|
المنهج النقدي
عند طه حسين
بقلم : أ.م.د. فاضل محمد
عبد الله الزبيدي : كلية الآداب – جامعة الكوفة :
قسم اللغة العربية
مقدمة وإضاءة
ازدهرت الحياة الثقافية في
مصر والوطن العربي بعد ثورة 1919 في مصر بسبب عدة
عوامل أهمها تدعيم الجامعة المصرية واتضاح شخصيتها
وعودة البعثات الثقافية إلى أرض الوطن وإسهام هذه
الطلائع بشكل واضح في الحياة الثقافية. وكان من
المع هؤلاء المبعوثين الدكتور طه حسين ، وقد ولد
طه حسين في قرية عزبة الكيلو بمحافظة المنيا بصعيد
مصر عام 1889، وتلقى دروسه الأولى من كتّاب القرية
ثم انتقل للدراسة في الأزهر الشريف بالقاهرة سنة
1902، ثم اخذ يتردد على الجامعة الأهلية الوليدة
منذ 1908 ونال منها درجة العالمية عام 1914 عن
بحثه (في ذكرى أبي العلاء) ثم أوفد في نفس العام
إلى فرنسا وهناك نال درجة الدكتوراه عن بحثه
(فلسفة ابن خلدون) ثم دبلوم الدراسات العليا في
التاريخ القديم سنة 1919 ثم عاد إلى مصر فعمل
مدرسا للتاريخ القديم بالجامعة ثم أستاذا للأدب
العربي حين ضمت الجامعة إلى الحكومة سنة 1922. ثم
عين عميد الكلية الآداب سنة 1930 ثم اخرج من
الجامعة من عهد صدقي ثم أعيد إليها سنة 1936 ثم
أنتخب عميدا سنة 1938. ثم عيّن مستشارا فنيا
لوزارة المعارف. ثم مديرا لجامعة الإسكندرية ثم
أختير وزيرا للمعارف سنة 1950. ونال جائزة الدولة
التقديرية سنة 1961 ثم خلف لطفي السيد في رئاسة
المجمع اللغوي. وهو من خيرة الكتاب والنقاد
المعاصرين وقد لقب بعميد الأدب العربي .
الدكتورفاضل محمد عبد الله الزبيدي
كلية
الآداب – جامعة الكوفة
المبحث الأول
منهج طه حسين في النقد
والدراسة الأدبية
يعتبر طه حسين صاحب مدرسة
كبيرة ، تخرج فيها جيل بأكمله من الدارسين والنقاد
وكان لشخصيته العلمية ، وثقافته ، وتنوعها وسعتها
مع ذكائه وجرأته العقلية وأستاذيته في الجامعة اثر
كبير في هذه المدرسة ومن تخرج فيها.
وأهم ما يمتاز به منهج طه
حسين في النقد والدراسة الأدبية ، تطبيق النهج
العلمي ، على احدث ما عرف النقاد والباحثون في
الغرب ، على الأدب العربي قديمه وحديثه ، وأول ما
ظهر من آثاره دراساته لأبي العلاء المعري وللشعر
الجاهلي ، وشعراء الغزل في الحجاز ، وشعراء
العباسيين .ثم ما تناول بعد ذلك من نقد في الصحف
العربية لجماعة الأدباء شعراء وكتابا وقصصيين في
مجموعة مقالات طوال ما يقرب من نصف قرن ، تعرض
فيها لشوقي ، وحافظ ومصطفى صادق الرافعي وعبد
العزيز البشري وتوفيق الحكيم والعقاد ، وهيكل ،
ولعلي محمود طه وناجي وميخائيل نعيمة ونجيب محفوظ
ويوسف السباعي . وكثيرين غيرهم.
كما تعرض كذلك للكتابة في
كثير من قضايا النقد والفن والأدب ، كقضية الجمال
في الأدب والفن ، وهل هو موضوعي أو نسبي؟ ، وقضية
الأدب والحياة ، والأديب والمجتمع ، وقضية اللغة
في الشعر ، والعامية والأدب ، والواقعية....وما
إلى ذلك من قضايا كثيرة شغلت الرأي العام الأدبي
في مصر والبلاد العربية منذ مطلع هذا القرن
العشرين.
وقد درس طه حسين في الأزهر
، فتعرف على الأدب العربي القديم ونهل من موارده
الثرة ، وتمكن فيه ، وحمل له بين جوانحه إعجابا
وتقديرا ، كما حمل لكبار أدباء العربية ، أمثال
الجاحظ ، وابن المقفع وأبي الفرج الأصفهاني وأبي
العلاء المعري أحسن الذكر لطول ما لابسهم وقرأ لهم
، وذهب إلى فرنسا ليتم دراسته والتحق بالجامعة
بباريس ، وهناك وقف على آفاق جديدة وتكشفت أمامه
السبل وكان طلعة فاقبل على الدراسة في نهم ، ووقف
على أثار كبار العلماء والأدباء الذين كان لهم فضل
كبير على الحضارة العربية والفكر المعاصر أمثال
ديكارت ودارون وفولتير وجان جاك روسو ، وسانت بيف
وتين ...وغيرهم، كما قرأ لكثير من شعراء فرنسا
وكتابها، وخاصة شعراء القرن التاسع عشر وكتابه.
وأفاد طه حسين من مناهجهم
في دراساته ونقده ، فطبق منهج ديكارت العقلي في
دراسته للشعر العربي بصورة جريئة ، لم تعهد من قبل
، وان كان بعض ما تناول من قضايا غير جديد على
النقد العربي ، كقضية الانتحال التي عرضها في
الشعر الجاهلي ، ونفى على أساسها كثيرا من شعر
الجاهليين ، وشك في كثير . فهي قديمة ترجع لابن
سلام صاحب كتاب ((طبقات الشعراء)) . ولكن المنهج
العقلي الذي اختطه كان الجديد في الكتاب، كما كانت
الجرأة في التناول دون خشية التعرض لبعض ما كان
يتحرج العلماء الخوض فيه من أمور تتصل بالدين
والعقيدة.
وقد آمن طه حسين بحرية
الأديب في تناول موضوعه ، دون خضوع لأي قيد مهما
كان ذلك القيد اجتماعيا كان أو سياسيا أو دينيا أو
أخلاقيا، وذلك لان حرية الأديب تكفل له حرية
الانطلاق إلى ما يريد من آفاق بجناحين قويين دون
أن تثقلهما أثقال من أي نوع وعندئذ يستطيع الأديب
والباحث أن يكون مبتكرا ، ومجددا ، ونافعا للناس .
وكان لهذا المنهج العقلي
الذي اختطه أداة لتخليص الأدب القديم من شوائبه
وإعادة تقييمه ودراسته على أسس علمية ومناهج قوية
تقوم على أساس ما اختطه الباحثون في آداب الأمم
الغربية ، مثل ما فعل تين بالنسبة لتاريخ الأدب
الانجليزي وسانت بيف في دراسته لأدباء الغرب.
ويعتبر تين ابرز النقاد
الذين استخدموا المنهج العلمي الحديث في الدراسة
الأدبية باعتبار أن الأدب نتيجة لثلاث عوامل هي :
البيئة ، والجنس ، والثقافة المعاصرة ، وبهذا يرى
تين أن الأدب كغيره من الظواهر العلمية
والاجتماعية خاضع لعوامل خارجية سببت تكوينه ،
وبذلك يكون تين قد شغل نفسه بالمؤثرات الخارجية،
خارج دائرة الأديب والنص الأدبي .
أما سانت بيف (1804- 1869)
فقد بني منهجا آخر في النقد يخالف منهج تين ويعتمد
أساسا على دراسة الشاعر أو الأديب من جوانبه
المختلفة من حيث عائلته ، ووضعه الاجتماعي
والتاريخي ، وثقافته وأفكاره ، أو أرائه وفلسفته ،
ويعتبر بذلك صاحب المدرسة الرومانتيكية في النقد
التي تعتمد على الدراسة التحليلية النفسية .
والترجمة الشخصية، والتي تتناول العمل الأدبي من
خلال شخصية الأديب. وقد ساعده عمله كطبيب على هذه
الدراسة. وقد كتب دراسات رائعة لجماعة من أدباء
فرنسا الكبار أمثال شاتو بريان ، وموسيه ، وهوجو،
والفرد دي فيني ، كما قدم مجموعة قيمة من المقالات
النقدية عرفت بـ ((أحاديث الاثنين)) (1851-1862)،
وأيام الاثنين الجديدة (1863-1870),وغيرها من
المقالات ، وكان أهم ما يعتمد عليه من القواعد في
نقده إلى جانب تلك الدراسة التحليلية للنصوص خلال
شخصية الأديب – الذوق، وصدق التعبير عن الحياة ،
والوحدة الفنية.
ويبني طه حسين منهجا
للدراسة الأدبية بعد أن ينقد هذه الدراسة بحالتها
التي كانت في عصره قبل سنة 1926.
وأول ما يلاحظه على درس
الأدب وتاريخه ، سطحية الدراسة وعدم استخدام منهج
واضح مبين للتعمق في تقييم الأدب القديم وتاريخه ،
ذلك لان المؤرخين لهذا الأدب يخضعونه للعوامل
السياسية والاكتفاء بذلك ، مع ذكر نبذ عن أسماء
الشعراء وأنسابهم وجوانب من حياتهم ، مع نماذج من
أشعارهم.
كذلك يحاولون أن يتبعون
الأدب لعوامل الازدهار، والخمول، والقوة أو الضعف
لحاضرة الدولة وحدها سواء كانت بغداد أو دمشق دون
اعتبار للخصائص الإقليمية في أنحاء الدولة العربية
المتشعبة الأطراف من بلاد الفرس شرقا إلى الأندلس
غربا. وهكذا كان الأدب في بغداد في عرفهم مقياسا
للأدب العربي في الأقاليم الأخرى وهذا خطأ لان فيه
إغفالا للعامل الإقليمي، عامل البيئة وهو عنصر مهم
في الأدب وتطوره.
ويريد طه حسين أن يأخذ نفسه
والدارسين للأدب بمنهج قويم ، يعتمد على جانبين :
الجانب العالمي ، ممثلا فيما نجم من الدراسات
والمناهج المتحدثة لدى الباحثين الغربيين معتمدة
على العلم كما في مناهج سانت بيف ، وتين ,
وبرونتيير . ويكمل هؤلاء الثلاثة بعضهم بعضا ،
فيعرض سانت بيف للشخصية الأدبية وتكونها عرضا
بيولوجيا، قائما على التحليل والربط بين شخصية
الأديب وشعره ، وتكوينه الثقافي ، ومزاجه وأسرته
وما إلى ذلك من مختلف المؤثرات التي اشتركت في
بنائه؛ كما تعرض تين للعوامل الخارجية التي أثرت
في النص الأدبي باعتباره ظاهرة اجتماعية ، كغيرها
من الظواهر التي تقوم على عناصر مختلفة أو تكون
نتيجة لعناصر مختلفة ، واهم العناصر التي بينها
العناصر الثلاثة التي اشرنا إليها : البيئة ،
والجنس ، والعصر.
كما أن برونتيير يتناول
جانبا آخر هو دراسة الظاهرة الأدبية ، أو النوع
الأدبي دراسة تطورية على طريقة على طريقة دارون في
دراسة الأحياء.
ولا يكتفي طه حسين بهذا
المنهج العلمي ، لأنه عنده لا يفي بكل ما يرجى من
الدراسة الأدبية ، ذلك أن الأدب يختلف في طبيعته
عن العلم ، ولهذا ينبغي أن يضاف إلى هذا المنهج
العلمي عنصر آخر شخصي يقوم على الذوق . يقول :
((فتاريخ الأدب إذاً يجب أن يتجنب الإغراق في
العلم كما يجب أن يتجنب الإغراق في الفن ، وان
يتخذ لنفسه سبيلا وسطا ([1])))
.
وعلى ذلك فعند التعرض
لدراسة نص ما ينبغي المرور بثلاث مراحل هي:
استكشاف النص الأدبي ،
وقراءته قراءة صحيحة ، ثم تحقيقه وضبطه وهذه
المرحلة ، تعد مرحلة إعداد ، يشملها الجانب العلمي
، وتأتي بعد ذلك المرحلة الرابعة ، مرحلة التذوق ،
وتظهر فيها روح الناقد وشخصيته .
يقول : ((أريد أن ادرس شعر
أبي نواس ، فانا مضطر أول الأمر إلى أن ابحث عن
هذا الشعر ، ولهذا البحث المنظم قواعده وأصوله ،
فإذا وجدت هذا الشعر ، فاضطر إلى أن اقرأه ، وأحقق
نصوصه وأقارن مقارنة علمية دقيقة بين النسخ التي
تشتمل عليه ، فإذا استخلصت من هذه النسخ المختلفة
والنصوص المتباينة نصا انتهى إليه بحثي واختياري ،
فانا مضطر إلى أن اقرأ هذا النص قراءة الباحث الذي
يريد أن يفهم ويفسر ويحلل وستخلص ما في هذا الشعر
من خصائص لغوية أو نصوصية أو بيانية فإذا إنا فرغت
من هذا كله ، فاستكشفت النص وحققته وفسرته
واستخلصت خصائصه ومميزاته مستعينا في هذا كله بهذه
العلوم المختلفة ، فقد انتهى القسم العلمي الخالص
من عمل المؤرخ للآداب ، وبدأ القسم الفني الذي
اجتهد ما استطعت في أن اخفف تأثير شخصيتي فيه ،
ولكني اعتمد فيه سواء أردت أم لم أرد على الذوق
.وهذا القسم هو النقد ))([2]).
وكأن النقد عند طه حسين
جانب من الدراسة الأدبية أو التاريخ الأدبي ، ومن
هنا نستطيع أن نقسم إنتاجه – غير الجانب الإنشائي
من أدبه إلى قسمين ، قسم الدراسة الأدبية والتاريخ
وقسم النقد .
ويشتمل القسم الأول كما
اشرنا مجموعة دراساته : في الأدب الجاهلي ،وأبي
العلاء المعري ،ومجموعة شعراء الغزل وبعض شعراء
العصر الأموي ، وأحاديث الأربعاء التي تتناول
جماعة من شعراء بني العباس ، ومع المتنبي.
ويشمل القسم الثاني مقالات
متعددة في النقد تناول فيها جماعة من الكتاب
والشعراء المحدثين والقدماء. وسنعرض للجانب النظري
من القسمين ، لنقف على أصول منهجه ، وأرائه ، ثم
نعرض بعد للجانب التطبيقي .
أصول
عامة
وهناك أصول عامة ، ركز
عليها القول وكررها تكرارا ، بعضها متصل بالنقد
والناقد، وبعضها متصل بمفهومه للأدب ودوره ، أو
غايته ، وبعضه الآخر متصل بأصول التعرف على الأديب
، وعلى النص الأدبي ، وما ينبغي أن يقوم عليه
التحليل الأدبي ،والنقد ، ثم الحكم ، وما يراعى
فيه...الخ.
المبحث الثاني
المجتمع والبيئة:
ونبدأ من الأصول التي يبني
عليه طه حسين دراسته الأدبية ونقده بالمجتمع ،
والبيئة وأثرهما في الأديب ، ومدى تعلق الأديب
ببيئته ووفائه لمجتمعه في أدبه ، من حيث التزامه
به أو تعاليه عليه .
ويقول: ((ألفنا أن ندرس
الشعراء والأدباء فنبحث عن أشخاصهم، وربما ألهانا
ذلك عن ألوان أخرى من البحث هي أعظم خطرا من أشخاص
الشعراء، وهي ظروف البيئة التي يعيشون فيها))([3]).
فالشاعر أو الكاتب لا يستمد
أدبه من شخصه وحده، وانما يستمد أكثر فنه وأكثر
شخصيته من أشياء أخرى ليس له حيلة فيها ، وليس
لطبيعته ومزاجه وفرديته فيها كل ما نظن من التأثير
، وأكاد أقول مع القائلين أن الفرد نفسه ظاهرة
اجتماعية ، فهو لم يأت من لا شيء ، وانما جاء من
أسرته أولا ، ولم يكد يرى النور حتّى تلقته الحياة
الاجتماعية فصورته في صورتها وصاغته على مثالها ،
وأخضعته لمؤثراتها التي لا تحصى فعنصر الفردية فيه
ضئيل لا يكاد يحس ، إلا أن يمتاز هذا الفرد ،
وامتيازه نفسه يرده في كثير من الأحيان إلى الحياة
الاجتماعية التي أنشأته.
ويطبق هذا المنهج في
دراساته لشعراء الغزل في الحجاز ، وللشعراء
العباسيين في حديث الأربعاء ويقول عند حديثه عن
اثر البيئة في شعر عمر بن أبي ربيعة : ((فليست
اعرف شاعرا إسلاميا استطاع أن يمثل العصر الذي كان
يعيش فيه ، والبيئة التي كان يحيا فيها كهذين
الرجلين اللذين نستطيع أن نتخذهما مرجعا في درس
الجماعة التي كانت تحيط بهما . تريد أن تدرس
العراق صدر الدولة العباسية وان تدرس بغداد أيام
الرشيد والأمين خاصة فارجع إلى أبي نواس ، تريد أن
تدرس حياة الحجاز في صدر الدولة الأموية فارجع إلى
ابن أبي ربيعة([4])
)). ففي شعره صورة لحياة سراة قريش وصور من حياة
المرأة العربية المترفة في القرن الأول للهجرة.
وعلى ذلك يرى طه حسين أن
الأدب صورة للحياة ، يمكن دراستها من خلال النص .
وأشار سامي الدروبي في إحدى مقالاته بالجمهورية
إلى أن طه حسين اخذ في دراسته الأدبية ,ونقده
بمنهج الاجتماعيين الفرنسيين ، وخاصة منهج دوركايم
، ويقول مندور([5])
:((ومنهج طه حسين في الدراسة الأدبية ليس منهج
مدرسة الاجتماعية الفرنسية ، بل هو أقدم منها لأنه
يرجع إلى مذهب بين ، وهو المذهب الذي فصل أصوله
هذا الناقد الفرنسي الكبير في المقدمة الضخمة التي
كتبها لمؤلفه الكبير عن ((تاريخ الآداب
الانجليزية)) وزعم فيها أن في استطاعة المؤرخ أن
يفسر اختلاف الأدب الانجليزي مثلا عن غيره من
الآداب العالمية كما يفسر اختلاف نفس الأدب في عصر
عن عصر ، وفي بيئة عن أخرى ، وبالمثل اختلاف أدب
عن آخر .
وإذا كان طه حسين قد استخدم
هذا المنهج في رسالته عن (ذكرى أبي العلاء) فمن
المؤكد انه صدر في ذلك عن تين ، لا عن دوركايم ،
وليفي بريل اللذين لا نعرف لهما أو لغيرهما من
علماء الاجتماع الفرنسي قولا في مناهج الدراسة
الأدبية، وهم يعنون بالأدب إلا كمرآة للمجتمع ،
ويفسرون الحياة الاجتماعية مستعينين بالأدب .
وقد يصدق قول الدكتور مندور
، في أن طه حسين اخذ بمنهج تين في دراسته كما اخذ
بمنهج سانت بيف أيضا ، إلا أننا لا نستطيع مع ذلك
أن ننكر ، أو نستبعد تأثير طه حسين بمنهج
الاجتماعيين الفرنسيين وقد قدم رسالة للجامعة
الفرنسية عن ((ابن خلدون وفلسفته الاجتماعية)) بل
انه أكد فيما قدمنا القول بان التعرف على مجتمع
معين يكون عن طريق ما أنتجه من أدب . وهو يرى
الاهتمام بالشعر أكثر من الاهتمام بالشاعر،
والشاعر عنده وسيلة لفهم الشعر.
وقد حاول أن يعرض صورة
للذوق الأدبي في مطلع القرن العشرين ، فمزج بين
الحالة السياسية والأدبية للمجتمع ، واثر ذلك على
أدب هذه المرحلة ، قال :
((كنا نتفق على أن هناك
ذوقا فنيا عاما يشترك فيه أبناء الجيل الواحد في
البلد الواحد، لأنهم يتأثرون بظروف مشتركة تطبعهم
جميعا بطابع عام يجمعهم ويؤلف بينهم ، وكنا نتفق
على أن هذا الذوق يتسع ويضيق ، ويقوى ويضعف ، فأهل
مصر يشتركون فيه اشتراكا قويا ، وهذا الاشتراك هو
الذي يجمعهم على الإعجاب ببعض الآثار الفنية دون
بعض، وهم يشاركون فيه إلى حد ما جيرانهم أهل الشام
وفلسطين، ويشاركون فيه إلى حد اضعف جيرانهم من أهل
إفريقيا الشمالية ....،
وكنا نتفق على أن هذا الذوق
يضيق أحيانا ويتأثر في ضيقه هذا بالظروف التي تحيط
بالطبقات والجماعات ، فأهل مصر على اشتراكهم في
هذا الذوق العام تتفاوت حظوظهم منه بتفاوت بيئاتهم
وجماعاتهم فلأهل الأزهر ذوق خاص يكادون يستبدون به
، وقريب منه ولكنه يفارقه بعض الشيء ذوق مدرسة
القضاء ودار العلوم ، وللجامعيين ذوق خاص أو قل
أذواق مختلفة ، ذوق يتأثر بالعلم ، وأخر يتأثر
بالأدب ، وثالث يتأثر بالتاريخ ، ورابع يتأثر
بالفلسفة . وعلى هذا النحو)).
وذلك هو الذوق العام الذي
يؤثر في الأدب عامة ، في إنشائه ، وتقبله أو تذوقه
، وكما أن البيئة ، أو المجتمع بمختلف جوانبه ،
يؤثر في الأدب ، بصورة تلقائية عن طريق تأثيره في
الأديب فان من صدق التعبير ؛ أن يحسن الأديب
التعبير عما يدور في صدور الناس ، وعما يعتلج في
نفوسهم من الخوالج ، وهو لا يصور مجتمعه صورا
مطابقة ، ولا يعكس أحداث ، ومناظره كما هي ، في
أشكالها المادية الجامدة، وبذلك يكون تجاوبا مع
مجتمعه ، أو صادق التعبير عنه ، لا بل صدق التعبير
، والتجاوب شيئان بعيدان عن مجرد الانعكاسات
المادية للأحداث والأشياء ، ومجرد الترداد لها في
صور النظم والنثر .
ويعرض طه حسين لقضية
الواقعية في الأدب ، حين يناقش جماعة الواقعيين،
ومن بينهم عبد العظيم أنيس ومحمود العالم صاحبا
كتاب ((في الثقافة المصرية)).
يقول في حديث الأربعاء :
((وأظن أني لست في حاجة إلى أن أجيب ، ولا إلى أن
أطيل الجواب ، وانما يكفي أن ننظر في الأدب المصري
الحديث ، أو في الأدباء المصريين المحدثين ، وان
نسأل أين يكون الضمير الأدبي الصحيح من هذا الأدب
ومن هؤلاء الأدباء ؟ أين يكون هذا الأديب الذي
يرفع أدبه عن الظروف ويرقي به فوق الأحداث ،
ويمتنع به عن الظن ، ويأبى أن يجعله تجارة وان
يساوم فيه كما يساوم التجار ، أين يكون هذا الأديب
الذي لا يفكر في الناس قبل أن ينشئ ، ولا يسأل عما
سيقول قبل أن ينتج ، ولا يقدر عواقب آثاره الأدبية
قبل أن يذيعها على القراء؟، أين يكون الأديب الذي
لا يقوم أثره الأدبي بالدراهم والدنانير قبل أن
يكتبه وقبل أن يخرجه؟، أين يكون هذا الأديب الذي
لا يسعى إلى الشهرة وانما تسعى الشهرة إليه ،
والذي لا يطلب الرضا وانما يطلبه الرضا ؟....)).
يحمل على هذا الأدب الذي
يرتبط بالحياة ذاك الارتباط المادي ، والذي لا
ينظر فيه الأديب إلى ابعد من الكسب المادي أو
الشهرة وذياع الصيت ، وشيوع الذكر. ويواصل عرض
وجهة نظره فيما يراه بعض النقاد من ضرورة ارتباط
الأديب بمجتمعه ارتباطا واقعيا يعكس قضاياه ،
ويكون له دور ايجابي يدفع بقومه إلى التطور ،
فيقول في مقال له عن صلة الأدب المعاصر للثورة
المصرية بالثورة ((أن التغيير الاجتماعي أو
السياسي لا تظهر آثاره في الأدب بمثل هذه السرعة
التي يراها الداعون إلى أدب الثورة )).
ويقول في مقال آخر بعنوان
((الأدب والحياة)): ((فالذين يقولون يجب أن يكون
الأدب للحياة ويظنون أنهم يقولون شيئا جديدا ، لا
يقولون في حقيقة الأمر شيئا ، ويخطئون حين يظنون
أنهم يبتكرون شيئا لم يألفه الناس منذ أقدم العصور
، فكل أدب في أي امة من الأمم ، إنما يصور لونا من
ألوان حياتها ولونا من ألوان شعورها وذوقها
وتفكيرها وانعكاس صور الحياة في نفوسها ، واكبر
الظن أن الذين يقولون يجب أن يكون الأدب للحياة
إنما يريدون شيئا يحسونه في أعماق نفوسهم وعقولهم
قد لا تحققه ، فإذا أرادوا أن يعبروا عنه أخطاهم
التعبير ، وعسى أن يحققوا في نفوسهم أشياء ثم
تمنعهم ظروف الحياة على اختلافها من أن يعربوا
عنها في إفصاح ، ويصورونها في جلاء ووضوح ([6]).
عيب الأدب القديم بأنه لا يعبر عن
الحياة
ويناقش الذين عابوا الأدب
العربي القديم بأنه أدب لم يعبر عن الحياة
فيقول:((....فلا تقل أن الأدب القديم لم يكن يصور
الحياة ، بل قل انه لم يصبح مصورا لحياتنا نحن ،
وهنا تأتي المشكلة التي يتورط فيها كثير جدا من
دعاة الأدب الجديد عندنا في هذه الأيام. فهم
يعيبون الأدب القديم جملة بأنه كان أدبا بعيدا عن
الحياة ، وبأنه كان أدب ملوك ، وبأنه كان أدب
إقطاع ، وينبغي إذن أن نعرض عنه الأعراض كله ، وان
نمقته أشد المقت ، وننفر منه أعظم النفور ، وننشئ
لأنفسنا أدبا يلائم الحياة ، والحياة هنا هي
حياتنا نحن الذي نحياها هذه الأيام ، ولو حقق
هؤلاء الكتاب في عقولهم هذا الذي يدعون لأنكروه
اشد الإنكار ، لبرءوا أنفسهم منه اشد التبرئة
وأعنفها ، فهم إنما يدعون إلى شيء يسير جدا هو أن
نلغي القديم إلغاء ، ونجتث الإنسانية من أصولها ،
وننشيء إنسانية جديدة تقوم على هذه الحياة التي
تحياها الشعوب الآن([7]))).
ويقول في موضع آخر ((إنما
أردت إلى هذه النزعة المبهمة العامة التي أخذت
تظهر وتشيع منذ حين والتي تدعو إلى أشياء لا
تحققها ولا تعرف لها حدودا، وانما تصور شعورا
غامضا إلى شيء من السمعة والاسماح ، فتتعجل وتقضي
قبل أن تتحقق، وتقطع في النور قبل أن تستبين
حقائقها ، وتدعو فيما تدعو إليه أن يكون الأدب في
سبيل الحياة دون أن تحقق معنى هذا الكلام فالأدب
ليس وسيلة ، ولا ينبغي أن يكون وسيلة ، والأديب لا
ينشئ أدبه ليحقق هذا الغرض أو ذاك ، ولا ليبلغ هذه
الغاية أو تلك ، وانما الأدب غاية في نفسه ،
والأديب يكتب لأنه لا يستطيع إلا أن يكتب .
فأما أن يسخر الأدب ليكون
وسيلة من وسائل الإصلاح أو سبيلا من سبل التغيير
في حياة الشعوب فهذا تفكير لا ينبغي أن نساق إليه
أو نتوسط فيه ([8]))).
وهكذا يطرق طه حسين إلى
جانب قضية الأدب والحياة مسألة الالتزام في الأدب
عند الأديب ، وقضية الصدق ، أو التجاوب مع المجتمع
، ويرى طه حسين أن الصدق لا يكون بهذه الصورة التي
يدعو لها جماعة الواقعيين الاشتراكيين وانما الصدق
حسن التجاوب بين الأديب ومجتمعه ، وحسن التعبير في
أسلوب ملائم حي لا أسلوب قديم تباعد الزمن بينه
وبين عصرنا الحديث , الذي يتطلب لونا آخر من
التعبير يتفق والحياة المعاصرة ومقتضيات العصر
الفكرية والأدبية والاجتماعية والسياسية .
المبحث الثالث
طه حسين وصدق التعبير
وقضية الصدق الفني عند طه
حسين شغلت جانبا من نقده ، ولم تكن حديثة عليه في
معركة الواقعية الاشتراكية فحسب ، فقد قامت بينه
وبين الرافعي حول هذا المفهوم سجلها في حديث
الأربعاء .
وليس الصدق هو التلاؤم في
التعبير بين أسلوب الشاعر وعصره ، بل هو كذلك في
حسن التعبير عن نفسه وعاطفته ، فهو إنسان يعيش في
مجتمع يصور أحاسيس مجتمعه وحياة عصره باعتباره
واحدا من هذا المجتمع ، وهو إنسان كذلك له أحاسيسه
الخاصة وعواطفه ، وذاتيته التي لا يشركه فيها غيره
من الناس وشخصيته التي لا يشاركه في ملامحها إنسان
.
يقول في نقده لشعر حافظ
إبراهيم ((فالشعر الجيد يمتاز قبل كل شيء بأنه
مرآة لما في نفس الشاعر من عاطفة، مرآة تمثل هذه
العاطفة تمثلا فطريا بريئا من التكلف...، فإذا خلت
نفس الشاعر من عاطفة أو عجزت هذه العاطفة عن أن
تنطق لسان الشاعر بما يمثلها ، فليس هناك شعر ،
وانما هناك نظم لا غناء فيه . ولست ادري أخلت نفس
حافظ من العاطفة عن أن تجري على لسان حافظ بالشعر
الجيد([9])؟
وليس معنى تمثيل الشعر
لعاطفة معينة ، أو لأحاسيس صاحبه ومشاعره انه
ينبغي للناقد أن يتقصى أحاسيس الشاعر ، ويبحث عن
عواطفه التي ثارت وعكسها شعره ، وعن أصول هذه
العواطف , في صور مختلفة من التحليل تتداخل أحيانا
مع الدراسات النفسية ، فطه حسين لا يميل لهذا
الضرب من النقد الذي يخرج عن النص إلى صاحبه ،
والى نفس صاحبه بصفة خاصة وما يعتمل بداخله ، وما
يضطرب من الغرائز والعقد النفسية ....وما إلى ذلك
.
المبحث الرابع
معارضة طه حسين لمنهج التحليل
النفسي في النقد
ويبدأ معارضة العقاد في هذا
الاتجاه بالشك في علم النفس التحليلي ونتائجه كعلم
تجريبي، ومن ثم كمقياس يطبق على الأدباء، والقديم
منهم خاصة. يقول ([10])
((والذي أريد أن أصل إليه من هذا كله هو أني حين
أنكرت إخضاع أبي نواس لهذا النوع من التحليل
النفسي كنت اعلم حق العلم ما كنت أقول ،وكنت اعمد
إليه عن إرادة وبصيرة وثقة لأني أرى كل ما ينتج من
إخضاع القدماء لهذا التحليل ضربا من الظن لا يرقى
إلى العلم ، ولا ينتهي بأصحابه إلى اليقين ، ولا
يلزم قراءه الاقتناع به والاطمئنان إليه ، وما زلت
أرى هذا الرأي ، لم يصرفني عنه الأستاذ العقاد بما
كتب في مقاله الأخير ، وما أرى انه سيصرفني عنه
الآن على اقل تقدير)).
ويعترض على النويهي لاتباعه
المنهج نفسه في أبي نواس يقول :((ثم هو لم يكتف
بهذا الدرس العميق العنيف لشعر أبي نواس البائس ،
وانما صنع هذا الصنيع نفسه بفلسفة فرويد وبكثير من
الدراسات العلمية التي قام بها جماعة من العلماء
بخصائص الشعوب البدائية قديمها وحديثها ولكثير من
الدراسات الدينية بعضها يمس الديانات السماوية
وبعضها يمس ديانات أخرى قديمة وحديثة ، ثم هو لم
يكتف بهذا كله ولكنه جمع ما استخلصه من كل هذه
العصارات المختلفة , عصارة أبي نواس وعصارة فرويد
وعصارات الدراسات المختلفة لأجيال الناس ،
وعاداتهم ودياناتهم فخالطها خلطا ومخضها مخضا
واستخرج منها كائنا غريبا عرضه علينا في كتابه هذا
وسماه ((أبا نواس)).....
ولكن من حقنا نحن بعد ذلك
أن نتحفظ اشد التحفظ حين نريد الحكم على منهجه في
الدرس الأدبي لهذا الشاعر الشقي العظيم أبي نواس
،وأول ما يدعونا إليه التحفظ هو أن أبا نواس شاعر
قديم ودراسة الشعراء القدماء لا تحتمل كل هذا
التمحيص الذي حاوله الأستاذ ، لأننا لا نعرف من
حقائق حياتهم إلا أقلها وأيسرها ، ونحن إن سألنا
التاريخ لم يكد ينبئنا من حياة أبي نواس بشيء ذي
بال ، إنما هي أطراف حفظها الراوة وعسى أن يكونوا
أضافوا إليها من أحاديث الناس ومن عند أنفسهم ما
ليس بينه وبينها سبب .
فإذا أردنا أن ندرس هؤلاء
الشعراء فالخير كل الخير أن نحتاط ونتحفظ ونتجنب
الجزم الذي يحتاج إلى استقصاء لا سبيل إليه ، فكيف
بالأستاذ النويهي حين أراد أن يطبق نظريات فرويد
على أبي نواس فزعم لها انه ضاق بأمه لأنها لم تفرغ
له ولم تمنحه من حبها وعطفها وحناها كل ما كان
يريد ، لأنها شغلت عنه بالقوت بعد أن مات والده ،
وكسبت القوت لنفسها ولابنها من وجه تقي أو ووجه
آثم اشد الإثم .وكان لهذا الحرمان الذي فرض على
أبي نواس حين انصرفت عنه أمه إلى العمل اخطر
الآثار في حياته فأنكر النساء جميعا لأنه كره أمه
، وكره أمه لأنه أراد عندها أشياء لم يبلغها
فأصابت نفسه هذه العقدة التي يسميها فرويد وأصحابه
عقدة ((أوديب )).وهكذا ينصرف أبو نواس في رأي
المؤلف إلى ذلك اللون من الحب الآثم ، والإدمان
على معاقرة الخمر ويقول طه حسين :((وكذلك يستقيم
للأستاذ تفسير رائع خلاب لحياة أبي نواس وشعره على
احدث المذاهب العلمية في التحليل النفسي وهو مذهب
لا عيب فيه ، إلا انه متكلف من أصله لا يقوم على
أساس من الفرض الذي عمد إليه المؤلف ليكون مبتكرا
مجددا ، أسرف على نفسه ، وأسرف على أبي نواس ،
وأسرف على قرائه آخر الأمر)).
ويعود من جديد ليشكك في
نظريات فرويد في التحليل النفسي كما فعل في نقده
للعقاد فيقول :((والعلماء المعاصرون لم يطمئنوا
بعد كل الاطمئنان إلى نظريات فرويد، ولا إلى ما
نشأ عنها من فنون التحليل النفسي الذي أصبح بدعا
شائعا في أوروبا ، وهام به الأمريكيون هياما شديدا
، فكيف وأنا لست مطمئنا إلى أن أصحاب فرويد وأصحاب
التحليل النفسي يرضون عما صنع الأستاذ بنظرياتهم
حين حاول أن يطبقها على شاعر قديم ، لم نكد نعلم
عن وقائع حياته الواقعية شيئا ذا خطر .
ثم يبين التناقض الذي حصل
عليه من منهجه في شخصية أبي نواس ((.....وكذلك
يستوي للأستاذ من أبي نواس رجل فتن بأمه ثم عزف
عنها حين فتن بحبه ذاك الأهم ، ثم شرب الخمر حتى
رأى شربها دينا ثم فتن بها فتنة جنسية ، ثم كلف
بإشكال العبادة المسيحية ، ثم كان مع هذا كله
مسلما صادق الإسلام.
وأمر أبي نواس أيسر من هذا
جدا ، وأقوى من هذا جدا ، وأروع من هذا جدا لو
درسه الأستاذ على انه شاعر ممتاز من شعراء الحب
والخمر والمجون ، ولو عني بأدبه وفنه وروعة شعره
أكثر مما عني بشخصه الذي لا نعرف من أمره إلا
قليلا ، وشخص أبي نواس بعد ذلك كشخص من شئت من
الناس ، اقبل على الدنيا فامتحن فيها بألوان الخير
والشر ، ثم صار إلى الله كما يصير الناس كلهم إلى
الله يعذبهم إن شاء ويتوب عليهم إن شاء ...
.....فليعمد الأستاذ إلى من
حوله من المعاصرين فيحلل نفوسهم كما يحب ويهوى
فأما أبو نواس وأمثله من الأدباء فنحن في حاجة إلى
أن نتذوق أدبهم ونستسيغه فنستمتع بما فيه من روعة
وجمال أكثر من حاجتنا إلى تحليل نفوسهم من غير علم
)).
ويفصح طه حسين هنا عن
اتجاهه في فهم الأدب ونقده وهو اتجاه ذوقي يعتمد
النص قبل الأديب ، ويعرض له من جانبه الجمالي ،
باعتباره فنا جميلا ، وما يتوفر فيه من خصائص
الجمال ، وهو جمال موضوعي في كل نص جميل .
المبحث الخامس
اتجاهه الجمالي الذوقي في
النقد :
يرى الجمال وحدة لا يختلف
حولها ((ذلك لان القديم والجديد لم يستمدا جمالهما
الفني من القدم والجدة وحدهما، وانما اسمتداه من
هذا الروح الخالد الذي يتردد في طبقات الإنسانية
كلها فيحل في كل جيل منها بمقدار ، وهو يتشكل في
كل جيل بالشكل الذي يلائمه ، ويتصور في كل بيئة
بالصورة التي تناسبها وهو من هذه الناحية مصدر
وحدة وفرقة للإنسانية ، مصدر وحدة وفرقة لأنه واحد
يجمع الناس مهما اختلفوا على الإعجاب والشعور
باللذة القوية ، ومصدر فرقة لان له من الإشكال
للأجيال والبيئات والمختلفة ما ينوعه ، ويخيل إليه
انه كثير ، نعم العربي والفرنسي ولانجليزي يشعرون
جميعا باللذة حين يقرأون خصومة أخيل وأجاممنون. لا
يحول اختلافهم الجنسي بينهم وبين هذا الإعجاب وهذا
الشعور باللذة و ولكنهم على اشتراكهم في الإعجاب
واللذة يختلفون في تذوقهم لهذا الشكل الخاص الذي
يتشكل به الجمال الفني في الإلياذة ، هذا يرضاه ,
وهذا ينبو عنه ، هذا يقف منه موقف غير المكترث ،
ذلك لان بين هذا الشكل وبين نفوس هؤلاء الناس صلة
تختلف قربا وبعدا ، وتتفاوت قوة وضعفا باختلاف
الجنسيات والبيئات والعصور ، ففي الجمال الفني كما
ترى ، وكما يقول الفلاسفة وحدة وكثرة ، فأما
الوحدة فهي جوهره ، وأما الكثرة فهي أغرضه )).
ويقول:((وإذاً فيخيل إليّ أن المثل الأعلى في الفن
إنما هو هذا النحو الذي يحقق هذا الجمال الفني
الخالد الواحد في أحسن صورة. وفي أشدها بالذوق
اتصالا ، وللنفس ملائمة ([11]))).
كان هذا قوله في كتاب حافظ
وشوقي، وقد أعاده مرة أخرى في ((خصام ونقد ))
بإلحاح وكرره وفصّل فيه قال ([12]):
((وأظن أن هذا كله يكفي لبيان ما أردت تبينه من
اختلاف للأدباء في جميع العصور حول الجمال الأدبي
أين يكون؟ ومن أين يأتي ؟ ولكنهم متفقون دائما على
أن الأدب لا يكون إلا جميلا ، لان طبيعته تقتضي
ذلك ، وهو لم يوجد إلا للسمو بالنفس إلى حيث تشهد
الرفيعة من الجمال ، شأنه في ذلك شأن غيره من
الفنون الجميلة ، فأنت لا تدري من أين يأتي جمال
الصورة التي تعجبك وتروقك : أتأتي من اللون أم
يأتي من شيء آخر وراء اللون ، وما عسى أن يكون هذا
الشيء . أنت تعلم حق العلم أنك قد ترى شخصا من
الأشخاص فلا يروقك ولا يشوقك ، ولا يقع من نفسك
موقعا ذا بال ، ولكنك ترى لهذا الشخص نفسه صورة قد
أتقن المصور تصويرها فتقف عندها وتطيل الوقوف ولا
تكره أن تعود إليها لتراها حينا بعد حين ، وأنت لا
تدري ما مصدر الجمال الذي يروقك ويبهرك حين ترى
تمثالا رائعا ، أهو مادة التمثال ! هيهات ، أنك
ترى هذه المادة على أصلها فلا تثير في نفسك شيئا ،
أهو موضوع التمثال ؟ هيهات ! أن موضوع التمثال
كأمر موضوع الصورة ، فما أكثر ما يصور المصورون
ويمثل المثالون معاني لا ترى قيما تحسها النفوس
والعقول ، وأنت حين تسمع لحنا مختارا رائعا فيسحرك
ويخطف نفسك فيسمو بها إلى حيث لم تكن تقدر أن تبلغ
، لا تستطيع أن تحدد هذا الجمال ، ولا أن تعرف
معرفة دقيقة من أين يأتي !))..
ويقول ((فخذ الأدب إذن كما
تأخذ الموسيقى والنحت والتصوير ، خذه على أنه متعة
لروحك وغذاء لقلبك وعقلك ، وليكن جمال الأدب حيث
يمكن أن يكون ، ليكن في الألفاظ والمعاني أو في
النظم والأسلوب ، أو في هذا كله ، والأدب في آخر
الأمر فن من الموسيقى يأتلف من هذه الأشياء كلها ،
من الألفاظ والمعاني والأساليب ، وما يعرض من صور
، وما يثير من عواطف ، وما يبعث من شعور ، فليكن
جماله شيئا شائعا لا يستطيع أحد أن يقول أنه ينحصر
في اللفظ أو المعنى أو في الأسلوب .
وإنما الشيء الذي يمكن أن
يكون فيه شك هو أن يكون شك هو أن الكلام لا يكون
أدبا حتى يوجد فيه هذا الجمال الذي تجده فيما
تنتجه الفنون الجميلة الأخرى ، وليكن موضوع الأدب
بعد ذلك ما يكون ، ليكن في الأرض أو في الجو أو في
نفس الإنسان وأعماق الضمير ، ليكن موضوعه جميلا أو
قبيحا ، محببا أو بغيضا ، فليس يعنيني من الأدب
إلا أن يحدث في نفسي ما يحدث الأثر الفني من
الشعور الرفيع بالجمال )).
ويقول ((حيثما وجد الجمال
في الكلام كان الأدب ، وحيثما خلا الكلام من هذا
الجمال كان ما شئت أن يكون ([13]))).
ويتضح بما لا يترك مجالا
للشك أن طه حسين لا يربط بين صورة الأدب ومضمونه ،
فهو يعتمد الفن في الأدب مهما كان موضوعه ملائما
للحقيقة الأخلاقية أو منافيا ، هابطا أو عاليا حسب
العرف ، أو المفهوم الموضوعي لما يتعرض له .
ولهذا فهو يهتم بالأسلوب،
لأنه مظهر الأدب، وفي جماله جمال للأدب، وتكون
المقاييس الأسلوبية عنده هي المعتمدة في نقد
الأدب. يقول: ((ونحتفظ بالمقاييس التي احتفظنا بها
دائما في نقد ما ينتج الكتاب والشعراء: صحة
المعنى، واستقامته وطرافته، وجودة الألفاظ ونقاؤه
وارتفاعه عن الركاكة والإسفاف على اقل تقدير ([14]))).
المبحث السادس
الأسلوب وخصائصه:
لما كان الأسلوب صورة
الأديب ، ومرآة نفسه وتجاربه ، فينبغي أن تكون هذه
الصورة مشرقة جميلة غير متكلفة ، صادقة غير كاذبة
أو خداعة ، وقد أصر طه حسين على تأكيد هذه المعاني
جميعا فيما تعرض له من نتاج الأدباء بالنقد
والتحليل فنراه يحمل على شوقي مثلا في قصيدة
((كمال أتاتورك )).
الله اكبر كم في الفتح
من عجب
يا خالد الترك جدد خالد العرب
فيقول انه ضحك عند سماع هذه
القصيدة ((نعم ضحكنا وأسينا حين قرأنا هذه القصيدة
، وأضحكنا مطلعها قبل كل شيء ، فكم عجبنا من ذكر
خالد ومقارنة مصطفى كمال به حين كان العالم الحديث
يضطرب بذكر القواد النابهين في الحرب الأخيرة ،
وحين كانت صورة هؤلاء القواد النابهين في الانتصار
والانهزام تملأ النفوس إعجابا ، أو حين كان الشرق
في ذلك الوقت الذي كان ، ذليلا يشوبه شعور بالعزة
وطموح إليها والذي كان أثرا من آثار هؤلاء القواد
، ضحكنا من قياس مصطفى كمال إلى خالد بن الوليد .
والحق أنا لا نعرف، امدح
شوقي مصطفى كمال حين قرنه إلى الفاتح العربي
القديم، أم ذمه ؟! ولم نكد نمضي في قراءة القصيدة
حتى ازددنا إغراقا في الضحك والأسى. وكنت تقول لي
أن هذه القصيدة أصدق دليل وأقواه على عجز القديم
عن تصوير الحياة الحديثة وفشل الشعر العربي العصري
في التعبير عما قصد إليه من إمتاع النفوس وأشعارها
لذة الجمال الفني )).
وما كان ذلك بطبيعة الحال
إلا لان شوقي لم يلائم بين أسلوبه وعصره ، ولم
يصدق في الانفعال والتجاوب مع تجاربه الشعرية.
وتراه يعيب الرافعي بالغموض
والتكلف الشديدين فيقول في ((كتاب رسائل الأحزان))
: ((فانا اعلم أن الأستاذ الرافعي قد تكلف مشقة لا
تكاد تعدلها مشقة في وضع هذا الكتاب )) ويقول:
((تظلم الأستاذ الرافعي أن قلت انه لا يشق على
نفسه في الكتابة والتأليف ، بل أنت تنصفه إن قلت
انه يتكلف من المشقة في الكتابة والتأليف أكثر مما
ينبغي ، ولقد كنت أريد أن أقول له انه ينحت كتبه
من الصخر ، ومالي لا أتبسط بعض الشيء فاقول إن كل
جملة من جمل هذا الكتاب تبعث في نفسي شعورا قويا
مؤلما بان الكاتب يلدها ولادة ، وهو يقاسي في هذه
الولادة ما تقاسيه الأم من اللام الوضع ، ولو انه
ظفر من هذه الآلام بشيء ، فأنت لا تجد لذة في
قراءة هذه الجمل المتعبة المكدودة التي شقت على
كاتبها وهي تشق على قارئها([15]))).
ويرى أن مثل هذا الأسلوب
الذي يكتبه الرافعي لا يوافق العصر ، ولا يوافق
الرافعي نفسه باعتبار أديبا يعيش في هذا العصر ،
فلا ينبغي له أن يصطنع أسلوبا باعد بيننا وبينه
مئات السنين ، ومثل هذا الأسلوب إذا كان موافقا
لمن يكتبون به من القدماء ، وموافقا لعصرهم الذي
عاشوا فيه ، فهو لا يوافق عصرنا ولا أدباءه البتة
.
وكان الرافعي قد نشر في
جريدة ((السياسة الأسبوعية)) رسالة على النمط
القديم قدم لها بقوله ((وقد كتبتها من النمط الأول
الذي هو فن من زينة البلاغة العربية يشبه بعض فنون
الزخرفة والتنسيق وهو حين يكون في هذه الرسالة لا
يكون أبدع منه شيء من الأساليب الأخرى )) ثم يورد
رسالته .
ويعلق عليها طه حسين في
الجريدة نفسها بقوله ((أما أنا فاعتذر للكاتب
الأديب إذا أعلنت مضطرا أن هذا الأسلوب الذي ربما
أهل القرن الخامس والسادس للهجرة لا يستطيع أن
يروقنا في هذا العصر الحديث الذي تغير فيه الذوق
الأدبي ، ولا سيما في مصر تغيرا شديدا)). ولا يعجب
الرافعي هذا القول فيبعث إلى طه حسين برده متهما
إياه في ذوقه وفي قدرته واعتباره لا يحسن هذا الفن
.ويوافق طه حسين الرافعي في انه لا يجيد هذا
الأسلوب وانه لا يريد أن يجيده )) لأن الذوق
الأدبي ولا سيما في مصر قد تغير ، ويقول ((ولنحي
الذوق الأدبي الجديد الذي يلائم حاجات الناس
وحياتهم )) ويقول مفسرا وموضحا ((لسنا نعيش عيشة
الجاهليين فمن الحمق أن نصطنع لغة الجاهليين ،
ولسنا نعيش عيشة الأمويين ولا العباسيين ولا
المماليك ، بل لسنا نعيش عيشة المصريين في أوائل
القرن الماضي ، فمن الإسراف أن نستعير لغات هذه
الأجيال وأساليبها لنصف بها أشياء لم يعرفوها،
وضروبا من الحس والشعور لم يحسوها ولم يشعروا بها...))
ويقول :((واتخاذ هذه الأساليب نقص أدبي ، لان
الكمال الأدبي يستلزم إن تكون اللغة ملائمة للحياة
،وهو نقص خلقي ، لأنه كذب للكاتب على نفسه وعلى
معاصريه وهو نقص من جهة أخرى ، لأنه لا يدل على
اقل من إن الكاتب ينكر شخصيته ولا يعرف لها
بالوجود وأي إنكار للشخصية اشد من ان تحس وتشعر ثم
تستحي إن تصف إحساسك ، وشعوره كما تجدهما فتستعير
لهذا الوصف أساليب لا تلائمه وضروبا لا تؤديه([16]))).
ويقول أن هذا الأسلوب كان
مستعذبا في مصر ثم انفض ذلك العصر فيجب أن ينفض
معه أيضا أسلوب التعبير.
ولا يرضى طه حسين عن أسلوب
العقاد ، لان فيه تكلفا وتعقيدا من نوع آخر غير ما
عرض له في أسلوب الرافعي ، فالعقاد وان كان يكتب
في أسلوب عصري لا أثر فيه للتصنيع والتزويق
البلاغي ، إلا أنه يتكلف له تلوينا عقليا . يقارن
طه حسين بين الرافعي والعقاد فيقول :
((كنت اصف العقاد في فصل
مضى بشدة الغموض أحيانا ، وقد رضي الأستاذ الرافعي
عن هذا الفصل وأنبأني انه لم يرض عن شيء مما كتبت
كما رضي عن هذا الفصل ، ولكني اعترف بأن غموض
العقاد أحيانا ليس شيئا بالقياس إلى غموض الرافعي
دائما ، فأنا لم أفهم مقدمة العقاد([17])
،ولكن فهمت كتابه كله ، أما كتاب الرافعي فقد قرأت
مقدمته فلم أفهمها ، فقلت كتاب ككتاب العقاد ،
فسأفهم رسائله بعد أن أعيتني مقدمته ومضيت في هذه
الرسائل ، فليتني ما مضيت ،لأنني أتممت الكتاب ولم
أفهم منه شيئا )).
وكتاب العقاد الذي يقصده هو
((مطالعات في الأدب والحياة )). ويقول فيه ((قرأت
مقدمة الكتاب فسخطت وضجرت وضقت ذرعا بالكاتب
وكتابه، وأكرهت نفسي على المضي في قراءته، ذلك
لأني لم أفهم من المقدمة شيئا )). ويقول : ((وإذا
فقد ضقت ذرعا بالعقاد وكتابه ، وبحثت في غير نفع
عن الجمال كما يريده العقاد في مقدمته ، وعن
الحياة كما يريدها العقاد في مقدمته ، فلم أجد ،
وقلت وجدت شيئا أكرهه ، وهو اني جاهل غبي قاصر عن
فهم العقاد فقلت وفوق كل ذي علم عليم وأخذت أفكر
في الغموض وأسبابه وانتهيت في ذلك إلى نظريات قد
يتيح الله لي من الوقت والفرص ما تمكننا من ذكرها
وتفصيلها ، ولكني اكتفي الآن بالإشارة إلى أن قلت
في نفسي إن من الغموض ما يصدر عن جهل وغفلة كغموض
قوم لا أريد أن اسميهم الآن لأني لا أريد أن أضيف
خصوما إلى خصوم ، وحسبي العقاد وأنصار العقاد ،
ومن الغموض ما يصدر عن إسراف في العلم والفلسفة ،
وقصور اللغة والبيان ، ومثلت لذلك بالعقاد أقولها
وأمري إلى الله ، ومن الغموض ما يصدر عن طول
اللسان وقصر العقل ،ومثلت لذلك بأديب ثرثار في غير
طائل ، ولكنه لا يخلو من أصل قيم )).
ومعاني العقاد , وآراؤه
تعجبه ، لكن تعبيره عن تلك المعاني والآراء هو
الذي يضايقه يقول: ((أعجبت بتوفيقه إلى التفرقة
بين حاجات القدماء والمحدثين ، وأعجبت بدقته في
فهم الهزل الأدبي والأدب الذي هو هزل كله ، أعجبت
بهذا كله إعجابا لا حد له ولا تحفظ منه لولا أن
لغة الكاتب لا ترضيني من كل جهة ، ففيها إهمال ،
وهي لا تخلو من غموض ، مصدره أن عقل الأستاذ أطول
من لسانه ([18]).
ويهتم بان تكون لغة الأدب
لغة صافية منتقاة ((تجري وفق قواعد اللغة الفصحى
،لان كل خلل يؤدي إلى تشويهها ومن ثم ، إلى تشويه
الأسلوب ، والنيل من رونقه ، وجماله ،ومن ثم من
متعة القارئ )).
وقد رأيناه يوجه اتهامه
للرافعي في تعنت في تحميل اللغة والأدب بها،وهو
قادر على صياغة ضروب من العبارات المزخرفة اعتمادا
على قدرته اللغوية ومحفوظة من النصوص القديمة ،
وهذا إسراف وتكلف في رأي طه حسين وهو كذلك ابتعاد
بالأسلوب عن دوره الحقيقي في أحاسيس الأديب
ومشاعره ، وميوله وشخصيته ، والتعبير بذلك عن
حياته المعاصرة ، وفيه ابتعاد كذلك عن تحقيق
الجمال المنشود في الأسلوب الجمالي الذي يرضي
الأذواق المعاصرة لا أذواق القدماء أو من ذهبوا
مذهبهم ممن أغلق على نفسه الأبواب وظل يحي حياتهم
غافلا أو مغفلا حياة العصر وذوق العصر .
ونراه يواجه الاتهام من
الجانب الآخر لجماعة ممن فرطوا في اللغة ، ولم
يرعوها حق الرعاية مثل هيكل إلى حد ما.
وفي نقده لكتاب ((جان جاك
روسو لهيكل)) يقول ([19])
((والناس جميعا يعلمون أن هيكلا على امتيازه الفني
وبراعته الكتابية يحسن لغته العربية ويتقنها
ويتصرف بها كما يحب وسخرها كما يشتهي وربما كانت
له في ذلك شخصية بارزة حين يختلج في نفسه الرأي
ويشعر بان اللغة قد تضيق برأيه فيكرهها على أن
تتسع، ويرغمها على أن تأتيه من الألفاظ ما هو في
حاجة إليه ، ولكني لا ادري أيعلم الناس أن صاحبنا
يكره التعمق في اللغة والإسراف في تجنب الألفاظ
القديمة وتخبر الألفاظ الحديثة المبتذلة : . ولقد
كانت بينه وبيني في ذلك مناقشات ومخاصمات حظ الهزل
فيها أكثر من حظ الجد ولكنها كانت على كل حال
مظهرا من مظاهر اختلافنا في الرأي أمام هذه
المسألة الفنية. وأنا أفهم حق الفهم أن يميل بعض
الكتاب إلى تخير الألفاظ المتقنة ، بل أنا أفهم حق
الفهم أن يتحرج بعض الكتاب في استعمال ألفاظ لا
يجدها إلا في المعاجم ، أنا أفهم هذا حق الفهم
وأفهم شيئا آخر ، وهو أن يطلق بعض الكتاب لأنفسهم
الحرية في استعمال ما يعرض لهم ما رضيت عنه
المعاجم اللغوية أو سخطت عليه ، أفهم هذين
المذهبين وأريد أن يتوسط بينهما ما استطعت إلى ذلك
سبيلا ، لأني أريد أن أحتفظ للغة بجمالها ولهجتها
من جهة ، وبحياتها وقوتها من جهة أخرى ، وأريد أن
أكون قادرا على أن أصف ما في نفسي، وألا أسلت ما
في نفسي هذه القدرة لأني لا أجد في المعاجم لفظا
يعجبني ويؤدي ما في نفسي ، ولكن هناك شيئا لا
أستطيع أن أفهمه ، وما أحسب أن أحدا يستطيع أن
يفهمه ، وهو أن يسرف في حريته اللغوية حتى يهدم
قواعد اللغة . ويتجاوز حدودها وقوانينها في غير
نفع ولا نكتة فنية ، ولا ضرورة قاهرة ، لا أستطيع
أن أفهم مثلا أن يذكر اللفظ المؤنث ، ويؤنث اللفظ
المذكر ، فقد تستطيع أن تكون حرا في اللغة بل
اباحيا ، ولكنك لن تستطيع أن تمنح هذه الحرية التي
لا خير فيها ولا نفع ، وأي فائدة تجدها وأي لذة
تظفر بها حين تضم فعلا يجب أن يكسر ، وتذكر لفظا
يجب أن نؤنث ، ومع هذا فانا أجد هذا النحو من
الخطأ اللغوي في كتاب صديقي هيكل .
ولست أريد أن أسرف ولا أن
أطيل في إحصاء هذا الخطأ ، وانما أريد أن أدل عليه
دلالة موجزة ، أريد أن أسأل كيف استطاع هيكل أن
يقول (وكان قدمه قد استقر يومئذ في الأدب) وهو
يعلم أن القدم مؤنثة لا مذكرة . أريد أن اسأله كيف
استطاع أن يقول (وإلا يكون من السخف حتى نضحى
رأينا هنا بسبب مثل هذا الري الأخرق )، ومتى كانت
حتى ظرفا مكانيا ،وإنما أراد هيكل أن يقول : وألا
نكون من السخف بحيث نضحى ....)([20]).
ونقد من الشعراء حافظا ،
يأخذ عليه كذلك التكلف ، في قصيدته في ارسططاليس ،
يقول في بيته :
بكتاب رسطاليس تا
ج نوادر الفلك المدار
ألم يثقل عليك ؟ ((أتحب هذه
الإضافات ؟ وما نعنى نوادر الفلك المدار ؟ ، وما
معنى تاج هذه النوادر وما نعنى أن يكون كتاب
ارسططاليس تاجا لهذه النوادر؟. اعترف أنى لا افهم
شيئا إلا انك سلكت هذه الطريقة الطويلة لتصل إلى
لفظ ((المدار)) فتظفر بقافية وتحشر في القصيدة
بيتا كنت تستطيع أن تزهد فيه وكذلك استبعدتك
القافية في قولك:
تزن الكلام
كأنه ماس بميزان التجار
فما ميزان التجار ؟ . وما
الحاجة إليه ألانها القافية ؟ )).
ومن الشعراء المحدثين أخذ
على ناجي ضعفه اللغوي، فقال بعد أن عرض لنماذج من
أخطائه: ((ومثل هذا الخطأ ومثل هذا التكلف كثير
جدا في الديوان، وكان الشاعر يستطيع أن ينفيه وأن
يبرأ منه لو أنه لم يخرج نفسه عن طورها ، ولم يعرض
لما لم ينبغي له أن يعالجه من الموضوعات ، ولو أنه
عنى باللغة والنحو ، وهذه النواحي التي يهملها
المحدثون حين يكتبون أو ينظمون ويحسبون أنهم
يجددون، وأن التجديد يبيح لهم أن يعذبوا اللغة ،
وان يمسخوها ، ويجهلون أو يتجاهلون أن أجمل
المعاني وارعوها يفسد أقبح الفساد إذا لم يؤد في
لفظ مستقيم جميل ([21]))).
ويتصل بالأسلوب الموسيقي التي يضمنها الشاعر شعره
، وهي عنصر من عناصره الهامة ، وليست قاصرة على
الوزن إنما هي ما ينتج من نظم الكلام ، وحسن
صياغته ، بحيث يكون له من الجرس ، ما يحلو في
الأذان ، وقد عرف في العربية شعراء بإجادتهم
لموسيقى الشعر ، ومن أقدمهم الأعشى وكذلك والبحتري
وشوقي ، وأبرز طه حسين هذا العنصر في نقده للشاعر
علي طه محمود فقال :((...وأريد أن أضيف إلى ما
يعجبني في شعره أنه حلو الأسلوب جزل اللفظ جيد
اختيار الكلام وأن لألفاظه ومعانيه رونقا أخاذا
تألفه النفس وتكلف به وتستزيد منه ، وأن في شعره
موسيقى قلما تظفر بها في شعر كثير من شعرائنا
المحدثين ، وأن استطاع أن يلائم إلى حد بعيد ، لا
بين جمال اللفظ وجمال المعنى فحسب ، بل بين
التجديد والاحتفاظ باللغة في جمالها ورونقها ،
وبهجتها وجزالتها ([22])....))
شاعرنا مغن شخصيته أقوى من بيئته ، وليس قصاصا ،
وبيئته أقوى من شخصيته..فهو حريص على الموسيقى ،
وهذا واجب عليه ، وأداؤه مشكور له ، ولكنه يحرص
على الموسيقى في الوزن أكثر مما يحرص عليها في
القافية ، وأظنه يسيء في القافية كثيرا، وليس
يعنيني أن يجد له عذرا عند أصحاب القوافي أو لا
يجد، ولكن الذي يعنيني أن القوافي يجب أن تلائم
السمع، وما أظن أن هاتين القافيتين تأتلفان لمكان
الواو الساكنة من أحداهما والباء الساكنة من
الأخرى ، وانظر إلى هذين البيتين :
|
روحك في روحي تبث
الحياة
فان جافها ذات يوم سناه
|
نزلت دنياي على
نورها
لاذت بليل الموت في قبرها
|
المبحث السابع
الخيال
كذلك يرى الخيال عنصرا من
عناصر الصورة الأدبية ويناقش موضوع الخيال حين
يعترض على نقد العقاد لخيال المعري فيقول: ((وما
الخيال ؟...إما إذا كان الخيال ملكة تمكن الشاعر
والكاتب من أن يخترع شيئا من لا شيء أو يؤلف شيئا
من أشياء لا ائتلاف بينها ، فلم يكن أبو العلاء
على حظ من الخيال ، لأنه لم يخترع في رسالة
الغفران شيئا من لا شيء ، ولم يؤلف بين متناقضات
ولكنا نعلم أن علماء النفس لا يسمون هذه الملكة
خيالا ، وانما يسمونها وهما ، وهم ينبئوننا أن
الخيال لا يخترع شيئا من لا شيء ، وانما يستمد
صوره ونتائجه من الأشياء الموجودة ، يؤلف بينها
تأليفا غريبا يبهر النفس ويفتنها . وإذا كانوا
صادقين – ونحسبهم صادقين – فحظ أبي العلاء من
الخيال في رسالة الغفران لا حد له )).
ويعترض على مغالاة علي
محمود طه في خيالاته الشعرية فيقول ((وأحب بعد هذا
كله ، أن أخاصم الشاعر في بعض مذهبه في الشعر ،
فيهو يغلو في الخيال أحيانا حتى يجاوز المألوف ،
ويتورط تورطا فاحشا فيما عاب النقاد به أبا تمام ،
فهو يجسم ما لا سبيل إلى تجسيمه ، وليس بذلك بأس
إذا لم يسرف فيه الشعراء وانما ألمّ به إلماما ،
أما شاعرنا فيغلو فيه غلوا فاحشا ، وما رأيك فيمن
جسم الليل حتى جعل له وصالا وعروقا وأجرى في هذه
العروق دما . وليت شعري كيف يكون دم الليل ، أجامد
هو أم سائل أناصع هو أم قاتم ، أحفيف هو أم ثقيل ([23]))).
وهكذا نتبين من اهتمام طه
حسين بالصورة الأدبية ، أو بصورة الأدب بجوانبها
المختلفة اتجاها واضحا إلى اعتبار الأدب صورة
مشرقة من المعاني والألفاظ والخيال المشرق الجميل
الذي وبينه وبين الشعراء والكتاب ، ورأيناه كذلك
في دراسات له وان اختلال عنصر من هذه العناصر يشوه
الصورة الأدبية ، مهما كان المعنى الذي يودعه
الأديب إياه ، أو الموضوع الذي يطرقه جليلا أو
عظيما .
ويتضح أن طه حسين يذهب في
هذا الرأي مع القائلين بان الفن للفن ([24])
بغض النظر، أو دون اعتبار لموضوع الفن سواء أكان
ذاك الموضوع ساميا ، أو منحطا ، يتمشى مع العرف
والأخلاق أو لا يتمشى ، يخدم المجتمع أو لا يخدم ،
ورأينا صدى أرائه تلك في مناقشات كثيرة بينه وبين
نقاد عصره. وبينه وبين الشعراء والكتاب ، ورأيناه
كذلك في دراسات له متقدمة ودراسات له متأخرة ، فهو
رأى إذا قد أرتأه واستقر عليه ونادى به في مطلع
حياته في دراساته عن شعراء المجون في العصر
العباسي ومكن له ، وألحّ فيه في مناقشاته مع كتاب
وشعراء محدثين من أتباع جماعة أبولو ومن جاء بعدهم
، بل هو يؤكده ولا يزال يصرّ عليه في معاركه مع
جماعة الاتجاه الواقعي في الأدب ، وهو الاتجاه
الذي ظهرت بوادره منذ سنة 1954.
صورة الأدب ومضمونه :
ونسبة لأهمية
أرائه في معاركه مع الواقعيين لأنها تكشف عن
مفهومه للأدب، ومفهوم هؤلاء نورد هذا الجانب ونعرض
لأصوله ، وقد عرضنا في الحديث عن الأدب والمجتمع
لطرف منه .
يقول : ((أيريد شبابنا أن
يأخذوا الأدب كما يجئ ، وان يقولوا لنا كما يقول
بعضهم لبعض ، وكما كان يقول ذلك التاجر القديم :
كما يجئ يكون ؟ أم يريدون أن يكون الأدب جميلا في
مادته وصورته جميعا ؟ والجمال لا يأتي عفوا إلا في
القليل النادر، وهو يحتاج أكثر الأحيان إلى فنون
من الجهد وصنوف من العناء ، والى كثير من الوقت
وكثير من المحاولة والمزاولة والمطاولة ، وما أحب
أن يظن الشباب من الأدباء أني أثيرهم رغبة في
إثارتهم ، أو تلهيا بما يكون من أمرهم حين
يثورون.... وانما يدفعني ما أراه من ميل الشباب
إلى التهاون في التعبير كما يتهاونون في التفكير
أحيانا ، تخطر لكثير منهم القضية فيسرع إلى
تسجيلها ثم يسرع إلى إخراجها للناس ، لا يحقق
معناه ، ولا يستأني به حتى يتم نضجه ولا يتأنق في
صورتها ، ولا يجد في تسويتها حتى تخرج نقية رضية
تستهوي النفوس ويحسن وقعها في القلوب([25]))).
ويقول إن اختلاف الناس قديم بين جمال الصورة وجمال
المعنى ، فبعضهم أعجب بمسلم بن الوليد لصنعه
ألوانا من الجمال الموسيقي في الألفاظ يناسب ما
بينها في ألوان من التجنيس والمطابقات ، وبعضهم
ضاق بمسلم بن الوليد وأعجب بابي تمام لاصطناعه
ضروبا من المعاني البعيدة الغور في شعره مما يجعله
صعبا على بعض الإفهام .
ثم يقول : ((وليس المحدثون
من الأوروبيين اقل اختلافا في ذلك من القدماء،
فمنهم من يؤثر جمال اللفظ والمعنى ، على أن يكون
هذا الجمال قريبا داني القطوف، لا تجد العقول ولا
الأذواق جهدا ولا مشقة في فهمه وذوقه والاستمتاع
به، ومنهم من ينأون عن هذا كله وينهون عنه ويضيقون
بالحياة كما يحياها الناس ، وبكل هذه الأشياء التي
ألفها الناس مصبحين وممسين ، ويلتمسون الجمال
الأدبي في حياة يبتكرونها هم ويخترعونها اختراعا ([26]))).
ولا يرى طه حسين الفصل بين
صورة الأدب ومادته ، على اعتبار أن الأدب في
مفهومه يتكون من ثلاثة عناصر هي : صورة الأدب
ومادته وجماله ([27]).
وإذا فهو لا يرى أن الأدب
الرفيع ينفصل عن مادته إذا ما تعرض لموضوع
اجتماعي مما يدور في الحياة في مستوى العامة لا
الخاصة ، وهو لا يأخذ بالفصل بين اللفظ والمعنى
كما قاله القدماء من علماء البلاغة ولا يأخذ
باتهام الواقعيين للأدب بان الصورة قد تنفصل عن
المضمون إذا لم ينزل الأدب إلى مستوى الجماهير
وواقع الحياة ، حتى ولو تعرض هذا الأدب (الرفيع )
لموضوعات من صميم حياة الجماهير واهتمامهم . والحق
أن طه حسين لا يبين في هذا الموضوع ، وتلتبس آراؤه
وتتشابك ، بل قد تصل إلى التناقض أحيانا .
ولا نستطيع أن نفهم موقف طه
حسين من الأدب من حيث الصورة والمضمون إلا إذا ما
تصورنا أن صورة الأدب هي لفظه ومعناه جميعا في شكل
جميل يلذ ويمتع كما يرى طه حسين والمعنى المقصود
هنا هو المعنى الجزئي ، وليس الموضوع أو المضمون
الكلي الذي يدور فيه الكتاب أو النص ، فإذا أخذنا
قصيدة مثلا موضوعها حريق الذي شب في قرية من قرى
مصر ، وهو مضمون اجتماعي ، للشاعر أن يتناوله من
أي جانب يشاء ، من جانبه الإنساني المحض أو من
جانبه الفردي وانعكاساته على نفسه ، ومشاعره
الخاصة .
وفي هذا التناول يصور
الشاعر بمعانيه وألفاظه وموسيقاه وخيالاته ما يشاء
تصويره من هذا الجانب أو ذاك ومن هنا قد يكون
الموضوع جميلا كوصف بحيرة جميلة ، وقد يكون قبيحا
منافيا للأخلاق كالتعرض لهذه الألوان من الشذوذ
التي تناولها أبو نواس وجماعة الشعراء المجان ، أو
لموضوعات تصور انحرافات من أي لون لا يرضى عنها
الناس وفقا للتقاليد ، ولكن قد يرضاها الأدب فيخرج
منها صورا جميلة تلذ وتمتع وان كانت قد تنافي
الدين والخلق جميعا .
وقد حدثنا القاضي الجرجاني
في الوساطة عن ضرورة التفريق بين موضوع الأدب
وصورته ، بهذا المفهوم الذي بينا ، واستشهد كذلك
بشعر أبي نواس ، وعرض الجاحظ للمشكلة نفسها من
جانب آخر حين قال إن المعول في الأدب والبلاغة على
اللفظ لان المعاني مبذولة في الطريق ، ولم يقصد
بطبيعة الحال معاني الشعر ، أو المعاني البلاغية
التي يبتكرها الكتاب ، إنما قصد موضوعات الأدب وهي
مما يقع تحت السمع والبصر في الحياة .
بهذا المفهوم إذن نستطيع أن
نواصل الرحلة مع طه حسين في مناقشاته لجماعة
الواقعيين ولا نحب أن نقول أن طه حسين قد تراجع عن
رأيه ، فبعد أن كان برناسيا ، وعربيا في اتجاهه
يجري على سنن أدباء العرب وبلغائهم أصبح تعبيريا
على مذهب جماعة التعبيريين أمثال بندتو كروتشه
وأضرابه الذي يرى أن الأدب تعبير .
ويرى أن دعوة الواقعية حين
تأخذ بمفهوم الوحدة بين الصورة والمضمون هي في هذا
كله إنما تصدر عن ميل للكسل وعدم الرغبة في الجهد
ومن مظاهر ذلك:
(أ) محاولة البساطة في
اغتراف الموضوعات من الشارع دون تخليص أو تنقية .
(ب) عرضها في لغة عامية أو
اقرب إلى العامية .
(جـ) الانفصال بين ما يصوره
هؤلاء الأدباء من تشاؤم في أدبهم، وبق واقع
حياتهم. وهكذا يرد الانفصال بين الحياة والأدب
إليهم والى أدبهم هم ((كتابنا الواقعيون إذن
يصطنعون واقعيتهم هذه اصطناعا، ولا يشتقونها من
طبائعهم، وهم مع ذلك يرون هذا صدقا في الفن، وليس
هذا من الصدق في شيء ([28]))).
المبحث الثامن
الالتزام في الأدب ولمن يكتب
الأديب :
حدثنا طه حسين عن رأيه في
صلة الأدب بالمجتمع ، ورأى أنها صلة تأثير وتأثر ،
وليست صلة إلزام والتزام ، ذلك انه لا يرى شيئا
يلزم الأديب ، وان الأديب أحسن ما يكون إنتاجا إذا
ما توفرت له الحرية والذاتية معا ، ولم يخضع لاي
لون من السيطرة ولم يرتبط بأي لون من الرباط
الملزم . يقول طه حسين : ((بل الحق الذي ليس فيه
شك هو ان أصحاب الأدب في سبيل الحياة )) إذا
سألتهم عن هذه الحياة التي يريدونها لم تجد عندهم
جوابا مقنعا ، وانما هي كلمة جاءتهم في بعض ما
يقرأون من الكتب والصحف والمجلات ، فأخذوها على
علاتها واستعملوها على غير تحقيق لها ولا تثبت
منها ، فليحذروا أن تفهم عنهم على وجه لم يريدوه
ولم يقصدوا إليه ، فقد يفهم منها العامة وأشباه
العامة أن الأدب يجب أن يسخر في سبيل الطعام
والشراب وما يشبه الطعام والشراب من الحاجات
المادية القريبة ، وقد يفهم منها بعض المثقفين أن
الأدب يجب أن يسخر لمذهب بعينه من مذاهب الإنسانية
الحديثة في السياسة والفلسفة والاجتماع ، وهو أن
الأدب يجب أن يكون مسخرا لإقناع العامة وأشباههم
بان الحياة مادة ليس غير وبان الروح وما يتصل به
من العقل والقلب والملكات المختلفة أساطير هام بها
القدماء وهي لا تغني عن الناس شيئا )).
ويرى طه حسين أن أصحاب
((الأدب في سبيل الحياة )) يتفقون معه على أن تلك
الحياة هي الحياة الإنسانية الطامحة إلى الرقي
والموالى الكمال بقدر الطاقة في جميع فروع النشاط
الذي تبذل فيه جهودها على اختلافها)).
ويقول ((وإذا اتفقنا على
ذلك فاني أتحدى أصحاب الأدب في سبيل الحياة
وأسألهم أن يدلوني على أدب قديم أو حديث لم يتجه
إلى إرضاء هذه الحاجة الإنسانية ..والى ترقية
الحياة الإنسانية الاجتماعية ونقلها من طور إلى
طور . وقد يذكرون أدب الذين يريدون الفن للفن،
ولكني انصح لهم بان يحتاطوا، فالذين يريدون الفن
للفن لا ترتفعون بأنفسهم عن الجماعات الإنسانية،
ولا تجعلون أنفسهم ملائكة. ولا يعيشون في السحاب ،
ولا يلتزمون هذه الخرافة التي تسمي التبرج العاجي
, ولكنهم يرون للجماعة الإنسانية نفسها كما يرون
لأنفسهم أن تخلص بعض وقتها وبعض نشاطها وبعض
ملكاتها للجمال من حيث هو الجمال ، ولأداة الجمال
التي هي الفن الرفيع أدبا كان أو تصويرا أو موسيقى
، أو ما شئت من الفنون الجميلة ، ويريدون للجماعات
الإنسانية كما يريدون لأنفسهم الارتفاع بين حين
وحين عما يتصل بالمنافع العاجلة القريبة إلى ما هو
أبقى منها وأرقى ، يرون حقا على كل إنسان لنفسه لا
انه اذكي للعقول ، وأصفى للقلوب ، وأنقى للأذواق ،
واطهر للطباع ، العملية أن يكون أخصب نشاطا ،
وأكثر إنتاجا ، وأكرم على نفسه من الذين يقفون
جهودهم كلها على إرضاء الحاجات وتحقيق المنافع
وقضاء المأرب)).
ويؤكد حرية
الأدب ، وحرية الأديب ، ويرى أن الالتزام على تلك
الصورة التي يدعو لها أصحاب الاتجاه الجديد تسخير
للأدب والأديب ، وهما اشد ما يكونان حاجة إلى
الحرية والانطلاق ، والى التحرر من كل ارتباط أو
قيد مهما كان شرف ذلك القيد وقيمته .
يقول ((وأنا
بعد ذلك لا أرى لأحد كائنا من يكون فردا أو جماعة
أن يكلف الأديب أو يوجه أدبه هذه الوجهة أو تلك ،
وأما الأديب حر أن يكتب ما يشاء ، ويكتب كيف يشاء
. والقراء أحرار يقرأون أن شاءوا ، ويقرضون أن
أحبوا، ويسخطون إن آثار فيهم الأدب سخطا ، ويرضون
إن أثار فيهم الأدب رضى وليس بين الأدب وبينهم
إلا هذا ، ليس لهم على الأديب أن يكتب لهم ما
يشاءون ، وليس الأديب عليهم أن يرضوا عن ما يكتب ،
وان لم يعجبهم ولم يقع منهم موقع الرضى ([29]))).
تلك عناصر
أصلية في منهج طه حسين في الدراسة الأدبية والنقد
، وإذا كنا قد اشرنا إلى تلك العناصر مفردة ،
فإنها تتضافر في منهجه ، وتضعف وتقوى حسب أطوار
حياته ، وحسب الزمن الملازم ، والظروف كذلك . فهو
على سبيل المثال. يؤثر المنهج لعالمي ، ويشرحه
ويؤكده في مطلع دراسته الأدبية ، لأنه رأى حاجة
الدرس الأدبي إليه ، وقد كانت تحكمه الفوضى
والسطحية . كذلك عمد إلى تأكيد مبدأ انفصال الأدب
عن الدين والأخلاق، وبحث النصوص على أساس العنصر
الجمالي وكان الحذر والخوف من الجامدين يحد من
حرية الباحثين ويضيق من أفاقهم.
وتراه يعمد إلى بيان أهمية
اللغة والأسلوب ، وضرورة مسايرته للأصول العربية
السليمة وضرورة توفير الجمال والكمال له في وقت
بدأت تغلب فيه على أساليب الأدباء موجة من التساهل
وعدم المبالاة ، والتدقيق ، متعللين بأنهم يجددون
وأنهم يكتبون بلغة العصر ، أو أنهم واقعيون يرون
ضرورة التلاؤم بين الأدب ومضمونه ، أو أن يكون
المضمون والصورة خلقا ممتزج العناصر فلا يرتفع
الأدب في العبير عن الواقع باللغة والأسلوب الذي
لا يجري فيه .
ومهما بدا من اختلاف في
درجات اهتمامه بعنصر أو أكثر من هذه العناصر دون
الأخرى ، فانه لم يجد عن هذا الهيكل العام الذي
حاولنا تصويره ، هذا الهيكل الذي يعتمد على دراسة
الحياة من خلا ل النص الأدبي ، الاهتمام بالأدب
قبل الأديب، الاعتماد في نقده على جمال الأسلوب في
معانيه وألفاظه ، موسيقاه وصدق تعبيره.
وان بقى شيء بعد ذلك، فهو
رأيه في النقد والناقد ثم نقده التطبيقي، لانتاج
الشعراء والكتاب، قدما ومحدثين،
ويرى طه حسين أن الناقد
ينبغي أن يتخلص من أهوائه قبل أن يعرض لنتاج أدبي
بالنقد وقد حاول أن يكون كذلك يقول في نقده لكتابي
((مختارات سلامة موسى)) و ((مطالعات في الأدب
والحياة)) للعقاد :((ومع ذلك فقد أخذت نفسي بان
أكون حرا في النقد ، وأمليت على نفسي موثقا من
الله لاكونن حرا مطلق الحرية ، ولأنسين في هذا
النقد صلات المودة والقربى , وعواطف الرضا والسخط
فقد يكون لي أن أتجاوز الخصومات السياسية ، وان
اجعل خلاف الأحزاب دبر أذني وتحت قدمي لأتحول كلمة
حق في الأدب ليس بينها وبين السياسة والأحزاب صلة
([30]))).
ثم يرى أن النقد تمحيص
للعلم والفن ودلالة على ما فيه من حق يجب أن يبقى،
وباطل يجب أن يزول. ((والنقد إذا حاجة طبيعية لكل
حركة عليمة أو أدبية أو فنية، ولكن النقد لا خير
فيه ولا نفع به إذا لم يكن حرا من كل قيد من هذه
القيود المنكرة التي تحول بين النقاد وبين أداء
واجبهم على وجهه([31]))).
الخلاصة
وهكذا استطاع
الدكتور طه حسين على الرغم من ظروفه الصحية
والبصرية والاجتماعية أن يشق طريقا جديدا في مجال
النقد المنهجي، وأن يكون هذا النقد على أساس علمي
منطقي نظري موضوعي بعيدا عن المنهج التأثري أو
الانطباعي أو المنهج الكلاسيكي الاتباعي.
وقد سار النقّاد
بعد ذلك على هذا الدرب طويلا على الرغم من أنهم من
البداية وقفوا منة موقف المستريب المتشكك والمتوجس
حتى استطاع الدكتور طه حسين بما له من قوة بصيرة
عوضته فقد البصر وأن يفتح الباب ويقوم مقام الفارس
الذي يقود الكتيبة .
وقد أصبح منهج
الدكتور طه حسين يوافق أحدث النظريات النقدية من
الشرق والغرب وأصبح له رواده ومؤيدوه الذين ساروا
على منهجه .
الدكتور
فاضل محمد عبد الله الزبيدي
كلية
الآداب – جامعة الكوفة
المصادر
1- في الأدب الجاهلي
للدكتور طه حسين طبعة القاهرة 1948.
2- حديث الأربعاء للدكتور
طه حسين جـ1،ط1،جـ3 1926-1945.
3- خصام ونقد للدكتور طه
حسين .
4- حافظ وشوقي للدكتور طه
حسين القاهرة 1933.
5- طه حسين في عيده السبعين
مجموعة دراسات طبعة وزارة الثقافة .
6- من حديث الشعر والنثر د.
طه حسين القاهرة 1936.
7- طه حسين الكاتب والشاعر
محمد السيد كيلاني
8- مع طه حسين سامي الكيالي
.
9- مجلة الملاك عدد أول
فبراير 1966.
|