|
في
سبيل مفهوم للشعر
دراســـــــــة
حســـن
عبد عودة الخاقاني : كلية الآداب / جامعة الكوفة
المقدمة :
تسعى الدراسة في هذا البحث
إلى رصد العوامل والسمات الاساسية التي تميز القول
الشعري و تجعله منتميا إلى جنس الشعر , و ذلك بفحص
هذه الناصر وتبيين اهميتها في تكوين المقول الشعري
و فرزه عن سواه من الاجناس الادبية المجاورة , من
خلال تمييزه بتحديد عناصره لمشاركة في البناء
والتكوين .
ومهما يكن السعي حثيثا ,
والفرز دقيقا , فان ثمة اختلاطا لايمكن الخلوص منه
, بين الشعر وبقية الاجناس وذلك راجع إلى طبيعة
التكوين , وإلى الاشتراك في المادة البانية التي
تتكون منها العناصر والاجناس ولذلك تبقى محاولة
التحديد القسري التامة عملية مستعصية لانها مخالفة
لمبدأ نقدي رئيس وهو اختلاط الاجناس وتداخلها
وازدياد هذا التداخل والاختلاط كلما تقدم لزمن
وتعاظم الابدع , لكن ذلك لا يمنع من محاولة تحديد
العناصر الاساسية المكونة لجنس الشعر وبيان
اهميتها ... و هذ هو مطلب سعينا في هذا البحث
المتواضع .
في
سبيل مفهوم للشعر :
لعل من الصعوبة السعي إلى
اثبات ملامح او سمات محددة تميز القول الشعري , و
تفصله بحدود قسية , واضحة المعالم عن بقية الاجناس
لادبية الاخرى التي يعيش الشعر معها في نطاق
ابداعي واحد , ذلك بان الحدود الفاصلة بين الاجناس
الادبية ظلت , عبر مسيرتها في التاريخ , قليلة
الاحكام , مما سمح بمظاهر من لتداخل عديدة بينها[1]
. و اذا كانت النظرية الادبية سعت إلى مثل هذا
الفصل منذ ارسطو[2]
, فان ثمة صعوبة ظاهرة , وشكوى مستمرة , ظلت ترافق
سعي المنظرين في ازمان مختلفة , اذ كانت الحدود
تزداد ميوعة بتقدم الزمن , و يزداد الاختلاط
والتداخل فيما بينها[3]
.
و على الرغم من ان الشعر
احد الاجنا الرئيسة , واكثرها قدما , لم يتوصل بعد
إلى فرز سماته الحقيقية , وظل يقاس إلى نقيضه
(النثر) لكي تبين المكونات الداخلية والخارجية
لكلا الجنسين , لبيان الفرق بينهما و ولاسيما اذا
علمنا ان كلا من الشعر والنثر يمتحان في بئر واحدة
تمثل مرجعية استمداد رئيسة وهي (اللغة) تلك الاداة
الخطيرة التي لا مناص من الرجوع اليها لدى كل من
الشاعر والناثر على السواء , غير ان هذا الاغتراف
, ومن ثم الاستعمال , لا يكون , ولا يمكن ان يكون
, متشابها عند كليهما , اذ تكتسب اللغة , وطريقة
استعمالها , خصائص مميزة , تصطبغ المفردات خلالها
بتلك الخصائص , وتعززها بتجاورها مع المفردات
الاخرى حين دخولها في (نسق)[4]
فني مركب ينمو ويتسع ليبغ صفة , (خطاب)[5]
, يحمل خصائص تتحدد في حدود مرجعية بنائية تترك
اثارها في هيكل التنظي التركيبي واساليب الاداء
(فالاختلاف النوعي للفن لا يعبر عن نفسه في
العناصر الت تشكل العمل الادبي , وانما في
الاستعمال المتميز لتلك العناصر)[6]
, الذي يخلق شكلا بنائيا يتحدد على وفق طبيعة
حاجات البناء الفنية المنسجمة في استعمالها للغة
اذ ( لا تتعلق السمات المميزة لما هو شعري باللغة
ولابعناصرها , وامنا فقط بالابنية الشعرية)[7]
التي تصبح الشكل الفني المتحقق , مجسدا لمجمل
المستويات التاثيرية والتوصيلية ومعبرا عنها (فليس
الشعر مختلفا عن لنثر انه نقيض النثر)[8]
ففي النثر تحتفظ المفردات بدلالاتها الخارجية ,
وتكون اكثر طواعية وانصياعا في خدماتها الدلالية
المباشرة , وذلك يرجع إلى فارق جوهري بين الشاعر
وكاتب النثر الذي لا يستطيع ان (ينقي خطاباته من
نواياها , ومن نبرات الاخرين)[9]
اذ يواجه (تعددية في المسالك والطرق والسبل التي
رسمها الوعي الاجتماعي وخزنها في الموضوع)[10]
وهو يقف بازاء الكاتب , منفصلا عنه , يحاوره ,
ويملي طبيعته عليه , جالبا معه , في اثناء ذلك ,
سياقاته التي يتمظهر بها , فارضا صيغة التواصلية
التي تعتمد على ثنائية الارسال والتلقي , وما
ينبغي ان يتوافر لاطرافها لكي تؤمن وصول المغزى
المعرفي الذي تحمله (فكاتب النثر يتمثل اللغة ,
ويعيد تقديمها , ويقيم مسافة بين نفسه وبين الخطاب
.. ان فعل التفلظ لديه مضاعف)[11]
و لايجد الشاعر نفسه ملزما بجزء كبير من هذا , اذ
انه يتعامل مع اللغة بطريقة اخرى (فالكلمة الشعرية
يتم تلقيها ككلمة , وليست مجرد تمثيل لموضوع مدلول
عليه او تفجيرا لشحنة عاطفية , وبهذا فان الكلمات
بتركيبها ومعناها وشكلها الخارجي والداخلي معا
تكتسب ثقلا وقيمة في الشعر)[12]
اذ تجري السيطرة على الكلمات بانتظامها في السياق
الشعري الذي يفرض سطوته , ويحيل دلالاتها الاولية
المباشرة , حين يجعلها تترجع إلى الوراء لتتقد
الدلالات الثانوية التي هي اساس في القول الشعري ,
فيتواطأ كل من الشاعر والمتلقي بعملية اثارة
الرواسب النفسية ذات الاثر العميق للفن الشعري
الذي (لايقف على دلالات اللغة الوضعية , بل يقوم
بعملية خلق جديد للاشياء , معتمدا على تركيباته
اللغوية حيث يبتعد عن فكرة البعد الواحد , فنستطيع
ان نرى ابعادا متعددة تلوح من خلال القصيدة , وعلى
ذلك فاللغة في الشعر تعتمد على شفافية حدسية ,
وعلى لمعان خاطف يتموج خلف الكلمات ليضيء عالمها
المتعق حيث تستكن الكلمات )[13]
.
فليس الفرق اذن , بين لغة
شعرية واخرى نثرية يعتمد على خصائص المضامين الت
تعتمد في كل منهما . وانما تتميز بالناحية
البنائية التي تمثل سمة رئيسة في اللغة الشعرية
التي نعني بها : (تراكيب مكونة من كلمات ومصنوعة
بانساق معينة)[14]
وهي بهذا ستخلق لنفسها (نمطا خاصا من الاشتغال
السيمائي من بين الممارسات الدالة المتعددة ,
لاموضوعا منتهيا في ذاته ومتبادلا في لغة التواصل)[15]
التي تمثل سمة رئيسة في الاداء النثري , وهدف تسعى
إلى بلوغه .
ان اكتفاء لغة الشعر بذاتها
, واحالتها إلى ذاتها , يضاعف القيمة الجمالية
للقول الشعري ويركز النظر على العناصر الفاعلة
التي اجتمعت عى صياغته , فجعلت له قوة التاثير هذه
( فالتعبير الجمالي قادر على افراد وجود خاص لما
يعبر عنه , ولكنه يعمد من ناحية ثانية إلى الرموز
ذاتها فينتزعها انتزاعا من وجودها التجريبي ليضعها
وضعا حيا في عالم اخر )[16]
وتصبح عناص التكوين الشعري بنفسها , بانفراد , او
مجتمعة داخل السياق , محل نظر نقاد الادب الساعين
إلى فحص هذه العناصر وبيان طريقة عملها ضمن البنية
التي اتسقت فيها ومدى فاعلية كل منها في مجال
العمل لانها (تركيب متوازن , متناسق , متداخل, لا
يفهم ولا يقيم إلا في نطاق شكله ومضمونه , لغة
جوهرها في تركيبها , لايمكن ادراك حقيقتها إلا من
خلال هذا التركيب , والاحاطة بعناصره ومقوماته
التي اكسبته الوحدة والصلابة , ومنحت كيانه
الشرعية فسمي شعرا )[17]
.
ويقف الايقاع في مقدمة
العناصر المكونة للسياق الشعري ليس لافتقاد النثر
لمثل هذا العنصر المنظم لمجمل السياقات الشعرية[18]
ولذلك لايمكن الاستغناء عنه , ولانعني بالايقاع
مجرد الوزن الخارجي الذي تصنعه بحور الشعر
المعروفة , فهذا يمثل عنصرا خارجيا يمكن الاستغناء
عنه في البناء الشعري اذ (يمكن كتابة اشعار ...
حتى مع عدم المحافظة على الوزن)[19]
الذي يمكن ان (يتراجع إلى المرتبة الثانية مع
احتفاظه بقيمة الحد الادنى للاصطلاح الشعري , قيمة
كابجدية)[20]
اولية لايمكن الاكتفاء بالاعتماد عليها (فالوزن في
ذاته , أي صورته المجردة , لايمكن ان يحتمل أي
دلالة انفعالية)[21]
مالم يستند إلى عنصر الايقاع ( فالشعر يتوفر في
ابنية تركيبية قارة , مرتبطة , بدون انفصام , إلى
الايقاع , تبعا لذلك , فان مفهوم الايقاع ذاته ,
يفقد صفته المجردة , ويصبح مرتبطا بالجوهر اللساني
للشعر )[22]
.
ويكتسب الايقاع اهميته
بكونه يمثل اساس بنائيا للشعر , يحدد مجمل عناصره
السمعية وغير السمعية فهو (ليس الالتزام بخطوات
خيالية , ولكن توزيع الطاقة الزفيرية في اطر حيوية
واحدة هي البيت الشعري)[23]
الذي يصبح منطلقا لربط العناصر اللسانية المشاركة
في البناء البيت الشعري كوحدة اساس قي بناء
القصيدة , وليصبح على ارتباط بالتقنيات المختلفة
التي يستغلها الاداء الشعري في صوره التعبيرية .
ولعل اخطر صفة للايقاع هي
ارتباطه بالانفعال الذي يغمر النفس المبدعة وهي
تعاني تجاربها لفنية قبل ان تخرج في صورتها
المادية مجسدة في شكل فني محدد , فتكون الحاجة
ماسة للايقاع لكي يتدخل في تحديد قوة الانفعال ,
وتنظيم درجته , ليتحول من مجرد انفعال بتجربة ما ,
غير متحققة ماديا , إلى افعال خلاق منتج ,
فالانفعال , وهو (تلك الحركة الشعوية التي تطغى
على النفس , وتسيطر على قواها , فترتهنها لحتميتها
وتولد فيها يقينا خاصا بها)[24]
لا يمكن ان يتصل بحركة الابداع المنتجة إلا إذا
تلمسنا فيها فيه صفة جمالية تدعى " الانفعال
الخلاق " وهو ( الذي يحيل قوى النفس كله إلى قوة
واحدة خلاقة , ويوغل بها في العمق , ويصل بينها
وبين الحقيقة الذاتية والمعاناة , فيغدو الفنان هو
الذات وه الموضوع في ان معا , وبهذا فالانفعال يحل
في ما وراء لاشياء لأنه يضيؤها , ويدعها تشف ,
وتتحرك وتخفق بالحياة بعد ان كان الحس والعقل قد
جمداها , انه هو الذي يتصل بالروح الكامنة في
المظاهر)[25]
فيتميز بصورة قاطع عن الانفعا الخارجي الذي لا
يعدو ان يكون مجرد انفعال عصبي , غير منتج (فه
طارئ يجتاح النفس ثم يولي هاربا لاتفيد منه سوى
المتعة العابرة الزائلة)[26]
فهو انفعال ينقضي بانقضاء مسبباته , وهو يتسم
بالهوس والضجيج يبقى خارجيا (والانفعال الشعري لا
يضاف إلى صورة الشيء من الخارج , انه كامن في
الصورة , ويكون ماندعوه " الصورة العاطفية للشيء
")[27]
فهنالك علاقة عميقة بين الانفعال والتجربة , أي ما
يمكن ان يعتري النفس اثناء انفعالها بتجربة ما ،
فيكون الحكم على عمق انفعا النفس بتلك التجربة وهو
مال تستطيع ان تنتجه لنا من شكل منجز بطريقة معبرة
معبرة عن المعاناة التي تكشف عن مغزى التجربة
وعمقها (والتجربة تكون ذات مغزى دقيق اذا كان كل
جزء منها قد تركزت فيه صلات تبطه بكل جزء اخر فيها
, وقد طبعنا على بعض ذلك الطراز م التجارب الذي
يكون كل شيء في مفككا ضيف الرابطة)[28]
فالتجربة تنتخب شكل تجسدها الظاهري , وتؤثر في
طريقة تنظيمه وفقاً لدرجة الانفعال , فتظهر (مجسمة
من خلال الكلمات , وما توحيه هذه الكلمات التي هي
لدى الشاعر ليست مجرد الفاظ صوتية ذات دلالات
صرفية او نحوية او معجمية)[29]
بل هي كل مجتمع منصهر , خاضع لعامل مسيطر واحد ,
يعدل وينظم حسب ما تمليه طبيع التجربة في كل موحد
تخضع له بقية الاجزاء , ولهذا كان كل جزء اكبر من
نفسه لان فيه معنى اكثر من معناه , اذ يرقى ال
تنظيم كلي مركب منسق ... لانرى فيه شيئا عارضا
مالم يكن له اثر في تكوين صورة القطعة كلها في
تكوين الصورة النهائية التي تتالف من تتابع صور
عديدة)[30]
فتخرج بهيئة شكل مجسد له قوانينه الداخلية التي
تنظم العلاقات بين اجزائه التي تعمل وفق تكنيك فني
معين , يمثل (الوسيلة الوحيدة التي لدى الكاتب لكي
يكشفها , ويستكشف , ويطور موضوعه , ولكي ينقل معنى
التجربة)[31]
.
ان عملية اخراج التجربة إلى
حيز الوجود , وتجسيدها في شكل متحقق يحتاج إلى
تدخل عنصر الخيال الذي يعي التجربة , مجسد عبر ما
تمثله لها . |