه مادام يكتب ملحمة فلا بد أن يصور هذه المعارك على أنّها معارك حقيقية تستعمل فيها الأسلحة والسيوف...الخ!...

    ثمَّ انه لكي يجعل الشيطان عدوا للرب اضطر أن يقدمه في صورة ملاك قوي العزيمة والشكيمة، فالكتاب الأول يبدأ بوصف الشيطان وأتباعه وقد ألقي بهم في جهنم. وهم لا يكادون يفيقون من هول الصدمة إلّا الشيطان الأكبر فانه يضيق وتأخذه العزة ويأبى أن يقبل الهزيمة فيبدأ في إثارتهم محرضا إيّاهم ألا يقبلوا الهزيمة وفعلا ينجح في إقناعهم في خطاب من ابلغ الخطب السياسية في الأدب ، بل وأيضا في الحياة وصورة الشيطان كما رسمت أقنعت كثيرا من الرومانسيين بأن ميلتون كان بفنه في صف الشيطان لا في صف ربه

   ولعل ما أكد هذا المفهوم هو ضعف الباب الثالث الذي فيه يقص ميلتون ما يحدث في السماء . فلقد حاول أن يصف السماء وصفا مجسدا ولم يستعلم الرمز كما يجب، فإذا يصوره الرب ، وفي ملحمته لملك من ملوك الأرض، ثمَّ انه حين يتكلم ويشرح ما سيحل بآدم وموقفه من هذه الخطيئة مسبقا يتكلم بمنطق ميلتون الإنساني.                    والمنطلق الإنساني هناك من يستطيع الرد عليه . وعندما يصل إلى البابين الحادي عشر والثاني عشر يخصصهما ميلتون لمستقبل البشرية من يوم الخروج من الجنة والسلالات المختلفة ثمَّ تاريخ الأنبياء ، ثم تدخل المسيح حتى نصل إلى الجنة الموعودة ، وهذا السرد الطويل في النهاية خارج عن الصراع الذي دارت حوله الملحمة ، ويشعر القارئ انه تلخيص ليس إلّا لما ورد في التوراة والإنجيل .

   ليس معنى هذا أن الملحمة ضعيفة – فإلى جانب المشاكل التي فرضها الموضوع ذاته هناك لحظات من أمتع ما كتب شعرا ، فلقد قدمت الجنة القارئ من خلال عين الشيطان الحادة ( الباب الرابع ) فهو ينظر ويصف ويشعر بالأسى . ثم يرى ادم وحواء قبل  الخطيئة في براءة وعظمة وطهارة ...فلعل ميلتون هو الكاتب الوحيد الذي استطاع بخياله أن يعطي صورة كاملة للإنسان قبل الإثمَّ الأول وهي صورة تجعل القارئ يشعر بما فقده عند الخطيئة الأولى . وهذه الصورة يبرزها مرة أخرى في الباب الخامس عندما يزور الملاك روفائيل ادم في جنته فينشد جمل البراءة وروعة الإنسان الذي خلقه الإله كاملا .

    والواقع أن أقوى الأبيات هي تلك التي يركز فيها على الإنسان أما في براءته أو في لحظة غوايته وحتى بعد الخطيئة. فان موقف الغواية موقف درامي من أسس المواضيع الأدبية وميلتون يعطيه كل حقه .

    ترى خلافا بريئا بين ادم وحواء أوحى به إليها الشيطان وقد نام إلى جانبها ويفترق الاثنان للحظة لكنها اللحظة الحاسمة ففيها تقف حواء تحت الشجرة المشؤمة وتسمع غواية الشيطان . وميلتون يرسم حواء على أنّها ساذجة لا تعرف الغش ولا الخداع . لم تر شخصا يكذب أو تعرف معنى الكذب . من أين لها أن تعلم وهي التي لم تقرب شجرة المعرفة بعد ... فأثمت حواء.. أما ادم فان ميلتون صوره على انه اخطأ التصرف .فان حواء لم تغوه بل اختار هو أن يتبعها حيث ذهبت لانه كان يجهل أن بمقدوره أن ينقذها لو حافظ على براءته وتوسط لها . المهم لديه هو أن يبقيا معا ، ولما لم ير إمكان بقائهما بلا خطيئة إذن فليتبعها في خطيئتها. ولعل هذه هي أقوى اللحظات في الفردوس المفقود ولو قبلنا الكتاب الأول والثاني من الوجهة الدينية لوجدنا إلى جانب روعة الأبواب التي نرى فيها الإنسان جمالا كثيرا في ثورة الشيطان على ما قسم له الله.

     ولكن قليل من يقرأ الفردوس المفقود ككل فإلى جانب ما ذكرنا من صعوبات في تقبل الأفكار هناك مناقشات في تفاصيل المفاهيم الدينية بل أن هناك دراسات تثبت أن ميلتون لو حوسب على بعض هذه الآراء لاعتبر ملحدا ثمَّ أن هناك أحاسيس إنسانية يمسها الشاعر كانت رغما عنه تتعارض مع المفهوم الديني.    فمثلا لقد حكم على الإنسان كنوع من العقاب أن يأكل من عمل يديه ولكن وصف ميلتون للعمل اليدوي في الملحمة وصف فيه كثير من الاحترام بل إحساس بأن العمل هو تحقيق الذات والمفروض أن ربيع الجنة الدائم قد حل محله تتابع الفصول، والكاتب حين يصف هذا يصفه بعين الشاعر التي تحب التغيير وترى في كل فصل جمالا. أن الموضوع كان موضوعا شاقا ، وكما يقول دافيد دمتش:

((إن ميلتون لم ينجح في تبرير إرادة الله للإنسان ولكنه نجح في عرض مشكلة المأساة الإنسانية ... فيسلط الضوء على التناقض الرهيب في طموح الإنسان، فالطموح شيء نبيل ولكنه شيء حقير لأنّه نابع من كبريائه ،والحب الإنساني شيء خسيس لأنّه أناني ولان العاطفة تطغي على العقل ولكنه شيء جميل لان فيه التضحية بالذات وإيثار الغير على النفس)).

    فالصورة النهائية إذا ما استخلصت من كل التفاصيل الدينية تركز على تناقض الإنسان القادر على أسمى الأعمال وعلى أخس الأعمال، الذي يأمل في السمو ولكن قدمه في الوحل ، والصورة التي يختم بها الملحمة صورة الإنسان يعمل في الأرض وقد بعد بعدا تاما عن السماء وعن الجنة ولكنه يعمل في سلام شاعرا بانه يؤدي عملا يجد فيه الرضا والقناعة .

-3-

الملحمة في الأدب الاسباني والقشتالي

     كان القرن الحادي عشر خطا فاصلا بين مرحلتين في تاريخ الأندلس ، ففي مطلعه تناثر عقد الخلافة ، وتوزع شمل الدولة ، فقام في كل مدينة أمير ، واستقلت كل مقاطعة بحكومة ، وتحولت الدولة إلى مجموعة من الإمارات الصغيرة والضعيفة ، لا يتجاوز سلطان أي منها خارج حدودها ، ولا تستطيع أية واحدة أن تحمي نفسها، فاندفعوا جميعا يطلبون الحماية عند أعدائهم في الشمال .

    وشهد أخره سقوط أول معقل إسلامي ، ذي أهمية قصوى في يد النصارى ، لقد استولى ألفونسو السادس ملك قشتالة على طليطلة عام 1085م، فكان لسقوطها رنة أسى بين سكان الأندلس جميعا ، وكانت إيذانا بأن المعركة قد تحولت لصالح أعداء المسلمين ما لم يجمعوا أمرهم ، ويوحدوا كلمتهم ، ويرتفعوا فوق شهواتهم ومتعهم. ولكن الملوك الصغار كانوا أهون من أن يجتمعوا حول أمر عظيم ، فعبر المرابطون مضيق جبل طارق، ليدفعوا غائلة النصارى عن حدود الأندلس الإسلامي، ثمَّ استقروا فيه ، ولم يبرحوه إلا بعد أن سقطت دولتهم نفسها في المغرب، بعد أن أصابها ما أصاب غيرهم من قبل، من غفلة الحاكم، وتحكم النساء، وغلبة الدخلاء ، وفساد الحاشية.

   وشهد هذا العصر شخصية غريبة ، لفارس نصف عربي ونصف اسباني، نصف مسلم ونصف مسيحي ، عاش ملء سمع هذا العصر أسمه لذريق دياث دي بيبار، وعرف في المصادر العربية باسم القنيطور، وفي المصادر الاسبانية باسم (السيد) El cid ، وظل لزمن طويل شخصية نصف أسطورية ، وموضع شك المؤرخين ، حتى إذا اكتشف كتاب ((الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة )) لابن بسام الشنتريني ، أصبح الرجل موضع يقين لا سبيل إلى إنكاره ، فقد أورد عنه المؤرخ الأندلسي الجليل معلومات تاريخية دقيقة وقيمة، ومن يومها تغير مسار التاريخ فيما يتصل بالحديث عنه .

    كالعادة لا نعرف شيئا كثيرا عن طفولته ، ويرجح انه ولد قريبا من عام 1045م، في قرية صغيرة قريبا من برغش، لأسرة قشتالية قديمة ، وقد توفى أبوه ولما يزل الابن غلاما يافعا، فضمه شانجة الابن الأكبر للملك فرناندو ملك مقاطعة ليون ، إلى حاشيته ، واشرف على تربيته وتثقيفه ، ثمَّ قلده السيف ، وخلع عليه شارة الفروسية ، وجعله في حماه ، وصحبه في أول حملة حربية قام بها .  

    عندما مات الملك فرناندو توزع الملك بين أبنائه الأربعة . ثم داخلهم الطمع فتقاتلوا، واضطربت الأحوال بالسيد ، فعرض خدماته على بني هود أمراء سرقسطة فقبلوه ، فظل بينهم قرابة سبعة عشر عاما ، يقابل أعداءهم ، ويعينهم في حروبهم، وخلال هذه الأعوام خبر معظم الأمراء ، في الجانبين الإسلامي والمسيحي، وعجم عودهم، واطلع على خباياهم، وعرفهم على حقيقتهم، فاستصغرهم جميعا، وبدأ يستقل بنفسه ، ويعمل لحسابه ، يبيع العدو والصديق على السواء ، وفكر في أن تكون بلنسية له ، أو أن يكون فيها صاحب النفوذ الأعلى على الأقل .

     حاصر ((السيد)) مدينة بلنسية ، وفي البدء حاول اقتحامها عنوة ، وأوشك أن يدفع حياته ثمنا لهذه المغامرة، فكف عنها ، وقرر بأن يستخدم في الاستيلاء عليها سلاح الجوع . لقد ضرب الحصار حولها عشرين شهرا كاملة، فتدهورت الحالة الاقتصادية في المدينة ، وتهاوت أسعار البيوت والأثاث ، لان كل الناس يريدون بيع ما يملكون منها ، وليس ثمَّة راغب في الشراء ، وارتفعت أسعار الأغذية بشكل جنوني،وفتك الجوع بالسكان، وأكل الناس الفئران والكلاب والجيف ، وعظم البلاء، وتضاعف الغلاء، وأصبح الناس سواء؛ الفقراء والأغنياء، وكان من المناظر المألوفة أن ترى جمعا من أناس يفتش عن بقايا عنقود من العنب بين المجاري، ومزالق القمامة، وعشرات من الرجال والنساء والأطفال يتربصون اللحظة التي يفتح فيها أي باب من أبواب المدينة لكي يندفعوا هاربين ، فينتهي بهم الحال إلى أن يقتلوا فورا ، أو يباعوا رقيقا ، برغيف من الخبز، أو زق من النبيذ والذين يصلون في صحة جيدة ، من الطبقات الموسرة ، يباعون لتجار الرقيق الذين توافدوا في أعداد هائلة من وراء البحر .

   وقد عمل ((السيد)) على زيادة الأفواه غير الضرورية في المدينة ، فأمر سكان بلنسية الذين خارجها أن يعودوا إليها، وهدد من يخرج منها بالحرق حيا . ووضع تهديده موضع التنفيذ، فاحرق علانية ، على أكوام من الحطب متأججة، ثمانية عشر رجلا في يوم واحد ، ومع ذلك كان هناك من يفضل أن يموت محترقا في ساعة واحدة على أن يموت جوعا على امتداد أيّام ، وبعضهم نجح في أن ينقذ حياته ، لان جنود ((السيد)) كانوا يخبئونهم ويبيعونهم رقيقا في غفلة من قائدهم ، والحق أن مثل هذا العمل كان ترفا خصت به الفتيات والأطفال . وأحيانا إذا عرفوا انهن ينتمين إلى أسر غنية صعدوا بهن إلى مآذن المساجد التي خارج أسوار المدينة ، يتظاهرون برميهن إحياء، أو رجمهن بالحجارة، فيفتديهن أهلوهن بالجواهر والأموال ، شريطة أن يسمح لهن بالبقاء خارج المدينة، وحققت المجاعة أغراضها، وسقطت المدينة في يد ((السيد))، استسلمت بلا قيد ولا شرط ، وعندما فتحت الأبواب تدفق جنود السيد داخل المدينة، فاحتلوا المتاريس والقلاع ، وجاء باعة الخبز والفول من خارج المدينة، فتدافع عليهم الناس في شراهة بالغة . وذهب الأغنياء إلى ما حول المدينة يشترون حاجياتهم بأنفسهم ، بينما انتشر الذين لا يملكون شيئا في الحقول المجاورة يجمعون الحشائش ويقتاتونها. ولم تهبط نسبة الموتى كثيرا، فبالأمس كانوا يموتون جوعا، وهم اليوم يموتون تخمة.

     لقد دخل ((السيد)) مدينة بلنسية في مايو من عام 1095م ، وظل سيدا مطاعا فيها على امتداد أربع سنوات كاملة، فقد توفى حزينا، اثر لقاء هزم فيه مع جيش المرابطين ، وكانت وفاته في العشر من شهر يوليه عام 1099م.

      كان((السيد)) دون ما شك أقوى فرسان القرن الحادي عشر ، اجتمع تحت لوائه كل متمرد على أميره، أو منفى من ملكه، أو غاضب على المجتمع ، أو شغوف بالقتال ، أو باحث عن لقمة العيش ، من المسلمين والمسلحين على امتداد الأندلس كله ، وهم جميعا ، و((السيد)) على رأسهم، في خدمة من يدفع مقابلا، يستوي في ذلك أن يكون الطلب من أمير مسلم أو أمير مسيحي ، وهم يقاتلون دفاعا عن الإسلام بنفس الحماسة التي يقاتلون بها دفاعا عن المسيحية ، فالشيء الوحيد الذي يهمهم المرتبات التي يقبضونها، والنهب الذي يقومون به ، وانتهى به الأمر قائدا مستقلا يقاتل لحسابه ، ويقف ضد كل من في الأندلس ، ويتحرك بوحي من مصالحه وحدها.

    وكان ((السيد)) رجل حرب ، يحلم دائما بالمعارك والقتال ، نبيلا جاء إلى الحياة فقيرا فهو لهم نهم إلى الثروة والمال ،قائدا متمردا ، بلا قلب ولا قانون ، يدنس الكنائس ، ويهدم المعابد ، يحرق سجناءه إحياء ، أو يمزقهم بالسواطير ، قاسيا لا يرحم، كانت حياته مزيجا من التعقل والشجاعة، ومن الخداع والجرأة ، صاحب حيلة لا يقف بها عند الحرب والقتال ، وانما يستخدمها في جمع المال أيضا. يخون إذا اقتضت مصالحته، ويخلف وعده إذا كان ذلك في صالحه، ويتراجع عن كلمته إذا كان العدول عنها مزيدا من المال. وكانت الجماهير المطحونة بالمفسدة من الحكام، والطغاة من القادة، والمحرفين من رجال الدين، تعجب به، وترى في تحركه ثارا لمظالمها، ولا باس بعد ذلك أن يكون قاسيا ما دام يثأر لها ممن لا تستطيع منهم قصاصا.

    ونلتقي في حياة ((السيد)) ببعض التأثيرات العربية واضحة، فقد كان يفرش ارض قصره بالسجاد والحصير وهي عادة عربية انتقلت إلى أوربا عن طريق الأندلس. وكانت عادة  الأوربيين أن يعلقوها على الجدران فحسب، وتعود أثناء حكمه لمدينة بلنسية أن يلتقي بأعيان المدينة جالسا على منصة ، يستمع إلى الشعراء ينشدونه ، في اللغة العربية والفصحى ، أو في عامية أهل الأندلس ، أو في اللغة الرومانثية ولا أظنه كان يعرف من اللاتينية غير القليل ، فقد أصبحت على أيامه ، ومن قبلها ، لغة ميتة لا يفهمها غير رجال الدين ، وجلهم لا يجيدون منها إلّا ما يتصل بالصلوات والمواعظ، يلقونها على جمهور يهز رأسه خاشعا ، ويتابع صلواتهم موافقا ، دون أن يعي مما يلقي عليه شيئا . وكان يعجب بقصص العرب، ويجلس إلى القصاص مستمعا، واخذ من بينها بسيرة المهلب بن أبي صفرة، ((يطرب لسماعها ويطرب)). على حد تعبير بن بسام، في كتابه ((الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة ))، وهو أمر طبيعي، فقد كان في حياة المهلب، ومنهجه في الحرب، وتخطيطه للقتال، ما يتفق وأفكار ((السيد)).

    لم تكد تمضي سنوات على وفاة ((السيد)) حتى تحول إلى أسطورة في مخيلة العامة ، وفي اغاني الشعراء ، وحوله بدأت تدور أول ، وأجمل ، ملحمة اسبانية وصلتنا من العصر الوسيط. وقد كتبت الملحمة في اللغة القشتالية، لان الاسبانية لم تكن قد تكونت ولا عرفت بعد . والملحمة في النص الذي وصلنا ليست من عمل شاعر بعينه ، وإذا كان من العسير تحديد عدد الشعراء الذين تناولوها إضافة وتعديلا ، فمن السهل إدراك أن وراءها أكثر من شاعر ، بل ومن المؤكد أن تحويرات وإصلاحات وتعديلات أصابتها عبر روايتها شفويا ، ولا يستطيع الباحث الآن أن يمسك بها مهما بالغ في الدرس والتحليل .

    تتكون الملحمة من 3753 بيتا من الشعر جاءت في ثلاثة أناشيد، وكل نشيد يضم عددا من القصائد ويدور حول حدث محدد.

    فالنشيد الأول يقص علينا الأحداث التي أدت إلى نفي ((السيد)) وتتصل به، وكيف أن الملك الفونسو السادس أرسل الدريق دياث دي بيار ، الملقب بالسيد، لكي يقبض الجزية من ملك اشبيلية المسلم ، وكان يدفع الجزية لملك قشتالية ، وفي الطريق إليه وجد الحرب قائمة بين ملك أشبيلية وملك غرناطة ،فانضم  إلى الأول منهما ، واظهر بطولة خارقة لما عاد إلى قشتالة ، وجد حاشية الملك الفويسو قد دست له عند الملك ، فاتهمه بأنه أخفى جانبا من الجزية والغنائم لنفسه فنفاه عن قشتالة .

     ويدور النشيد الثاني حول زواج بنتي ((السيد)) من أمرين، باقتراح من الملك ألفونسو، الذي عفا عن ((السيد)) وألغى قرار النفي الخاص .

     أما النشيد الثالث فتدور أحداثه حول الخلاف الذي وقع بين ((السيد)) وصهريه، لقد اظهر الأميران ، زوجا بنتيه ، جبنا فاضحا في معركة جرت بين ((السيد))وبين أمير المرابطين ، فأصبحا هدفا لسخرية قاسية ممن حولهما، ولم يستطيعا على الاهانات صبرا ، فقررا أن ينتقما من((السيد)) في شخص بنتيه ، فاستأذناه في العودة إلى مدينتهما , وفي الطريق أساءا إلى زوجتيهما , وعاملاهما بقسوة بالغة، وتركاهما في الطريق بين الموت والحياة . وعندما علم((السيد)) بما حدث توجه إلى ارض قشتالة محتجا ، وطلب من الملك أن يحاكمهما، وان يسمح له بمبارزتهما، وأثناء المحاكمة ، يتقدم من مجلس البلاط رسولان يطلبان بنتي ((السيد)) زوجتين لأميري نبرة وأرجون ، حيث تصبحان ملكتين . ويبارز ((السيد)) صهريه السابقين وينتصر عليهما ، وكان هذا الزواج الثاني أعظم شرفا من الأول ، لان ملوك اسبانيا أصبحوا من سلالة ((السيد)) ([14]) . ولكن صورة ((السيد)) في الملحمة غيرها في التاريخ ، ويتفقان في انه مخادع ماكر ، ويقاتل من أجل لقمة الخبز ، ويؤمن بالعرافة ، وفيما عدا ذلك تقدم لنا الملحمة شخصا صنعته خيالات الشعراء . فهو مسيحي طيب عند كل موقف صعب ، ويتوجه بالدعاء الحار للخالق عقب كل نصر، يعفو وينسب فعله للحماية الإلهية ، يألم لنفيه من وطنه فيظهر له جبريل في الأحلام من وطنه يواسيه ويبشره بمستقبل سعيد. وهو بين جنوده، ومع أعدائه، مثال الطيبة والكرم فإذا استولى على قلعة وأراد أن يتركها جاءه المسلمون باكين يرجونه أن يبقى، أو يرافقونه حيث يذهب، وعندما خلف وراءه مسقط رأسه منفيا، تاركا داره وأسرته، بكى ألما. وهو أب وديع حنون، يسأل دائما عن زوجه وبنتيه، وحول زواجهما تدور أحداث الملحمة الرئيسية

     وصلنا نص الملحمة في مخطوطة وحيدة ، كانت في القرن السادس عشر موجودة في محفوظات المجلس البلدي لقرية بيبار , وهي التي ولد فيها ((السيد)) ونسب إليها. وفي عام 1596 نسخت منها أخرى توجد الآن محفوظة في مكتبة مدريد الوطنية ، ويرجح أن النسخة الأم التي نقل عنها كتبت في القرن الرابع عشر، أما تأليف الملحمة ذاتها فيعود به النقاد إلى النصف الأول من القرن الثاني عشر الميلادي .

    كانت الملحمة شائعة في الأندلس , وليس من الضروري أن يكون الشيوع دواما في النص الوحيد الذي وصلنا ، وانما في صور أخرى داخلها كثير من التبديل والنقص ، وربما الزيادة أيضا . ومن خلال الصقل المستمر امتدت حياة الملحمة عبر القرون ،وهي في كل قرن,وبين كل جماعة، تلتقط أذواق السامعين وتتواءم معها ، حتى إذا وصلنا إلى القرن الخامس عشر تفرعت عنه أغانٍ شعبية رومانسية، تتضمن بعض أبيات الملحمة ،ولكنها تكسوها ثوبا جديدا من شعر طريف ،وبعض هذه الأشعار ما زال يتردد صداه حتى اليوم في اسبانيا والبرتغال وشمال المغرب عند من استقروا هناك واتخذوا الاسبانية لسانا

      ولم تنتبه اسبانيا إلى أهمية الملحمة وقيمتها الأدبية مبكرا وعندما طبعت للمرة الأولى عام 1779 لم يعرها احد كبير التفت لان الحياة الاسبانية يومها كانت في جوانبها المختلفة ، سياسية وثقافية واجتماعية وأدبية ، ذات طابع فرنسي خالص، أو كما يقول احد كتاب ذلك العصر: (( كان الناس يومها يأكلون ويشربون ويتحدثون على نحو فرنسي)).

     وبينما كانت الملحمة تحظى بتقدير متواضع للغاية في اسبانيا نفسها ، جاءت الرومانتيكية الوليدة في الخارج ، وكانت تتعاطف مع القصور الوسطى ، فألقت عليها المزيد من الضوء ، وشدت إليها انتباه المثقفين ، فقال عنها الشاعر الاسكتلندي روبرت سوتي (1774-1843) إنّها ((أجمل قصيدة كتبت في اللغة الاسبانية )) .

   ونعي على الاسبانيين ((إنهم لا يعرفون قيمتها الممتازة ، وتضم تاريخ ((السيد)) شعرا ، وما داموا لا يمزقون حجب الذوق الزائف الذي يحول بينهم وبين معرفته، فلن يستطيعوا أن يبدعوا شيئا عظيما ، يدخل في دائرة الفن الرفيع . ويمكن القول انه بين كل الملاحم التي ألفت بعد الإلياذة. فان ملحمة ((السيد)) أشدها هومرية في روحها، ولو أن اللغة في شبه الجزيرة في ذلك العصر ، كانت ريفية وفي طور التكوين)).

       ودرس المؤرخ الأمريكي جورج تكنور (1791-1871) الملحمة ، وكان تعليقه عليها: ((يمكن التأكيد بأنه خلال القرون العشرة الماضية، منذ انهيار الحضارة الإغريق والرومانية حتى ظهور الكوميديا الإلهية لدانتي ، فان أي بلد لم يبدع قصيدة من الشعر أشد أصالة في شكلها ,وتنضح واقعية وقوة وحيوية ، مثل ملحمة السيد )).

    وجاءت بداية إلتفات النقد الاسباني الحديث إلى الملحمة في شخص العالم اللغوي ميلا أي فنتنالس ( 1818 – 1884) فعرّف أوربا ، وللمرة الأولى ، بمكان الملحمة الحقيقي بين مجموع الأدب القشتالي الملحمي ، وكان من قبل مجهولا ، على حين تولى تلميذه من حديث أي بلايو تعريف الأوساط الأدبية الاسبانية بها، فبدأ الأدباء المحدثون يقرأونها ويستلهمونها ، وأوجز رأيه فيها : ((الأكثر فتنة في الملحمة أنها تبدو شعرا يعاش , وليست كلاما ينشد ، وهي نتاج قوة غامضة تمتزج بالطبيعة نفسها، وسرها يفتقده الرجال المثقفون )).

   أما العرب ؛ في القديم أو الحديث ، ولهم من ((السيد)) نصفه حياة وتأثيرا ، ومصادرهم أول من ألقى على تاريخه ضوءا بعيدا عن الأسطورة ، فلم يقف احد منهم عند الملحمة دارسا أو مشيرا ، وفيها الكثير مما نحتاج إلى دراسة عميقة ومستأنية ، وسنشير إلى طرف منه بعد قليل .

      ولا تحمل الملحمة أية فكرة وطنية أو قومية بالرغم من أن المؤرخين الأسبان العاصرين ، أو عددا كبيرا منهم على الأقل ، يحاول أن يجعل من ((السيد)) بنفسه بطلا قوميا ، فالشاعر يتحدث عن بطل شعبي يحظى بإعجاب الجميع ، أيا كانت المقاطعة التي ينشد فيها ، وأيا كان الجمهور الذي يستمع إليه ، ولو انه كان دائما يرعى أذواق المستمعين ، فيوائم بين ما يقول وما يريدون ، ولا أظن أن ذلك مما يعاب فيها ، فتلك أفكار كانت خارج اهتمامات العصر.

     هناك ثلاث نظريات حول نشأة الملاحم القشتالية بصفة عامة ، بعضهم يردها إلى التأثير الفرنسي، والفريق الثاني يردها إلى أصل جرماني قديم ، واحدث الدراسات وأكثرها موضوعية يردها إلى أصل عربي . ويهمنا من بينها هذه الأخيرة ، وداعيتها العالم الاسباني الجليل خوليان ريبيرا ، وتنهض على أن الأندلس عرف بعد الفتح الإسلامي بقليل لونين من الأدب الشعبي ، عربيا كتب في العامية ، واسبانيا كتب في الرومانسية ، متأثرين فيما بينهما ومؤثرين ، في الشكل والمضمون . وإذا كنا نعرف أكيدا أن الزجل ابتدع في الأندلس ، وصيغ في عربية عامية، أو مزيج منها ومن الرومانسية ، قريبا من نهاية القرن التاسع الميلادي ، أو أوائل العاشر ، فما من سبب يجعلها نعتقد أن الزجل وقف عند حد الشعر الغنائي ، ولم يتجاوزه إلى الشعر الملحمي، لان الشعوب عندما تغني في بدء حياتها تتغنى بكل شيء ، ويأتي التمييز بين ما هو غنائي ذاتي وما هو ملحمي موضوعي ، في مراحل متقدمة من تطورها الفني.

    والحق إننا في القرن التاسع، القرن الذي شهد مولد الزجل ، نجد إشارات لقصيدتين ذاوتي طابع تاريخ ، وخصائص قومية أو ملحمية ، إحداهما للغزال ، يحيى بن الحكم ( 770-864م) ، والثانية لتميم بن علقمة (801-896م)، ولسوء الحظ فان كلتا القصيدتين ضاعتا ، بالرغم من شيوعهما في العصر الذي قيلتا فيه ، وجاءتنا في وصفهما إشارات قصيرة.

    وكانت هذه القصائد قصصية ومطولة، وذات مضمون تاريخي أو حربي وتتخللها حكايات شعبية، وروايات شفوية مسيحية، فقد كان الغزال ، طبقا للإشارات التاريخية ، ينحدر من أصول مسيحية أندلسية ، وتميم ولو انه عربي النسب كان متزوجا من مسيحية ذات أصل نبيل ، ابنة كنونت أندلس ، أي انه في بيته ، منع سكنه ، كان يتحدث اللغة الرومانسية ، ويعرف شيئا من أقاصيص أهلها وحكاياتهم فليست هناك زوجة تسمع دائما ، انها مع زوجها تتكلم أكثر مما تسمع . ولم يكن الغزال أو تميم وحدهما ، وانما هناك قصائد أخرى لشعراء عديدين ، تقص بطولات المنصور بن أبي عامر.ومحاربين آخرين ممن عرفهم الأندلس ، في الشعر العربي، أو في الزجل العامي ضاعوا في غمار التاريخ كما ضاعت آثارهم ، وكما ضاع كل تاريخ لمبدع الزجل لنفسه ، وارى أن اشد هذه القصائد تجديدا ، وأقربها إلى العامية، هو الذي ضاع، أما القصائد التي جاءت على النحو التقليدي فقد وصلنا منها القليل .

      فإذا تجاوزنا التأثير العربي في نشأة الملاحم القشتالية بعامة ، إلى ملامح هذا التأثير في ملحمة السيد على نحو خاص ، أقدم ملحمة القشتالية وصلنا نصها كاملا ومدونا ، كان علينا أن نضع في الاعتبار عدة حقائق أن النص الذي بين أيدينا ليس هو النص الأصلي الذي كتب قريبا من النصف الأول للقرن الثاني عشر ، وان إضافات دخلت عليه ، ومقاطع حذفت منه ، ومواقف صورت لتواجه أحداثا سياسية معينة متغيرة وطارئة ، ابتسرت بزوال دواعيها.

     وفي ضوء هذا الواقع أرى أن جانبا كبيرا مما يتصل بالإسلام والمسلمين دخله التعديل ، وأصابه البتر ، لقد انشد الشاعر الملحمة لأول مرة وسلطان المسلمين في الأندلس بالرغم من كل الهزائم متين, وحضارتهم مزدهرة, وثقافتهم جذابة، وأتصور أن حظهم من أحداثها كان أوفي مما هو عليه وان تقدير الشاعر لهم كان أوضح ،وان التعبيرات العربية ألفاظا وجملا كانت أكثر شيوعا ، وليس مغالاة أن أقول أن نسخة منها بعامية أهل الأندلس كانت تسمع بين المستعربين في الجانب الإسلامي، وبين المدجنين، أعني المسلمين الذين يقيمون في الجانب المسيحي،    ويكفي أن نعرف أن أول شاعر أنشد الملحمة كان مستعربا ، أي مسحيا يعيش في الجانب الإسلامي ، ويتخذ من العربية لغة ، أو العامية منها على أقل تقدير ، يعايش المسلمين، وحياته اليومية مطبوعة بتقاليدهم ، وانه قالها في مدينة وسط الأندلس، وبالاسم نفسه، حتى يومنا هذا، ومن الإشارات ما يحدد انه كان ينشدها في الساحة الكبرى، وكانت الجالية الإسلامية في المدينة كبيرة والمستعربون قلة ، إنها – ما يهدي إليه اسمها – أنشأها مسلم بدءا ، ولم تكن موجودة قبل وصول المسلمين .

     والتأثير العربي في الملحمة يأخذ أشكالا متعددة، فالملحمة كل، فيما أرى، تستهدي سيرة بني هلال، لان رواية شعبية، غير ذات طابع أسطوري، وانتقلت شفاها عبر سنين طويلة، وتتناول أحداثا وبشرا، لهم أو لجلهم واقع تاريخي، لا ترتفع بهم إلى مصاف الآلهة ، ولا تضفي عليهم من الصفات ما ينافي طبيعتهم البشرية، والبطل في الملحمتين ثائر على السلطة منفي يقاتل لحسابه ، ولا تتناولان من قضايا العاطفة والحب إلا حب الرجل لزوجته، وعطفه عليها، ونجد اليهود في الملحمتين على صورة متقاربة، يشتغلون بالتجارة والصيرفة والربا والرهونات، يحرصون على المال حرصا شديدا، وهم من أجل الربح ينافقون ويصانعون، ويستعينون دائما على قضاء حوائجهم بالكتمان , وتكاد صور الصرب تكون واحدة في سيرة بني هلال وفي ملحمة ((السيد)).

    ونلتقي بالتأثير اللغوي العربي واضحا في ملحمة ((السيد))، فثمَّة ألفاظ عربية كثيرة، تذكر بلفظها، وترسم في حروف لاتينية، دقيقة أحيانا ومحرفة أحيانا آخرى، وأكثر تداولا أداة النداء يا ya، وقد استقرت في الاسبانية إلى يومنا هذا، ولو أنّها في الاسبانية الحديثة انفصلت عن معنى النداء، وأصبحت تعبيرا عن التنبيه بعامة. وتستخدم الملحمة لفظ حتى Fasta. مرادا به انتهاء الغاية في العربية، ويلحظ أن حرف  Fفي اسبانية العصر الوسيط كان يمثل ما يساوي صوتH  في اللغة الحديثة، وبقى اللفظ مستخدما في الاسبانية العاصرة، وكما هو في العربية ، ولو انه في النصوص الحديثة يرسم طبقا للإملاء الحديث Hasta، وهو من أكثر الألفاظ دورا على الألسنة ، فيقال : حتى الصباح ، حتى غدا .  حتى قريب ، حتى أراك ....

       وثمَّة عدد كبير من الأسماء والأفعال والصفات المأخوذة من العربية، تتناثر عبر كل أبيات الملحمة، ويطول بي الحديث لو تابعتها كلها.

   والكثير من التقاليد العربية ترك صداه على نحو واضح في أحداث الملحمة القشتالية . فالسيد يقسم غنائمه طبقا للشريعة الإسلامية ، والحرب تبدأ بالمبارزة بين اثنين، وجنود ((السيد)) يهللون في الحرب داعين الله والقديسين وتقبل الدية في حالة القتل الخطأ، ولا مناص من الثأر في حالة القتل العمد، والتنازل عنه مستحيل. ونجد التصافح باليدين عقب أي اتفاق تأكيدا على الوفاء به، ويكثر في الملحمة تقبيل اليدين من الصغير للكبير، ومن الأقل للأعظم، ومن الزوجة لزوجها ومن البنت لأبيها. ويتردد إكرام الضيف والمبالغة فيه على الطريقة العربية، والحرير الذي يسرج به السيد خيله أو يرتديه مصري مستورد من الإسكندرية.

     فضاع ((السيد)) التاريخي في ضباب الأسطورة، وأصبح قديسا في أذهان العامة، وبدأ الجنود عند الحرب يتبركون بقطع يحملونها من تابوته، تحميهم من الهزيمة وتجلب لهم النصر، وتقدم فيليب الثاني ( 1527-1598) أعظم ملوك اسبانيا، وأشدهم تعصبا، يطلب من البابا في الفاتيكان أن يضيف السيد إلى قائمة القديسين، ورفض البابا ، لقد أراق صاحب هذا السيف دماء غزيرة، ولم يكن منظر القديسين يقع منه موقع الرضا، ولم يكن صوفيا ولا زاهدا ، بل ((كان مسلما بقدر ما هو مسيحي ، ولا يزال حتى اليوم داخل قبره مسيحيا يحمل ملابس عربية)).

 

المبحث الثاني

الملحمة في الأدب العربي

أولا

الملحمة في الأدب الجاهلي

      الملحمة؛ كما يعرفه مؤرخو الآداب الغربية، قصة شعرية مستفيضة تمتاز بروعة البيان، وتروي مآثر النضال والشرف والجلال، وتدور أحاديثها حول بطلها المحارب المغوار الذي يصور عظمة قومه ومثلهم العالية..وقد تنسب إلى شاعر واحد كنسبة الإلياذة والاوديسا بأناشيد كل منها الأربعة والعشرين إلى هوميروس أعظم شعراء اليونان. ومثلهما الانيادة لفرجيل الشاعر الروماني ، ((الشاهنامة)) لكل من الفردوس الشاعر الفارسي والفردوس الطويل الشاعر التركي ، وخلاص بيت المقدس لتاسو، وملكة الجان لسبنسر، والفردوس المفقود لميلتون، و((سيد الاسبانية ))...

     ومنها ما يؤلفه شعراء مجهولون ، ينظمون في عصور مختلفة معتمدين في نظمهم على أساطير شعبية سائرة ، تحكي بطولة احد الخالدين وتضفي ألوان الخيال على معاركه وانتصاراته . ومثلها ملحمة ((بيولف)) أقدم الملاحم الانجليزية ..وقد ألفت في القرن الثامن الميلادي ، وتعود إحداها إلى القرن السادس ، وتعتمد على التاريخ والقصص والأساطير الاسكندنافية ، وتحكي انتصار المحارب البطل بيولف على الساحر القبيح جريندل ، ويؤكد كيف يعلو الخير الشر دائما.. ولا يكاد يخلو أدب كبير لأمّة متقدمة فكرا وثقافة من الملاحم يمثلها الأبناء عن الإباء لمختلف العصور، ويتأثرون دائما بمناهجها الفكرية، وأقوالها المأثورة وأسواتها الحسنة الباقية.

       وقد استعمل الجاحظ كلمة الملاحم دلالة على الشعر المتضمن أحداثا ووقائع ثمَّ نقلها بعض مؤرخي الأدب العربي ، وخاصة في بلاد الغرب للدلالة على ما يشبه الشعر القصصي الأجنبي ، وفي الملاحم العربية التي سارت في آداب العصور الوسطى ...وذهب البعض  إلى أن عرب الجاهلية نظموا الكثير من شعر الملاحم المتكاملة في تصوير البطولات العربية ، ثمَّ ضاع أكثر الشعر ولم يبق إلّا اقله في دلالته الجزئية التي لا تؤلف كلا متكاملا .. بل زعم بعضهم أن سفر أيوب في التوراة هو في الحقيقة ملحمة بحد ذاتها أصلها ملحمة عربية متكاملة، نقلت إلى العبرية ثمَّ ضاع أصلها العربي القديم..لكن التحقيق التاريخي ينفي مثل هذه المزاعم.

     ومهما يكن من شيء فان الأدب العربي القديم عرف الشعر القصصي ، أو شعر الملاحم بمعناه العام الذي يروي أحاديث البطولة والقتال والفداء ، ولكنهم لم يؤلفا منه كلا متكامل العناصر متناسق الأجزاء على مثال الإلياذة أو الشاهنامة أو غيرهما من ملاحم الأدب الكبرى الأجنبية.. لكنهم لا ريب قد عرفوا أدب الحروب وخلدوا صفات البطولة تخليدا شعريا رائعا...

     والشاهد على ذلك كثير في موسوعات الأدب العربي..ومن ذلك الدرة الثانية من درات ((العقد الفريد)) لابن عبد ربه ..فهذه الدرة يطول حديثها في نحو مائة وأربعين صفحة، وتتناول أيّام العرب ووقائعهم أو حروبهم في الجاهلية كما يسميها المؤلف.

       ويقدم لحديثه تقدمة ذات دلالة بينة في الربط بين الأخلاق والبطولة وان الفارس المغوار الجاهلي يفوق أخلاق المؤمن الإسلامي ويقول :((ونحن قائلون بعون الله وتوفيقه في أيام العرب ووقائعهم فإنها مآثر الجاهلية ، ومكارم الأخلاق السنية. قيل لبعض أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، ما كنتم تتحدثون به إذا خلوتم في مجالسكم ؟ قال : كنا نتناشد الشعر ، ونتحدث بأخبار جاهليتنا ...وقال بعضهم: وددت أن لنا مع إسلامنا كرم أخلاق أبائنا في الجاهلية، إلّا ترى أن عنترة الفوارس جاهلي لا دين له ، ولا حسن أبن هانئ إسلامي له دين فمنع عنترة كرمه ما لم يمنع الحسن بن هانئ دينه ، فقال عنترة في ذلك:

                وأغض طرفي أن بدت لي جارتي

                       حتى يواري جارتي مأواها

وقال الحسن بن هانئ مع إسلامه :

 

                  ((كان الشباب مطية الجهل

ومحسن الضحكات والهزل

                  والباعثي والناس قد وفدوا

حتى أتيت حليلة البعل))

       وفي هذه الدرة الباهرة يتحدث ابن عبد ربه عن أربعة وثمانين يوما أو معركة من معارك الشعر عن بعض أبطالها ورواتها..وهي تتناول حروب قيس في الجاهلية مع كنانة وتميم ، وحروب بكر مع تميم ، وحرب البسوس بين بكر وتغلب ابني وائل. ووقائع حرب الفجار .. ولست اشك في أن هذه الأيام لو وردت إلينا كاملة. ولم تتأثر بالنزعة الدينية، وبالأمية الجاهلية، وبتأخر عصر التدوين وما إليها من العوامل – لو لم تتأثر بذلك كله لكانت لنا ملاحم جاهلية خالدة على الزمان..

ولا تزال أحاديث دريد بن الصمة وأشعاره في يوم وادي اللوى بين غطفان وهوازن سائرة بيننا ..ومنها قوله :

              فقلت لهم : ظنوا بألفي مدجج

سراتهم في الفارسي المســـــرد

               أمرتهم أمري بمنعطف اللوى

                             فلم يستبينوا الرشد إلا ضحى الغد

              وما أنا إلا من غزية إن غوت

  غويت وان ترشد غزية أرشــــــد

               فان تعقب الأيام والدهر تعلموا

 بني غالب أنا غضاب لمعبــــــــــد

ومنها قوله في احد فوارس المعركة المغاوير:

          (( ما أن رأيت ولا سمعت بمثله

حامي الظعينة فارسا لم يقتل

          أردى فوارس لم يكونوا نهزة

    ثـمَّ استمر كأنه لم يفعـــــــــل ([15])

           متهللا تبدو أسرة وجهـــــــه

مثل الحسام جلته كف الصقيل

         يزجي ظعينته ويسحب رمحــــه

متوجها يمناه نحو المنـــــزل

       وترى الفوارس من مهابة رمحه

                           مثل البغاث حين وقع الاجــــــــدل ([16])

 

يا ليت شعري من أبوه وأمّه

يا صاح من يك مثله لا يجهــــل

وفي واقعة مخطط إذ هزم بنو يربوع بني بكر بن وائل ، يقول مالك أبن نويرة :

              ألا أكن لاقيت يوم مخطــــــــط

فقد خبر الركبان ما أتــــودد

             بافناء حي من قبائل مالــــــــك

                            وعمرو بن يربوع أقاموا فاخلدوا

             فقال الرئيس الحوفزان تبينـــوا

                            بني الحصن قد شارفتم ثمَّ حردوا([17])

              فما فتئوا حتى رأونا كأننــــــــــا

                            مع الصبح آذي من البحر مزبد([18])

              بملمومة شهباء يبرق خالـــــها

                           ترى الشمس فيها حين دارت توقد([19])

               فما برحوا حتى عتهم كتائـــــب

                           إذا طعنت فرسانها لا ترعـــــــــد([20])

              فأقررت عيني يوم ظلوا كأنهـــم

                           ببطن الغبيط خشب أثل مسنــــــد

             صريع عليه الطير يحجل فوقه

                           وآخر كبول اليدين مقيــــــــــــــد

              وكان لهم في أهلهم ونسائهم

                           مبيت ولم يدروا بما يحدث الغــــد

            وقد كان لابن الحوفزان لو انتهى

شريك وبسطام عن الشر مقعد

 

ملحمة عنترة أبن شداد

   على أن هناك ملاحم متكاملة أو تكاد في الشعر الجاهلي ، تصورها سيرة بعض شعراء البطولة والإقدام ، وفي مقدمتهم ملحمة عنترة بن شداد أو سيرة عنترة كما نسج على مثالها شعراء العصور الوسطى من العرب الذين بهرتهم بطولة عنترة وفضائله.

    وحياة عنترة؛ وهي حياة الأرقاء الأبطال، الذين علت هممهم وكبلتهم قيود المجتمع الثقال فاستطاعوا تحطيمها وإكراه مجتمعهم على الاعتراف بقدرهم. وهؤلاء الأرقاء أنفسهم هم الذين اعزوا الإسلام من بعد، وبرز بين صحابة الرسول عدد منهم، تأكيدا لدعوة الحرية الإسلاميّة ومتانة أصولها.

فعنترة بن شداد ، أو عنترة بن عمرو بن شداد ، - قد ولد عبدا اسود من جارية حبشية يقال لها زبيبة سباها أبوه في إحدى غاراته ..وهو ، كما قال أبن الكلبي احد أغربة العرب الثلاثة الأرقاء النابهين : عنترة بن زبيبة ، وخفاف بن ندبة ، والسليك أبن السلكة.

   وقد ولد بنجد في الربع الأول من القرن السادس الميلادي لشريف من أشراف قبيلة عبس المضرية، وكان لابد للعبد الوليد، أن يخضع لتقاليد الجاهلية الحاكمة باستعباد أولاد الإماء إلّا إذا اظهروا نجابة أو بطولة ، وحينئذ يحررهم آباؤهم وينسبونهم إليهم...

   وهكذا نشأ عنترة نشأة العبيد يرعى الإبل والخيل..ولكن للعبقرية أحكامها الممتازة ..فاكتسب راعي الخيول النجدية العبقري صفات الشجاعة والفروسية وبلاغة النجديين وفصاحتهم...

   وحين اشتد ساعده وراق بيانه ، اخذ الناس يقدرونه وان ظلت قيود الرق تعطل مسيرته وتزيد لذلك ألامه ...فلبث في حزن مقيم وسعي متصل لانتزاع حريته من أبيه ، ولإكراهه على نسبته إليه حتى يشق طريقه ويتبوأ مكانته .

   وفي هذه الفترة كان العبد الفارسي يعتز بقوته وباسه، ولا توهن عزيمته قيود الرق وأثقاله...وقد عبر عن ذلك في مثل قوله:

أن كنت في عدد العبيد فهمتي                فوق الثريا والسماك الأعزل

وبذا بلى ومهندي نلت العلى              لا بالقرابة والعديد الابزل

    وقد واتت الشاب الأبي الفرصة حين أغارت جماعة من طيئ على عبس :قبيلة عنترة ، وغلبتها واستاقت من إبلها . وأسرت من بناتها وأبنائها..حينئذ اتجهت الأبصار إلى الفارس الناشئ ، وطلب منه شداد أبوه ، الذي يأبى نسبته إليه ، الكر على طيئ، واستخلاص غنائمها من عبس ، واستعادة الأسرى ...ولكن الفتى يأبى الاستجابة حتى يمنحه أبوه الحرية وينسبه إليه ...ويستجيب الوالد لرغبته..وينتصر عنترة، ويصبح الحر أبن شداد بطل عبس، وسيفها المسلول وحامل لوائها الظفر، وشاعر العروبة لعصره.

      ومنذ تحرير الفارس اكتملت له أسباب القوة والنصر ، فاخذ يقود الكتائب في غزوات متصلة على طيئ وغطفان وحنيفة من أعداء عبس ..وسجل أروع صفحات البطولة في حرب داحس والغبراء التي امتدت عشرات السنين ...وقضى معظم أيامها على صهوة جواده، وفي لباس المحارب، يقاتل وينشد أشعار الحماسة والبطولة والحكمة، وتسير في العرب أحاديث انتصاراته، وروائع أشعاره...

    ولكن عبقرية الحرب والشعر تزيد حساده والمبغضين له، شأن الناس في كل زمان ومكان، فلا يكفون عن محاولات النيل منه، وهجائه بسابق الرق وبأمه الجارية الحبشية..فيظل ذلك مصدر ألم له ،وان دفعه بقوة وبأس ، ويتمثلان في شعره الكثير وفي مثل قوله :

أن المنية لو تمثل مثـــــــلــــــت           مثلي إذا نزلوا بضنك المنـــــزل

إني امرؤ من خير عبس منصبا ([21])       شطري ، وأحمى سائري بالمنصل ([22])

وإذا الكتيبة أحجمت وتلاحظت            ألفيت خيرا من معم مخـــــــــــول            

 والخيل تعلم والفوارس إنني               فرقت جمعهم بضربة فيصـــــــل

إذ لا أبادر في المضيق فوارس            أو لا أوكل بالرعيـــــــــــل الأول

أن يلحقوا كرر وان يستلحموا             اشدد وان يلفوا بضنك أنـــــــــزل

حين النزول يكون غاية مثلانا             ويفر كل مضلل مستوهــــــــــــل

والخيل ساهمة الوجوه كأنما              تسقى فوارسها نقبع الحنظــــــــل

ولقد أبيت على الطوى وأظله            حتى أنال به كريم المأكـــــــــــــــل

      فعنترة؛ كما يصور نفسه، هو المنية تفتك بالناس، ولا يفتك احد بها. وموضوع النسب لا يصح أن يثيره الحاسدون..فهو من عبس شطره لأبيه، أما شطره لامه فيغني عنه سيفه البتار الذي لا يختلف فيه المختلفون..والحرب تشهد له، حين يتردد المترددون ويخشى هولها الخائفون، انه أفضل من الذين اجتمع لهم شطرا النسب من الأب وإلام، أو المعمين المخولين...وهو إلى جانب شجاعته وحسمه في القتال، يكتمل له الآباء ونبل الخلق، حتى يفضل الجوع على المأكل غير الكريم..فاي عظمة لمخلوق ارفع من هذه العظمة؟.

     لكن ألام عنترة العميقة، لم يكن مصدرها الأول الشامتون الحاسدون، وانما كان مصدرها الأول حبه عبلة ابنة عمه ،وهيامه بها هياما فاق كل هيام ...فعبلة وأبوها ينفران من الحبيب البطل لنقص نسبه من ناحية الأم، وسواده وشق شفته..ويظل عنترة طوال حياته يسترضي عبلة وأباها ،ويقدم لهما ولقبيلته كلها النصر بعد النصر،ويؤكد لهم جميعا أن شجاعته وفصاحته وكرم أخلاقه تغني عن المظاهر التي لا تنال من الجواهر شيئا ...وبعد عيش طويل عان ، يظفر بعبلة بعد أن يغني البطولة والأدب بأعظم الأيام وأبهى الآثار...

     وبعد تسعين عاما، يموت في عام 600م. قبل بعث الرسول بعشرة أعوام، أو في عام 615م بعد البعث بخمسة أعوام، على اختلاف الروايات وان لم تبلغه دعوة الإسلام على كل حال..ويموت أبو الفوارس عنترة, حين ضعف وتقدمت به السن، قتيلا بسهم من فاتك عربي أو في ريح عاصفة تهب عليه وتضمره في الرمال على اختلاف في الروايات أيضا.

     ولقد كان عنترة، ببطولته وحبه المثالي وأخلاقه السامية، مصدر الهام ودفع للأمة العربية في الجاهلية والإسلام، وعامل قوة في نضالها ضد قوى الاستعمار والعدوان لمختلف العصور...ولهذا لم يكن عجبا أن يقود إليه الأبصار في الحرب الصليبية، وان تصبح قصص بطولته مثار فتنة وحماسة للمناضلين ضد الاستعمار الذي رفع الصليب زورا وبهتانا.

     وهكذا كتبت، في تلك الفترة الفضيلة الطفرة من تاريخ العرب وما تلاها، سيرة عنترة أو عنترة كما تسميه العامة...وهي تضرب، عشرة آلاف بيت من الشعر...

    وتقع الطبعات التي ظهرت منها في القرنين التاسع عشر والعشرين في اثنين وثلاثين جزءا...ويتناول كل جزء منها قصة من أقاصيص السيرة لا تنتهي بانتهائه وانما يمتد طرف منها إلى الجزء التالي .

    وسيرة عنترة ممتدة الزمان متشعبة المكان...فأحداثها تسبق مولد عنترة ثمَّ تقص اثر البطل في مراحل النشأة والبطولة والشيخوخة، وتتناول غزواته وانتصاراته .. وتتجاوز جزيرة العرب، حتى تشمل العالم القديم المعروف من مصر والحبشة وفارس والهند والجنوب الأوروبي...

    وقد اكتملت في مصر في القرن الرابع عشر، على اختلاف في منشئها ومؤلفيها...وقد دخلت هذه الملحمة أوربا في القرن الثامن عشر .وفي القرن التاسع عشر ادخلها مؤرخو الأدب الأوروبيون في ميدان الأدب العالمي المقارن، وأطلقوا عليها اسم((إلياذة العرب))... وكان الشاعر الفرنسي الشهير لامارتين تستولي عليه نشوة الإعجاب والحماسة لعنترة ..ووضع الفيلسوف الفرنسي الكبير ((تين))، مؤرخ الآداب العالمية وخاصة الأدب الانجليزي – وضع ((تين)) عنترة في صف أبطال الملاحم العالمية الكبرى ، مثل سيجفريد، ورولاند ورستم ،واودوسيوس، أخيل ...

    وفي هذه الملحمة أو السيرة يتجلى عنترة مثلا أعلى للفارس الكامل والشاعر الفذ، والحبيب المتفاني. كما يتجلى بطلا مظفرا، وظهيرا للعاجزين ونصيرا للمظلوم وطموحا بضحى بكل شيء في سبيل المجد الخالد.

وهكذا اعز عنترة البطولة والأدب في حياته ، كما اعزها وخلدها في مماته.

 

ملحمة المهلهل

   وسير الشعراء الفرسان يمكن أن تسمى ملاحم بما اكتمل لشعرهم فيها من معاني البطولة والفداء والأخلاق.. ومن ذلك سير المهلهل ، وعبد يغوث والحصين بن الحمام ، وعامر بن الطفيل وغيرهم...

 ويكفي أن أورد في إيجاز سيرة المهلهل. وهي أبو ليلى عدي بن ربيعة التغلبي ، خال امرئ القيس بن حجر أمير الشعراء الجاهليين ، وجد عمر بن كلثوم لامه . وقد نشأ في ديار تغلب بشرقي نجد الشمالي نحو العراق. ولقب مهلهلا لأنه؛ كما يقول ابن قتيبة أول من هلهل نسج الشعر وجعله رقيقا بعد غلظة. وقد عاش أول حياته ، عيش الخمر والنساء وسائر ألوان اللهو. وكان له أخ بطل يدعى((كليبا)) لقي مصرعه ..وحينئذ تبدلت حياة المهلهل تبديلا ، فأقام يطالب بدمه في حروب قاد فيها قبيلته أربعين عاما حسوما، وسميت حرب البسوس، وبرزت فيها خمس معارك شهيرة ..وقد جعل المهلهل شعره ديوانا لهذه الحروب ، وسجلا رائعا لها ..وأطنب في وصف سجايا أخيه كليب، ومعالم السيادة والشرف المتجلية في حياته.

ومن قوله يعمد أخاه على الثار له بعد مقتله:

خذ العهد الأكيد علي، عــــمري           بتركي كل ما حوت الديار

وهجري الغانيات، وشرب كأس           ولبس جبة لا تستعـــــــــار

ولست بخالع درعي وسيفــــــي            إلى أن يخلع الليل النهــار

وإلا أن تبيد سراة بكــــــــــــــــر            فلا يبقى لها أبدا أثــــــــار

 

وكثيرا ما عدد فضائل كليب بمثل قوله:

كليب لا خير في الدنيا، ومن فيها          ان أنت خليتها في من يخليــــــــــــها!

كليب؛ أي فتى عز ومكرمــــــــة            تحت الصفاة التي يعوك سافيــــــــها

نعى النعاة كليبا لي ، فقلت لهـــم:            مالت بنا الأرض أو زالت رواسيها

ليت السماء على من تحتها وقعت           وحالت الأرض فانجابت بمن فيـــها

الحزم والعزم كانا من طبائعــــه ،           ما كل آلائه ، ياقوم ، أحصيـــــــها

القائد الخيل تردى في أعنتـــــــــها           رهوا ، إذا الخيل بحت في تعاديها،

قد كان يصحبها شعراء مشعلة           تحت العجاجة معقودا نواصيها

 

ومن قوله في وصف إحدى المعارك:

ولكنا طعنا ألوم طعــــــــــنا        على الاثباج منهم والنحــور

نكب القوم للأذقان صرعى         ونأخذ بالترائب والصـــدور

فدى لبنى شقيقة حين جاؤوا        كاسد الغاب تجلب بالزئيــر

كأن رياحهم أشطان بئــــــــر        بعيد بين جاليها ، يعـــرور

غداة كأننا ، وبني أبينــــــــا ،        بجنب عنيزة ,رحيا مديـــر

كأن الجدى، جدى بنات نعش        يكب على اليدين ، بمستدير

وتحبو الشعريان إلى سهـــيل         يلوح كقمة الجبل الكبيــــــر

فلولا الريح، اسمع من بحجر         صليل البيض تقــرع الذكور

وكانوا قومنا فبغوا علينـــــا،          فقد لاقاهم لفح السعيــــــــــر

تظل الخيل عاكفة عليهـــــم،         كأن الخيل ترحض في غديــر

       وبعد؛ فهذه إشارات وجيزة إلى الملاحم في الأدب الجاهلي ..وهناك ملاحم أخرى لا تقل روعة ودلالة على هذا الفن العربي...ومن بينها ملحمة أو سيرة سيف بن ذي يزن البطل العربي القديم الذي قاد النضال العربي قبل الإسلام ضد الغزاة الأحباش لجزيرة العرب، حتى انتصر عليهم وحرر الجزيرة منهم...قد عنى بها الأدب الشعبي العربي في القرنين الرابع عشر والخامس عشر الميلاديين ...

     وهي والكثير من أمثالها تدل في وضوح على أن الأدب العربي القديم قد سبق الآداب الأجنبية باللغات الباقية في مختلف فنون الأدب وتفوق فيها أعظم تفوق...

 

ثانيا :

الملحمة في الشعر العربي الحديث

   لم تقف مصر المتوثبة  المناضلة على طول عصور التاريخ في طموحها عند غاية، ولم تسكن في نضالها على مرور الأيام إلى نهاية ، وبعد فشل الثورة العرابية كمم الاحتلال البريطاني أفواه الشعب الذي كان يزأر بنشيد الحرية ، وقيد الأسد الهصور الذي عجزت الأيام دائما على أن تنال منه ، وأوقف مواكب الأحرار عن متابعة مسيرتها في النضال من أجل التقدم والبناء والنهضة .

    ولم يجد المصريون ملاذا لهم إلّا في الحياة مع الماضي الذي أوقف القصر والاحتلال امتداده ، وفي أن يستعيدوا جلال الذكريات الخالدة في تاريخ العرب والإسلام ، بعد أن استحالت حياتهم من بناء وأعمال إلى ذكريات وأملا ، لأنهم فقدوا الحرية ، وفقدوا بفقدانها كل شيء .

     وقد عاش الشعراء يدونون في شعرهم كل صفحات المجد الكبير الذي كان لامتهم الإسلاميّة العربية ، ليوقظوا النفوس النائمة من رقادها، ويحرروا الأرواح اليائسة من قنوطها، ويبعثوا فيها روح الأمل في المستقبل .

       وبدأ حافظ إبراهيم (1870-1932) فنظم ملحمته العمرية عن الفاروق عمر بن الخطاب ، وانشده من فوق مدرج وزارة المعارف المصرية بدرب الجماميز في مساء يوم الجمعة الثامن من فبراير 1918.

   ثمَّ تلاه الشاعر عبد الحليم المصري (1887-1922)، فانشد ملحمته البكرية عن الصديق أبي بكر وصفحات حياته وجلائل أعماله ، وذلك من فوق مدرج الجامعة المصرية القديمة في 24من مايو1918.

   وبعد عام ونصف أعقبهما الشاعر الشيخ محمد عبد المطلب (1870-1931)، فألقى قصيدته العلوية في حياة وتاريخ وبطولات الإمام علي (عليه السلام) في السابع من نوفمبر، وذلك في حفل برياسة شيخ الشعراء إسماعيل صبري في الجامعة المصرية ، واعتزازا بروح العروبة المتأصلة في نفسه ألقى علويته وهو راكب على ظهر جمل كما كان يفعل أسلافه من الشعراء حين يلقون شعرهم في سوق عكاظ...أما شوقي فقد كان إبان تلك الأيام في منفاه في الأندلس، وان كان نظم هناك وهو منفي ملحمته الخالدة التي ظهرت بعد ذلك في ديوان بعنوان ((دولة العرب وعظماء الإسلام)) ..

   كما كان قد نظم من قبل بكثير قصيدته أو ملحمته الهمزية المطولة في تاريخ مصر وحضارتها على مرور القرون والأجيال ...

  وجاء الشاعر أحمد محرم (1871-1949) بعد ذلك بطويل، فنظم ملحمته المشهور ((الإلياذة الإسلاميّة)) التي سجل فيها أحداث السيرة النبوية العاطرة تسجيلا رائعا مؤثرا...

    هذه الملاحم البطولية في تاريخ الشعر العربي الحديث التي نظمها كبار الشعراء كان لها تأثيرها ودويها الشديد ، فرددها الشعب المصري والعربي والإسلامي في كل مكان ، واستظهرها الكبار والصغار والشيب والشباب ، وأذيعت في كل محفل ، وألقيت في كل ندي، وترنم بها البدو والحضر ، ولفتت الناس إلى أن مجدنا القديم الخالد لا بد أن نعمل على استعادته ، إن صفحات التاريخ متصلة، والحاضر لا يمكن أن ينقطع عن الماضي ، مهما صنع الاحتلال والعرش وأعوانهما في مصر . وكان للشعراء ما أرادوا ، فبعد العمرية والبكرية والعلوية بأيام معدودة قامت ثورة 1919، وتحرك التاريخ ، وأقامت انتفاضة الوطن ، وطار التراب الذي كان يخفي لهب النار المتقد.

     والمعروف أن الملاحم تستمد عناصرها من البطولة وتاريخ الأبطال ، والإشادة بشجاعتهم وأعمالهم الخارقة ، وبسالتهم وقوتهم الفائقة ، وكثيرا ما تتخذ الملاحم مادتها من الأساطير والحوادث الخارقة للعادة، وعجائب الأفعال ، ومن البطولات النادرة وتاريخ الأبطال الذي يحفل بهم تاريخ الأمم والشعوب في كل عصر، وبخاصة في الحروب والثورات وأيام النضال للتحرر من العبودية والاستعمار والغزو الأجنبي. والإلياذة والاوديسا لهوميروس , والانيادة لفرجيل حافلة بهذه العناصر الأساسية في بناء الملحمة ، التي تتلاقى مع القوى الخفية العميقة المدفونة في أعماق اللاشعور ، وتحركها للعمل والبناء من أجل فكرة روحية أو بطولية أو تحررية .

    وإذا كانت هذه الملاحم العربية الحديثة من أمثال العمرية والبكرية والعلوية والإلياذة الإسلامية تفقد بعض خصائص الشعر الملحمي ، لأنّها لا تعتمد على الأساطير، ولا تنحو نحو الخيال والمبالغة ، إذ لم يقيد الشعراء فيها أنفسهم بكل خصائص الأدب الملحمي ، فإنها على أية حال صورة من الصور القريبة إلى الملحمة في عرف أدباء الغرب . وهذه صورة مستمدة من ذوق الشاعر العربي وروحه وإلهامه وأصالته, وقريبة من إلفه وعقله. ومتصلة بمواهب التجويد ومذاهب التجديد في الشعر العربي القديم، كأرجوزة أبن المعتز (247- 296هـ). في لين عمه الخليفة العباسي المعتضد الذي تولى الخلافة الإسلامية عشر سنوات (279-289هـ) وكأرجوزة أبن عبد ربه الأندلس صاحب العقد الفريد (329هـ) في الخليفة الأموي الناصر الذي حكم الأندلس خمسين عاما (300-350هـ) ...

     ولنبدأ بالعمرية ، قصيدة شاعر النيل حافظ إبراهيم (1870-1932) ، المشهور بديباجته الجميلة، وموسيقاه الحلوة وصناعته الشعرية البديعة ، الشبيهة بصناعة البحتري ، مع المحافظة على عمود الشعر العربي ، وصياغته الموروثة ، حتى لقد قال فيه أمير الشعراء أحمد شوقي (1868-1932) وهو يرثيه :

ما زلت تهتف بالقديم وفضله                 حتى حميت أمانة القدماء

جددت أسلوب الوليد ولفظــه                 واتيت للدنيا بسحر الطائي

     وكان حافظ في طليعة شعراء العصر، وقد تمثل مذهب البارودي في الشعر وصياغته ، وكان يمثل مصر الشعب ، وشوقي يمثل مصر الدولة.

     بدأ حافظ عمريته بمقدمة قصيرة، انتقل منها إلى الحديث عن مقتل عمر ، وعاد إلى الحديث عن بيعته لأبي بكر ، وموقفه من علي (عليه السلام) أثناء البيعة، ويصور مواقف الفاروق مع جبلة بن الايهم ، وأبي سفيان ، وخالد بن الوليد ، مع ابنه عبد الله بن عمر ، ومع نصر بن حجاج ، وعمرو بن العاص ، ومع رسول كسرى، ويقص قصة ما نهجه في الشورى، وأمثلة من زهده وورعه وهيبته ورحمته ورجوعه إلى الحق، وقطعه لشجرة الرضوان . وكما بدأها بمقدمة يختمها بخاتمة قصيرة، كان من الأولى بها أن تكون هي المقدمة. وتبلغ أبيات العمرية خمسة وسبعين ومائة بيت ، وهي مما يحتوي عليها الجزء الأول من ديوان حافظ ، ومطلعها:

حسب القوافي وحسبي حين ألقيها              إني إلى ساحة الفاروق اهديها

ويقول في خاتمتها مما يصور هدفه من الملحمة :

هذي مناقبه في عهد دولــــــتــــه                 للشاهدين وللأعقاب أحكيــــها

في كل واحدة منهن نابــــــلــــــة                 من الطبائع تغذو نفس واعيها

لعل في امة الإسلام نابتـــــــــــة                 تجلو لحاضرها مرآة ماضيــها

حتى ترى بعض ما شادت أوائها                 من الصروح وما عاناه بانيها

وحسبها أن ترى ما كان من عمر                حتى ينبه منها عين غافيـــــها

    وحافظ هنا يبين أن قصيدته حكايات من أخلاق وأعمال وحياة علم من أعظم أعلام الإسلام ، وان كل حكاية منها تمثل موقفا رائعا من مواقف الشرف والنبل وسمو الطبائع ، وانه يتمنى أن يكون شباب امة الإسلام اكبر صلة بالماضي وبتاريخنا المجيد فيه ، لينبه ذلك منها ما كان غافيا من الشعور والإحساس وشرف المسؤولية.

    وحافظ يمثل عمر في اشتراكيته العادلة تمثيلا صادقا فيقول في موقفه مع ابنه عبد الله بن عمر، حين رأى نوقه سمينة ممتلئة، فردها إلى بيت المال..ويقول حافظ:

وما وقى ابنك (عبد الله) اينقه         لما اطلعت عليها في مراعيها

رأيتها في حماه وهي سارحة        مثل القصور قد اهتزت أعاليــها

فقلت: ما كان عبد الله يشبعها         لو لم يكن ولدي، أو كان يرويها

قد استعان بجاهي في تجارته        وبات باسم (أبي حفص) ينميها

ردوا النياق لبيت المال أن له        حق الزيادة فيها قبل شاريــــها

وهذه خطة لله واضعــــــــــها       ردت حقوقا فأغنت مستميحيــها

ما الاشتراكية المنشود جانبها       بين الورى غير منبى من مبانيها

فان نكن نحن أهليها ومنبتها         فإنهم عرفوها قبل أهليـــــــــــها

يريد أن الغرب في عصرنا يعمل بها دوننا مع أننا أهلوها ومصدرها .

ويرى الخليفة عمر لواليه على مصر عمرو بن العاص ثروة فاشية فيشاطره ثروته، فيقول في ذلك حافظ:

شاطرت داهية السواس ثروتـــــــــه          ولم تخفه بمصر وهو واليــــــــــها

وأنت تعرف (عمرا) في حواضرها          ولست تجهل (عمرا) في بواديــــها

لم تنبت الأرض كابن العاص داهية           يرمي الخطوب برأي ليس يخطيها

لم يرغ حيلة فيما أمرت بـــــــــــــه          وقام عمرو إلى الأجمال يزجيـــــها

ولم تقل عاملا منها وقد كثــــــــرت          أمواله وفشا في الأرض فاشيــــــها

     وما أروع تصوير حافظ لموقف عمر من زوجه حين أبى عليها أن تأكل الحلوى، لأنها من الكماليات، فسكتت الزوج ثمَّ عادت تطلب إلى الخليفة أن يشتري لها حلوى بدراهم وفرتها من قوتها فأبى عمر، ورد المال المدخر إلى بيت مال المسلمين ، لان بيت المال أولى به ، وقال حافظ في ذلك على لسان عمر :

ما زاد عن قوتنا فالمسلمون به     أولى فقومي لبيت المال رديه

      ويتحدث حافظ عن ديمقراطية عمر وتواضعه وهو خليفة المسلمين فيقول مصورا ما أصاب رسول كسرى من ذهول، وهو يقف بين يدي عمر، ويشاهد بساطته في حياته ، يقول :

وراع صاحب (كسرى) أن رأى عمرا       بين الرعية عطلا وهو راعيــــــها

وعهده بملوك الفرس أن لــــــــــــــها         سورا من الجند والاحراس يحميها

رآه مستغرقا في نومه فــــــــــــــرأى        فيه الجلالة في أسمى معانيــــــــها

فوق الثرى تحت ظل الدوح مشـتملا        ببردة كاد طول العهد يبليــــــــــــها

فهان في عينيه ما كان يكبــــــــــــره       من الاكاسر والدنيا بأيديــــــــــــــها

وقال قولة حق أصبحت مثــــــــــــلا       وأصبح الجيل بعد الجيل يرويـــــها

أمنت لما أقمت العدل بينهمــــــــــــو       فنمت نوم قرير العين هانيـــــــــــها

     ومواقف عمر في الشورى والرحمة والورع والرجوع إلى الحق ، والتشدد في الفن والتاريخ ، والحكاية ، والموقف ، والشخصية والسيرة ، ومما لم يقف فيه عند وقائع التاريخ وحده ، ولا عند مشاهد الصورة فحسب ، وانما تغلغل في أعماق نفس البطل وهو يروي سيرته تغلغل الفنان الأديب ، والمحلل النفسي والمؤرخ العميق النظرة إلى الأشياء ...

      إن حافظا في كل ذلك كان اقرب إلى الشاعر الشعبي الذي يروي (أمجاد) البطل وقصته. وموسيقى حافظ واسلوبه غنيان بالبلاغة وقوة التأثير ، ومشاعره في الحكاية والرواية واضحة..وتحتفل العمرية بالبساطة اشد احتفال، ولا تتعمق المواقف وفلسفة التاريخ إلّا بقدر ، ولكن حافظ سجل فيها صفحة خالدة من صفحات تاريخ أمته وبطولاتها ومجدها التليد.

ويعلل حافظ لعزل عمر لقائده البطل خالد بن الوليد، فيقول على لسان عمر:

فقال: خفت افتتان المسلمين به     وفتنة النفس أعيت من يداويها

      مع ذلك كله فهناك ألفاظ في ملحمة حافظ لم يكن يحسن بالشاعر استعمالها، مثل قوله (استراك) أي استراك ، أي طلب رأيك ، في قول حافظ:

كم استراك رسول الله مغتبطا      بحكمة لك عند الرأي يلفيها

ومثل قوله: (ترحم، وأعاظما) في البيت الذي يريد به عمر وعليا (عليه السلام):

فاذكرهما ، وترحم كلما ذكروا      اعاظما ألهوا في الكون تاليها

     وبعد؛ فهذه هي العمرية صفحات خالدات من تاريخنا وتراث امتنا ، وبطولات رجالنا ، وعظمة حكام المسلمين وخلفائهم. ولقد صور حافظ فيها الحاكم الإسلامي في شخص عمر الفاروق نموذجا حيا رفيعا كما أراده الإسلام ، وكما صاغه القرآن، محبا للعدل والرحمة والمساواة بين الناس عدوا للهوى والاثرة والكبرياء، ومؤثرا على النفس متمسكا بكل القيم الرفيعة التي جاء بها الإسلام....

     وننتقل إلى الملحمة الأخرى، علوية الشاعر محمد عبد المطلب (1870- 1931) التي نظمها وسجل فيها حياة وخلافة الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام)، وهي قصيدة حافلة بالبلاغة، وروعة التصوير وقوة التعبير والتأثير. وقد انشدها الشاعر وهو فوق ظهر جمل تشبها بالشعراء في سوق عكاظ، وبما كانوا يصنعون فيه. وتبلغ أبيات هذه الملحمة اثنين وتسعين ومائتي بيت.

    وكان الشاعر الشيخ محمد بن عبد المطلب من سدنة اللغة والتراث والأدب القديم، فهو محافظ أشد المحافظة على القديم ، متعصب له ، يدافع عنه , ويحافظ عليه، ويدعو إليه ويؤثره على كل ما عداه . وهو إذا نظم الشعر يتتبع آثار الجاهليين ومن نحا من الشعراء نحوهم وفي تكلف مثل صنعتهم ، ويشبه كما يشبهون ، ويتخيل كما يتخيلون ، وربما تكلف بسبب ذلك من الألفاظ الغريبة ما كانوا يتكلفون ليخرج شعره فحلا ، ولفظه جزلا ومعانيه بدوية ليس للين الحضر إليه من سبيل, وقد خلف لنا تراثنا يضاف إلى تراث شوقي وحافظ. وكان من أسبق الشعراء إلى الشعر المسرحي ، ففي عام 1909نظم عدة مسرحيات شعرية ، كالمهلهل ، وامرئ القيس . وليلى العفيفة التي لم يتمها ، وهي مخطوطة بدار الكتب المصرية . وكان خليل اليازجي ثمَّ بعض شعراء سوريا ولبنان قد نظموا قطعا من مسرحيته ((علي بك الكبير))وطواها إلى أن أعاد كتابتها في أواخر أيامه بعد نجاح محاولاته في مسرحيته كليوباترا التي فاجأ الجمهور بها عام 1929وفيها تلاها من مسرحيات شعرية . 

    والشيخ محمد عبد المطلب عربي من جهينة التي استقرت في إقليم سوهاج وقد تلقى دراسته في الأزهر الشريف في مدرسة دار العلوم التي تخرج فيها عام 1896بعد أربع سنوات دراسية واشتغل بالتدريس في المدارس المصرية ، ثمَّ في مدرسة القضاء الشرعي ، ثمَّ في مدرسة دار العلوم ، وقد خاض معركة النقد والنقاد بمناسبة ظهور كتاب (الشعر الجاهلي) عام 1926ونشر مقالاته في المقطم والأهرام، وتشعب به النقاش بين القديم والجديد .

تبدأ الملحمة العلوية بالبيت :

أرى أبن الأرض أصغرها مقاما      فهل جعل النجوم بها مراما

وهي من الوافر ، بينما كانت العمرية من البسيط ..ويسترسل الشاعر فيها فيقول :

زهاه رونق الخضراء لمــا       تلفت في مجرتها وشاما

فشد على كواكبها مغيـــرا       وحلق في جوانبها وحاما

على بنت الهواء كأن طيفـا      يشق الجو قطعه لمامــــا

إذا ما هزمت في الجو خلنا      جبال النجم تنهد انهدامــا

إلى أن يقول:

فهب لي ذا ت أجنحة لعلي    بها ألقى علي السحب الإماما

      وقد بدأها الشاعر بوصف الطائرة ، ويقول العقاد إن هذا إنما هو تقليد للشاعر القديم حين كان يصف الجمل ، والجمل عند الشاعر القديم جزء من حياته ، أما الطائرة فهي ليست كذلك عند شاعرنا المعاصر، وان كانت موضوعا جديدا تحدث فيه عبد المطلب ليرضى نزعة التجديد أصحاب المذهب الحديث في الشعر ..وأقول: أن التجديد في الغرض جميل ومطلوب ، إذا صاحبه عمق التجربة ، وليس بلازم أن يكون الموضوع جزءا من حياة الشعار إلّا بمقدار ما يكون للتجربة الشعرية عمقها في نفس الشاعر وشاعريته.

    وقد تخلص الشاعر من وصف الطائرة إلى مدح الإمام (عليه السلام) تخلصا ساذجا كما رأينا ، ثمَّ عاد إلى الحديث عن الإمام في صباه , وعن إسلامه ، ثمَّ عن استخلافه ليلة الهجرة ، ثمَّ عن حياته في المدينة، وزواجه من فاطمة الزهراء (عليها السلام) بيت الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)، وشجاعته يوم خيبر وقتله لمرحب اليهودي ، وعن زعامته في المواطن ، ومواقفه أيام السلام ، ويصور شخصيته ونفسه ووجهه وجده وتبتله ، ومواقفه من قتل عثمان ومن اختلاف المسلمين حول الخلافة ، تصويرا جميلا قويا مؤثرا .

    وتبلغ أبيات الملحمة 292بيتا ، وهذه هي الملحمة العلوية الكبرى ، وله علوية أخرى صغيرة تقع في سبعة وأربعين بيتا وهي من بحر الرمل ، وأوثر أن اسميها (العلوية الصغرى) وقد بدأها كذلك بوصف الطائرة ، ثمَّ تحدث فيها عن حنينه لنجد والجزيرة العربية ، ومدح الإمام (عليه السلام) مدحا رائعا ، ومطلع هذه العلوية:

اصغر الأرض وما فيها مقامــا     فاعتلى يضرب في السحب الخياما

حسد الطير على الجو فســــــر    عان ما حلق في الجو وحامــــــــــا

يزجر الريح فتجري تحتــــــه      أينما ولى بها تلوى الزمامـــــــــــا

سابحا فوق ابنة النار علـــــى      مسرح النجم جنوبا وشآمـــــــــــــا

يا خليلي احملاني فوقهـــــــــا     علني ألقى على السحب الامامــــــا

     والبيت الأخير يشير إلى انه لم يركب الطائرة، وانه كان يتمنى ركوبها. ويبدو أن الشاعر نظم العلوية الصغرى أولا ثمَّ نظم الكبرى – التي نحن بصددها ثانيا ...

 وفي تصوير حياة الإمام ( عليه السلام) في صباه وإسلامه يقول الشاعر في العلوية:

تبصر هل ترى إلّا عليـــا     إذا  ذكر الهدى ، ذاك الغلاما

غلام يبتغي الإسلام دينــا    ولما يعد أن بلغ الفطامــــــــــا

إذ الروح الأمين بقم فانذر    أتى طه ليذرهم فقامـــــــــــــا

وأمتهم إلى الإســــلام أن    غدت بالسبق أوفرهم سهامــــا

وصلى حيدر فشأى قريشا    إلى الحسنى فسموه الامامــــا

كأني الثلاثة في المصلـــى    جميعا عند ربهمو ، قيامــــا

         ولا نستطيع الاسترسال في ذكر صور من هذه الملحمة في هذا المقام،وهي– على أية حال – تجمع بين التاريخ والفن، ويبدع الشاعر فيها في الفكرة والغرض، ويرسم صورة محببة للزمان والمكان والشخصية ، ولم يستوح الشاعر فيها في الأساطير كما فعل هوميروس في الإلياذة ، بل أغناه واقع التاريخ المضئ عن تلفيق الخيال ، فاستلهمه ، مسجلا الحياة والتاريخ تسجيلا وفيا أمينا..وفي الملحمة يلقب الشاعر (عليا) بأنه اخو الرسول ، ويذكر انه أول مسلم صلى وصام....

   أما الملحمة البكرية للشاعر عبد الحليم المصري فقد صور فيها الشاعر حياة وتاريخ الخليفة الأول أبي بكر الصديق تصويرا رائعا...

    وقد عمد الشاعر فيها إلى المواقف الوضاءة الرائعة في حياة الصديق ، فسجلها في الملحمة بأسلوب شعري قوي وغني بالبلاغة ، وقي مطلعها يقول الشاعر :

افضني أبا بكر عليهم قوافيا      وأمطر لساني حكمة ومعانيــــــا

وقل لرسول الله لم أعد مدحه    وان لم أكن فيه بشعري باديـــــــا

مقام رسول الله فوق قصائدي    وله شرر النبراس يجدي الدراريا

وانك في الإسلام من حسناته      فمدحك كنى عنه دون بيانيــــــا

   وهو هنا يقول أن مدحه لأبي بكر مدح لرسول الله وللإسلام ..وهم يصور غايته من كتابة الملحمة فيقول:

واضرب أمثالا لقومي تجيئـــــــــــهم        بصورة شيخ المسلمين كما هيــــــا

عسى أن يعيدوا ما أضاعوا من الهدى       وان يتلافوا منه ما كنت باقيــــــــا

وحتى يروا أن الخلافة لم تكــــــــــن         مظاهر في راياتها ومرائيــــــــــا

وانك لم ترق الخلافة بالقنــــــــــــــى         ولا السن ، لكن بالنهى كنت راقيا

رجوت ( أبا حفص ) وآثرته بــــــها          فصادفت منه مؤثرا لك راجيــــا

أولئك قوم لا يحابون سيـــــــــــــــدا          ولا عرفوا في جانب الحق عاليا

قضوا لك بالحسنى ولو لم تكن بــــها        أحق لقام السيف للحق قاضيـــــــا

    وهو نمط رفيع من البلاغة وقوة التصوير ..ويأخذ الشاعر في تصوير مواقف الصديق من بلال ، ومن الهجرة ، وحرب تبوك ، ووفاة الرسول ، ومن الخلافة ، ومن جيش أسامة ، ومن بطولته في حروب الردة وشجاعته ، ويتحدث عن وقادة ملك حمير ذي الكلاع عليه وبين يدي الملك الف عبد من عبيده والخليفة في أسماله وجلاله ، ويقول الشاعر :

أفي خلد السماء أي خليفـــــة      بها رائحا في نصرة الله غاديا؟

لقد وهم الركب اليماني مخبر     فشاهده عن منظر الملك نابيا

غداة تجلى ذو الكلاع بتاجه     وأشرق في أبراده مترائيــــــا

مشى ألف عبد مثقلين أمامه     إذا هزهم بالجود هز الغواديــا

فلما رأى من نسج تيم مجاسدا    يكاد يرى فيها الخليفة عاريــا

تولت عن أمر الخالفة دهشة     فألقى الحلي والخز وارتد حافيا

وقال كذا دين المساواة فلتكن     خلافته حرية وتآخيـــــــــــــــا

      وصور الشاعر في ملحمته مواقف الخليفة في حروب الردة وفي معارك فارس والروم تصويرا مؤثرا بليغا، كما صور موته كذلك فقيرا لم يرتضع من الخلافة افاويق نعمة أو ثراء ...

ومات ولم يترك تليدا لــوارث       ولا قام منهم من يقول تراثيــا

ليالي كان الناس لا المال مالهم      فما هو إلّا مال من جاء عافيا

ولا فرق فيهم بين مولى وعبده     إذا جاءه عبد لمولاه شافعيــــا

وفي آخر الملحمة يقول الشاعر :

ذكرت أبا بكر لقومي وليتني     بلغت به ما كنت في القول راجيا

لعل سراة الدهر تبلغ فجـره      فاني أرى الإصباح يتلو الدواجيا

    وبعد فهذه بعض الملاحم الشعرية الكبيرة في شعرنا الحديث ، وبحسبي أن أسجل هنا أن هذه الملاحم أدت رسالة كبيرة في البعث الأدبي والوطني والديني ، وقد حفلت بها الصحف والمجلات ، ونشرت في كتيبات صغيرة ، وفي دواوين الشعراء أنفسهم ، وشرحها أدباءنا الجلاء شروحا عدة ، وقد أعقبت العمرية والبكرية والعلوية ثورة الشعب عام 1919، وظهر التيار الإسلامي في الشعر ، مما كان خافيا من قبل لان الاستعمار كان يناصبه العداء ، وتحية لشعراء بعث النهضة أصحاب هذه الملاحم الجليلة في تاريخ الشعر والشعب والأمة.

 

المبحث الثالث

نماذج تطبيقية

 

ملحمة شاطئ الأعراف للهمشري

     التحق محمد عبد المعطي الهمشري الشاعر العاطفي الرمزي بمدرسة المنصورة الثانوية عام 1931الذي كان يقول الشعر في كل شيء قاله في معرض الفكاهة عندما سقط فار في إناء العدس بمطبخ المدرسة واشتهرت تلك الأبيات في حينها وتناقلتها الأفواه ورددتها الألسن ، ولعل أبياتا مماثلة في نفس الموضوع نقلت عن الشاعر صالح جودت وذاعت واشتهرت كذلك ...

     وقال الهمشري أبياتا أخرى في ابنة مدرس اللغة الفرنسية ( السميو بياجي ) ، وقد جاءت أبياته تلك عندما اخرج الأستاذ الفنان (رجب) مسرحية للمدرسة قام فيها المرحوم الأستاذ السفير أحمد فتحي رضوان بدور الآنسة ، وقد تولى الأستاذ (رجب) عمل الماكياج بحيث أصبح الأستاذ رضوان على صورة قريبة من صورة الآنسة (بياجي) فما كان من الهمشري إلّا أن حيا صانع الماكياج ، البارع بقوله :

أهلا بمبدع صنعة الماكياج    أخرجت كل فتى كبنت بياجي

        وهذا البيت وأمثلاه عرف وذاع عن الهمشري في مناسبات عديدة كما عرفت وذاعت أبيات مماثلة عن الشاعر الكبير صالح جودت ، وكنا نحن ترددها سعداء بأن يكون بيننا أمثال هذين الشاعرين الموهوبين ،

ومرت الأيام ، والتقيت الهمشري وصالح جودت في رحاب (ابوليو) عندما أنشاها الشاعر العبقري الدكتور أبو شادي عام 1933بالقاهرة . وكنا نجتمع بدار المجلة في حارة (عمر شاه) بحي السيد زينب ، حيث كان الدكتور أو شادي يتولى فتح الأبواب لشتى الأحاديث الأدبية والفنية ، وهو يصحح ( بروفات ) المجلة وعيناه لا تفارقان صفحاته ، وحيث كان الشاعر حسن الصيرفي غاد رائح بروفات، ينهمك في إعداد صفحات المجلة ، وهو يطلق النكات والقفشات الرفيعة التي يهش لها الجميع ، وحيث كان الشاعر إبراهيم ناجي يلقي بعض شعره العاطفي بطريقته الموسيقية ذات الطابع الشخصي الأشر ....

    وكان الهمشري يشارك إخوانه أحادثهم الأدبية الطلية في مختلف آفاق الأدب والفن ولكن بمقدار ، فقد كنت الاحظ أن فكره يسرح بعيدا عن الجو الذي يحيط به. كنت أراه حاضرا بجسمه وكيانه غائبا بروحه وخياله، وقد غشت وجهه الجميل سحابة رقيقة من التفكير والتأمل تحاول ابتسامته ( الجيوكندية) أن تلقي عليها ستارا خداعا وكان الهمشري جميل الصورة كما قدمت ، أنيق الملبس ، إذا غشى مجلسا لا يستطيع المرء أن يتحاشى النظر إليه ، فقامته الممدودة الممشوقة ، وبناؤه الرياضي وأكتافه العريضة ، وزيه الأنيق وملاحمه الدقيقة ، كانت كلها مما لا تستطيع العين الإنسانية أن تقتحمه أو تتجاوزه .

      ولقد صدق الشاعر الكبير صالح جودت عندما قال يصفه في مقدمة ديون الهمشري([23]) الذي تولى مشكورا جمعه وتحقيقه : ( كان يفيض قوة وشبابا وحيوية ، فهو عملاق ، عريض المنكبين ، تكاد حمرة الشباب تقفز من خديه لا يشكو شيئا في جسده ، ويحب أن يتأنق في ملبسه ويتخذ رباطات عنق ذات  ألوان زاهية كألوان مناديل صدره ويزين عروة سترته دائما بوردة كبيرة حمراء )....

    وهذه صورة صادقة في وصف الهمشري. ومع ذلك فقد كانت له سبحات وشطحات، فتارة كان يوقد الشموع في بيته ويؤثرها على نور الكهرباء، وكان يطلق البخور عندما ينظم الشعر، ويستمع إلى الموسيقى الكلاسيكية ، وكان أميل ما يكون إلى العزلة.

   ولقد عجبت كيف اتجه هذا الشاب المتدفق حيوية ورونقا وبهاء إلى الشعر الحزين الأسود هذا الاتجاه العارم ، بعدما شاع عنه وذاع من نظم الشعر العاطفي الرومانسي العذب الحنون، وساءني أن اعلم أن مأساة عاطفية نزلت بساحته، وزلزلت قلبه ، وما لبثت أن غيرت مجرى حياته وقلبته رأسا على عقب . لقد أحب الهمشري ...أحب حبا عظيما لقد وقع هذا الفارس المتألق في حومة الغرام فريسة هنية لفتاة أحلامه التي لم ترحمه ولم تشفق عليه ، فكانت عاقبة ذلك الحب الخيبة واليأس والحرمان. ومات الحب وهو بعد في ريعانه ثمَّ كان ذلك الاتجاه الحزين الأليم الذي ران على شعر الهمشري ، وكانت تلك الابتسامة (الجيوكندية) ، التي تناضل لكي تبدو على شفتيه أثناء حديثه مع رفاقه ومحبيه . ولكن عبثا حاولت الابتسامة إخفاء حزنه الصادق أو مداراة إخفاقه في ذلك الغرام الفريد الذي التقى به في مطلع الشباب.

   وهكذا كانت ملحمته الرائعة (شاطئ الأعراف) التي بدأ نظمها وهو بعد في ميعة العمر وطراوة اليافعة ، (بين الخامسة عشرة والثامنة عشرة) ، وهو بعد يطلب العلم بمدرسة المنصورة الثانوية،ولقد نشرت بعض مقاطعها الأولى في مجلة (السياسة الأسبوعية)([24]) فأحدثت دويا في الوسط الأدبي حينذاك ، فلما جاء إلى القاهرة في أعقاب نشره بعض مقاطع الملحمة في (السياسة الأسبوعية) ازدادت نيران مأساته الغرامية اشتعالا وفي ذلك يقول: (وكان ما خفت أن يكون ، فقد هاجت سماء المدينة الأزلية (القاهرة) وروحها الناعسة الحالمة على أعتاب القدم والأبد،أقول هاج كل ذلك الحزن إلى ابعد قرارة في نفسي ، ولا سيما حينما وقفت على مقربة من الجزيرة ارقب (النيل) من ناحية بدا لي فيها ذلك الأزلي ، كأنه شاعر يغني في جانب الموت أغاني تلاشت معانيها في حواشي الألحان ).

وهكذا تراءت له مياه النيل ، وكأنها تغني أغنيات الموت ، ذلك الشبح الرهيب الذي اخذ يطارده في عنف منذ ذلك العهد الغض الرطيب، هم اخذ يقتفي آثاره في (نوسا البحر)- بلدة أخواله – فقد مكث في تلك القرية خمسة أيام عقب زيارته للقاهرة ، ولندعه يقص علينا ما كان من أمره في تلك الأيام الخمسة :

(كنت اختلف في أمسياتها مع قريب لي إلى مكان هادئ يشرف على النيل في مشهد رائع، طالعته على مبعدة أشجار باسقة من الصفصاف واللبخ والجميز وهائش الغاب ، فكانت تكسبه روعة في الليل ضافية ، وكأنها بعض عباد البراهمة فنيت نفوسهم في ذهول العبادة...وهم ينصتون بألف إذن إلى مزامير الآلهة ..ثم كانت بعد ذلك قصيدة(شاطئ الاعتراف)، فالنيل لم يكن غير نهر الحياة والموت في هذه الظلمة المروعة التي كانت تألف نفسي إليها ، وهي رهبة الأبدية في هذه الأعراف أيضا...).

    وهذه الصورة الوصفية الرائعة تنبئ عن صدق في الشعور والإحساس يكاد يكون منقطع النظير ، وقد لا يشعر به غير الشعراء والفنانين ذوي الحس المرهف والخيال المتوثب الصافي المنطلق البعيد . ولقد صدق الشاعر عندما قال في ختام مقدمته تلك: ( لقد انتهت قصيدة شاطئ الأعراف، ولكن هذه الروح العلوية التي غمرت سماء حياتي بنور جمالها الباهت الحزين، وهي تصاحبني في شاطئ الأعراف ما تنفك تصاحبني بعد شاطئ الأعراف ).

    ولقد أحسن شاعرنا الهمشري صنعا بإهدائه قصيدته (إلى هذه الروح التي أرهفت أذني لسماع أصداء مواكب الآباد ، والتي تتغنى بها كل مشاعري كما يتفانى الجدول بكل أمواجه) أجل ، لقد أحسن الشاعر صنعا بإهداء قصيدته هذه لتلك الروح الموحية الآسرة ، التي غيرت مجرى حياة شاعرنا الفذ ، وكانت دليله ومرشده وهاديه إلى نهايته المأسوية في ريعان شبابه على (شاطئ الأعراف)

وماذا نقول عن (شاطئ الأعراف ) ؟

يقول الشاعر نفسه في تذييله لملحمته تحت عنوان (شرح وتعليق ):

(الأعراف؛ كما فسرها المفسرون مكان بين الجنة والنار! ) ولقد أطلق الشاعر هذا الاصطلاح في ملحمته (على شاطئ خيالي يقع وراء عالم الحياة ويشرف على عالم الموت. وبعد أن مات الشاعر حملته آلهة الشعر على زورقها السحري في (بحر الوقت) ورست به على هذا الشاطئ ، ثمَّ يروعه بحر هائج مصطخب يشرف عليه شاطئ الأعراف ، فيصفه لنا:

(هذا البحر هو (بحر الوقت)، وثمَّة (قصر خرب) يعترض (بحر الوقت ) وهو (قبر الليالي )...

      ثمَّ يشاهد الشاعر موكبا ضخما (من زوارق سحرية يتقدمها فلك عليه خيال ملاك يعزف على قيثارته . هذا هو ملاك الحياة يقود عناصر الوجود من الخير والشر ... الخ في زوارقها، ومر ذلك الموكب في (بحر الوقت) واختفى في غياهب هذا القصر الذي هو(قبر الليالي)، ثمَّ أرخى على العلم ستار العدم والصمت!).

      هذه خلاصة لفكرة ملحمة شاطئ العراف، كما قدمها وعلق عليها الشاعر الهمشري نفسه ، ومنها يتجلى لنا أن الشاعر قد استحوذت عليه فكرة الموت واستأثرت به استئثارا عجيبا منذ يفاعته الأولى ، فصاغها هذه الصياغة الشعرية الفنية الرائعة ، في هذه الملحمة الفذة التي احسب أن الشعر العربي مدين للهمشري الشاعر بها...

      ففكرة الملحمة كما نرى أصيلة، والحياة والموت ضدان متقابلان، ولكنهما متكاملان. ولقد نبهتنا الديانات السماوية على اختلافها إلى حقيقة الموت الأزلية ، وعرض لها القرآن الكريم عرضا مبسطا ومسهبا في كثير من آياته الوضاء ، مصورا الموت بأنه الوجه المقابل للحياة , كالليل والنهار , كما عرض للحياة في البرزخ ، ولقد كتب أبو العلاء المعري (رسالة الغفران ) وصور فيها مشاهد متخيلة من الجنة والنار ، كما صور الشاعر الإيطالي الشهير دانتي اليجيري (1265-1321) م في (الكوميديا الإلهية) مشاهد من الآخرة كما تخيلها . وهذان الشاعران الكبيران قد نبه ذكرهما في عالم الفكر والأدب ، فالمعري الشاعر الكاتب الفيلسوف قد نكبه الدهر فكف بصره ، وجاء نتاجه الأدبي متسما بهذه الروح المتهكمة الحزينة، والتي شاعت في شعره ونثره قاطبة، وكذلك كان (دانتي) الشاعر الدبلوماسي والسياسي العبقري متجها إلى وصف مشاهد الآخرة نتيجة لتباريحه النفسية التي خلفتها تجاربه الرهيبة في حياته الحافلة العريضة.

  على أن الهمشري كان في قصيدته أو ملحمته لا يخلو من تلك الروح الرومانتيكية الغنائية العذبة ، فهو مثلا يقول في وصفه (جنة الشعراء) في ملحمته الفذة :

 

نستطيب الجلوس في ظل أيـــك

رفرف الطير فوقه أسرابــــــــا

يتغنى بين الثمار بلحــــــــــــن

هل سمعت القيان غنت طرابا ؟

من وحيدين يسجعان ســـرورا

وشجيين يشدوان انتحابــــــــــا

وجرى الماء في الغدير رحيقا

وجرت فوقه الزهور حبابـــــا

جنة صاغها الإله من السحــــر

ففيها صبابة الســــــــــــــعداء!

نورها من وشائع من هـــــواء

فهي فيه من رقة القمــــــــــراء

من خيال الأشعار قد صاغها الله

ففيها روائع الشعـــــــــــــــراء!


      ولقد اشتغل كثير من الشعراء بهذه المعاني والاتجاهات الشعرية في العصر الحديث. وقد طالعت للشاعر على محمود طه في قصيدته (ميلاد شاعر) أبياتا كثيرة تتضمن صورا مماثلة لما ورد في أبيات الهمشري التي أوردتها آنفا ، وهو مما يدخل في باب توارد الخواطر ، يقول على محمود طه:

أدخول الآن أيها الحسنونا

حنة كنتمو بها توعدونـــا

إلى ان يقول:

واشروا الصفو فوقها والسكونا

غير لحن يرف فيها حنونـــــــا

تتغنى به الطيور وكونـــــــــــا

وتغنوا بها كما تشتهونــــــــا

وصفوها جداولا وعيونــــــا

وورودا ندية وغصونــــــــا

...............................

واجعلوا جنتي قصيدة شاعر !

   وشبيه بهذا ما قاله الشاعر المهجري فوزي المعلوف في قصيدته أو ملحمته (على بساط الريح) التي اشتهرت كثيرا لما كتب عنها الدكتور طه حسين في (حديث الأربعاء) في الثلاثينات ، يصفه بقوله :

(عاش هذا الشاب بين الأمل والذكرى والحنين . وتغنى في قصيدته هذه يأسا مهلكا وحزنا محرقا لا مصدر لهما إلا الأمل والذكرى والحنين) ولقد تشابه فوزي المعلوف مع الهمشري في مأساته فقد مات كذلك في شرخ الشباب ، وفيما يلي مطلع بلك القصيدة أو الملحمة (على بساط الريح):

في عباب الفضاء فوق غيومه

فوق نسره

ونجمته

حيث بث الهوى بثغر نسيمه

كل عطره

ورقته

موطن الشاعر المحلق – منذ البدء- لكن بروحه لا بجسمـــــــه

أنزلته فيه عروس قوافيه، بعيدا عن الوجود وظلمـــــــــــــــــــه

ملك قبة السماء له قصر، وقلب الأثير مسرح حكمــــــــــــــــــه

ضارب في الفضاء ، موكبه النور ، وأتباعه عرائس حلمـــــــــه

حكمه ضارب في الفضاء ، موكبه النور ، وأتباعه عرائس حلمه.

     هكذا نرى أن الهمشري يتغنى للموت غناء عذبا رقيقا في (شاطئ الأعراف) الذي تراءى له في خيالاته (المتوحشة) على ضفاف النيل ، بين أدواح الصفصاف وأحراش الغاب على شاطئ (نوسا البحر). وعلى محمود طه يصف (جنة الشعراء) وصفا رائقا متدفقا متسلسل الرقة في قصيدته (ميلاد شاعر) فهذه الجنة هي التي وعد بها الشعراء المبدعون ، وفوزي المعلوف يرى في ملحمته العذبة ( على بساط الريح) أن موطنه الحقيقي هو في عباب الفضاء حيث يحلف بروحه لا بجسمه...فعروس قوافيه قد أرسلته طليقا في أعماق الفضاء ، بعيدا عن الوجود وظلمه.....فهنالك مملكته... في قبة السماء قصره !وفي قلب الأثير مسرحه!

   أثمة توارد في الخواطر بين هؤلاء الشعراء الثلاثة؟ أم أن هذه الأرواح الرقيقة الشاردة الهائمة قد ألهمت سبحاتها ، وألهمت وصف أقدارها ذلك الوصف الرائع المأسوي الرقيق، الذي تغشاه قترة رقيقة من الحزن العذب، وتكتنفه سحابة وطفاء من الأسى الغامض اللذيذ!.

   وهل ثمَّة صلة روحية بينهم جميعا وبين أبي العلاء ودانتي ...أم أنها كلها أرواح هائمة في الأثير تبحث في قلقها العبقري عن غايتها ، وقد تلهم الأسرار ، فتشق لها الحجب والأستار!

    ولعل شاعرنا الهمشري كان قد ألهم في ختام ملحمته (شاطئ الأعراف)، خاتمة حياته وتلك بعض سمات الشاعر الملهم، فما أصدقه حين يقول وهو يتحدث عن نفسه:

كان إنشادك المبارك فجــــــــرا

مستهلا وضئ نور الحيـــــــاة...

ليت شعري ، فأين أذوي وأينت

قد أقرت الحان ذي الأغنيـــات؟

لهفي ما أرلك تبعث لحنــــــــــا

فأخبر الشعر ما دهى قيثــــارك!

سوءة ليد التي عطلتهـــــــــــــا

وعفت في غنائها أوتـــــــارك!!

   أجل! سوءة لليد التي عطلت هذه القيثارة الحبيبة ، قيثارة الشاعر الهمشري وأخرستها إلى الأبد !ولكن ماذا نقول ؟ انه الموت الجبار ، وهو حق ، قد أطفأ شمعة هذه الحياة الشعرية العذبة وهي بعد في رونق الصبا وطلاوته وبهائه اثر عملية أجريت لشاعرنا لاستئصال الزائدة الدودية ، فانتهت تلك الحياة الشاعرية الرائعة في الرابع عشر من ديسمبر 1938، وهكذا طويت صفحة الشاعر الدنيوية ، أو كما قال هو في ملحمته يصف النهاية ويصور غرور الحياة بأنه طيف خيال :

ومضى الركب في الردى وتلاشى

اثر الركب في ضريح الليـــــــالي

فكأن الحياة كانت منامــــــــــــــــا

وغرور الحياة طيف خيــــــــــــال

 

ملحمة ترجمة شيطان للعقاد

      ملحمة ((ترجمة شيطان)) هي الملحمة التي استحق العقاد من أجلها إمارة الشعر العربي سنة 1934ونوه بها الدكتور طه حسين في خطاب إمارة العقاد للشعر الذي ألقاه بالأوبرا بهذه المناسبة

   وروى العقاد في مقال بأحد أعداد المقتطف سنة 1934 انه كاد يمزق هذه الملحمة ويسقطها من ديوانه سنة 1921، لولا إصرار بعض أصدقائه على إبقائها واستمرار نشرها في الديوان بالجزء الثالث.وهذا بقيت هذه الملحمة وصارت حدثا خطيرا من أحداث الشعر العربي في التطور وإنماء..

       الملحمة صورة من صور الصراع . وأعمق صورة من صور الصراع في الوجود هي صورة الصراع بين الخير والشر. وقد أخذت قصة الصراع بين الخير والشر صورا شتى منذ مطلع الحياة المدنية. ولم تخل مدنية نحو من الأنحاء التي تناسبها وتتمشى مع فلسفتها في الحياة من أجل تفسير وجود هذا الصراع فوق الأرض وشيوع مشكلته لدى الناس.

     لماذا يوجد الشر على الأرض، ولماذا يأسر هذا الشر العديد من الناس فيحرقون له البخور ويعيشون في كنفه ويخدمون أهدافه ؟

     فسر الأقدمون فعل الشر والسلوك الشرير بأنه انتماء إلى الشيطان . ولم يكن بين الأعمال الفاضلة وغير الفاضلة من فارق سوى أن هذه الأعمال الفاضلة تدخل في طاعة الشيطان.

     واسم الشيطان بأداة التعريف هو أشهر شخصيات الشيطان كما وردت في الحضارات الغابرة لأنه ورد على هذا النحو في كتب الديانات الثلاث ودخل في تعبيرات اللغات الأوربية المتداولة ولفظه المنقول عن اللغات السامية. والرأي الغالب أن كلمة الشيطان هذه عبرية بمعنى الضد أو العدو. فترجع غلبة هذا إلى ظن شائع بأسبقية اليهودية على غيرها من الديانات كالمسيحية والإسلام . فلفظة شيطان مستعارة في ظنهم من اللغة العبرية وهي لغة اليهود المنتمين إلى ديانة موسى (عليه السلام)...

     ولكن العقاد مؤلف كتاب ((الثقافة العربية اسبق من ثقافة اليونان والعبريين)) يرفض هذا الرأي ويرى انه يصدق في حالة واحدة فقط، وهي أن يكون اليهود أصلاء في الكلام عن الشيطان وألا يكون قد سبقهم أحد المشارقة إليه . وهو ما لم يثبت ولم يتأكد، وقد يكون الثابت على خلاف ذلك ونقيضه لان اليهود قد وصفوا الشيطان بعد هجرتهم إلى بابل ولم تكن طريق بابل موصدة دون الأمم السامية غير اليهود.

     والأرجح عند العقاد كما يقرر هو نفسه ذلك في كتابه عن إبليس(ص42) أن كلمة شيطان أصيلة في اللغة العربية قديمة فيها ، ولا يبعد في رأيه أن تكون أقدم من نظائرها في اللغة البابلية ذاتها لان اللغة العربية قد اشتملت على كل جذر يمكن أن يتفرع منه لفظ الشيطان على أي احتمال وعلى كل تقدير .

   وقد كان العرب يسمون الثعبان الكبير بالشيطان ، ويقال في بعض التفسيرات أن هذا المعنى هو المقصود من ((طلعها كأنه رؤوس الشياطين)) وذكر الثمرة المحرمة . ولم تنقطع – كما يقول العقاد في نفس المرجع (ص43) – العلاقة بين الحية والشيطان. ويؤخذ من سفر أيوب (عليه السلام) – وهو عربي سابقا لعهد خروج بني إسرائيل من مصر. ويؤخذ من تاريخ الأدب العربي في الجاهلية أن العرب قد عرفوا الشيطان في أدواره الفنية والأدبية مع السحرة والشعراء، فليس هو مجرد اسم معرب نقلوه من لغة أخرى.

    ويستمر أستاذنا العقاد في شرح دور الإسلام بعد ذلك في وصف الشيطان فيؤكد أهم نقطة وهي أن الإسلام رفض ثنائية الوجود بين قوتين أحداهم هي قوة الخير أي الله والأخرى هي قوة الشر أن الشيطان .بل لا توجد في الإسلام أية إشارة إلى هذا التعارض لأنه كما يقول العقاد: ((أي الإسلام- قد بسط على الوجود كله وحدة لا مثنوية فيها على وجه من الوجوه ومنح الإرادة الإنسانية حقها وتبعتها وجعلها ظالمة لنفسها إذا سمحت للشيطان أن يظلمها. فإنما هو خداع وضعف . وأنماهما طريقان بينان لا يخدع عنهما سوى المأخوذ أو المسحور ، إلا أن يؤثر الضلالة على الهدى ويصر على ضلالته بين دواعي التوبة والندم....))([25])

((ولم يذكر القرآن الكريم قط شيئا عن سقوط الخليقة من رتبة إلى رتبة دونها))([26])

      ولم يذكر شيئا عن سقوط الخطيئة الدائمة أو سقوط الخطيئة التي يدان فيها الإنسان بغير عمله. إذ العقيدتان- كلتاهما غريبتان عن روح الدين الإسلامي كل الغرابة. ولا يعرف الإسلام إرادة معاندة في الكون لإرادة الله يكون من أثرها أن تنازعه الأرواح وتشاركه في المشيئة وتضع في الكون أصلا من أصول الشر وتسقط الخلائق التي ارتفعت سوية بمشيئة الخالق.

     وهكذا حدد الإسلام صورة الشيطان وصار له دور معلوم – كما يقول العقاد:((أمام الله فلا يتوقف العلم بأوصافه على السماع بل يجوز للمفكر أن ينسب إليه كل ما يقتضيه ذلك الدور من الألوان والملامح والخصائص والتبعات )).

    ولهذا كان على العقاد أن يختار شيطانه في قصائده على نمط إسلامي فلا يخرج على الحدود التي وضعها الإسلام لتصور الشيطان.

     ويعبر العقاد بنفسه عن تجربته فيتناول موضوع الشيطان في أعماله الشعرية فيقول:((ونحن في هذا الباب خاصة لا نبحث بحثا المؤرخين أو النقاد الأوربيين، وانما نراجع ما أحسسناه واختبرناه، ونفهم بواعث النظم والتأليف في هذه الأغراض مما عالجناه وانبعثنا إليه بوحي الاطلاع وعدوى الخواطر التي يوحيها ... أول ما خطر لنا أن نقارن بين التشبيهات والمعاني المجسمة في اللغات الأوربية واللغة العربية ، وكتبنا في هذه المقارنة عن الكائنات الخفية وعن عجائب المخلوقات وعن الأساطير ، مما يطلع عليه القارئ في كتاب الفصول ومجمع الأحياء ، وأحسسنا الحاجة إلى تصوير بعض العواطف بصورته الشعرية التمثيلية ، فأخذنا في وقت واحد في نظم قصيدة عن سباق الشياطين وتأليف كتاب نسيمه ((مذكرات إبليس)) ونخصص كل فصل منه لغواية من الغوايات كالعشق الأثيم والسرقة والبغي والطمع وسائر هذه الآثام التي تذكر كلما ذكر الشيطان . فأما سباق الشياطين فقد تمت القصيدة التي نظمها في موضعه. وأما مذكرات إبليس فلم يتم منها غير فصل واحد..وثم بقيت النية مترددة حول هذا المطلب حتى تحولنا عنه بعد الحرب العالمية الأولى إلى موضوع القصيدة التي سميناه ((ترجمة شيطان))ونشرت في الجزء الثالث من الديوان )).

    وهذا هو الموقف الذي نشعر به من بداية الملحمة. فالعقاد يصور الشيطان على وفق مفهوم لا يرفعه إلى درجة القوة المناوئة وانما يجعله صورة من صور الغواية وعداوة الحق. ولكن هذا لا يمنع بعض الظلال الأسطورة التي تجعل من الشيطان قرينا للظلام.

صاغه الرحمن ذو الفضل العميم

غسق الظماء في قاع سقـــــــــــر

ورمى الأرض به رمي الرجيـــم

عبرة..فسمع أعاجيب العبـــــــــر

ــــــــــ

خلقة شاء لها الله الكــــنـــــــود

وأبى منها وفاء الشاكــــــــــــر

قدر السوء لها قبل الوجـــــــود

وتعالى من عليم قــــــــــــــادر

ــــــــــ

قال : كوني محنة للأبريــــــاء

واخسئي أيتها النفس العقيـــــم

أيها الشيطان اضلل من تشــاء

سوف تأويك وتأويه الجحيـــم

ــــــــــ

فهوى الشيطان صفر الراحتين

خاوي الزاد ويايئس السفــــــر

أين يمضي؟أين أقف الأرض أين؟

فرحاب الكون ملأى بالأكــــــر

    ولكن هذا الشيطان شيطان ناشئ على حد تعبير العقاد . فرؤيته للوقائع مختلفة عن رؤية الشيطان المدرب ولهذا فهو يعجب من سقوط الناس في سهولة ويسر في حبائله ...ويشعر بالزهو والكبرياء ...

سخر الشيطان من قسمتــــــــه

ومن الأرض وما فوق السماء

ومضى يهجس في محنتــــــه

ألهذا تستذل الكبريـــــــــــاء؟

ــــــــــ

ورمى أول فخ فأصابــــــــــا

ودعاه الحق واستلقى فنـــــام

وأناب الحق عنه فاستجابــــا

فإذا الحق لجاج وخصـــــــأم

ــــــــــ

نام لما صنع أحق وأغضى

ولو اختار لأغضى أبـــــــدا

غير أن الشر لا يألف غمضا

ربحت صفقته أو قد فقــــــدا

   ولكن هذا الشيطان لا يلبث ان يكتشف أن الناس أضعف وأذل من أن يحتاجوا إلى غواية أو إذلال. ويشعر بأن الغواية للخير أصعب بكثير من هذه المهمة التي خلق لها. ويستمر في عمله ولكنه يرى ضعف البشر ويكره عمله فيتوب عن صناعة الإغواء لهوان الناس عليه وتشابه الصلحين والطالحين منهم عنده...

وتمادى بعد في شرتـــــــــــــه

كلما انبت زرعا ينعــــــــــــــا

فرأى الشوكة في دولتـــــــــــه

وجنى الوفرة مما زرعـــــــــا

ــــــــــ

انف الشيطان من فتنتـــــــــــه

أمما يأنف من إهلاكهـــــــــــا

ورأى الفاجر من زمرتـــــــه

كعفيف الذيل من نساكـــــــها

ــــــــــ

ما له يفسد خلقا عدمـــــــــوا

آية الرشد، وهبهم رشـــــدوا

وعلام السلب مما غنمــــــوا

وهم لو غنموا لم يحســـــدوا

ــــــــــ

كلهم طالب قوت–والــــثرى

ذل قوم أو تعالوا – مخصب

وقصارى الأمر في هذا الورى

راسب يطفو وطاف يرســــب

ــــــــــ

مذ رأى الشيطان عقبى شـــره

كفر المسكين بالشر العقيـــــم

وأراها بدعة من كفــــــــــره

دونها الكفران بالخير العميـــم

 

      وإذا بالشيطان يتجه إلى الله ويتوب ويطلب الغفران فقبل الله منه هذه التوبة وادخله الجنة وحفه فيها بالحور العين والملائكة المقربين:

يا إله الكون يا خير إلــــــــــــه

أين من قدرك أصنام القـــــــدم

من كرب الكون لا بل من سواه

عادل في الخلق بر بالأمــــــــم

ــــــــــ

أنت يا رب لطيف في القضـــاء

فاصعق اللهم من يجحد لطفـــك

قسما باسمك يا رب السمــــــــاء

ما أرى في الناس من يدرك وصفك

ــــــــــ

يكفر الشيطان باشر العقــــــــام

فتعد الكفر منه ندمــــــــــــــــــا

وتنجيه إلى دار الســـــــــــــلام

وقديما قلت لا يغشى الحمــــــى

ــــــــــ

فضلك اللهم من غير حســـــاب

وكذا اللهم آلاء العليــــــــــــــــم

فأعجبوا من نعمة الله العجــــاب

وانظروا كيف تلقاها الرجيـــــــم

ــــــــــ

منزل الشيطان من جنتـــــــــــــه

منزلا يرضى به الفن الجميـــــل

ومشى فاختار في مشيتـــــــــــه

هضبة عند مصب السلسبيـــــــل

ــــــــــ

كملت زينتها من كل فــــــــــــن

وكساها الزهو ولدان وحـــــــور

وعلى أحواضها الطير تغنـــــــي

يا كريم .. يا حليم .. يا غفـــــــور

      وتمضي الملحمة على هذا النحو السلس الجميل في مائة وعشرة مقاطع، وتصف كيف عاش هذا الشيطان غير المحترف في الجنة. غير انه لم يلبث أن سئم عيشة النعيم ، وتطلع إلى مقام الإلهة لأنه لا يستطيع أن يرى الكمال الإلهي ولا  يطمع فيه دون أن يحصل عليه ويصبر مع ذلك على الحرمان منه ....:

وقبيل الصبح أو نحو الأصيـــل

عند باب القدس أو باب الحرم!

ركب الشيطان فوق السلسبيــل

مركبا يزجيه سلسال النغــــــم

ــــــــــ

وفشت حوليه أرواح الســــلام

كل زهر باعث منه شـــــــــذاه

ساريات مثلما تسري المـــــدام

أو كما رفت على الخد الشفــاه

ــــــــــ

ساءهم في الخلد ألا يحســــدوا

ومن الحساد من تطلبــــــــــــه

راعهم في الخلد ألا يسعـــــدوا

منكر السعد كمن يسلبــــــــــــه

ــــــــــ

فإذا الجنة أمن وسكـــــــــــــون

كسكون الليل في ضوء القمــــر

خشعت حتى الشوادي في الغصون

وصغت حتى وريقات الشجـــــر

ــــــــــ

ساعة ثمَّ انجلى موقفــــــــــــــها

عن جلال الله فردا في عـــــلاه

غابت الأملاك لا تعرفـــــــهــا

وبدأ الشيطان معروفا تــــــراه

ــــــــــ

                             وبدأ الشيطان معروفا تـــــرى

كبرياء الكفر في وقفتـــــــــــه

عالي الجبهة يأبى القهقـــــرى

توج النار من نظرتـــــــــــــه

ــــــــــ

ساعة أخرى وقد حم القضاء

وانقضى العفو وحق الغضب

ساعة للنحس حلت والبــــلاء

ومتى حلت فأين المهــــرب؟

ــــــــــ

      فجهر الشيطان بالعصيان في الجنة ومسخه الله حجرا فهو ما يبرح يفتن العقول بجمال التماثيل وآيات الفنون:

قال كن عبدي فلما أن أبـــــــى

قال كن صخرا كما شئت فكان

لهب طار فلولا أن خبـــــــــــا

لتغشى الكون نار ودخـــــــان

        إن السر الحقيقي لهبوط الشيطان من عالم الجنان هو كراهية التجمد خارج الزمن والملل من البقاء حيث لا زمان . ويوم عرف الإنسان الشيطان كان فاتحة خير كما يقول العقاد: فقد كانت معرفة الشيطان فاتحة التمييز بين الخير والشر. ولهذا لا يلبث الشيطان أن يكون بمثابة الخطوة الأولى في تاريخ الأخلاق الحية وتلك هي معرفة الخير في الحميم.

     فالخير هو القدرة على الحسن مع وجود كل وسائل القدرة على القبيح وهو الاختيار المطلوب بعد التمييز بين القدرتين . ولهذا عرفنا كما يقول العقاد من تاريخ الشيطان انه سقط لأنه انف من تفضيل ادم (عليه السلام)على الجان والملائكة أجمعين. وانما فضل ادم عليه لأنه عرضة للخير والشر ، ولأنه مطالب بالخيرات وهو ممتحن بالشرور ...فضل على الملائكة الذين لا يصنعون الشر لأنهم بمنجاة من غوايته...وفضل على الجان الذين لا يختارون بين نقيضين .

     ومن تلك الآونة عرفت وظيفة الشيطان في هذا العالم وعرفت معها فضيلة الإنسان .

      وانما فضيلة الإنسان أن يصنع خيرا وللشر عنده غواية وله في نفسه فتنة كما يقول العقاد:

ولقد قال أناس شهـــــــــــــــدوا

مصرع الشيطان هل طبع يزول

ناره تخبو فلا تتقــــــــــــــــــــد

وهو في الصخرة يستهوي العقول

ــــــــــ

فإذا أبصرت من صخرتـــــــــــه

دمية ساحرة أو صنـــــــــــــــــما

فابتعد منه ومن رقيتــــــــــــــــه

واتق الله وحوقل ندمــــــــــــــــا

واستضحك إبليس يوم انتهى المطاف بتلميذه إلى هذه الخاتمة فقال:

ما أرى هذا الفتى من دمنــــــــــا

ومتى استغوى الشياطين الشرك؟

أترى شياطنه من قومنــــــــــــــا

أغوت الأملاك فهو ابن ملــــك!

فتلاحى القوم ثمَّ استضحكــــــوا

ودعا ما زحهم شر دعــــــــــاء

قال: فليسلكه فيمن سلكـــــــــوا

أيها المولى سبيل الشهــــــــداء

     هكذا تقضيت سيرته بين الشياطين ومضى كالطيف أو رجع الصدى . ولكنه في النهاية باء بالسخط فلا أتباعه رضيت عنه ولا أرضى العدا .

    تلك ترجمة ذلك الشيطان الذي تخيله العقاد وخلق له هذه الملحمة الشعرية الرائعة وكأنما باتت مسكنا له وصارت هي الأخرى كتمثال شعري بلغ الدقة في الأداء وحقق معنى الصراع وبقي ذخرا للأدب والفن.

 

 

الملحمة الإسلامية

لأحمد محرم

      إذا كان أحمد محرم قد توج حياته الأدبية بنظم (الإلياذة الإسلامية ) فقد كانت حياة هذا الشاعر كلها خلاصة للمثل الأعلى الذي جاء به الدين الحق، خلقا ونبلا وسماحة واستعلاء على المطامع والصغائر والأهواء. وكأنما كان يمسك القلم في يده فيقدر مسؤولية القلم وحساب الله وجزاءه فيصرفه ذلك كله عن أن يخضع لما أخضع له الشعراء أقلامهم جريا وراء المطامع وتبعية الملوك والأمراء وأصحاب السلطان.

     وهكذا عاش (أحمد محرم) في ظل الحياة الفكرية المصرية منذ بدأ يكتب وينظم منذ ما قبل أوائل عام 1900الى آخر عمره 1949 قادرا على أن يشق الطريق إلى الجاه والمال كما فعل زملاؤه وأبناء جيله، ولكن حفاظه على الكرامة وإيمانه بالوطنية وصدق عاطفته ونقاء سريرته كل ذلك حمله على العيش في ظل الفقر والعفاف مترفعا عن زخرف الدنيا متعاليا عن الوصولية مع السمو عن الدنايا.

     وقد عرف بشعره الوطني الصادق الذي اندفع إليه بإيمانه الخالص، وليس بطلب طالب ولا بغرض أو هوى، قد أخلص نفسه للحق فلم تكن له أطماع.

    ولد عام 1871، لم يذهب إلى الأزهر وانما تعلم في بيته ونال شهادة الامتياز بين الشعراء عام 1910، اتصل بجيل مصطفى كامل وآلهم حماسته ووطنيته، ودعي لقبول وظيفة التحرير في الصحف فأبى أن يضع قلمه تحت مشيئة أي نفوذ أو حزب أو هيأة أو عظيم مهما كان مذهبه السياسي ومستواه الأدبي . وقد شهد عدد من الشعراء والنقاد بأن شعره يتميز عن شعر حافظ إبراهيم بالرنين العذب، وعن شعر غيره بالاتجاه الوطني النقي الخالص، والبعد عن الملق والعزوف عن أهواء المجتمع، وقد حال إصراره على هذا الموقف بينه وبين اقتعاد المركز المرموق إذ كانت مراكز الشهرة مرتبطة بالولاء الحزبي والسير في ركب الزعماء والأمراء.

    كذلك فقد تأثر بمذهبه الشعري : أحمد رامي وعلي محمد طه وعزيز أباظة

 أصدر ديوانه الأول عام 1908واهداه إلى النيل بعبارة حاسمة ...قال:

(( انصرفت بشعري عن تلك المواقف – مواقف النفاق – وبرئت إلى نفسي أن آخذ بهذه الأسباب على ما أعلم من وعورة مسلكي وضيق مضطربي وما كنت في ذلك إلا جاريا على سنتي في سياسة نفسي وتصريف ما أتى وأدع من أمور الحياة، فما استظهرت بغير أخ حفي أو صديق صفي، ولا آثرت أن أهدي ديواني إلى غير النيل)).

وهو يصور موقفه من جيله وأهل عصره فيقول :

 

ظمئت وفي نفسي الأدب المصفى            وضعت وفي يدي الكنز الثمَّين

ظـــلمت أبي ونــــفسي أن مثــلي             لغــال من النوابـــغ لا يهـــون

كريـــــم تــدفـع الأخــــــلاق عـنه            ويمنع ركنه الأدب الحصيـــن

لربي ما عــــملت وعــنــد قــومي           ديــــوني حين تلتمس الديــون

أشد على ألفــــنون يــــــــدي وإني          لفي زمن جهالـته فـــنــــــون !

وجودي ما عرفــــتك غير معــــنى          تغلغــــــل في الخفاء فما يبيــن

غــــريق في الظلام ولا مــــنــاص          ولا جــــســـــر يلاذ به أميـــن

أقيم عليه سور مـــن عــــــــبـــــاب          تـــــضل على جوانبه السفين

أطل ويضــرب التــــيـــار وجــهــي          فأيــــن أنـــا: أحر أم سجين؟!

 

    وقد كتب عن نفسه يقول: ((إنه دعي لتولي وظيفة التحرير في كثير من الصحف المصرية فأبى أن يضع قلمه تحت مشيئة أي صحفي ، مهما كان مذهبه السياسي ومستواه الأدبي، وانه عاش حرا طليقا لا سلطان لأحد على قلمه ويعيش من مؤلفاته ولم يملك إلا بيته المتواضع في دمنهور، وقد عمل في آخر حياته مشرفا على مكتبة بلدية دمنهور .

     وقد رد إلى أهله واعترف لأهل الفضل بالفضل فقد شهدت دمنهور عام 1962 أي بعد وفاة أحمد محرم ببضعة عشر عاما مهرجانا حافلا احتشد فيه أعلام الأدب في ذلك المكان الذي عاش فيه الرجل الكريم ليقولوا كلمة صادقة عن مجاهد عزف عن المطامع والأهواء وقد كشف عبد المعطي المسيري في حديث ضاف له عن إباء الرجل الذي جرت المحاولات لاحتوائه من الخديوي عباس حلمي والسلطان حسين والملك فؤاد وقيل: له أن نظم بضع أبيات في مدح الملك فؤاد يمكن أن تكون جواز مرور لعمل يوكل إليه في المجمع اللغوي فرفض قائلا : لا وبالثلاث !..

وعرض عليه الملك عبد الله ملك شرق الأردن زيارة الأردن ضيفا في نظير عطاء كبير؛ فرفض. وأشار إلى أن محاولات جرت عن طريق الدكتور محمد حسين هيكل لطبع الإلياذة وتكريم الشاعر لولا أن محرم كشف عن شعره في طغيان الملوك وأصحاب النفوذ.

    وكان أحمد محرم قد دعا في أوائل القرن إلى ترقية الشعر والسمو به عن عوامل الرداءة والسقوط: فقال : ((لا مرية في أن أكثر الشعر العصري قد بلغ من الرداءة والانحطاط مبلغا يوجب الأسف والروح ويقضي بالحزن الشديد، وكأين من قصيدة أعجب بها قائلها وطرب لها راويها ومنشدها لو أنك أنشدتها عند جدث أحد شعراء العرب الأول لسمعت لغطا من الرميمة صلصلة ولرأيت بطرة زلزلة . وأقسم لو وقفت على رمس الحطيئة تنشده بعض ما نرى من الشعر العصري لاشمأز ونفر. ولعمري انه لمن اكبر المعائب أن يبقى الشعر العصري هكذا رديئا ساقطا عن أمكان جودته وسهولة ترقيته ولا يحتاج ذلك إلى غير البحث والنقد والتقريع والتشجيع. فان من الحق كل الحق أن يؤخذ على المخطئ خطؤه فلا نلاقي تعسفه في مسلك الشكر بالمدح والثناء والتقريظ والإعجاب لأنه قال شعرا))[27]

 

حياته...مقدمة للإلياذة

      وقد كانت حياة أحمد محرم كلها مقدمة للإلياذة الإسلامية بل هي مدخل واسع إليها، فقد كان حفيا طوال حياته بالمشاعر الإسلامية والمناسبات الدينية ، التي تتعلق بآلهجرة ومولد الرسول وكان مهتما بالدعوة إلى الرابطة الإسلامية والوحدة الجامعة، وديوانه حافل بقصائد متعددة ينافس اللون الوطني ويتغلب عليه. وكان من مؤهلاته لهذا العمل الكبير أيضا قوة الديباجة وإشراق العبارة، وجزالة اللفظ وتدفق نظمه، في حرارة عاطفة وصدق إيمان. لذلك فانه ما كاد يستمع إلى هذا الاقتراح من السيد محب الدين الخطيب صاحب الفتح حتى وجد فيه طاقته العريضة ومشاعره الثرة ومن هنا فقد نظم خمسة آلاف بيت من الشعر الرائع صور فيها مراحل التاريخ الإسلامي ومواقفه المختلفة.

   قال السيد محب الدين الخطيب في خطابه إلى أحمد محرم:

((كنت هممت غير مرة أن أكتب إليكم أقترح عليكم مشروعا كنا نحاول إقناع ((شوقي)) بك رحمه الله به ولكن خشيت أن يصرفكم ذلك عن معاني الجهاد الأخرى وهذا المشروع هو إرسال نظركم الكريم بين حين وآخر إلى مفاخر التاريخ الإسلامي الخلقية والعمرانية والسياسية والإصلاحية والحربية، ونظم كل مفخرة منها في قطعة خالدة تنقش في أفئدة الشباب فإذا ذخر أدبنا بكثير من هذه القطع على اختلاف أوزانها وقوافيها أمكن بعد ذلك ترتيبها بحسب تاريخ الوقائع وتأليف إلياذة إسلامية من مجموعها. أليس من العار أن يكون للفرس ديوان مفاخر (الشاهنامة) وأن يكون لليونان ديوان مفاخر (كالإلياذة) والإسلام الذي لم تفتح الإنسانية عينها على أعلى منه مرتبة وأعظم منه محامد يجتهد مؤرخوه في تشويه صفحاته والحط من قدر رجاله . لان الذين دوّنوا تاريخ الإسلام كانوا احد رجلين: رجل جاء بعد سقوط دولة فتقرب إلى رجال الدولة الجديدة بتسوئ محاسن القديمة، ورجل اتخذ من الشموس الأربعة : أبي بكر وعمر وعثمَّان وعلي (عليه السلام) مثلا أعلى، فكل قمر من أقمار العرب مذموم عنده موصوف بالضالة والنقص لأنه لا يراه إلا على نور تلك الشموس التي هي فوق الإنسانية ولا تقاس مواهب البشر بمواهبهم. إني أخاف أن يقوض المسلمون صرح فضائلهم وان يهدموا قلاعا هي دواعي الفخر، بينما أبناؤنا يتعلمون من الأوربيين وصنائعهم تمجيد رجال لو كشف الغطاء عن تاريخهم الحقيقي لشممنا نتنه، مَن مِن شبابنا يعرف مسلمة بن عبد الملك كأنه معاصر له، ويعرف قتيبة بن مسلم كأنه مجاهد في جيشه .

   إن الذي قصر فيه المؤرخون لا يستطيع أن يدركه إلا الشعراء وأكثر شعرائنا مشغولة بجسد المرأة ومصروفة عقولهم عن الخير، وهم يسرقون من دواوين شعراء الانجليز فليس عندهم وقت لمراجعة دواوين العرب والإسلام، وقراءة ما بين سطوره.

   أكثرت عليكم وقد يكون أن اختصك الله بهذا الفضل فآلهمني أن أشغل هذه الصفحات وهذه الدقائق بالإفاضة إليك)).

   هذا موجز ما جاء في ذلك الخطاب الذي وجه أحمد محرم لهذا العمل الضخم الذي أتمه الرجل في أربعة مجلدات تناولت حياة الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) وأشهر غزواته وعرضت لجوانب من بطولات أصحابه وتضحياتهم والوفود التي سعت إليه وغير ذلك. وقد بقي الديوان مخطوطا حتى نشره الدكتور محمد إبراهيم الجيوشي عام 1961 بعد أن تقدم برسالته عنه إلى معهد الدراسات العربية التابع للجامعة العربية وقد أطلق عليه أحمد محرم ((ديوان مجد الإسلام أو الإلياذة الإسلامية)).

   وقد أمضى أحمد محرم حوالي خمسة عشر عاما من حياته عاكفا على هذا العمل.

روعة الاستهلال

  وقد استهل أحمد محرم إلياذته بهذه الأبيات:

أملأ الأرض يا محمد نورا        واغمر الناس حكمة والدهورا

حجبتك الغيوب سرا تجلــى       يكشف الحجب كلها والستـورا

غب سيل الفساد في كل واد       فتدفق عليه حتى يـغـــــــــورا

جئت ترمي عبابه بعبـــــاب       راح يطوي سيوله والبحـــورا

ينقذ العلم الغريـــــق ويحمي       أمم الأرض أن تذوق البـــثورا

زاخرا يشمل البسيــــطة مدا       ويعم السبع الطباق هديــــــــرا

أنكر الناس ربهم وتولـــــــوا       يحسبون الحياة أفـــكا وزورا

 

  نشرها في الفتح (ربيع الثاني 1354) المرافق 1935ميلادية

وكتب السد محب الدين الخطيب يقول أن أحمد محرم لبى دعوة الإسلام إلى تدوين أمجاده بما وهبه الله من بلاغة تذوقها بأساليب القرآن وجلاها بمعجز البيان.

الإلياذة الإسلامية والإلياذة اليونانية

     لا ريب أن فكرة الإلياذة  قد ظهرت في العصر الحديث تحت تأثير ما صرحته الآداب العالمية الغربية من حديث عن الملاحم وخاصة الإلياذة اليونانية التي ترجمها سليمان البستاني إلى اللغة العربية والتي ظهرت عام 1903وطبعت 1904 في مطبعة آلهلال تحت عنوان: (إلياذة هوميروس: معربة نظما وعليها شرح تاريخي أدبي)

       والمعروف أن المسلمين إبان عصر الترجمة في القرن الثالث آلهجري قد عزفوا عن ترجمة الشعر اليوناني وعن ترجمة الإلياذة وغيرها – كما عزفوا عن ترجمة القوانين الرومانية، وذلك إيمانا منهم بأن الشعر فن يتصل بنفسية الأمة ومشاعرها وهو نابع من خصائصها، ومن هنا فلا حاجة للعرب إلى ترجمة شعر غيرهم لأنه لا يمثل ذاتيتهم ولا مطامحهم ، فضلا عما يكشف من جوانب تختلف اختلافا واضحا عن الآداب الإسلامية والأخلاق التي بثها الدين في العرب والشرقيين على وجه العموم.

    ومن الحق أن يقال أن العمل الذي قام به أحمد محرم جدير بالتنويه والاهتمام ولكن مع الأسف لم يعرف أهل جيله قدره، فظل مطويا حتى بعث بعد موته ببضع عشره سنة واكتشف مدى ما في هذا العمل من أصالة وقوة.

   وقد تناول أحمد محرم (حياة الرسول ومغازيه) في 146 قصيدة جمعها في ديوانه (4 أجزاء) ولو طال به العمر لأوغل في سيرة الخلفاء الراشدين وفتوح الإسلام .

وقد قسم هذه القصائد إلى مجموعات على النحو الآتي :

  أولا: أبطال وشخصيات: وتناول فيها الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) في القصيدة الثانية والعشرين من الجزء الأول والتي استهلها بقوله:

هذا أما الدين في أعلامه         والدين معتصم ببأس إمامه

  كما تناول كثيرا من الأبطال من بينهم حمزة، سراقة بن مالك ، مصعب بن عمير، أبو ذر ، ضمام بن ثعلبة ، عدي بن حاتم ، عبادة بن بشر، نعيم بن مسعود، سعد بن معاذ ، سعد بن عبادة ، أبو بصير وأصحابه ، كل منهم بقصيدة كاملة.

   ثانيا: الوفود: وقد تناول الوفود التي جاءت مسلمة مبايعة للرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) وفدا؛ وفدا كل وفد بقصيدة كاملة.

    ثالثا: زوجات النبي: وقد تناول كلا منهن (رضوان الله عليهن) بقصائد مستقلة، عائشة، صفية، ميمونة...الخ كما تناول السيدة أم كلثوم ابنة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم).

   رابعا:تناول الغزوات؛ كل غزوة بقصيدة كاملة وافرد قصيدة مطولة لفتح مكة وسماها: الفتح الأعظم.

  خامسا : تناول السرايا بقصائد متعددة.

  سادسا: تناول مواقف متعددة مهمة كلا منها بقصيدة خاصة: كتب النبي (ص) إلى الملوك، رجوع المهاجرين من الحبشة ، الشاة المسمومة، إسلام خالد بن الوليد ، وعثمَّان بن طلحة، وعمرو بن العاص.

ما حديث (لام عبد) تستسقيــه         ظمأى النفوس عذبا نميــــــرا

سائل الشاة كيف درت وكانت        كزة الضرع لا ترجى الدرورا

بركات السمح الؤمـــــل يقرى        أمم الأرض زائرا أو مــزورا

مظهر الحق للنبوة سبحــــانك        ربا فرد الجلال قديــــــــــــــرا

يا حياة النفوس جئت قــــــباء        جيئة الروح تبعث المقبــــــورا

ارفع المسجد المبارك واصنع        للبرايا صنيعك المبــــــــــرورا

  

من إلياذة الجزائر ....

لمفدي زكريا

         ملحمة يصل عددها إلى ألف بيت من الشعر الوطني الذي يؤرخ للجزائر منذ أقدم عصورها حتى اليوم، ويركز على الدور الوطني الكبير الذي لعبه شعب الجزائر في مقاومته للاحتلال الأجنبي، وفي الوقت نفسه تركز الملحمة على عهود الجزائر الحضارية الزاهرة المتعاقبة، وحاضر البلاد ومستقبلها لاستعادة جميع ثرواتها ومقومات شخصيتها، وبناء مجد الجزائر من جديد...

     وقد كتب مفدي زكريا شاعر الكفاح الثوري السياسي هذه الملحمة من نتاج شعره الوطني الزاخر الذي كتب بعضا منه في سجن (بربروس)، ولتكون نشيد المناضلين ولتعرف الأجيال على كفاح الشعب في بناء حاضر ومستقبل الجزائر.

يقول الشاعر في مطلع ملحمة الجزائر :

جزائر يا مطلع المعجزات      ويا حجة الله في الكائنــــــات

ويا بسمة الرب في أرضه      ويا وجهه الضاحك القسمــات

ويا لوحة في سجل الخـــلو     د تموج بها الصور الحالمــات

ويا قصة بث فيها الوجــود      معاني السمو بروع الحـــيـاة

ويا صفحة خط فيه البــــقا      بنار ونور جهــاد الأبـــــــــاة

وفي عروبة الجزائر تقول الملحمة:

وهبنا العروبة جنسا ودينا     وإنا بما قد وهبنا رضينا

إذا كان هذا يوحد صفـــــا    ويجمع شملا رفعنا جبينا

وتمضي الملحمة في تذكر أمجاد الجزائر وانتصارها في نضالها الطويل :

بلادي، بلادي الأمان الأمان      أغني علاك، بأي لســـــــان؟

إليك صلاتي، وأزكى سلامي     بلادي، بلادي الأمان الأمان

     وفي كل فقرة، وفي كل إضافة إلى تاريخ الجزائر طوال عهودها الماضية يختم بفقرة شعرية يقول فيها :

شغلنا الورى، وملأنا الدنا

بشعر نرتّله كالصــــــــلاه

تسابيحه من حنايا الجزائر

   وملحمة الجزائر أول إلياذة الجزائر ألقاها الشاعر في الملتقى السادس للتعرف على الفكر الإسلامي في الفترة من 24يوليو إلى 15من أغسطس عام 1972.

 

ملحمة على بساط الريح

فوزي المعلوف

    في سنة 1930ظهرت في عالم الشعر العربي قصيدة مطولة للشاعر المهجري فوزي المعلوف لفتت إليها الأنظار في العالم كله لأنها كانت شيئا جديدا في الشعر العربي طال انتظار الناس له بعد أن ظل شعراؤنا زمانا طويلا يجرون على النهج القديم في الشعر لا يخرجون عنه ، ولا يتعدونه إلى غيره...

   هذه المطولة الشعرية بعنوان((على بساط الريح)) اخذ النقاد يستقبلونها بما لم تستقبل به قصيدة عربية من قبل. حتى قال فيها الشاعر الاسباني الكبير (فرنشيسكو فيلا سباسا) الذي كان دائم التغني بأمجاد العرب : ((إن كل أنشودة من أناشيدها الأربع عشرة لها في لفظها ومعناها قيمة كبيرة، وتعمها جميعا وحدة شعرية عجيبة. يتفق فيها سمو الخيال، ورقة الشعور ، وطهارة القلب ، فتتلاحم تلاحما مكنيا في نفحة من نفحات الجمال الخالد. وتوازن القوى المبدعة هذا بارز في الشكل الظاهر أيضا، إذ الكلمات والأوزان والقوافي تكوّن لك الموضوع الباطن تكوينا حيا كاملا...))

   ولم يكتف ((فيلا سباسا)) بتلك الأسطر السابقة في تقييم مطولة ((على بساط الريح)) وتقديرها، بل لخّص فيها رأيه مرّة أخرى بقوله : ((وهكذا تختم القصيدة بأندماج الشاعرية بعنصرها الطبيعي . فيا لها أنشودة أبين ما فيها خصب التصور، وتوثب النزعات الطاهرة، فوق ما ينبض في أوزانها، ويتوهج في معانيها وصورها من حياة ونور يمدها بهما روح الشرق النير...)).

   أما ما نقله الباحث الأديب (عيس الناعوري) في كتابه (أدب المجر) من وصف لمجموعة قصائد عميقة المغزى، مرتبطة بفكرة واحدة، وشعور واحد فهو ليس خاصا بمطولة – أو ملحمة - على بساط الريح ولكنه خاص بديوان (شعلة العذاب ) وهو احد الدواوين الأربعة التي تركها فوزي المعلوف، وهي : (تأوهات الروح) و(من قلب السماء ) و(أغاني الأندلس ) و(شعلة العذاب) ولست لهذه الدواوين شأن بملحمة ((على بساط الريح)) ...

   ويسوقنا ذكر لفظة (المطولة) و (الملحمة) إلى الحديث عن ((على بساط الريح)) ومكانها من شعر الملاحم. وقد تحدث عنها بعض النقاد على أنها (الملحمة). على أننا نعرف أن (الملحمة) هي المطولة الشعرية التي تصف لنا أعمالا من البطولة الخارقة أو النادرة تتجلى في سيرة شخص، أو أشخاص، أو في تاريخ امة، كالإلياذة والأوديسة في الأدب القديم . والقصائد البطولية ليس لها وجود في الشعر العربي القديم ، أما في الشعر الحديث ، فهناك محاولات أولية لقصص البطولة في الشعر ، إلا أنها ليست قمة انتهى إليها شعر الملاحم في الأدب العربي ، ولكنها بدايات على أول الطريق...ومن أمثلتها الإلياذة الإسلامية لأحمد محرم ، والقصيدة العمرية ، لحافظ إبراهيم ، والعلوية للشاعر محمد عبد المطلب ، والقصيدة البكرية للشاعر عبد الحليم المصري ، والخالدية ومحمد (صلى الله عليه واله وسلم) للشاعر عمر أبي ريشة ، وملحمة العرب للشاعر اللبناني حليم دموس ، وملحمة (عيد الغدير ) للشاعر اللبناني بولس سلامة التي تقع في أكثر من 3500 بيت من البحر الخفيف، وتدور حول بطولات أهل البيت (عليهم السلام) واستشهادهم في سبيل المبدأ والعقيدة. وهي تجري على الحقيقة لا على الخيال كما نجده في ملاحم الغربيين قدماء ومحدثين...

    ومن هذا المنطلق في تصور العرب المحدثين للملحمة؛ عدل بعض الباحثين عن تسمية ((على بساط الريح)) بالملحمة، وأسموها ((المطولة الشعرية )). كما اسماها باحث آخر – وهو الأستاذ أنيس المقدسي – ((بالرحلة الخيالية )) ، وهو تمييز لها من الرحلات الحقيقية الجغرافية التي قام بها كاشفون ورحالة عرب ، من أمثال ابن بطوطة ، وابن حوقل ، وابن جبير وغيرهم .

   وهذه الرحلات التي تنجز بالخيال ليست مستحدثة في الأدب العربي فهي قديمة معروفة في النثر لا في الشعر ، ومنها قصة المعراج ، ورسالة الغفران لأبي العلاء المعري ، وقد ظهر منها في الشعر الحديث بضعة من الكتب منها : (ثورة في الجحيم) لجميل صدقي الزهاوي ، و(الحلم المريع) و (الكوميديا) للشاعر محمد الفراتي ، و(شاطئ الأعراف) للشاعر محمد الهمشري ، و(ترجمة شيطان) لعباس محمود العقاد.

     وقد ارتفع الشاعر فوزي المعلوف بروحه في عالم الأفلاك والسموات، وحلق بروحه في الفضاء الرحيب بين الأرواح العلوية الخالدة بعيدا عما في الأرض من شرور وأحقاد, والأرض في نظر الشاعر المحلق هي منبت الأطماع والشهوات ، والحزازات ، والصغائر ، والدنايا التي ولدها في الإنسان عوامل من الجهل ، والعلم والطمع ، والغرور ، والذكاء والبلادة... والإنسان في الأرض ليس حرا، ولا سيدا، بل هو عبد مقيد، أسير لأغلال كثيرة تربطه وتصفده بسلاسلها القوية، فهو عبد للحياة والموت، عبد للتمدن والمال، عبد لحبه الذي يكوي أضلاعه بنار سعيره.. عبد لكل شيء في الحياة، إلا (الروح) التي طارت في الجو فوق مسار النجوم، ومطار النسور، تقصد عالم الخلود لتعيش فيه حية مع الأرواح الخالدة المتحررة من الأصفاد:

أنا عبد الحياة والمـــــــــــوت أمشي

مكرها من مهودها لقــــــبـــــــــوره

عبد ما ضمت الشرائـــــع من جـــو

ر يخط القوى كــــــل ســـــــــطوره

بيراع دم الضعيـــــــف له خيــــــــر

ونوح الظلوم صوت صــــــــــريره

أنا عبد القضاء تملأ نفــــــــــــــسي

رهبة من بشيــــــــره ونذيــــــــــره

عبد عصر من التمــــــــدن تلهــــــو

ضلة عن لبابــــــــــه بقــــــــــشوره

عبد مالي ...أحظى به بعـــــــد جهد

فإذا بي أنوء من ثقل نـــــيــــــــــــره

عبد اسمي...ذوبت روحي وجسمـــي

طمعا في خلوده ونـــــــــشـــــــــوره

عبد حبي .. انزلته في فــــــــــؤادي

فكوى أضلعي بنار سعـــيــــــــــــره

أنا في قبضة العبودية العـــــمـــيـــــا

ء أعـــــمى مســيــــــــر بغــــــروره

أن جـــــسمــــــي عبد لعقلي, وعقلي

عبد قلبي ، والقلب عبــــــــد شعوره .

      وهكذا نرى الإنسان غارقا في العبودية إلى أخمص قدميه...وكل شيء في الأرض – بل في الكون – أعمى، وينقاد لأعمى آخر مثله. وما ظنك بقوم يغلفهم العمى ويلفهم من كل سبيل، فهم لا يخلصون من عبودية عمياء إلا إلى عبودية أخرى عمياء مثلها، كأنهم في حلقة مفرغة لا أول لها ولا آخر:-

وشعوري عبد لحسي، وحســــــــــي

هو عبد الجمال يحيا بنــــــــــــــوره

كل ما بي في الكون أعمى ومنـــــقا

د على رغمه لأعمى نظيــــــــــــره

غير روحي ...فالشعر فك جناحيها

فطارت في الجو فوق نســـــــــوره

تنتحي عالم الخلود ، لتحيـــــــــــــــا

حرة بين روضه، وغديـــــــــــــــره

     والشاعر الإنسان في ملحمة ((على بساط الريح)) وهو ابن للأرض باللحم والعظم ...بالمادة التي تلحقه بالطين والتراب وما أشبههما من ثقيل العناصر. وقد جاء إلى الأرض مرغما لا راضيا ولا مختارا، ولا تزال (روحه) تحن إلى العالم العلوي، فهو من الأرض ولكنه ليس منها، لأنه لا يزال غريبا بين أبناء أمه:

 

ملك طائر بغير جناحيــــــــــــن

بأمر الخيال يقضي ، باسمـــــه

يا جناح الخيال أقوى جنــــــاح

أنت يلوى ظهر الرياح لصدمه

ليت شعري..ما الشاعر ابـــــن

لهذي الأرض.إلا بلحمه وعظمه

فإذا اختار هجرها برضـــــــــاه

أفما جاءه مقودا برغمــــــــه ؟

هو منها، وليس منها ، فمـتازا

ل غريبا ما بين أبناء أمــــه...

      وفي النشيد الثاني من ملحمة على بساط الريح يحدثنا فوزي المعلوف عن روح الشاعر مخاطبا إياها بقوله :

أنت يا روحهم من النـــــــور ذرا

ت أضاءت في الكون في عاليــــه

تصل الأرض والسماء بنهـــــــــــر

غمر الحسن والهوى ضفتــــيـــــه

لست من عالم التراب وان كنــــت

تقمصـــت بالتراب عـــــــــــليـــــه

أنت من عالم بـــــعــــــــيد عن الأر

ض يفيض الجلال عن جانبــــــــــيه

 

      والحق أن الأناشيد الثلاثة الأولى لم تكن إلا تمهيدا لرحلة الشاعر إلى السماء وصعوده إلى الأجواء العالية الخالدة, أما في النشيد الرابع وعنوانه: (حلم فحقيقة ) فقد بدأ الشاعر يصف رحلته على متن طائرة، وقد جنح فيها إلى الخيال كذلك، ولكنه وصف الطائرة الحديثة وصفا جميلا دقيقا بارعا. الحق أن وصف فوزي المعلوف للطيارة لم يكن وليد خيال محلق ، ولكنه امتطى بالفعل في سنة 1926متن طائرة كانت محلقة فوق شواطئ ((ريو دي جانيرو)) عاصمة البرازيل يومئذ. وقد أمنته هذه الرحلة بالخيال ليصعد به إلى أعلى الأعالي، وتفتحت له - كما يقول أخوه الشاعر شفيق معلوف-  ((تصورات جديدة ، وتخيل له ما تقوله الطيور، وتهمس به النجوم، فنوع قوافي القصيدة ، واندفع يعالج الموضوع الجديد الطارئ ، الذي جاء واسطة عقد الملحمة وجوهرة تاجها...).

 

وفي صفة الطائرة يقول فوزي المعلوف:

صعد الطرف في الأثير تجدنــــــي

قاطعا في الأثير ميلا؛ فميـــــــــــلا

خبيا تارة ، وطورا وئـيــــــــــــــدا

صعدا مرة، وأخرى نــــــــــــــزولا

فوق طيارة على صهوات الــــــــر

يح راحت تروض المستحيـــــــــلا

هي طير من الجماد كان الـــــــــــ

جن في صدرها تحث خيـــــــــــولا

حمحمت تضرب الرياح بنعليــــــــ

ـــها ، فشقت إلى السماء سبيــــلا

ثــــــمَّ مدت إلى النجوم جناحيــــن

وجرت على السحاب ذيــــــــــــولا

غرقت في الأصيل حينا وعامــــت

بعد حين تعلو قليلا؛ قليــــــــــــــلا

ترتدي من دخانها بردة الليـــــــــــ

ــل وتلقي عن منكبيها الاصيـــــلا

وعليها من الشرار نجـــــــــــــوم

عقدت حول رأسها أكليــــــــــــلا

حلقي ! حلقي ! والقي على الافلا

ك رعبا، وروعة، وفضـــــــــــولا

واشهدي في الطيور كرا ، وفـــرا

واسمعي في النجوم قالا، وقيـــــلا

    وهذا الرعب , والروعة ، والفضول الذي ألقته الطائرة على الطيور والنجوم لم يتركه شاعر الطيارة فوزي المعلوف يمر دون وصف لمشهده ، فجعل منه موضوع النشيد الخامس الذي تتساءل فيه النسور عن هذا الطائر بصورة الشيطان ، وتوجس خيفة منه وحسبنه آدميا جاء من علا الأرض يستعمر الأثير كله ، حيث ضاقت الأرض برحبها عن مطامعه...ولكن الشاعر يطمئن النسور المتحلقة حوله لافتراسه، ويبلغها انه جاء السماء منشدا للراحة والهدوء ، لا غازيا ولا مستعمرا:

 

لا تخافي يا طير ما أنـــــا إلا

شاعر تطرب الطيور لشعره

زارك اليوم متعبا ينشد الـــرا

حة في هدأة السكون وسحره

فرّ عن أرضه فرارك عنـــها

من أذى أهله وتنكيل دهــــره

     وما أصدق وأرق شاعر الطيارة وهو يصف في النشيد السادس نفسه، وقد غمرته الأحلام بالشفق الوردي. وعللته الأماني الخادعة ، وقد أحاله الهمّ إلى شيخ ناحل على الرغم من شبابه ، وجعلت من وجهه مكانا لظل عابس لا يعرف التبسم إلا حين يستعيد حلما جميلا . وهو في هذا الوصف الرقيق المؤثر يصف (الشاعر) في شقائه وعذابه وشرود فكره وهيامه بالملأ الأعلى :

هو في ميعة الشباب ولو حدقت

فيه أبصرت شيخا هزيـــــــــــلا

بقوام كأن قاصمة الظهــــــــــــ

ــــر أناخت عليه حملا ثقيـــــلا

وجبين ألقت عليه شجون النفـ

ـــــــس ظلا من العبوس ظليلا

فهو لا يعرف التبســـــــــم إلا

عندما يستعيد حلما جميـــــــلا

     أما نجوم السماء التي ذعرت لمرأى الشاعر المحلق فقد تساءلت عن هذا القادم وأغراضه:-

أهو نجم مذنب أم دخيل

في النجوم ، وما يريـــد

فتجيب نجمة أختها قائلة: وقاك البعد يا أختاه شر اطلاق جناح هذا الإنسان:

هو تحت السديم اعجز عن أن

يبلغ النجم فوق متن رياحــــه

هو مخلوق عالم اسمـــه الأر

ض يغطي الشقاء كل بطاحه

عالم ما شعاره غير أن الــــ

حق للقوة التي في سلاحــــه

لا تخافي منه ...وخليه يعـــلو

فقريبا يهوي صريع كفـــــاحه

  وكأن هذه النجمة الحكيمة عارفة بمصير الإنسان، وحتمية نهايته التي تجعله يهوي صريع كفاحه، وقتيل مطامعه...ولكن الشاعر الرقيق يؤكد للنجمة انه شاعر ينصت الدجى لنواحه ، وانه يديم البكاء والشكوى بين الأقاحي ، وانه يجعل من نور النجوم السيّال بلسما لجراحه .

     ويظل الشاعر في النشيد الثامن يشكو إلى النجوم ألامه، وحطامه، وكأسه التي حولتها الأيام إلى حنظل مرير...وكأنه يشكو آلام الإنسان وآلام البشرية المعذبة التي هو أنقى نماذجها، وأطهر أمثلتها. فإذا  بلغنا النشيد التاسع رأينا الأرواح أو الأشباح تطوقه ، وقد سرى بينهن همس إذ تنسمن من خفوق جناحيه في السديم ريح أنس وقالت روح لأخرى في النشيد العاشر : أيتها الأرواح! احذرن هذا الإنسان ، واطردوه من رحاب السماء، فهو في الأرض حفنة من تراب ، لأن أباه طين وماء!وأبدت الروح رأيها في الإنسان قائلة لأترابها:

 

ليته عاد للثرى مثلما جـــــــا

ء نقيا بنفسه وأهــــابــــــــــه

جاء والحسن والرواء رفيــقا

ه وثوب العفاف كل ثيابـــــه

وتولى يقوده الآثم والـــــــدا

ء إلى القبر في ربيع شبابــه

هو يحيا للشر فالشر يحيــــا

أبدا حيث حل شؤم ركابه...

 

    وفي ملحمة (على بساط الريح) يبدو الإنسان في أخبث مطاويه، وأبشع مظاهره. وهذا (التحقير) للإنسان يبدو في كل نشيد من أناشيد هذه الرحلة الخيالية. فإذا ما رأينا شرور الإنسان فيما سبق التحدث عنه من أناشيد الملحمة، فلا يفتأ الإنسان حتى نصل إلى النشيد الحادي عشر مثلا للأذى المتولد عن العقل، ورمزا للشر الذي هو حصيدة اللسان، وتجسيدا للويل الذي هو ثمرة الذكاء في الإنسان . فكأن هذه الآلات التي كان يرجى منها الخير للإنسان قد كانت سبب الشرور فيه:-

 

أنا عن وصف شره عاجز واللـ

ــه مهما أفضت في تبيانــــــــه

ما دعوه الإنسان من انسه لكن

دعوه الإنسان من نسيانـــــــــه

نسى الخير حين أوغل في الشر

فداس الضمير في عصيانـــــــه

ملأت قلبه الأفاعي فلا يسمـــع

غير الفحيح في خفقانـــــــــــــه

أعطى النطق والحجة ميزة تفــ

ــرقة في الوجود عن حييوانـــه

فإذا بالأذى وليد صبــــــــــــــاه

وإذا بالشرور بنت لسانـــــــــــه

ليته لم يكن ذكيا، فكل الــــــــــو

يل في الكون من نهى إنسانـــــه

 

   وتكشف لنا (على بساط الريح) عن نزعة التشاؤم عند الشاعر فوزي المعلوف، فهو ينظر إلى الإنسان والكون نظرة سوداء، وبهذا ينضم إلى ركب المتشائمين في الأدب العربي الحديث، من أمثال الزهاوي ، وأبي القاسم الشابي، وولي الدين يكن، وأحمد الصافي النجفي، وصالح الشرنوبي وغيرهم، ولا ندري علة لتشاؤم فوزي المعلوف على الرغم مما كان فيه من ثراء وجدة...ولكن لا شأن للثراء بهذه النزعة التي يخلقها الفكر المحلق الدائم التفكير في آلام غيره، لا آلام نفسه. وبهذا كان التشاؤم عند شاعر الطيارة إحساسا غيريا بالألم عند الآخرين.

    ولقد لقيت (على بساط الريح) تقديرا خاصا عند العرب وغير العرب فاستقبلها الدارسون بالنقد والتحليل والتعليق والتعقيب. ولسنا هنا بمعرض مَن تناولوها من أمثال يعقوب العودات المعروف بالبدوي الملثم، وعيس الناعوري، وأنيس المقدسي، وفيلا سباسا وغيرهم([28]) . ولكنا نشير إشارة سريعة إلى من قاموا بترجمتها من العربية, فقد ترجمها (فرانسيسكو فيلا سباسا ) كبير شعراء الأسبان وصديق فوزي إلى الاسبانية . وترجمها (فتور لي سوبرينو) كبير شعراء البرتغال إلى البرتغالية ، وترجمها الانجليزي (جورج كفت) إلى الانجليزية، وترجمها المستشرق (كمبغماير) إلى الألمانية، وترجمها المستشرق الروسي كراتشكوفسكي إلى الروسية، وتولى الأستاذ أميل مرقده الدمشقي الأصل ونزيل بخارست ترجمتها إلى الرومانية . أما الفرنسية فقد اتسعت لترجمتها على يد جماعة منهم الأستاذ أسعد محفل، والدكتور فائز عون ، والسيدة ايفيلين بستروس اللبنانية الأصل، والأستاذ فوزي سعيد([29])..

     ولقد طبعت ملحمة (على بساط الريح) أكثر من مرة ، ولكن آنق طبعاتها تلك التي صدرت عن داري صادر وبيروت سنة 1958في إخراج جميل ، وثوب أنيق ، وتقاسم الرسامان المصوران : ( ايلي ايجنا توفتش ) الروسي (وسيت ) البرازيلي رسوم القصائد ورموز العناوين بروح فنية عالية تتلاءم وروعة القصيدة، فكانت تلك الطبعة ملتقى رفيعا بين فن الشعر وفن الرسم والتصوير. وقد زين ذلك كله تلك المقدمة الرائعة التي كتبها (فيلا سباسا) وكأنه قصد منه أن تكون نشيدا خامس عشر في أمجاد العرب ، بعد الأناشيد الأربعة عشر للملحمة..

      ولم تكتف أسرة المعلوف – بل لم يكتف أبناء العلامة الراحل عيس اسكندر المعلوف – بهذه الرائعة يهدونها إلى الشعر العربي المعاصر لتبقى خالدة على مر العصور..فجاء الشاعر شفيق المعلوف – شقيق فوزي فصنع ملحمة اسماها (عبقر) أصابها من النجاح ما أصاب (على بساط الريح). وقد طبعت (عبقر) أربع طبعات– لا طبعتين كما جاء وهما في بعض المصادر المعاصرة عن أدب المهجر والطبعة الرابعة في 343 صفحة من القطع الكبير، منها مقدمة تحليلية تاريخية عن الأساطير عند العرب جاءت في 135صفحة.

    وتقع ملحمة (عبقر) في اثني عشر نشيدا، يبدأ أولها بنشيد ( في طريق عبقر)-عبقر هو موضع أو ولد مجهول تزعم العرب انه ارض الجن، وينتسب إليه كل فائق جليل، فيقال: شيء عبقري، ورجل عبقري – وتقول أبيات النشيد الأول:

 

صاح: هي اليقظة دبت علـــى

جفني فاستلانت الــموطئــــــا

وعالجت بالنــور بابـــيــــهما

حتى استطابت فيهما ملجـــــأ

تقول : يا شاعر خل الكـــرى

أن الضحى بكفه أومـــــــــــأ

قدوتك اللذات موفــــــــــورة

لا تك في انتابها مبطئـــــــــا

من يهزأ الدهر به، فليكـــــن

بدهره الغاشم مستهزئـــــــــا

يا يقظة تنفض عن مقلتـــــي

إغفاءة طارت، وحلما نـــــاء

إن الضحى صعد أنفاســــــه

على سراجي فغدا مطفـــــــأ

ومن تكن حالته حالتـــــــــي

لم يستغض بالأسوأ الأســـوأ

ما الفرق في نومي وفي يقظتي

وكل ما في يقظاتــي رؤى...؟

 

      وفي القصيدة الثانية من النشيد الأول يظهر للشاعر شيطان شعره سائرا تظله غمامة، ومنظر الشيطان مروع مفزع ...ففي فمه جذوة من سقر يطير منها الشرر، ووجهه جمجمة تبدو منها الأنياب والمحجر الغائر، وكأن هذا المحجر كوة يطل منها ما مضى من الزمان . وقد جاء الشيطان يعرض على شاعرنا خدماته:

في فمه من سقر جــــــذوة

منها يطير الشرر الثائــــر

ووجهه جمجمة راعنـــــي

أنيابها والمحجر الغائــــــر

اقبل نحوي قائلا إننـــــــي

طوع لما يقضي به الأمــر

أتيت والليل طوى ذيلـــــه

فعم صباحا أيها الشاعر !

 

     ويدعو الشيطان شاعرنا لجولة في رحاب (عبقر) أرض الجنة والشياطين...فيركب شاعرنا ظهره ويمضيان إلى (البلد المرصود)، فيعجبه ذلك الموضع:

حتى تهاوى بي إلى موضــــع

ما راقني من قبله موضــــــــع

غمائم زرق على متـــــنـــــها

منازل جدرانها تســــــــــــطع

تثور في أراجها ضجــــــــــة

بها يضيق الأفق الأوســــــــع

فقال: هذي عبقر ما تـــــــرى

وضجة الجن الذي تســــــــمع

عزت على الإنس فمن حولها

أبالس الأبراج تســـــــــــتطلع

جهاتها الأربع مرصــــــــودة

تحرسها الزعـــــــازع الأربع

ما أفلت الإنس من زعــــــزع

إلا تلقى صدره زعـــــــــــزع

      ويبدع الشاعر في وصف أقزام عبقر وعفاريته ومواكب جنه. وقد بلغ من ضآلة أجسام الأقزام أن الواحد منهم لا يمس الثرى برجله الصغرى المدلاة. ويسوق الشيطان شاعرنا إلى وسط عبقر حيث (العرافة) العجوز الشمطاء التي طواها الكبر،وهي :

  

تلف ثعبانا على وسطها

يكمن في نابيه كيد القدر

مجامر الصندل من حولها

تألب الجن عليها زمـــــــر

ينبعث الدخان من شعرهـا

ويلتظي في مقلتيها الشرر

كأنما الله – لدى بعــــثها-

زودها بكل ما في سقـــــر

 

    ويبدو أن مرأى الشاعر الإنس أمام (العرافة) ومن حولها الجن، قد أفزع أهل هذا الوادي، فانتفضت العارفة، وأجفل الجن من حولها، وصوتت بصوت كادت الأرض يقشعر أديمها من تحت الشاعر:

فانتفضت والجن من حولهـــــــا

أجفلن، وارفضضن بين الشجــر

ودمدمت سخطا، وقد هالهـــــــا

أن يقلق الأرواح مرأى البشــــر

فيا لصــــوت خلت لـــــما دوى

أن أديم الأرض تحتي اقشعر ...

     وقد أثارت رؤية الإنسان الوافد على ارض عبقر غضب (العرافة) وسخطها لهذا الذي اجترأ على اقتحام أرضها، ودخول مملكتها ، فقالت تخاطبه :

ويحك يا إنســـــــان

الق عصا سحــــرك

ذعرت فينا الجــــان

فعذن بالشيطـــــــان

مــــــــــــن شرك...

وددت يا غادر لو أنني

أطلقت ثعباني لا ينثني

عنك فيرديك ..ولكنني

أخشى على الثعبــــــان

مـــــــــــــــــــن غدرك

في نابه الســـــــــم كان

صــــــــار في صدرك

 

    وهكذا نرى أن (الإنسان) عند شفيق معلوف في (عبقر) هو بعينه الإنسان عند شقيقة فوزي في ملحمته (على بساط الريح) ..هو الإنسان الغادر الماكر المملوء صدره بسموم الأحقاد، وكأن الشاعرين الشقيقين نظرا إلى الإنسان بعين واحدة وليس الصل ... عند شفيق معلوف – بالأفعوان ، بل هو الإنسان الذي رفضت الأبالسة والشياطين أن تستقبله في أرضها ...

    وتمثل(العرافة) بالنيابة عن الشياطين اليأس من صلاح الجنس البشري مهما حاول الإنسان أن يصقل عقله، ويهذب فكره بالعلم والمعرفة:

لأنت ويحك مهمـــــا

بدلت من ألوانـــــــك

أعمى بليت بأعمـــى

فلم تزل في مكانـــك

مهما صقلت حجــاك

يظل محلولــــــــــك

فليس خلف ضحـاك

إلا دجى ليلـــــــــك

 

    وفي النشيد الثالث يطلب الشاعر إلى شيطانه – أو شيطان شعره – أن يخرجه من هذه الأرض المملوءة بالغيلان ، فان له وراء الافق وطن نعني لهاله بالضيوف، والناس في وطنها لها حرمة تضيع في غير الوطن :

شيطان شعري ! قم بنا نرتحل

من هذه الأرض وغيلانــــــها

فان خلف الأفق لي موطنـــــا

أبناؤه تعني بضيفانــــــــــــها

للنفس في أوطانها حرمـــــــة

ضائعة في غير أوطانــــــهـــا

 

    ويهدئ الشيطان من جزع الشاعر وينبهه إلى صوت أنشودة تصفق الريح لإلحانها، وهو صوت أميرة للجن مستها روح ليست من عبقر لم تنفع فيها الرقي والتعاويذ ولا حكمة الكهان . وهذه الأميرة مبتلاة من عالم الأجساد بشهوة عارمة تود دائما إشباعها ...فهي لا تزال أبدا في ظمأ الشهوة الطالبة للارتواء ..وهي لاتزال أبدا تتلهف إلى جسد بشري ...فان الخلود الذي تعيش فيه لا يعنيها شيئا عن لذة الارتواء الجنسي .

  ويظل الشاعر يتنقل في أودية عبقر بين أبالسة الحروب والنقائص, والشهوة, والمال، والكذب، وأسماؤهم هي: تبر، وداسم, وأعور ، وزلبنور، ومسوط, وبين شياطين الشعر الأخرى من أمثال الهوجل، الهوبر، وبين (هراء) الشيطان الموكل بقبيح الأحلام، وبين الكاهنين المعروفين في الأساطير العربية وهما (شق) و (سطيح)

    وفي (عبقر) التقى شاعرنا في النشيد الثامن (بلبغايا) اللائي أحدثن ورة في الجحيم، فزج الله بهن في عبقر ليبلو بهن العبقريينا !! وقد سمعهن شاعرنا ينشدن يشيد الثورة على الحرمان من متع الجسد وشهوة الجسم، لأنهن متعطشات إلى كل ما بلغه الحب من متاع جسدي ...

     وإذا كان شفيق معلوف قد صور لنا حقارة الإنسان وشره، فانه صور لنا مع هذا غرام الشهوة التي لا تنطفئ، وضعف (الخطايا) أمام ما زودهن الله به من ضعف المقل، وإلحاح الشهوة الجائعة، وتطلع البشر إلى حلاوات القبول ...

وذا كان فوزي المعلوف قد ركب الطائرة ليحلق فيما وراء الأعالي بخياله البعيد ، فان أخاه شفيق المعلوف قد ركب شيطانا – بدلا من الطائرة – هو شيطان شعره الذي طاف به في أودية عبقر، بين الأبالسة والشياطين .

     وإذا كان (الإنسان) مجتمعا للشرور في نظر فوزي شاعر الطيارة، فان الشاعر شفيق المعلوف في (عبقر) لا يحسن الظن بالإنسان ...لقد جعل شفيق المعلوف الإنسان يخيف الجن ويروعهن، حتى اضطرهن إلى الاختباء منه بين الشجر اتقاء لشره...

      وقد لقيت (عبقر) كما لقيت (على بساط الريح) تقديرا من الناقدين في الغرب والشرق على السواء ...وحظيت من المترجمين بنقلها إلى غير العربية . فقد ترجمها إلى البرتغالية شعرا موسى كريم صاحب مجلة (الشرق) بسان باولو بالبرازيل، كما ترجمت مرة أخرى بقلم الشاعر البرازيلي(جودس ايزغور غوتا) وأعطاها الناقدون الأجانب ما هي أهل له من التقدير، فقال عنها (اجربينو جريكو) الناقد البرازيلي:((لا يجوز لنا أن نعد سحر هذه الشياطين زخارف ابتدعت لتسلية عشاق الصور المجازية الأخاذة ، فهي تدل بمجموعها على نبل في الغاية ، وتعمق في درس ما وراء الطبيعة ، وتتكشف عن فنان مرهف الحس...)

     وإذا كان الناقد اللبناني المعروف (ماروان عبود) قد أسرف- في كتابه (على المحك)- في نقد ملحمة عبقر ووصفه لها بأنها (قصيدة عادية مبنى ومعنى وتصورا)، فانه مع ذلك اعترف بأنها قصيدة (تزينها فلتات تدلنا على الشاعر المرتجى خيره ...)

    والحق أن خيرا كثيرا جاءنا من شفيق معلوف صاحب عبقر حين قدم لنا بعد ذلك باقة من الشعر الرائع في دواوين:(لكل زهرة عبير) و(نداءالمجاديف)...وغيرها ....  

  

المراجع

-أعلام من الشرق والغرب لمحمد عبد الغني حسن ط القاهرة سنة 1949صفحات 102؛103؛157؛159؛213.

-ألف ليلة وليلة 19؛17؛20.

الالياذة والاوديسا لهوميروس ص 313؛332.-

-الاوديسا لسوفوكليس 189؛190؛191.

-تاريخ الأدب العربية في القرن التاسع عشر / تأليف لويس شيخو. طبعة بيروت 1908/1910ص13/14/جـ1وصفحات 11/12جـ2

-تاريخ آداب اللغة العربية لجورجي زيدان تحقيق شوقي ضيف طبعة القاهرة سنة 1957جـ4صفحات 39/40/51.

جورج برنادشو، أحمد خاكي طبعة الاسكندرية سنة 1967      2؛ 15 والمقدمة تطور الرواية العربية ، تأليف د. عبد المحسن بدر ، طبعة القاهرة سنة 1963ص15؛16؛21؛23.

-جماعة أبوللو لعبد العزيز الدسوقي ط القاهرة سنة 1960ص21؛157.

-الديوان تأليف عباس محمود العقاد ،وإبراهيم عبد القادر المازني ط القاهرة سنة 1920؛1921جـ1 ص 32؛42؛50 جـ2ص 123؛125.

-ديوان محرم للشاعر أحمد محرم جـ 1 ص21؛23ط القاهرة 1908جـ 2ص 18؛19؛20 ط دمنهور سنة 1920.

السيرة الهلالية ص 23؛25.-

-الشعر العربي في المهجر تأليف محمد عبد الغني حسن  ط القاهرة سنة 1955ص 18؛19؛33؛34؛35.

-شعراء الرابطة القلمية ، لنا ده السراج ط القاهرة 1957ص 13؛158؛17؛159؛160؛203.-

- -الشهنامة للفردوسي المقدمة

الروزنامة المقدمة .-

 The Arabic Epic Among the World

Literature

Asst prof dr fadhel Mohammad Abdullah Al-Zubeidi

                         Abstract

      Through this brief research in comparison with this thorny subject, we conclude that epics literature is an ancient, deep and great art that occupied a distinct position among the east and west literature. And the Arabic literature has been greatly privileged to have share in the epics art, Though many critics in the east and west tried, in the past and nowadays, to destroy the Arab epics art, unrecognizing the existence of epic in the Arabic literature at all                                                                          

                   We conclude also that the raw material_ if this was accepted from which we derive epics such as legends, anthropology ,memories and the ancestors, history were greatly available for the Arab human extracting from them what he likes , His talent and imagenation is full of the stories of the kings, VIPs knights and heros, in addition to what he has of inherited Treasures of legends and myths, This was further asserted by the saying of Prolselman in  his book the History of                           

the Arabic Literature                                                                             " It appeared that the north Arabs do not know the history calendar in its superior sense, they maintained the memories of the past and its events…… and provided those memories and events with life substance and survival for generations at least, yet the imagination of the letters and narrators of ancient Arabs was not restricted to laws of right history".

  Yet, some critics believe that the rise of Islam – in its ideals and values – has stood an immune rampart and strong block in front of much of those myths and legends. It excluded what contradicts the belief of one and only God so, the various stories of gods and idols' legends have been disappeared, and the idols' myths that transcend the holiness of prohibitions within the family have vanished. Moreover, the trite lowness of legends and myths has been died away – and this is what stripped the Arabic epics of most greatest reserves. On the other hand, there is another group of critics who believe that while formal Islamic literature has been subsiding epics, the folk literature remained the safe resort and the sufficient cover for epic literature, it kept innovating ,creating and nourishing. The extravagant orientals have   exploited this point to convert the Arabic epics to mere a folk like material of a simple folk literature, and this is an arbitrary judgment by the orientalists who  recognized the folk epics of the Greek and the rest European peoples. Yet, those stravagants were not satisfied with that , rather they interpreted the disciplining ad refinement movement the Islamic screening dopted differently. They accused Islam of being a barrier standing in the way of man's ability to create and innovate.

Despite that, the modern Islamic history has made for itself a new material concerning epics, heroisms, stories and legends that were new support helping the Arabic creative imagination in the creation of new epics that were able- over time ….. to place themselves in a distinguished position in the world literature filed through their pursuing the methodological principles of epics of the other arts.

        The communication movement between the Arabic literature and the others- through translation, affecting and being affected, and cultures interaction – was able to strain the wedges of epic literature in the modern Arabic literature to connect what has been cut and to relate the ancestors' literature with the ancestors', and this could best defutes the claims of the one-sided figures whether from east or wes

 


(([1] جورج برنادشو ، احمد خاكي طبعة الاسكندرية سنة 1967.

[2]- السيوطي، الإتقان ، ج2

[3]- السيوطي ، الإتقان، ج2

[4] - بروكلمان،تاريخ الأدب العربي،ج3الباب5

[5]- بروكلمان ،تاريخ الأدب العربي،ص143

[6] - أرسطو،كتاب الشعر،الفصل 34.

[7] - الهمذاني، الوشي المرقوم ،

(([8]تاريخ الآداب العربية في القرن التاسع عشر / تأليف لويس شيخو جـ2.

[9] - جرونيباوم ، حضارة الإسلام ، ص51

(([10]تاريخ الآداب العربية في القرن التاسع عشر / تأليف لويس شيخو جـ2.

[11] - دراسة مقارنة لسيرة ذات الهمة ،د.نبيلة إبراهيم،ص104

(([12]جورج برنادشو ، احمد خاكي طبعة الاسكندرية سنة 1967.

(([13]تطور الرواية العربية / تأليف د. عبد المحسن بدر

[14] - تاريخ اداب اللغة العربية لجورجي زيدان تحقيق شوقي ضيف طبعة القاهرة سنة 1957جـ ص4.

[15] - النهزة : الشيء الذي هو لك معرض كالغنيمة.

[16] - بغاث الطير (بالفتح والضم) الائمها وشرارها ، وما لا يصيد منها، واحدثها بغاثة ، الذكر والانثى في ذلك سواء.والاجدل الصقر.

[17] - حردوا:اقصدوا.

[18]- الاذي : الموج الشديد.

[19] - بملمومة ،أي كتيبة مجتمعة مضموم بعضها إلى بعض .وشهباء لما فيها من بياض السلاح ، والحديد في حال السواد.

[20] - لا تعرد: لا تفر.

[21] -المنصل : الاصل.

[22] - المتصل بضم الميم وكسر الصاد : السيف.

[23] - رائد آخر من رواد أدب الملاحم ما وهو في ريعان شبابه إذ انتحر وعمره 27عاما يقدمه لنا رفيق شبابه د.مختار الوكيل قائلا الهمشري شاعر الأعراف ،د.مختار الوكيل /مجلة المجلة المصرية عدد/يوليو1973م، ص26

[24]- مجلة السياسة الاسبوعية

[25]- كتابه عن إبليس /ص137.

[26] - المرجع نفسه /ص135

[27] مجلة أنيس الجليس – 31يناير 1900.

(([28] اعلام من الشرق والغرب لمحمد عبد الغني حسن ط القاهرة سنة 1949

(([29]اعلام من الشرق والغرب لمحمد عبد الغني حسن

 

الصفحة الرئيسية  

مقالات

بحوث ودراسات

آفاق

حديث عراقي

تقارير منوعة

أسرة ومجتمع

أوراق ثقافية

مجتمع مدني

نصوص مترجمة

كتب

البحث في القرآن

 

نوافذ ثقافية وفنية

شعر
قصة قصيرة
تشكيل
سينما
مسرح

لوحات

كاريكاتير

صور من العالم

ضع إعلانك هنا

حق المعرفة فوق كل الحقوق
جميع الحقوق محفوظة لموقع زيتونة
موقع زيتونة نافذة مستقلة ليست مسؤولة عن مضمون المقالات التي تنشر
  ولا تعتبر المقالات المنشورة وجهة نظر رسمية للموقع ، بل فقط  تعبرعن رأي الكاتب
asfook@yahoo.com