|
من أسرار القصة
القصيرة
العنصر الثاني :
الحادثة
كاظم الشويلي
الحادثة هي إحدى
مقومات القصة القصيرة وركيزة مهمة من ركائزها
الخمسة ، وان القاص الجيد هو الذي يصنع من الأشياء
المألوفة والحوادث اليومية التافهة قصة رائعة وأدب
عظيم يبقى عصور طويلة تتوارثه الأجيال ، ومن
السهولة التقاط الحوادث والوقائع من مجتمعاتنا حيث
أنها تقتحم حياة الناس بصورة عشوائية ــ دون
استئذان أو طرقة على أبوابهم في مقاطع ــ زمنية
مختلفة ، وتنشطر الحوادث اليومية إلى أجناس هائلة
لا يمكن عدها أو إحصائها ولكن بالإمكان تبويبها ،
فمنها حوادث سياسية مثل الانقلابات أو الانتفاضات
أو الحروب بين الدول ، أو حوادث طبيعية كالزلازل
والفيضانات ، أو الصراعات الاجتماعية والطبقية 000
أو من الخيال العلمي الذي يتحدث عن الفضاء
والكواكب والمخلوقات المريخية الإلية .
ونلاحظ إن نشوء الحوادث
يعود سببه إلى الصراع الدائر بين عنصرين فقط هما (
الخير والشر ) أي بين قوى الفضيلة وقوى الرذيلة
وهكذا يتشظى الصراع و ينقسم إلى معسكرين ، حيث
تتخندق قوى الحب والخير والسلم والكرم والعفة
0000في معسكر الفضيلة 0 بينما تلتجئ قوى البغض
والشر والبخل و 000 الى معسكر الرذيلة .
هنا يأتي دور القاص الخلاق
ويلتقط الحادثة كما يلتقط النسر فريسته ، فالقاص
له عينان ثاقبتان يبصر بهما أدق الأشياء ، وله
قدرة فائقة لتمييز و التقاط الحوادث التي تخدم
الفكرة التي يروم الترويج لها .
لذا ربما يستل القاص
حادثة قصته من الحياة التي تزخر بالحوادث وممكن أن
يلتقط القاص حادثته من السوق أو المدرسة أو من
كتاب أو صحيفة أو تلفاز او0000 أو يختار قصته من
الصراع المحتدم بين الأنظمة البائدة والأمة ، أو
يحضرها من أضابير المحاكم أو مراكز الشرطة
0000000او إيحاء من القصص التاريخية المسطرة في
متون الكتب وممكن إعادة صياغتها بأسلوب عصري
يتناغم مع البنية الجديدة للقصة القصيرة وحداثتها
000 ثم يسطرها كما يشاء حيث يبدى بتصوير
الحادثة بدقة متناهية ويشرح متى حصلت هذه الحادثة
؟ ولماذا حصلت ؟ وماهي التداعيات التي نتجت عنها
و وإذا ظفر القاص بحادثة فعليه أن يضعها في خانتها
المناسبة بعد إجرائه عملية التهذيب والتشذيب
لمفردات الحادثة ، ومن الضروري إن نعرف إن بإمكان
القاص إن يفتعل قصته من نسيج الخيال ويلبسها عباءة
الصدق وطقوس الواقعية بحيث إذا قرأنا القصة نقول
هذه ليس من نسج الخيال بل هذه الحادثة مرت علينا
في المكان الفلاني وهذه الحادثة أيضا كذلك وهكذا
إلى أن يحتمل تصديقها من قبل المتلقي ، لذا على
القاص أن يراعي أن تكون قصته مطابقة للواقع وقريبة
منه وان يقنع القارئ بان هذه الحوادث بالإمكان
وقوعها في أي بيئة .
إن دور ووظيفة القاص أن
يزرع الأمل والتفاؤل والحب والفضائل في قلوب قرائه
لذا ينبغي عليه أن يختار الحادثة الهادفة التي
تدعو الإنسان إلى الالتزام بمبادئ السماء وتطبيق
تعاليمها والانصهار بالرؤى الإسلامية الأصيلة
والتي ترتقي بالبشرية إلى أعلى درجات السمو
والكمال .
القاص ينتقي الحوادث
المهمة لكي يؤرخها للأجيال القادمة و يسخر قلمه
لتدوين الحوادث التي تخدم قضيته ، ومن باب (
الحكمة ضالة المؤمن أينما وجدها أخذها ) 0000 فان
( فيكتور هيجو ) صنع من حوادث الثورة الفرنسية قصة
رائعة وقد سماها كما تتذكرون (البوساء) وقد مثلتها
السينما العالمية وقد تجددت طبعتها عشرات المرات
والى يومنا هذا وبكل اللغات 000 ولا نذهب بعيدا
فلو القينا نظرة على تراثنا الأدبي نلاحظ أن قصص
ألف ليلة وليلة ، وكليلة ودمنة و 0000قصص اخرى ،
قد بقيت منقوشة في أذهان الأجيال عبر عدة قرون .
ان القاص المبدع هو القاص
الذي يختار الحادثة المناسبة لموضوعه فهي التي
تجذب المتلقي من السطر الأول و لن تطلق سراحه حتى
إيصاله إلى السطر الأخير، حيث يخرج القارئ متأثرا
بأحداث القصة مؤمنا بأفكارها معجبا بشخصياتها
خصوصا إذا استطاع القاص أن ينفخ الروح بعناصر قصته
وان يحرك بأصابعه الفذة المشاهد والصور بانسيابية
ومرونة ، ويسير مع المتلقي برفق وصبر إلى ذروة
الإحداث ، القاص الجيد المتمكن من قصته هو الذي
يخفي أدوات عمله بين الكلمات والجمل والسطور ولا
يعلن ولا يذيع أسرار قصته في بداية عمله بل يصبر
ويتأنى في عملية سرد الأحداث ويفاجئ القارئ
بحادثة رائعة ويوقعه في اسر القصة ويربطه بحبال
المماطلة والتشويق والمداعبة والمخادعة ويؤجج
المشاعر والأحاسيس ويعرج تصاعديا نحو ذروة
الإحداث ، ثم يبدأ بحل عقد القصة ويعطي الحلول
المناسبة إلى القراء ، وان عروج القاص بخيوط القصة
نحو ذروة الأحداث يشبه الإنسان الذي يتسلق جبلا
شاهقا فان الصخور تعرقل مسيرته و المسالك الضيقة
ترهقه وتصعد من أنفاسه إلى أن يصل القمة بعد صبر
وجد واجتهاد فإذا وطأت أقدامه القمة أو الذروة
وحقق غاياته فانه ينعطف بالنزول والوصول إلى
النهاية .
لابد ان تعطي القارئ حلا
مناسبا معقولا مقبولا للعقد والالتواءات التي
صنعتها ، وممكن ان تحل الغاز الحادثة بحادثة أخرى
بعض القصصيين يترك نهاية القصة مفتوحة ، يعني يسمح
بمشاركة القارئ في وضع نهاية للقصة .
وأخيرا نهمس في أذانكم
ونخبركم عن سلوك بعض القصصيين في إهمال عنصر
الحادثة وعدم اعتنائه بها ، حيث يركزون على جوانب
أخرى مثل إظهار ما يخفيه إبطال القصة ويسلطون
الضوء على عالمهم النفسي للقصة لذا تكون هذه القصة
ضعيفة الحادثة .
إذن الحادثة هي لبنة رئيسة
من لبنات البناء القصصي 000وعنصر مهم من عناصر
صناعة القصة و لا تخلو قصة من هذا العنصر المهم 00
فما من قصة الا وتراها مستندة ومتكئة على حادثة
معينة . |