|
العــولــمــة
ظاهر عبد الجبار
لقد كثر الحديث عن العولمة
في السنوات العشر الأخيرة من القرن العشرين بعد
سقوط
الاتحاد السوفيتي، فتناولتها
بالحديث الأوساط الجامعية والإعلامية والتيارات
الفكرية والسياسية
المختلفة، وأصبحت حديث الاجتماعيين والفلاسفة
الأوربيين وعلماء
البيئة والطبيعة وكثرت
أعداد الندوات والمؤتمرات والمحاضرات التي تحمل
عناوينها (العولمة)
أو(النظام العالمي الجديد) أو المتغيرات الدولية
الجديدة أو الكونية.
مقدمة
تستدعي المرحلة التأريخية
التي يمّر بها عالم اليوم
على أثر مفهوم العولمة
الذي يطرح نفسه بقوة ،إيجاد منهجية وصياغة ثقافية
للمواجهة
انطلاقا من أسس
ومرتكزات فكرية نابعة من المادة القيمية لدى
الشعوب والتي كانت ولا
تزال أكثر المواد قدرةً
على العطاء وأكفأها على اكتشاف الحلول للقضايا
المصيرية
التي يواجهها الانسان
.
لقد كثر الحديث عن العولمة
في السنوات العشر الأخيرة من
القرن العشرين بعد سقوط
الاتحاد السوفيتي، فتناولتها بالحديث الأوساط
الجامعية
والإعلامية والتيارات
الفكرية والسياسية المختلفة، وأصبحت حديث
الاجتماعيين
والفلاسفة الأوربيين
وعلماء البيئة والطبيعة وكثرت أعداد الندوات
والمؤتمرات
والمحاضرات التي تحمل
عناوينها (العولمة) أو(النظام العالمي الجديد) أو
المتغيرات
الدولية الجديدة أو
الكونية.
ويبدو الاختلاف بين العلماء
والمفكرين، من جهة
ثالثة، في الزاوية التي
يركز عليها كل فريق منهم، فالبعض يذهب حين تحديد
ماهية
مفهوم العولمة للتركيز على
الآثار السلبية أو المضعفات الثقافية والاقتصادية
والاجتماعية والسياسية
للعولمة، والتي بات العالم بأسره يعاني من ويلاتها
بما في
ذلك دول العالم الغني،
والتي عادت ما يُنسب لها منشأ العولمة. إن أصحاب
هذا المذهب
يمثلون الفريق المعارض
أو النابذ للعولمة.
في مقابل هذا الفريق نجد
فريقا ثانيا
يؤكد على بعض
الإيجابيات التي تتضمنها ظاهرة العولمة والتي من
أبرزها:
· الانفتاح على
العالم
· والتبادل
الثقافي والاقتصادي التجاري
· وشيوع مبادئ
الديموقراطية بالمنظور الغربي
· وتأكيد قيم
احترام الإنسان في
الحياة العامة
.
وإن كانت فئة من المثقفين
العرب تعاملت مع العولمة بنظرة
المستشرقين مما يجوز
نعتهم بـ(المستشرقين الجدد) وفئة أخرى تعاملت معها
على خلفية
نظرية المؤامرة!.
في مقابل هذين الفريقين
نجد فريقا ثالثا يقف موقفا متحفظا من
التغيرات العالمية
الجديدة (مؤشرات عصر العولمة)، هادفا، هذا الفريق،
تجنب مساوئ
العولمة والتي منها:
· انتشار الجريمة
المنظمة والجرائم الحديثة
· والفساد
الإداري
· وجرائم
المخدرات والانحلال الخلقي
· والعنف
والإرهاب
· وضعف قدرة
النظام الداخلي على الإمساك
بزمام الأمور بالدولة
· وأزمة المديونة
للعديد من المجتمعات
النامية
· وارتفاع معدلات
الهجرة
· وازدياد عدد من
هم تحت خط
الفقر..الخ..
كذلك يهدفون الى استثمار
مميزات العولمة أو محاسنها والتي من أهمها
التطور الحادث في مجال
التقانة (التكنولوجيا) وبخاصة في مجال التصنيع
والإعلام
والاتصال واستخدام
الطاقة ...
ويرى متزعموا هذا الفريق أن
النجاة من مضاعفات
العولمة تتمثل فيما
يُصطلح عليه (بالفضاء الجغرافي، والمجال الحيوي)،
وتتلخص هذه
الفكرة في ضرورة أن
تتكتل الدول القزمية ذات المجال الجغرافي المتقارب
في مجال حيوي
يناسبها تجنبا لجبروت
الدول العملاقة والاتحادات الكبيرة، وهذا ما يضمن
لها مكانتها
بين الدول والتكتلات
الأخرى القائمة في الغالب على أساس من المصلحة
والتبادل
الاقتصادية والتجاري([1]
.
وما زال الحديث عنها ساخناً
كونها تشكل محكاً مهماً
من شأنه أن يؤثر على وعي الناس وحياتهم الاجتماعية
والاقتصادية والثقافية
والسياسية وما شابه ذلك.
البداية
ان القول بشكل مباشر أو غير
مباشر، أن العولمة ظاهرة قديمة،
قول مأخوذ بالتشابه في
العامل الجغرافي بين العولمة وأحداث تاريخية قديمة.
ومن
الأهمية البالغة
التنبيه الواضح أن المراحل والحقب التاريخية
لايمكن التوقف عند
جوهرها بالاستناد إلى
العامل الجغرافي، ففتوحات الاسكندر والفتوحات
الإسلامية، ونشر
الأفكار المسيحية أو
غيرها ليس عولمة، ذلك أن العولمة لايمكن ملامسة
جوهرها
وأبعادها بالاستناد إلى
العامل الجغرافي...
إنها ظاهرة جديدة
ومرحلة من مراحل
الرأسمالية حيث:
· وتائر جديدة
للتمركز
· وجنوح
الاحتكارات
الكبرى نحو التنوع
الشامل لأنشطتها
· وتشكل
للاحتكارات مافوق القومية
وعمليات اندماج
· وتطور هائل
للقوى المنتجة بما فيها العلم
· ومنجزات
متعاظمة الإنتاجية وفروع متنوعة للمعلوماتية.
ان أوّل من تبنى فكرة مفهوم
العولمة اجتماعيا عالم السسيولوجيا الكندي
مارشال ماك لكنها في
التداول السياسي قد طرحت من قبل كتاب أمريكان في
السبعينات
وبالتحديد من كتاب(ماك
لولهان وكينتين فيور) حول(الحرب والسلام في القرية
الكونية)،
وكتاب (زبيغنيو بريجسكي)
:( بين عصرين- دور أمريكا في العصر الإلكتروني)([2])...
ولقد صدرت كثير من المؤلفات
باللغات الأوربية
والعربية التي تتناول
هذه الظاهرة، لدرجة أن المرء يكاد يحار في كيفية
دراسة هذه
الظاهرة والإلمام
بموضوعها، خاصة أن كل كاتب أو متحدث يتناولها
بالدراسة والتحليل
من جانب معين مثل
الجانب الاقتصادي أو الثقافي أو السياسي أو
الإعلامي.
بعدما
تغّيرت خريطة الصراع
السياسي العالمي في أعقاب انهيار الاتحاد السوفيتي
وبروز ملامح
ومنطلقات المد الإسلامي
بدأ التعامل الغربي مع هذه الخريطة الجديدة يختلف
عن أسلوبه
التقليدي المعهود
والمتمثل بعمليات الاجتياح العشوائي للبلدان
.
بدأت الولايات
المتحدة الامريكية
تطالب بغنائم الحرب الباردة كمرجع سياسي وثقافي
ونتائج عملية
للحرب التي كسبتها، ولم
يقتصر هذا النشاط على طبقة الساسة ، بل برز بشكل
واضح على
ألسن المثقفين
والمفكرين .
قال جورج بوش في تقرير تلاه
أمام الكونغرس الأمريكي
في كانون الثاني عام
1991م :
« لم تسقط الماركسية
تلقائياً ، لقد واجه الغرب
الشرق في حرب باردة ،
وقد خسرت الماركسية الجولة
»([3]) .
ولم يأخذ بنظر الاعتبار
الأسس والمتبنيات الذاتية للماركسية والتي أدّت
إلى
انهيارها وانتهاء قدرتها
الحركية على السير والمواجهة قبل غيرها ، ولا يوجد
رأي آخر
وثقافة بديلة يمكن أن
تحلّ في ساحة الصراع وتوازن القوى الثقافية
والسياسية
المتصارعة
.
فوكوياما
ومعظم الأفكار والأطروحات
الغربية التي تتناول دراسة ظاهرة
العولمة تقوم على ما
طرحه الكاتب الأمريكي الياباني الأصل (فرانسيس
فوكاياما)في
كتابه (نهاية التاريخ
والإنسان الأخير) والتي يزعم فيه:
1. إننا وصلنا إلى
نقطة حاسمة في التاريخ
البشري تتحدد بانتصار النظام الرأسمالي الليبرالي
والديمقراطية الغربية
على سائر النظم المنافسة لهما.
2. أنّ العالم قد
أدرك
بعد فترة حماقة طويلة أن
الرأسمالية هي أفضل أنواع النظم الاقتصادية.
3. إن
الليبرالية الغربية هي
أسلوب الحياة الوحيد الصالح للبشرية.
4. إن الولايات
المتحدة الأمريكية
وامتدادها الاقتصادي القيمي (النظام الرأسمالي
المادي- أوربا)
يمثلان الدورة النهائية
للتاريخ.
5. إنّ الإنسان
الغربي هو الإنسان الكامل
الأخير)([4]).
وبداية الامر ان فرانسيس
فوكاياما كتب مقالة اشتهرت باسم ( فتيل العصر
الجديد ) عام 1989،
وكتبت حولها الكثير من المقالات النقدية
والتعليقات حيث أطلق
فوكاياما بشارته !
قائلاً : ( إن عصر نهاية العالم قد حان بانهيار
الشيوعية ، وهذا
العصر بمثابة نهاية
التاريخ وعليه فإننا في العالم الخارجي نرى إننا
بلغنا الكمال
التاريخي أي بمعنى
حققنا عالمية النظام الديمقراطي الليبرالي لإرادة
المجتمعات)([5]).
وقد أعتبر فوكاياما بكلامه
هذا إن الرأسمالية هي النتاج
الأخير للعقل البشري ،
حيث تستقى كل التحركات الفكرية عند هذا عند هذا
الحد وعلى
هذا المكسب.
وتتجلى ـ عنده ـ ضرورة
عولمته كأفضل رؤية يمكن للبشرية إن تقود
مجتمعاتها على ضوئها .
وحين ركن فوكاياما إلى شيء من الموضوعية في البحث..
أشار
فوكاياما إلى ذلك آخذاً
بنظر الاعتبار أن الجمهورية الإسلامية في إيران هي
أبرز
مصاديق هذا التيار الثقافي
والسياسي ، لكنه رجع إلى نزعته المادية في البحث
مُطمئناً من حوله :
(وطالما لم تطبق النظرية الليبرالية في الاقتصاد
فلا انتعاش ولا
نمواً اقتصادياً في هذا
البلد )...
ويضيف : ( إن الأصولية
تتصدر البورصة في
العالم الإسلامي اليوم
، ولكنها ستأفل هي الأخرى وهي لن تلقى رواجاً
وإقبالاً خارج
المجتمع والعالم
الإسلامي ، وعليه فإن هذه الحالة ليست بالمقاومة
المهمة التي تذكر
، وإننا بلغنا نهاية
العالم ) .([6]).
فالعولمة إذاً
( ليست مجرد آلية من
آليات التطور الرأسمالي بل هي أيضاً بالدرجة
الأولى إيديولوجيا
تعكس إرادة الهيمنة على
العالم )([7])..
لكنها ايضا ضرب من
التغير الاجتماعي
change Social الحادث
على المجتمعات الإنسانية، فالعولمة لا تعدو
أن تكون نقلة من
النقلات التي تخطوها المجتمعات الإنسانية نحو مزيد
من التعقيد
الاجتماعي المادي،
والاعتماد على التقانة المعقدة.
والفارق الجوهري ما بين
التغير الاجتماعي
والعولمة يكمن باعتقادنا في أن التغير يشير إلى
أي نوع من أنواع
التبدل أو التحول
الحادث على تركيبة المجتمع سواء كان هذا التغير
إيجابيا أو سلبيا
تقدميا أو انتكاسيا
سريعا أو بطئا عميقا أو سطحيا
..
أما العولمة فهي حالة من
التغير تشير إلى تحول
المجتمعات الإنسانية نحو مزيد من التعقيد
الاجتماعي
والاقتصادي والسياسي
والتقاني .
هذا هو مفهوم العولمة
باختصار عند مروجه
فوكوياما ، حيث يعتمد
بصورة رئيسية على إلغاء هدفية التاريخ ، والتركيز
على تحركه
تلقائياً نحو (نموذجه
الاخير) وفق نظرة ( هيغلية ) ، وتوقف حركته.
ومن هنا وجدت
الفلسفة الإعلامية
الغربية في أفكار وأطروحات (فوكوياما) مادة دسمة
تعكس رؤية الغرب
تجاه العالم المعاصر.
والعولمة ترتبط في أذهان
الكثير من الناس بالتقدم والرقي
والانفتاح الاقتصادي،
ومع أن مفهوم العولمة لا يقتصر على الجانب
الاقتصادي بل يشمل
الجوانب الاجتماعية
والبيئية، والثقافية،والسياسية،إلاّ أنّ الجانب
الاقتصادي هو
أبرز مظاهر العولمة.
ولكن ما حدث ان هذه الاحلام
ترتطم بالواقع المر الذي صنعه
قطيع من السماسرة
يدعونهم القطيع الالكتروني يمتلكون المال الكثير
والشركات
العملاقة والنفوذ
الاقتصادي والسياسي الذي باستطاعته ان يستخدم
تقنيات مذهلة في
ادارة الاعلام
والمعلومات..
لهذا فهنالك في العالم
العربي والاسلامي من يعتقد ان
هؤلاء الذين امتلكوا
مفاتيح( القوة ..السلطة.. المال.. الاعلام المدموج
..المعلومات..
والخبراء، ويسيطر عليهم الحس المصلحي المطلق بلا
شعور سام بالانسانية
قد بدأوا يبشرون بعالم
مفتوح بلا حدود بلا جغرافيا او افكار او حكومات او
ثقافات
بحيث يتحول العالم الى
قرية صغيرة تحت سيطرة اقطاعي متجبر يمتلك كل شيء
حتى الرقاب
ويتصدق بالفتات على
اهالي تلك القرية([8]).
الدلالة الاصطلاحية والمفهوم
المهتمون بقضية العولمة
متفقون تقريباً
على أنّ الكلمة جديدة
ولكنّ ما تصفه ليس بجديد، بل يرى بعضهم أنّ السير
نحوها بدأ
منذ مئات السنين.
ولقد أصبح مصطلح العولمة
متداولاً منذ بداية التسعينات،وأصبح
علماً على الفترة
الجديدة التي بدأت بتدمير جدار برلين عام 1989م
وسقوط الاتحاد
السوفييتي وتفككه،
وانتهت بتغلّب النظام الرأسمالي الغربي على النظام
الشيوعي،
وانفراد الولايات
المتحدة الأمريكية بقيادة العالم المعاصر.
والعولمة ترجمة
لكلمةMondialisation
الفرنسية ، بمعنى جعل
الشيء على مستوى عالمي، والكلمة الفرنسية
المذكورة إنّما هي
ترجمة(Globalisation )
الإنجليزية التي ظهرت
أولاً في الولايات
المتحدة الأمريكية،
بمعنى تعميم الشيء وتوسيع دائرته ليشمل الكل، او
هي : إكسابُ
الشيء طابعَ
العالمية،وبخاصة جعل نطاق الشيء، أو
تطبيقه،عالمياً([9]).
فهي إذا مصطلح يعني جعل
العالم عالمًا واحدًا، موجهًا
توجيهًا واحدًا في إطار
حضارة واحدة ، ومن خلال المعنى اللغوي يمكننا أن
نقول بأنّ
العولمة إذا صدرت من
بلد أو جماعة فإنها تعني: تعميم نمط من الأنماط
التي تخص ذلك
البلد أو تلك الجماعة ،
وجعله يشمل العالم كله.
ويرتكز مفهوم العولمة على
التقدم
الهائل في التكنولوجيا
والمعلوماتية ، بالإضافة إلى الروابط المتزايدة
على كافة
الأصعدة على الساحة
الدولية المعاصرة.
لقد ظهرت العولمة أولاً
كمصطلح في مجال
التجارة والمال
والاقتصاد، ثم أخذ يجري الحديث عنها بوصفها نظاماً
أو نسقاُ أو حالة
ذات أبعاد متعددة،
تتجاوز دائرة الاقتصـاد، فتشـمل إلى جانب ذلك
المبادلات والاتصال
والسياسة والفكر
والتربية والاجتماع والأيديولوجيا.
ويحاول محسن الخضيري في
كتابه (العولمة) تعريف
مفهوم العولمة والوقوف على أهم جوانبه فيقول : أن
العولمة
مفهوم يعبر عن حالة من
تجاوز الحدود الراهنة للدول إلى آفاق أوسع وارحب
تشمل العالم
بأسره، أي بمعنى أن
العولمة تمثل الانفتاح على العالم والتأثير
الثقافي المتبادل
بين أقطاره المختلفة
.
ويحدد أهم مؤشرات
العولمة بالآتي :
1.حرية حركة السلع
والخدمات والأفكار
والتبادل الفوري دون حواجز أو حدود
.
2. تحول العالم إثر
التطور التقني والتيار
المعلوماتي إلى قرية كونية صغيرة بل كوخ إلكتروني
.
3. ظهور نفوذ وسطوة
الشركات متعددة ومتعدية الجنسيات وفوق القومية
.
4. بروز تيارات
فكرية منادية باحترام
حقوق الإنسان وآدميته ورفع الاستعباد والجور
والطغيان والتعسف
وكل أشكال الهيمنة
والقهر([10]).
والعولمة في نهاية المطاف (
جملة من التطورات المعقدة التي طرأت على
تركيبة المجتمعات
الإنسانية الاقتصادية والاجتماعية والسياسية
والثقافية إثر بزوغ
جملة من المتغيرات
جراء خروج العالم من مرحلة التحديث الاجتماعي
ودخوله في مرحلة
ما بعد التصنيع الثقيل
والاتجار الحر، والحرب النووية
) .
ويؤدي هذا الفكر إلى
أنه لا سبيل إلى النمو
الاقتصادي والاستقرار السياسي إلا عبر تدويل
الأعمال (أو
العولمة )، وأنه لا مفر
من ترك الأموال والمنتجات والأعمال والناس لتتحرك
بحرية من
دولة إلى أخرى دون قيود.
وبناء على هذا الفكر تمت
الموافقة على الاتفاقية
العامة التجارة
(GATT) وهي ما يطلق
عليها (الجات)، وبمقتضى هذه الاتفاقية تمنح
الحرية لتدفق السلع
ورؤوس الأموال والأعمال بين الدول، وعلى الدول أن
تخفض الرسوم
الجمركية والضرائب
والقيود على الأعمال والتجارة ورؤوس الأموال.
ولذا يعرِّف
الدكتور إسماعيل صبري
عبد الله العولمة فيقول أنها: (التداخل الواضح
لأمور الاقتصاد
والاجتماع والسياسة
والثقافة والسلوك دون اعتداد يذكر بالحدود
السياسية للدول ذات
السيادة أو انتماء إلى
وطن محدد أو لدولة معينة ودون حاجة إلى إجراءات
حكومية)([11]) .
والخلاصة : فكلمة
العولمة باللغة العربية، والبعض
سماها بـ(الشوملة)، هي
ترجمة للكلمة الإنجليزيةGlobalization
والكلمة الفرنسية
Mondialisation فالكلمة
تعني وضع الشيء على مستوى عالمي، أو تعميم خاص
وطني ليصبح
عالميا([12])..
و هي مسعى لإزالة
الحدود والموانع ما بين
الدول للسماح بحرية
الأفكار والثقافات والأموال والسلع دون قيود
تفرضها السيادة
الوطنية أو الخصوصيات
القومية.
ومن هنا تأتي التخوفات
من العولمة، ففتح الحدود
وإلغاء السيادة القومية
يجعل العالم سوقاً مفتوحة يحكمها مبدأ البقاء
للأصلح
والأقوى: الأقوى
ثقافياً والأقوى اقتصادياً.
وحيث أن المروِّج
للعولمة والمدافع
عنها هي الدول المتقدمة
صناعياً فهذا معناه إنها المستفيدة من العولمة؛
1. لأن اقتصادها
أصبح من القوة والتضخم بحيث لم تعد الحدود والسوق
الوطنية.
2. وتكون قادرة على
الاستجابة لمتطلبات هذا الاقتصاد المتضخم.
3. ولأن اقتصادها
وثقافتها ومجتمعاتها في
منعة من التهديدات الخارجية التي قد تفرزها
العولمة.
النظام العالمي الجديد
أما مصطلح النظام العالمي
فيبدو أنه لغة للتعبير
عن طموح نحو إيجاد نظام
سياسي عالمي تهيمن فيه أو تفرض فيه قوة وحيدة أو
تحالف
قوى,هيمنة سياسية إنطلاقاً من
مصالحها المادية ونظرتها الفلسفية (أساساً من حيث
مصالحها المادية) على
أكبر قدر ممكن من دول وشعوب العالم.
هذا النظام العالمي هو
آلية لممارسة سياسة
للتأثير,تنطلق وترتكز على المصالح التي تسعى إليها
أو
تدافع
عنها مجموعة القوى
العظمى.
في مرحلتنا الراهنة تمحورت
هذه القوى العظمى وليس ثمة
ضرورة تدعو الى أن يكون
لهذا النظام علاقة بالثقافة والحضارة، يمكن أن
يتعايش
ويتفاعل مع ثقافات
متنوعة ومختلفة ومع أنماط حضارية مختلفة. إن جوهره
هو ممارسة
السلطة لمصلحة نظام
المصالح الغالب.
وفهم مسألة العولمة غير
ممكن دون بحث
التطورات التي استجدّت
على النظام الرأسمالي العالمي والتحولات التي جرت
فيه.
فالعولمة ليست مجرد مجموعة
سياسات تفرض على العالم الثالث فحسب كما قد يبدو
على
السطح، بل هي قبل ذلك مرحلة
محددة من مراحل تطور الرأسمالية في طورها
الإمبريالي.
فالتوجه الحالي للنظام
الدولي الجديد في إضعاف الدولة الوطنية
والثقافة الوطنية ،
خاصة في العالم الثالث، جاء عند نقطة محددة من
مراحل تطور
الرأسمالية ليعكس من
جهة المصالح الاستراتيجية للقوى المهيمنة على هذا
النظام، وهي
رأس المال المالي
الدولي، وليعكس من جهةٍ أخرى تطوراً نوعياً في قوى
الإنتاج ومن ثم
في علاقات إنتاج تصبح
الآن معولمة .
ان مصطلح النظام العالمي
الجديد استخدمه
الرئيس الأمريكي جورج
بوش-الأب- .. ففي معرض حديثه عن هذا القرار، تحدّث
عن فكرة :عصر
جديد ، وحقبة للحرية ، وزمن للسلام لكل الشعوب([13])...
وربّما يوحي هذا
الإطلاق- النظام العالمي الجديد- بأن اللفظة ذات
مضامين سياسية
بحتة، ولكن في الحقيقة
تشمل مضامين سياسية واقتصادية وثقافية واجتماعية
وتربوية،
بمعنى آخر تشمل مضامين
تتعلق بكل جوانب الحياة الإنسانية، وهو مافعلته
العولمة حين
فرضت نفسها على الحياة
المعاصرة، على العديد من المستويات، سياسياً
واقتصادياً،
فكرياً وعلمياً،
ثقافياً وإعلامياً، تربوياً وتعليمياً.
العولمة ثقافيا
تحدي العولمة الاقتصادية لا
يكون بأدوات اقتصادية فقط ،
بل يتطلب الأمر
الاشتغال على ثلاثة أبعاد مترابطة:
-
1. البعد الاقتصادي
الخالص
المرتبط بعلاقات
الإنتاج والاستثمار وتطوير البنى الاقتصادية التي
هي في مجتمعاتنا
متخلفة.
وهذا يتطلب الاقتراب
المحسوب من نمط اقتصاد السوق، الأمر الذي يحتم
توسيع السوق العربية او
الاسلامية إما بإحياء السوق العربية المشتركة أو
تأسيس
منطقة تجارة حرة عربية أو
إعادة النظر في الشركاء الاقتصاديين التقليديين
بالانفتاح
على أسواق جديدة كدول
جنوب شرق أسيا والصين واليابان..
2.
البعد السياسي للاقتصاد، حيث يتأكد تلاحم الاقتصاد
مع السياسة يوماً بعد يوم،
فالقول بوجود نخبة
ليبرالية كشرط لنجاح اقتصاد السوق يحيل للشأن
السياسي أي لشرط
الليبرالية السياسية،
حيث أكدت تجارب التاريخ أن التنمية الاقتصادية
كانت مرادفة مع
التنمية السياسية،
فنادراً ما نجحت نظم استبدادية في تحقيق تنمية
اقتصادية
حقيقية.
وحيث أن غالبية نظمنا
السياسية ليس فقط مستبدة سياسياً بل مستبدة بخيرات
البلاد و متحكمة في
الثروة الوطنية، لوجود توازٍ ما بين توزيع الثروة
وتوزيع
السلطة، فان التحدي
الاقتصادي يستتبع إعادة النظر في بنية النظم
السياسية القائمة
وذلك بوضع آليات لتداول
السلطة، وضرورة الفصل بين الثروة والسلطة أو بين
النخبة
الاقتصادية والنخبة
السياسية، فالجمع بين الطرفين جعل السلطة أكثر
استبداداً
والثروة أقل وطنية.
4.
البعد الثقافي، منذ قرن من
الزمن كتب ماكس فيبرMax
Weber كتاباً بعنوان
«الأخلاق البروتستانتية وروح الرأسمالية» أكد فيه
وجود علاقة
ما بين التطور
الاقتصادي ونوع الثقافة السائدة في المجتمع، من
خلال دراسة مقارنة ما
بين اثنى عشر نسقاً
ثقافياً مسيحياً وغير مسيحي.
وبالرغم من قدم هذه
الدراسة
والتحولات التي عرفتها
الأنساق الثقافية عبر العالم، إلا أن البعد
الثقافي للاقتصاد
أو وجود ثقافة اقتصادية
أمر مسلم به من قبيل ؛
· ثقافة الادخار
والاستثمار
· وتقديس العمل
واحترام الوقت
· وروح العمل
الجماعي
· وتقدير الإبداع
وتشجيع المبدعين
· واحترام
الملكية الفكرية
· ونبذ السلبية
والاتكالية
· وتحمل
المسؤولية
وفي هذا الصدد هنالك من
يذهب الى ان البدء بالعولمة العربية –نسبة إلى
العالم العربي- هو شرط
كسب معركة التحدي الاقتصادي، فإذا عولمنا علاقاتنا
الاقتصادية أصبح
اقتصادنا قوة إن لم تستطع التفوق على الاقتصاديات
الكبرى في العالم
فعلى الأقل سيحسب لها
حساب بحيث تقلل من مخاطر العولمة الاقتصادية
الكونية فيما لو
تعاملت هذه الأخيرة مع
اقتصادياتنا بشكل منفرد.
وان ما أضعف الدول العربية
في
مواجهتا للعولمة الاقتصادية
أنها تعاملت بصفة انفرادية مع تحديات فترة ما بعد
الحرب
الباردة وعصر العولمة
((14)
هناك
بعد مغيب عند عديد من
الباحثين في الثقافة والعولمة الثقافية، وهو تحول
مفهوم
الثقافة، فمن التبسيط المتناهي
للأمور التعامل مع مفهوم الثقافة اليوم انطلاقاً
من
التعريف الكلاسيكي للثقافة،
كمجموع من العادات والتقاليد وأنماط السلوك
المادية
والمعنوية التي تميز
شعباً عن غيره من الشعوب.
هذا التعريف وبهذه
الصياغة كان
كافياً بحد ذاته عندما
كانت المجتمعات تتحكم بالتنشئة الاجتماعية، ولم
يكن للمؤثرات
الخارجية كبير تأثير
على البنية الثقافية.
ولكن في ظل الثورة
المعلوماتية، وهذا
التدفق الهائل للأفكار
والقيم وأنماط السلوك عبر الفضائيات وشبكات
الانترنت بأساليب
مشوقة ومغرية وسهلة
الوصول إليها، لم تعد الثقافة نتاج وطني خالص، ولم
تعد لا النظم
السياسية والاجتماعية
ولا البنى التقليدية بقادرة على التحكم بالتنشئة
الاجتماعية
وبالتالي بمصادر
ومغذيات الثقافة الوطنية.
وبالتالي عند الحديث عن
تحدي العولمة
الثقافية يجب عدم تجاهل
الثورة المعلوماتية ومن يتحكم في إنتاجها تقنياً
وفي
محتواها ثقافياً وأخلاقياً،
وهذا يتطلب من ناحية التنمية الشمولية أن يتحول
العلم
إلى ثقافة وان يدخل في صياغة
تعريف جديد لها يحافظ على قيمها الاجتماعية وخصائص
العصرايضا..
اما الإعلام فقد اعتمد
،على التقدم التكنولوجي الضخم فتغلب على حدود
الزمان والمكان
والعوازل الحقيقية والمصطنعة ، وعلى الدراسات
النفسية والاجتماعية ،
فتمكن من صياغة العقول
والمشاعر الإنسانية والرغبات، وأثر في التوجيه
السياسي
والمسيرة الاقتصادية.
وتولت ذلك مع الدول العظمى
شركات عملاقة لتجعل العالم لا
يتصور الحق إلا ما
تقرره القوة الأعظم ويحقن هذا الإعلام الفكر
البشري بمواد
مضللة.
وللإعلام كبير التأثير في
الاقتصاد والثقافة ، إذ جمع الإعلام المعولم
بينهما، فنشر ثقافة
الاستهلاك ، وهو يعمل على تغيير أنماط الحياة
كلها، فخلق من
الوهم عالما مصنوعا،
مسخت مشاهدة التلفاز والسينما ثقافة الإنسان ،
ورسخت إحساسه
بتفاهة مميزاته القيمية
والوطنية ..
وقد تعرضت العولمة لكثير من
النقد والاتهام
في هذا الجانب أكثر
بكثير مما كان يصيبها من المدح أو الإطراء وذلك
بسبب المخاوف
التي أشارت إليها معظم
الدراسات بهذا الشأن ، وخصوصا في الجانب الاقتصادي
حيث سيصبح
فقراء العالم أكثر
فقراً ، وفى الجانب الثقافي حيث تهدد خصوصيات
الشعوب بنموذج موحد
يفرض عليها في نمط
العيش وفى السلوك..
أما الجانب الأخلاقي
للعولمة فعلى هذا
المستوى المهم من
التحولات التي بدأت تتسلل إلى علاقات الناس في ما
بينهم وإلى
الأهداف التي يسعون إلى
تحقيقها ، وإلى القيم التي يدافعون عنها ، من ذلك
على سبيل
المثال؛قيم السرعة
والقوة والربح والمنفعة في كل شؤون الحياة ، على
حساب قيم
التضحية والمساعدة
والتعاطف ..حتى
قيل أن العولمة هي ضد الأخلاق ، وأنها بدأت
تستهلك القيم التي
أنتجتها المراحل السابقة من تاريخ البشرية . وأن
القيم الجديدة
سوف تدمر ليس فقط
العلاقات الإنسانية ، وإنما أيضا ما أنتجته
العولمة نفسها !.
التوقعات
ويتوقع المراقبون مجموعة من
النتائج التي ستأخذ مكانها في
الواقع نتيجة لانتشار
العولمة وفكرها الجديد وأبرز هذه النتائج هي:
5.
اندماج
أسواق العالم في حقول
التجارة العالمية والاستثمارات المباشرة، وانهيار
الحواجز
السياسية والجغرافية
أمام حركة التجارة العالمية، وخضوع جميع دول
العالم لقوى
السوق العالمية.
6.
تبادل شامل بين مختلف
أطراف الكون يتحول العالم بموجبه
إلى محطة تفاعلية موحدة
للإنسانية بأكملها (نموذج القرية الكونية التي
تربط بين
الناس والأماكن ملغية
للمسافات ومقدمة للمعلومات بشكل شامل بلا قيود).
7.
لن يكون هناك مستهلك محلي، بل
سيقبل الناس على شراء سلع تم تصميمها في مكان،
وتحصيل
خاماتها من مكان آخر
وتصنيعها في مكان ثالث، وتجميعها في مكان رابع،
حتى تصل إلى
المستهلك بشكل أرخص
وأجود في مكان خامس.
8.
الانخفاض الحاد في تكاليف
النقل
والاتصالات السلكية واللاسلكية.
9.
تزايد دور التجارة الإلكترونية
ونسبتها
إلى إجمالي التجارة
العالمية.
10.
الدول النامية وشركاتها ستتلقى
صدمات قوية من الدول
والشركات المتقدمة، وهذه الأخيرة لديها الإمكانات
الأفضل
لإنتاج أرخص وأجود، وهي
تزيح من طريقها الشركات الأقل كفاءة وهذا يقودنا
إلى النقطة
التالية وهي:
11.
النمو غير المتكافئ والتركز في
الثروة وازدياد
التفاوت في توزيع
الدخل: سواء كان ذلك على مستوى الدول حيث ستزداد
الدول الغنية غنى
وستزداد الدول الفقيرة
فقراً، أو كان على مستوى الأفراد داخل الدولة
الواحدة، حيث
ستتركز الأموال
والثروات في أيدي فئة قليلة وتتآكل الطبقات الوسطى
لحساب الطبقات
الفقيرة.
12.
تدخل الدول الأقوى في شئون
الدول الأخرى, وهذا التدخل لن
يتم من خلال وزارات
الخارجية والدفاع ولكن من خلال وزارات الاقتصاد
والتجارة.
13.
سيطرة الشركات متعددة الجنسيات
على التجارة العالمية
ولن تستطيع الحكومات
حماية شركاتها الوطنية([15].
وباختصار فإنّ التوجه
العالمي الذي تتبناه القوى الأساسية الفاعلة في
النظام
الدولي، الذي ينادي
بالحرية الكاملة لحركة البضائع ورأس المال
والمعلومات عبر
الحدود الدولية دون
قيود ولا عراقيل، ساهم بوضع مسألة سيادة الدولة
على أراضيها،
ومسألة الانتماء الوطني
التي تعطيها المشروعية، موضع التساؤل والتشكيك.
وقد
ترافق هذا الاختراق
لسيادة الدولة الوطنية مع تبنّي توجّهات التي
ستضعف من دور
الدولة في الاقتصاد
سواء من حيث دورها في التنمية أو من حيث دورها في
الرعاية
الاجتماعية لمواطنيها.
وهذا هو بالضبط معنى تطبيق
برامج (التصحيح الاقتصادي)
و(إزالة الاختلالات
الهيكلية ) في دول العالم الثالث، بعدما بدأ تطبيق
ما يوازي هذه
البرامج أولا على يد
مارغريت تاتشر في بريطانيا، ورونالد ريغان في
الولايات المتحدة
الأمريكية منذ بداية
الثمانينات.
ومع ذلك فإن العولمة كما
يصعب ضبط تعريفها كذلك
يصعب التكهن بآثارها
وتداعياتها المستقبلية ، وهذا يعود كما يقول كل منP.
Hirst و
G. Thompson: «إلى غياب
نموذج يشرح لنا كيف يمكن أن يكون عليه النموذج
المعولم»([16]) .
استراتيجية التعامل المتوازن
والمنتج
بعد هذه الآثار الخطيرة
للعولمة،
علينا نحن كعرب
وكمسلمين أن نحسن التكيف مع التغيرات الواقعة في
العالم.
·
إن الفكر العربي والإسلامي في
نفس الوقت الذي يشرّع فيه قانون المقاومة
والمواجهة (
أحكام الجهاد ) فهو يصوغ
المنهجية الفضلى والإستراتيجية الملائمة لمواجهة
المتغيرات
باعتبارها عصب الحياة
في نهضة الأمة وتكاملها...
·
غاية الأمر يحتاج
العالم العربي إلى
أدوات ثقافية فاعلة ومؤثرة لقراءة هذه
الإستراتيجية بعمق ودقة
بغية تفعيل الفكر
الإسلامي والحصيلة الثقافية بما يؤمّن من عمليات
الاختراق الثقافي
، كما فعل ذلك كوكبة من
المفكرين ورجال الإصلاح الذين تمكنوا صياغة
المناهج
والبرامج المختلفة لتلك
المواجهة الحادة التي تعرض لها الفكر الإسلامي في
صيغته
التقليدية ، فكانت ثمرة ذلك
بلورة واستحداث أساليب للتغيير والإصلاح أشدّ
تماسكاً
وأقوى من ذي قبل
.
·
إن شعوب العالم المناهض
للعولمة اليوم تواجه خطراً
يحاول تحييد انتماءها
الى حضارتها العميقة الممتدة الجذور في أعماق
التاريخ مما
يجعل التسلح ببنى
ثقافية حضارية أمراً محتوما ، بنى ثقافية تواجه
وتنتشر وتحاور
وتؤثر انطلاقاً من مبدأ:
«
ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة
»
·
والمتأمل في الفكر الإسلامي
المؤسس على القرآن والسنة والسيرة لا يجد
في قاموسه القهر
والمغلوبية ذلك إنه يستمد هيكله العام من رؤية
قيمية إلهية شاملة
وهو في أحرج المواقف
التي تعوزه إلى النصر الظاهري يكون منتصراً
حضارياً ، ومؤسساً
لانطلاقة ووعي جديدين
يمنحانه سمة الخلود والاستمرارية.
·
ومن خلال الحوار
الجاد والمثمر ، وتوسيع
رقعته ودائرة موضوعاته ليشمل الحداثة ونظام الحكم
والموقف
من التقنيات وعلاقة
المثقف بالسلطة والموقف الاستراتيجي من العولمة
والموقف من
الحركات التحررية
وإسلامية المعارف والعلوم وإعادة كتابة التاريخ
وما هو الثابت
والمتغير في معادلة
الفكر..الخ ، سوف يتم إعادة إنتاج الأفكار
وقراءتها في ضوء رؤية
حديثة تتماسك أمام
تحديات العصر القادم ، وتكون نواة لنهضة مستقبلية
متماسكة
وعالمية في رؤيتها
ودعوتها ومتبنياتها.
·
يمكن القول مجدداً بأن العولمة
تشكل تحدياً متعدد
الأبعاد، فما دمنا غير منتجين لها ولا فاعلين فيها
إلا بأضيق
الحدود،فما علينا إلا
استنهاض الكامن أو المتبقي من إمكانياتنا الثقافية
والاقتصادية لجعل وقع
العولمة أقل خطراً علينا ولتوظيف العناصر
الإيجابية
فيها.
·
نعتقد أن العرب وعلى بالرغم من
كل مظاهر السلبية البادية على
أوضاعهم قادرون على
الدخول عصر العولمة بثقة أكبر لو أعادوا إحياء
المشاريع
الوحدوية السياسية
والاقتصادية ولكن على أسس جديدة وبرؤى جديدة،
بإضفاء البعدين
الديمقراطي والاقتصادي
على هذه المشاريع.
·
وأول واجب على المنظمات
العربية والإسلامية
التي تود أن تعمل في ظل العولمة أن تتقبل فكرة
المنافسة، وأن
تعلم أن منظمات وشركات
عالمية ستأتي في عقر دارها لمنافستها، وعليها أن
تعلم أيضاً
أن السوق المحلية سينفتح، أي
أنها ستكون في منافسة مع كل شركات العالم.
·
وبالتالي فأهم واجب على أي
منظمة هو بناء ميزة تنافسية تتميز بها على غيرها
من
المنظمات وتؤهلها للبقاء في
السوق التنافسي والنجاح محلياً وعالمياً.
· إن
مواجهة العولمة لاتأتي
بإصدار القرارات الرسمية أو الإدارية برفضها او
قبولها ، لكن
تأتي بمعرفة التعامل
معها وفق البدائل التي نصنعها نحن والنابعة من
ديننا، ثم طرحها
في الساحة، وهذا يحتاج
منّا إلى تعبئة حضارية شاملة، وبذل محاولات تلو
محاولات جادة
ومخلصة لإعادة أنفسنا
مرة أخرى.
·
استطاعت العولمة أن تخترق معظم
الحصون
الثقافية والفكرية
والعقائدية التي وضعتها المجتمعات لحماية داخلها
من الغزو
الثقافي ، حيث جعلت
العولمة كل شيء مفتوحا أمام الفرد يصل إلـــيه
بدون وجود أي
موانع تذكر حتى مع وجود
الردع والقهر والرقابة بل إن الردع القاهر قد
يتحول في بعض
الأحيان إلى كبت سلبي
يتجه للانصهار والذوبان في الثقافة الغازية بعد
ارتفاع المانع
القاهر أو غيابه
المؤقت، وإذا كان منهج الآباء قد قام على سياسة
الكبت والمنع في
مواجهة الانحراف فأن
المنهج هذا اليوم قد اصبح بلا أثر.
·
إن الإعلام
المعولم قد اضعف قدرات
الحكومات على تحديد نمط التوجيه السياسي داخل
حدودها الوطنية
فسلبها أخص خصائصها.
وهذا ما يحتم على العالم النامي والدول الإسلامية
والعربية
منه- أن يتنبه لخطر
اقتحام حدوده رغم أنفه ويعمل على تغيير أساليبه
التمجيدية ،
ويكيف إعلامه بما يضمن
اطمئنان مواطنيه لصدقه..
·
إن المنهج الثقافي
الأكثر فاعلية في
مواجهة تداعيات العولمة المفتوحة هو إيجاد أسس
التحصن الذاتي
المبني على التوعية
الثقافية المركزة حيث الاتجاه للاستفادة الواعية
من تقنيات
وتكنولوجيا العولمة
بصورة سليمة مع تغذية مستمرة وتلقيح معلوماتي قوي
للوقاية من
الانحراف مع إيجاد
بدائل متكاملة وقوية في مواجهةأدوات العولمة
وقيمها.
·
من أجل الاستجابة لهذه
التحديات على الأمة أن تبحث في حماية الأسس التي
تشكل نظام
المناعة في ثقافتها ،
وفى مقدمة تلك الأسس النظام التربوي سواء في داخل
الأسرة أو
في داخل المدرسة ، من
دون أن ننسي الدور المهم الذي يمكن أن تلعبه النخب
الثقافية
والدينية والإعلامية في
تثبيت ذلك النظام من المناعة ودعمه.
·
وهذا يحتاج
بطبيعة الحال إلى
استراتيجية وطنية شاملة ، إذ لا تكفي في مثل هذه
المواجهة الواسعة
جهود بعض المنظمات
والجمعيات ، على الرغم من أهميتها ... أما شرط
نجاح ذلك فهو شعور
الجميع بأن الخطر
القادم هو خطر يتهدد مستقبل العلاقات الإنسانية
كلها وليس هذه
الجماعة أو تلك
.
· ان الإمكانيات
الراهنة للمجتمعات العربية والإسلامية
لا تسمح لها بمواجهة
تيار العولمة الجارف، ولكن يمكن استنهاض الهمم
بحيث لا بجرفها
التيار أو تكون لقمة
سائغة للآخر..وهنا يأتي دور المثقفين الملتزمين
بقضايا أمتهم
لتنوير الرأي العام
بحقيقة العولمة، ما لها وما عليها، فإن فئة من
المثقفين استطاعت
أن توازن ما بين
المقاربتين فتتجنب مغالاة الطرفين السابقين
بالاعتراف بأن هناك
ايجابيات يمكن
الاستفادة منها وهناك مخاطر يجب التحذير منها،
وهذا ما نصبو
إليه.
المصادر
[1]. عبدالله
أحمد المصراتي ، العولمة : المفهوم،
والعلاقة بالمفاهيم
الاجتماعية، في ظل التطور التاريخي، موقع المنشاوي
للدراسات
والبحوث، 19/7/2007م.
[2]. حقوق
الإنسان من العالمية الإنسانية والعولمة
السياسية ، مجلة الموقف
الثقافي: باسيل يوسف، العدد10 ،1997م، دار الشؤون
الثقافية،
بغداد، ص17.
[3].
الصحوة الإسلامية والتحديات
المعاصرة، مقال
الدكتور محمد جواد
لاريجاني : ، التوحيد ، العدد 67، أيلول 1993.
[4]. انظر
العولمة ، د. جلال أمين - دار المعارف ،
القاهرة 1998م - سلسلة
اقرأ ص5 ،الإسلام والغرب والديمقراطية - جودت سعيد
وعبد
الوهاب علواني - دار الفكر
المعاصر - لبنان ، دار الفكر - دمشق - الطبعة
1417هـ - 1997م
، ص 186 . فخ العولمة هانس بيترمارتين ، هارالد
شومان ترجمة د. عدنان عباس
علي ، مراجعة وتقديم
أ.د. رمزي زكي - عالم المعرفة - المجلس الوطني
للثقافة والفنون
والآداب - الكويت ، ص
7-8.
[5].
الصحوة الإسلامية والتحديات
المعاصرة، مصدر
السابق
.
[6] .
نفس المصدر السابق.
[7].
ندوة بيروت حول العولمة ،
الدكتور محمد عابد
الجابري ، مجلة المنتدى
عدد 1نيسان 1998 .
[8] .العولمة
رؤى ومخاطر، مرتضى معاش، مجلة
النبأ،عدد35،
مجلــةالنبــأ ــ العــدد 35 ــ السنــة
الخامســة ــ ربيــع
الثــاني 1420هـ.
[9] WEBSTER, S NEW COLLEGIATE
DICTIONARY, 1991, P 521.
[10] .
د. محسن أحمد الخضيري، العولمة
: مقدمة في
فكر واقتصاد وإدارة عصر
اللادولة، ط مجموعة النيل العربية للنشر،
القاهرة-2000م. ص 15 .
[11] .
إسماعيل صبري عبد الله،
الكوكبة الرأسمالية
العالمية في مرحلة ما
بعد الإمبريالية، مجلة الطريق العدد 4 تموز/ آب
1997 ص 47 .
[12] .
محمد عابد الجابري ،قضايا في
الفكر المعاصر
،مركز دراسات الوحدة
العربية ،بيروت -1997،ص: 136.
[13].
في خطاب وجهه للأمة الأمريكية
بمناسبة إرساله
القوات الأمريكية إلى
حرب الخليج (بعد أسبوع واحد من نشوب أزمة الخليج
في أغسطس 1990م
).
[14] .
يزيد صايغ، العولمة الناقصة:
التفكك الإقليمي
والليبرالية السلطوية
في الشرق الأوسط. دراسات عالمية، مركز الإمارات
للدراسات
والبحوث الاستراتيجية،
العدد 28، ص:20.
[15]. موقع
مفكرة الاسلام : العولمة ، السبت 7 من
رجب1428هـ 21-7-2007م.
[16] .
بول كيركبرايد، ترجمة: رياض
الأبرش، العولمة:
الضغوط الخارجية. مكتبة
العبيكان ،الرياض، 2003، ص 30.
|