|
الثورة المعلوماتية .. وآفاق توحيد العالم
زيد الشهيد : علامي وأديب
يتجه العالم يوماً بعد يوم صوب تقاربه وتداخله
الجغرافي والتاريخي والإنساني على حدٍّ سواء عبر
تشابك معلوماته وتشكّلها وفق هيكلية عالمية تبث
وتنثر شبكتها المعلوماتية الواحدة ، خلقاً لنظامٍ
موحَّد تذوب فيه النظم الصغرى المتكيننة في مختلف
مشارب الأرض ، وتتاح للجميع سبل المعرفة بلا حدود
ولا اشتراطات هيمنية استحواذية – رغم أحقية احتفاظ
جهات صنع المعلومة لبعض الوقت بقصد الربح - ذلك
أنَّ المعرفة وفق الثورة المعلوماتية لم تعُد
تقتصر على أمة دون غيرها ولا على فئة دون أخرى .
فعبر استخدام الانترنيت والتواصل اليومي صار
بمقدور الإنسان في شمال الكرة الأرضية وجنوبها أو
شرقها وغربها التعرف على مستجدات التفاعل
المعلوماتي والإنتاج الذي لا يتوقف في ولادة
المعلومات لحظةً بلحظة وهي ظاهرة أفرزتها منظومة
العولمة ومستجدات العصر . فتبادل المعرفة غدت سمةَ
قرنِنا الحالي ، والتسابق في عرض الابتكارات
والخلق الجديد استحالت ظاهرة تعكس طرح المعلومة لا
إخفاءها ، سرعة تقديمها لا التلكؤ في عرضها ، ذلك
أن التسابق في هذا المضمار جعل المؤسسات التي تهتم
بهذا الشأن في حمّى نشاطها لئلا يسبق مُنجزَها
منجزٌ مشابه له في بلدٍ آخر . هذا التنافس ساعد
وشجَّع على تحقيق سرعة العرض . وهو فعل يُحسب
لصالح الإنسانية التي تخطو الآن خطوات فائقة
السرعة ، حارقة لمضامير الزمن ، وباعثة على تقليص
البعد الجغرافي بالمعنى الاجتماعي المنظور حيث
تصبح الكرة الأرضية عالماً اجتماعياً واحداً ؛
هدفُ أبنائه خلقُ ما يصنع السعادة للإنسان ، في كل
مَعلم جغرافي ، فصحَّ القول أن العالم أصبح قريةً
صغيرة .
شفرة تقليص المسافة
كان من نتائج ثورة الاتصالات انتقال
المعلومة بالسرعة الفائقة التي تتعدى حدود التخيل
. وجعل الخبر بأوجهه المتفاوتة سواء كان حدثاً
سياسياً أو ثقافياً أو فنياً أو معرفياً شاملاً
يصل إلى المتلقي بسرعة لا يتصورها ولم يعهدها من
قبل . ذلكَ أن حدثاً قد يُنقل إليك صورياً عبر
الشاشات الفضائية عارضة الصورة بكل تفاصيله
وحيثياته دون أن تعلم أنّه جرى خلف بيتك أو في
شارع لا يبعد عنك سوى أمتار معدودة ؛ كذلك قد
تشاهد حدثاً حصل بعيداً عنك بآلاف الكيلومترات
بنفس الوقت الذي وصلتك صورة الحدث القريب .. هذا
يعني أن الصورة التي وفرتها لك شبكة الاتصالات
فائقة السرعة تمثل شفرة تضئيل المسافة وتقليص
الزمن ، وهي خطوة موضوعية آنية فرضتها حتمية
التقدم العلمي المتسارع وجعلتها أمراً واقعاً يحقق
للعالم وحدته ، ويختصر شساعة جغرافيته . . وبهذا
يشير جان كلود غيبو
Jean-Claude GUILLEBAUD
في مقال له تحت عنوان ( هل الإنسان على طريق
الزوال ؟ ) إلى أنَّ " علاقتَنا بالزمان والمكان
سيزولان تدريجياً في شكل من الإشكال لصالح بُعدٍ
زمني- مكاني موحد ومحيّر "
ومن المفارقة المثيرة أنَّ هذا التقارب الجغرافي
لن يجعل السلطة الحكومية سلطة مركزية واحدة تحكم
العالم بقبضة واحدة إنَّما ستتعزز اللامركزية في
الأنظمة الحكومية ، وتتّجه الحكومات إلى توفير ما
يُعين أبناءها على الحصول على المعلومة والتقنية
المعلوماتية من اجل تطوير منظوماتها الصناعية
والتجارية والاقتصادية وتحفيز العاملين في البحوث
العلمية للحاق بالركب العلمي المتسارع وجعلهم
يسيرون بموازاة ما هو متطوِّر انتقالاً إلى العهد
الالكتروني الذي سيعتمد على الكومبيوتر والانترنيت
وتبادل المعلومة في كافة جوانب الحياة ، مما يجعل
الشعور بالتقارب أشد ، والتواصل الالكتروني سمة
حياتية يومية . ( وإذا كانت أمريكا اليوم هي
الدولة الأولى في العالم التي تطبق نظام المجتمع
المعلوماتي في كافة تعاملاتها ومسيرة حياتها فانَّ
الدولَ التي تحذو حذوها الآن كاليابان والاتحاد
الأوربي وبعض دول شرق اسيا لن تقف مكتوفة المعرفة
والمعلومات بل ستسعى جاهدة للحاق بها وربما
التقدم عليها لاحقاً .) .. ولا شكَّ أن هذا
التقارب والتواصل الالكتروني سيسهمان في تذويب
الكثير من المنظمات الدولية والإقليمية التي تشكلت
عقب الحربين العالميتين الأولى والثانية
من مثل المكتب الدولي للصحة العامة (1907)
ومنظمة العمل الدولية (1919) ومنظمة الصحة
لعالمية(1947) ومنظمة الأمم المتحدة للتنمية
الصناعية (1966) وغيرها العشرات من المنظمات التي
كان تسعى إلى " حفظ السلام والأمن الدوليين ،
وتحقيق تحقيق التعاون الدولي في المجالات السياسية
والاقتصادية والاجتماعية والثقافية ، والدفاع عن
حقوق الإنسان وحقوق الشعوب بلا تمييز " كما جاء في
أهداف وجود الأمم المتحدة . وعندما يسمع بتذويب
هذه المنظمات ستتبادر إلى ذهنه فكرة تشاؤمية تشير
إلى حصول الفوضى وتراجع القيم ومن ثم تفجر الحروب
وانتعاش استحواذ الأقوياء على الضعفاء إذ ستعود
البشرية إلى نقطة صفر وجودها على كوكب الأرض . لكن
المنطق يقول عكس ذلك فلا بدَّ من وجود البديل لهذه
المنظمات وهو ما أوجدته العولمة وثورة الاتصالات
فتولدت المنظمات غير الحكومية التي أخذت على
عاتقها توجيه إنسان زمن الثورة المعلوماتية والأخذ
بيده ، ودعوة الدول في كافة أصقاع العالم للنظر
نظرة عقلانية على التحولات الحاصلة وعدم الشعور
بأنَّ ثمّة مؤامرة يحيك خيوطها مفجرو هذه الثورة
لغرض الهيمنة.
الثورة المعلوماتية وتكسّر الحدود
كان من نتائج الثورة المعلوماتية التي ابتدأت
حال انهيار المنظومة السوفيتية في الربع الأخير من
القرن الماضي هو تكسّر الحدود وانفتاح الإنسانية
على بعضها وتراجع الأفكار القومية وتدهور الأنظمة
التي تعتمد الشعارات الضيّقة في مسيرتها ، وسقوط
العديد من هذه الأنظمة كما في يوغسلافيا وألبانيا
وأفغانستان والعراق وسط نهوض تعبوي تجاه الانفتاح
على العالم ورفض الانغلاق الذي لم يجلب للشعوب
التي رزحت تحت جثومية هذه الأنظمة سوى الفقر
والتخلّف والجهل وضياع فرص التطور العلمي والتحضّر
الواجب توفره من أجل أن يكون تحرُّك هذه الشعوب مع
مسار البشرية متزناً وواثقاً .
لا شكَّ إنّ الثقافة المعرفية التي جاءت بها
الثورة المعلوماتية من كوكب العولمة تقود بشكل
قطعي نحو تقليص الهوّة الكبرى التي تفصل المجتمعات
المتخلفة معلوماتياً عن المجتمعات المتحضرة ،
وتعمل على حرق المراحل للحاق بالدول المتقدمة
تقنياً ومعرفيا عبر اعتماد منظومة تكنولوجيا
المعلومات والاستفادة من مفاصلها في جانب الاقتصاد
الذي غدا في مسيرتنا المعاصرة عامل طفرة واسعة
تختزل هوة التخلف و" إعادة تشكيل العالم إنتاجاً و
تسويقاً و تمويلاً
و تنمية بشرية من خلال مؤسسات اقتصادية عالمية
بالغة الضخامة بدرجة غير معهودة . " يساهم إلى
جانب ذلك الرؤية المستقبلية التي تدفع بالإنسان
إلى أن يعيش حياة الكترونية تقلّص له الوقت عبر
تصريف أعماله من خلال الانترنيت التي يوظفها حيث
ستمثل حلقة الوصل كبرى مع الأفراد والدول في شتى
الأصقاع .
إن انهيار عديد الأنظمة السياسية والتوجهات
القومية الشوفينية مقابل حدوث ثورة معلوماتية
أوجدت على ما يومىء إليه " جان كلود غيبو " قارة
مضافة لقارات الكرة الأرضية الخمس ، خالقاً وفق
تصوره " قارَّة سادسة تظهر للعيان بفعل انتصار
النظام الرقمي والانترنت والحيز الافتراضي . "
قارة سيكون مركزها العالم الغربي ، وإليها تتوجّه
منجذبةً كما المغناطيس الفعاليات المالية
والتجارية والثقافية والاتصالات وكل ما يتعلق
بالاقتصاد ، في حين ستتشكّل بؤر تخلف هنا وهناك من
العالم ، وستبرز للعيان هوّة تخلُّف معلوماتية
كبيرة تفصل بين ميدان التقدم وبؤر التخلف ؛
وسيصبح لزاماً على الجميع دولاً وأفراداً الشعور
السعي الحثيث من اجل جسر هذه الهوّة . وفي هذا
الجَسر تتحقق مصداقية أن ثورة المعلومات التي
نشهدها لا جدال فيها ، وانَّ ما نتناقله عبر شبكة
الانترنيت من مرئيات ومسموعات ومطبوعات إنّما هي
وسائل تقريب تذوب فيها مشاعر الغربة وتبرز بدلاً
عنها أحاسيس الألفة والتواصل . ومن يدخل إلى مقاهي
الانترنيت في الوقت الحاضر سيشهد بأمِّ عينه
الحوارات والمحادثات (
VOICE CHAT
) وصور المتحدثين على شاشات الكومبيوترات من شتى
البلدان . يتبادل المتحاورون الخبرات ويدخلون في
نقاشات ، ويتعرفون على حيثيات الحياة اليومية التي
يعيشونها كلٌّ في بلده أو قارته بعد أن كان عالم
كل فرد مبهم عن عالم الفرد الآخر ، وتفصيلات العيش
غير واضحة وتُعد من بنات الأسرار والمجاهيل .
ويدخل الحوار الايجابي مع الآخر في كثير من
القضايا الشائكة لعل إحداها والتي تفرض نفسها بقوة
هذه الأيام ونقصد بها قضية النظرة السلبية للإسلام
من قبل البعيدين عنه وغير المدينين به والذين لا
يفهمون منه سوى ما يسيء لهذا الدين الإنساني السمح
بفعل ما جناه دعاة الإرهاب والقتل الجماعي .
وتفيدنا الانترنيت الآن في تبديل هذه النظرة
والقفز إلى بقعة تفاهم إنسانية تعتمد مبدأ التواصل
والتسامح وبناء علاقات تخدم غرض الإنسانية جمعاء
إلا وهو السعادة الشاملة .
دعاوى التغيير .. وتضاد الرؤى
إنَّ اتساع الثقافة المعرفية وتحرّك آلية الثورة
العلمية صوب الأمم التي تشكل بؤر تخلف وانشداد إلى
الماضي على حساب المستقبل يزيد من مصداقية دعاوى
التغيير ويحتِّم الضرورة التاريخية لهذا التغيير .
فليس من الواقع أن تنفجر هذه الثورة الكبرى
وتتشظّى إلى ثورات وبؤر ثقافية تنتشر انتشار
الإعصار المتفاقم في مساحات جغرافية اجتماعية في
وقت تبقى مساحات أخرى ترفض تقبّل هذه المعارف بحجة
تهشيم الإرث ، والإطاحة بالهوية ؛ غير دارية أن
رفضها هذا إنما يعكس دعاوى الجمود الحضاري
والتحنّط غير المجدي ، جاعلاً إياها تتحرك بلا
اتزان . وإلا ما هذا الذي يجري في واقعنا العربي
والإسلامي حيث تعلو صيحة السكين للنحر على حساب
تقبل الثقافة للتطّور ؟ وترتفع لافتة رفض الماثل
على أهمية تجاوز الركود ؟ ويطفو زبد العقول
المتخلفة على تطلّع أصحاب الرؤى العقلانية التائقة
للبناء والتطور ؟ ممّا يقوي رأي الأصوات المناهضة
، القائلة أن العقل العربي والإسلامي يعيش حالة
جمود وتخلّف صارخ تتجلّى فيه عدم القدرة على
الإبداع والابتكار ناسين أن الثقافة العربية
والإسلامية كانت يوماً ما مركزاً للثقافة
الإنسانية مقرها بغداد وراعيتها الدولة العباسية
وكان طلاّب العلم يأتونها من شتى البلدان والأمم
ولم يكن من صوت يشير إلى الرفض وينادي بمنع تدفق
العلم وبناء العلماء ، بل كان تخطي الحدود
الجغرافية وعبور الدول دون حواجز سمة لا توقفها
العوائق لأن العلم هبة ربانية ولدت مع الطموح
البشري وترعرت في فيوض القفز نحو آفاق الوحدة
الفكرية التي لا تؤمن بالاستاتيك والتحجر .
|