|
مفهوم الحداثة في فكر الشهيد
محمد باقر
الصدر
د.مهدي الشرع
مقدمة وتعريف
سواء قلنا ان الثقافة
هي قيم و معتقدات و معايير و متابعة
للعلوم و الفنون وما
شاكلها من المنتجات العقلية او انها نمط كلي لحياة
شعبٍ ما و
العلاقات الشخصية بين
افراده وكذلك توجهاتهم ...
وسواء قلنا ان
الحداثة هي
الخروج عن السائد
المستهلك او انها وعي المبدع و المثقف بخصوصيات
عصره و لغة خطابه
الثقافي و تركيبته
المعقدة الراهنة او هي ـ كما يراها المنطق الغربي
ـ العداء
للتراث و الاحتكام
للعلم المادي و العقل و خصوصيات الحاضر
يبقى هنالك
ترابط جدلي المسألتين تختلف بداياته
و تاريخه و نتائجه في
العالم العربي و الإسلامي عنها في العالم الغربي
، ففي
العالم العربي أو الإسلامي كان
الغزو الاستعماري بأنماطه المختلفة بمثابة
المنبهات
التي جعلت البلاد بما
تحتويه من نخب و قواعد شعبية تعيد النظر في
المسألة الثقافية
و تركز على بعدها
الحداثوي مثيرة مجموعة من الرؤى و التصورات حول
إمكانية تأمين
الجانبين ،الثقافة و
الحداثة او الهوية الثقافية و عوامل تحديثها
.
و قد
تتلون بعض تلك التصورات
بطبيعة انفعالية فرضها راهن الصراع حيث الماكنة
القتالية و
الدعائية الجديدة و
المتطورة للدول الغازية واصطدام الواقع المتخلف
بها ، و هذا لا
يعني عدم وجود صياغات
ثقافية قائمة على اسس و مرتكزات فكرية إسلامية
اصيلة للحداثة
، اذ لا ينكر منصف ذلك
الفتح الحضاري لدعاة النهضة الإصلاحية الحديثة
التي انطلقت
من رؤية جديدة لواقع
النص الإسلامي فيما كانت تتقوقع ثم تتلاشى أنصاف
الحلول و
المعالجات الجزئية
للمشكلة الاجتماعية ، و ما ان لبثت حتى صارت
سطوراً تخبئها الكتب
المركونة على الرفوف
!
ويكمن ابداع المفكر
الاسلامي الكبير الشهيد محمد باقر
الصدر في مداخلة مقولة
الحداثة الاسلامية، من خلال ما يطرحه من معالجات
للعناصر
النفسية والمعرفية
المودعة في الفكر الاسلامي وتحريكها باتجاه تحقيق
مفهوم قيمي
اسلامي للحداثة يركز
على الجوهر والمضمون( الاداء الخلاق للعمل،
قيمته،هدفه، غايته،
قيمه الانسانية، وبعده
العلمي والمعرفي..) في مقابل الوصفات الجاهزة
المقروءة في
ثقافات الآخرين..
لأنه (رض) وجد ان
الحداثة بمفهومها التأصيلي ترتكز على مبادئ
يقرها الدين الإسلامي
بل هي موجودة بشكل اقوى وأوسع مما هي عليه في
الرؤية الغربية
كالتقدم و الحرية و
الإنسان و العقلانية ): «بمعنى الاحتكام الى العلم
و العقل في
كل قضية مستجدة على ارض
الواقع » .
وهذا لا يعني العزلة عن
المحيط الثقافي
العالمي والاقامة في
حدود النص الإسلامي و الكلام بطريقة محلية تقلل من
شأن الفكر
الإسلامي وهيبته عند
الآخر ، اذ لا بأس بدراسة افرازات الواقع الثقافي
المعاصر
عربياً وعالمياً ، وخوض
غمار المعركة الثقافية و الفكرية و الرجوع إلى
مصادر هذه
الدعوات والمفاهيم التي
تطرق بنية الثقافة الحديثة ، فالمقصود هو عدم
جعلها حقائق
مطلقة ـ كما أشار إلى
ذلك السيد الصدرـ في مقابل النص ، والابتعاد عن
العمل وفقها
لتحديث الإسلام ، لأن
الوعي بالايديولوجيا الحديثة لا يساوق الوعي
بالايديولوجيا
الإسلامية فيما تنتجانه
من حركة في الواقع .
فالمسألة
الثقافية بقدر ما
تحتاجه من صمامات أمان
اثناء عملية الانفتاح على فكر الآخر ونتاجه ،
تحتاج إلى
عمليات تفعيل و دراسة و
مقارنة و رؤية نقدية تحليلية ترجع المفاهيم
الحديثة إلى
وحداتها الرئيسة و
ظروفها التاريخية ، للارتقاء بها إلى حالة ابداعية
مشرقة تتوفر
على عناصر حداثوية
إسلامية و قيم اخلاقية ثابتة ، وتعكس هوية الإسلام
ضمن رؤيتها
الحديثة للواقع المعاصر
.
وينطلق اولاً من مفهوم
الادراك وهو المصنع المصدر للافكار والمفاهيم..ومن
الخطاب الذي يسلكه الى
تصوير هذه الغاية الحضارية..واستثمار بعض الرؤى
والتصورات
الاسلامية عن الانسان
والمجتمع والتاريخ ونهاية التاريخ..
سمات خطاب محمد باقر
الصدر
هذا ،فيما كان خطابه
يحفر باتجاه المشروع
الحضاري الكبير الذي
اطلقه الدعاة من علماء هذه الامة ومصلحيها لدحض
وتفنيد ادعاء
الفصل بين الدين
والحياة ، فقد اطلقوا مشروعا يتجاوز موضوع اقامة
الحكومة الاسلامية
والمطالبة بالامساك
بزمام الامور السياسية، وهو
مشروع:
النهضة..والاستقلال..والوعي..والمواجهة..وبناء
الذات..وتأسيس ملامح الفكر
المعاصر..وتفعيل الحس
النقدي في محاكمة الموروثات الخاطئة..واعادة قراءة
النص وفق
معطيات العلوم
الإنسانية والثقافات البشرية..بل واعادة ربط
العبادي بالسياسي.
يقول الشهيد الصدر:
( ان العلاقة
الاجتماعية تتواجد غالبا بصورة او باخرى
الى جانب العلاقات
العبادية بين الإنسان العابد وربه في ممارسة
عبادية ذات دور
اجتماعي في حياة
الإنسان، ولا تعتبر ناجحة الا حين تكون فاعلة في
توجيه ما يواكبها
من علاقات اجتماعية
توجيها صالحا فاكتشاف بأن للدين
او العبادة او الشريعة
ابعادا حية في حركة الكون والحياة والإنسان مسألة
رهينة بمدى
وعي النخبة الإسلامية
لضرورة الإمساك بالفرصة كي يبرزوا ملامح رؤيتهم لا
للجانب
السياسي وضرورة
المشاركة في صنع القرار فحسب بل رؤيتهم للحياة
باجمعها بما في ذلك
المشاركة السياسية في
نقد الدولة ونيل حقوقهم وحرياتهم واقامة طقوسهم
وشعائرهم
وبناء مجتمع فاضل متحضر
يقوده الفكر النير وروح الحوار والوعي بخصائص
العصر.
هذا، بالإضافة إلى صفة
المبدئية التي يحملها الخطاب النهضوي الصدري
فالنهضة
ضروريةٌ والإصلاح
مطلوبٌ، لكنّه ليس على حساب الدين والمبدأ
.
لأنّ ترك المبادئ
الدينية تحت ذريعة
التمدّن والنهوض والتطوّر وإصلاح الحياة العامة،
ودون موجّهات
نقدية كفوءة كالإمام
الحسين (ع) ومنهجيته التغييرية الفذّة ، لا يفضي
إلاّ إلى
الجمود والتبعية.
وهذا ما حدا بالسيد
الشهيد محمد باقر الصدر(رض) إلى وصف
المحدثين في العالم
الإسلامي بأنّهم ارتكبوا خطأً شرعياً ومنهجياً في
نفس الوقت،
الخطأ الشرعي أنّهم
نظروا إلى الحداثة كحقيقة مطلقة بدلاً من الشريعة
التي اعتبروها
كمجرّد حقيقة نسبية،
والخطأ المنهجي انّ السلطات في العالم الإسلامي
وظّفت الدين
لتدعيم مواقفها القبلية
في المجال السياسي والاجتماعي. وأسمى السيد الشهيد
هذه
العملية بـ(مجرد تلفيق
الإدراك والمسؤولية
أولاً
من المتفق عليه بين
الفلاسفة ان عملية ادراك
الانسان للاشياء تتم
وفق الجزء الروحي المجرد في الانسان ، فالتفكير
ليست عملية
مادية. وعليه فمناقشة
المباني النظرية للادراك والخلوص بنتيجة مفادها ان
العلاقة
بين الجسد والروح هي
علاقة تبادلية جدلية ...تؤثر في مسؤولية الانسان
عن فعله
وسلوكه الاخلاقي..وهذا
في مقابل الرؤية المادية التي تفسر السلوك البشري
بنظرة
مادية كانعكاسات عضوية.
وهي من المرتكزات
الاساسية التي تميز المدرسة الاسلامية
في مجال علم النفس واحد
أهم مساحات دراسة علم الاخلاق. لذلك نجد ان السيد
الشهيد
محمد باقر الصدر يصنف
الحقل العلمي المسؤول عن اثبات ماهية الادراك و
يعزوه الى جهة
نفسية وجدانية
سايكولوجية ، وليست عضوية جسدية فسيولوجية ، يقول:
( ومن الواضح
جدا ان الفيزياء
والكيمياء والفسيولوجيا لا تستطيع بوسائلها
العلمية الحديثة
واساليبها التجريبية
الا ان تكشف عن احداث الجهاز العصبي ومحتواه من
عمليات
وتغيرات، واما تفسير
الادراك في حقيقته وكهنه فلسفيا فليس من حق تلك
العلوم، اذ لا
يمكن لها ان تثبت ان
تلك الاحداث المعنية هي نفسها التي نحسها من
تجاربنا الخاصة،
وانما الحقيقة التي لا
يرقى اليها الشك ولا الجدال هي ان هذه الاحداث
والعمليات
الفيزيائية والكيميائية
والفسيولوجية ذات صلة بالادراك وبالحياة
السايكولوجية
للانسان، فهي تلعب دورا
فعالا في هذا المضمار.
الا ان هذا لا يعني صحة
الزعم
المادي القائل بمادية الادراك،
فان فرقا واضحا يبدو بين كون الادراك تسبقه او
تقارنه عمليات تمهيدية
في مستويات مادية وبين كون الادراك بالذات ظاهرة
مادية،
ونتاجا للمادة في درجة
خاصة من النمو والتطور كما تزعم الفلسفة المادية
واذا ثبتت روحانية
الادراك وتجرده عن المادية والجسدية
والعضوية فإن مساحة
الادراك ومضماره ستكون هي النفس والوجدان والارادة..
لذالك
فالانسان مسؤول عن فعله
كما ان هنالك عناصر مؤثرة في هذه التركيبة
المصنعية التي
يصدر عنها الفعل
الانساني وتوجه نوعيته الاتجاه الحضاري الخلاّق ام
بالاتجاه الآخر،
وهذا ما يدعو مفكرنا
الصدر من دراسة عناصر المجتمع وما تفرزه هذه
العلاقة من اشكال
متعددة من التناقضات
التي تحفل بها الطبيعة البشرية..وبالتالي نتمكن من
الامساك
بفرصة التوجيه الصحيح
نحو التغيير والتحديث والانبعاث القيمي..
تحرير الإنسان والمجتمع
والتاريخ
يحدد القران الكريم
عناصر المجتمع
بثلاثية: الانسان
والطبيعة والعلاقة الاجتماعية، والذي يهمنا هنا هو
تسليط الضوء
على العلاقة الاجتماعية
بين بني البشر، وما تفرزه هذه العلاقة من اشكال
متعددة من
التناقضات التي تحفل
بها الطبيعة البشرية بما فيها التناقض الاعمق
المتمثل بالجدل
الانساني القائم في روح
الانسان وتركيبته الخلقية والمنبعث عن وجود طرفي
الخير
والشر في داخله.
يقول الشهيد الصدر : (
ومن هنا يؤمن الاسلام بان الرسالة
الوحيدة القادرة على حل
هذه المشكلة التي يواجهها خط علاقات الانسان مع
الانسان هو
تلك الرسالة التي تعمل
على مستويين في وقت واحد، تعمل على تصفية
التناقضات
الاجتماعية في الساحة،
لكن في نفس الوقت وقبل ذلك وبعد ذلك تعمل من اجل
تصفية ذلك
الجدل في المحتوى
الداخلي للانسان من اجل تجفيف منبع تلك التناقضات
الاجتماعية) ([5]).
اذا فالاسلام يغوص في
عمق المشكلة ويطلق العنان
للعلاقات الاجتماعية
بعد ان يزيح العقبة الكؤود التي تؤدي الى تعثر هذه
العلاقات
وانقلابها وبالا على
البشرية، فهو يريد ان يحرر الانسان من صراعه
الداخلي وجدله
المدمر الذي يسبب
الاستئثار والاستغلال والعنف والنزعة التخريبية
وحتى النزعة
التقليدية والتردد
البغيض لما يقوله الاخرون ويسلكونه بدون وعي او
بصيرة او فهم
لفحواه وابعاده القريبة
او البعيدة، ثم يقنن له آلية الاتصال بالاخرين بعد
ان يربي
عنده الحس النقدي
للظواهر والثقافات والسلوك، وهذا هو صمام الامان
الذي يهيئ
للبشرية جمعاء الالتقاء
والتعارف وتبادل المعرفة:
( يا ايها الناس انا
خلقناكم
من ذكر وانثى، وجعلناكم
شعوبا وقبائل لتعارفوا) الحجرات/13.
اذن فسر انطلاقة
الادراك الواعي المسؤول
عن التغيير والتجديد رهين بتفعيل الآلية الاسلامية
والقرآنية التي تعمل
على مستويين؛
1. تصفية التناقضات
الاجتماعية في الساحة.
2. تصفية ذلك الجدل
في المحتوى الداخلي للانسان.
والأحاديث في ذلك كثيرة
تؤسس لمحتوىً روحي
وداخلي نقي للإنسان تتهيكل فوقه بناءات اجتماعية
وسياسية حاضرة
ومستقبلية، فكل الأفكار
التي طرحها العقل البشري كعلاجات للمشكلة
الاجتماعية تفتقد
للأساس الحقيقي الذي
يثبّتها، ويمدّها بالقوّة اللازمة لتقوم بدورها في
تصحيح حركة
الإنسان عبر التاريخ.
فالفاعلية اللازمة
لتغيير الواقع تنبع من المحتوى الروحي
الداخلي للإنسان، ذلك
المحتوى الذي يركّز الامام الصدر ـ في مجمل حركته
ـ على رسمه
بعناية فائقة وعمق
ودقّة ووضوح، اذ يعتبره سرّ الانطلاقة والتحرّك
باتجاه البناء
والصنع والإبداع.
وهذا ما استوحاه
مفكّرنا وشهيدنا الصدر حينما فسّر قوله
تعالى:
)انّ الله لا يغيّر ما
بقوم حتى يغيّروا ما بأنفسهم( الرعد/11.
ـ هذه
السنّة التأريخية
للقرآن... بيّنت بلغة القضيّة الشرطية، لأنّ مرجع
هذا المفاد
القرآني إلى ان هناك
علاقة بين تغييرين؛ بين تغيير المحتوى الداخلي
للإنسان، وتغيير
الوضع الظاهري للبشرية
والإنسانية.
مفاد هذه العلاقة
قضيّة شرطية، أنّه متى وجد
ذلك التغيير في أنفس
القوم وجد هذا التغيير في بناء القوم وكيانهم
فالإنسان ـ كذات نقيّة
متخلّقة بأخلاق عالم الغيب
متحررة من العبودية
لغير الله ـ هو الذي يقوم بدور فعّال في كل
التحوّلات الحاضرة
والمستقبلية. هذا ما
تفسّره رؤية الإمام الصدر في مقابل علماء الاجتماع
الذين
يميّزون بين عمل المجتمع وعمل
الفرد (هكذا تصوّر هيجل ـ مثلاً ـ وجملة من
الفلاسفة
الأوربيين، تصوّروا عمل
المجتمع بهذا النحو، أرادوا أن يميزوا بين عمل
المجتمع وعمل
الفرد... كل فرد يشكّل
خليةً في هذا العملاق الواحد.. وكل فرد إنّما هو
تعبير عن
نافذة من النوافذ التي
يعبّر عنها ذلك العملاق الهيجلي... إلاّ أنّ هذا
التصوّر ليس
صحيحاً... ليس عندنا
إلاّ الأفراد... ليس عندنا ذلك العملاق المستتر من
ورائهم...
انّ المجتمع يشكّل أرضيةً له
(أي لعمل الفرد)، يشكّل علةً ماديةً له)([7]).
في الرؤية الإسلامية
يوضع الله سبحانه هدفاً، في حين
أكثر تيارات الفكر
الغربي تضع الإنسان هدفاً، فهي ذات أهداف تنطلق من
الإنسان ولا
تتجاوزه.
وبما انّ هذا الهدف هو
(مثل أعلى)، فانفتاح الإنسان إليه يعني تخلّقاً
بأخلاقه، وهذا ما يجعل
الإنسان منفتحاً على الواقع ضمن نظرة مستقبلية
منقطعة
النظير، لأنها نظرة
تفتح آفاق اللانهائي أمام الفعل الإنساني أي أمام
جهاد الإنسان
لتغيير العالم
استثمار مفهوم الانتظار
لتطلع بنّاء
ثم أن العلائق والصلات
المادية
والنزعات النفسية
الحيوانية هي التي تعكر صفو العلاقات الاجتماعية
وتثير الفتن فيما
بين أفراد
المجتمع.وبالتالي فهي المعوق الاساس للفعل الحضاري
الخلاق والسلوك
المتطور البناء..لذلك
فالنص الإسلامي يوجه أنظار المجتمع إلى أن هذه
الأسباب لا
قيمة لها في المجتمع
الصالح وان حقيقتها سوف تتكشف حينما تقام دولة
الحق والعدل
وتزول أسباب العداوة
والبغضاء سواء في عصر الغيبة بشكله المحدود ام في
عصر الظهور
بشكله الالهي الكامل.
وعليه فالمجتمع الصالح
الذي يحاول تطبيق مفهوم الانتظار
الحقيقي لابدّ له من
نزع فتيل الفتن والنظر إلى هذه الأسباب المادية
بعين الفكر
المـهدوي العادل
المرتقب.
قال الإمام الباقر (ع)«إذا قام قائم أهل
البيت قسم
بالسوية وعدل في
الرعية… إلى أن قال: ويجمع إليه أموال الدنيا من
بطن الأرض وظهرها,
فيقول للناس: تعالوا إلى ما
قطعتم فيه الأرحام وسفكتم فيه الدماء الحرام
وركبتم فيه
ما حرم الله عز
وجل.فيعطي شيئا لم يعطه أحد قبله, ويملأ الأرض
عدلا وقسطا ونورا كما
ملئت ظلما وجورا وشرا»([9]).
وهذا ما يجعل الصياغة
الجديدة
لمفهوم ((الانتظار))
صياغة حداثوية (ويجعل الانتظار مفهوما حركياً
وأخلاقاً بنّاءة،
أخلاق جهاد يؤسس
الانتظار على محاولة استيعاب عوامل النهضة لتغيير
الواقع المنحط...
لأنّه (الانتظار الايجابي) هو
انتظار ملازم لمفهوم الاستخلاف ووعد الله بنصر
المستضعفين
فالأساس الآيديولوجي
للإسلام هو
الذي يمنح الإنسان
بُعداً قيمياً ويجعل منه مسؤولاً وفاعلاً مؤثراً
في الحركة
التصاعدية والتكاملية
لمسيرة الإنسان ,بغض النظر عن الرؤية الكشفية
للعلم وفتوحاته
ازاء الطبيعة.
هذا ما تختلف فيه
الرؤية الاسلامية المهدوية لنهاية التاريخ عن
غيرها.
انّ أساس الأخلاقية ـ
هنا ـ يكمن في كون الإنسان عاجزاً عن الانتصار على
قوى الشرّ (الذهنية
والسلوكية والاقتصادية والحضارية) دون إمداد غيبي.
فوعي الإنسان
بعبوديته ونسبيّته أمام
كمال الله يفتح أمامه آفاقاً لا حدود لها للتحرّر
من
الشرّ
وهذه البشارة باتجاه
فتح قادم يؤمّن وضعاً
عالمياً عادلاً حكيماً،
يقف على النقيض من الايماء بالرعب التصادمي
للحضارات والذي
يطلقه ((صاموئيل
هانتنغتون))، وما يحدثه من انقسامات دموية نتيجة
تصادم حضارات
معيّنة مع النموذج
الديمقراطي الليبرالي الغربي.
فالتطلع هنا ـ ليس
نهايةً
للتأريخ أو تنبّؤاً
محدوداً بنقطة زمنية قادمة أو سيادة حضارة
وتفوّقها على غيرها
تكنولوجياً أو اصطدامها
معها.
ليس هو تطلعاً لإنسان
فرانسيس فوكوياما أو
صاموئيل هنتنغتون أو
ماك موهان أو كارل بوبر... انّه تطلع المستضعفين
لنور الله
ووعده بالانتصار الأخير
ووراثة الأرض، الاستضعاف المؤسس على قيم أخلاقية
كونية
وروحانية ملتزمة سياسياً
وحضارياً ومؤثرة في حركة التأريخ ـ كما يرى الشهيد
الصدر(
وبما ان الهدف الاساسي
من الشريعة
الاسلامية ومقصدها
الاول والاخير هو ايصال الانسان الى اقصى درجات
الكمال في وجوده
الدنيوي والاخروي فسوف
نستطيع ان ندرك بداهة مدى ضرورة اهتمام الاسلام
بمستقبل
الانسان الذي يتحرك صوب
تحقيق كماله الجماعي في (المجتمع المعصوم) كما بين
الشهيد
الصدر ذلك في كتابه (
المدرسة القرآنية). فالأحكام الشرعية تمدّ التطلّع
بالوسائل
المفاهيمية والقيمية
التي يتحقق هذا التطلّع عن طريقها في الميادين
الاجتماعية
والاقتصادية والسياسية،
وليس الأمر كذلك بالنسبة للمذاهب المثالية
والطوباوية(
بل على هذا الأساس
التغييري الشامل يتبيّن لنا ـ
أيضاً ـ قصور بعض
الاتجاهات التجديدية ضمن الإطار الاسلامي نفسه،
والتي تقتصر على
الاجتهاد في المجال
الفردي بحيث نجم عن هذه العملية انكماش في الهدف ـ
على حدّ
تعبير الشهيد الصدر ـ:
(وأهملت المواضيع التي تمهّد للمجال التطبيقي
الاجتماعي
نتيجة لانكماش هدفه،
واتجاه ذهن الفقيه حين الاستنباط غالباً الى الفرد
المسلم
وحاجته الى التوجيه
بدلاً عن الجماعة المسلمة وحاجتها الى تنظيم
حياتها
الاجتماعية
انّ التغيير يقتضي رفض
الواقع والتطلع
المستمر الى مستقبل
أفضل، لكن عملية التغيير قيمة أخلاقية أيضاً بمعنى
أنّها تتم في
عملية تفاعل دقيق
ومنضبط بضوابط شرعية وأخلاقية.
الرفض في حد ذاته لا
ينتج أيّ
شيء، انّه بحاجة إلى
تقييم ليتم تجاوز الواقع الفاسد الى واقع أحسن في
المنظور
الشرعي، فالقيم
الأخلاقية هي التي تجعل الرفض هدماً وبناءً.
(فالرفض في حدّ ذاته
هدم، أي هدم ما هو
كائن. وعملية التقييم هي التي تفتح الرفض على آفاق
البناء
جوهر العملية التحديثية
وصراع و الهوية
وهو بذلك يستقي منهجه
من قراءة كشفية ابداعية للاسلوب القرآني فللقرآن
اسلوب يربط فيه بين
نوعين من العلاقات الانسانية ؛علاقة الانسان
بالانسان وعلاقته
بالطبيعة، في اشارة الى
تلك الصورة التكاملية التي تؤثر في بنية المجتمعات
عموما،
وهي ربط العلاقة
الانسانية العادلةبين الناس والتفاعل الايجابي
المثمر فيما بينهم
بدون استغلال وتهميش
واستبعاد، ربط تلك العلاقة بازدهار الطبيعة ووفرة
الناتج:
( وان لو استقاموا على
الطريقة لاسقيناهم ماء غدقا) الجن/16.
فجوهر التغيير في
الرؤية الاسلامية يخترق التسميات ويتجاوز
المصطلحات
ويرفض الرؤى الجاهزة،
ليلامس جذور المسألة ويتبنى مبادئها (العلم
والتقدم والحرية
والعقلانية) قبل ان
يعرفها المتحمسون المعاصرون للحداثة والمنفعلون
بتقليعاتها
الجديدة، اذ ان هذه
المبادئ مما تؤمن به الرؤية الاسلامية الى حد
يجعلها خلاصة
للقيم الاخلاقية التي
يسعى الاسلام الى تحريكها في الحياة الاسلامية
العامة..
ولكن ( الاشكالية التي
ابتلي بها الإحيائيون إنهم نادوا بتحديث الإسلام
عن طريق قبولهم لمسألة
الحداثة بمفهومها السائد في العالم الثقافي لأنهم
وجدوا انها
ترتكز على مبادئ يقرها
الدين الإسلامي بل هي موجودة بشكل اقوى وأوسع مما
هي عليه في
الرؤية الغربية كالتقدم
و الحرية و الإنسان و العقلانية ) «بمعنى الاحتكام
الى
العلم و العقل في كل قضية
مستجدة على ارض الواقع » .
وهكذا ، راح
الاحيائيون ينادون بهذه
المبادئ التي يشكل مجموعها قضية الحداثة ، وينقضون
على
التيار الإصلاحي السلفي الذي
رفض الحداثة بكليتها باعتبارها تمثل منطقة وقوع في
الجاذبية الغربية ،
ولكن الاحيائيين لم يدخلوا في عملية تحليل و
مقارنة وجدل مع
الوحدات الرئيسية
لمقولة الحداثة ،الامر الذي حدا بالسيد الشهيد
محمد باقر الصدر «رض»
وهو المفكر الإسلامي الكبير الى ان ينعتهم بأنهم
ارتبكوا خطاً شرعياً
ومنهجياً في نفس الوقت
:
الخطأ الشرعي :
انهم ينظرون إلى الحداثة كحقيقة
مطلقة بدلاً من الشريعة
التي اعتبروها كمجرد حقيقة نسبية
.
و الخطأ
المنهجي : إن السلطات
وظفت الدين في العالم الإسلامي لتدعيم مواقفها
القبلية في
المجال السياسي و
الاجتماعي ، فلجأت إلى التوفيق بين الاشتراكية و
الاسلام و بين
القومية والاسلام لكي
تتقبل الشعوب الإسلامية هذه المفاهيم الغربية
والحق مع مفكرها
الصدر في وصف هذه العملية
بالتلفيق ، لان الحداثة
في المفهوم الغربي كانت لها ظروفها التأسيسية
الخاصة حيث
تسلط الكنيسة على العلم
و الانسان وشل عملية تفكيره وتقدمه ببعض المقررات
المنحرفة
باسم الدين ، ثم كوارث
محاكم التفتيش القمع الذي كانت تقوم به الكنيسة
، الامر
الذي يصبغ مفهوم
الحداثة عند المتحمسين الغربيين لها أو مؤسسيها
بلون ردة الفعل
لواقع راهن مأساوي ،
فلاغرو أن يعلن اولئك المحدثون عداءهم الساحق
للسائد من القيم
و يتمردون عليه باسم
الحداثة وينادون بضرورة الانخراط في العلم و العقل
وإعادة
الاعتبار للإنسان كقيمة
تصنع التاريخ و تحدد مساره
.
ولكن هذه
الظروف
التأسيسية انقلبت على
نفسها حيث أله شعار الحداثة الإنسان وركز على بعده
المادي
المنفعي ، وفصله عن
جانبه الروحي والإنساني ، بل صار الإنسان ومنتجاته
هو المصدر
للقيم و الأفكار اجمع ،
كما فسر بهذا البعد المادي حركة التاريخ نفسها
بدون أن يأخذ
بنظر الاعتبار دور
الإنسان في توجيه تلك الحركة فإن الإنتاج و
الاستهلاك هو المؤثر
بها ، و الإنسان مجرد
فريسة لها !
موقف الإسلام من
الحداثة
فالحداثة ليست
حتمية تاريخية
كما يراها المنطق
الغربي بظروفه وتركيباته الفكرية و النفسية ، على
جميع الشعوب ان
تتجه نحوها ، بل هي
مرحلة من مراحل التاريخ الغربي و تصور خاص عن قيمة
ثقافية
عالمية من الممكن ان
تصاغ وفق عدة تصورات مع الحفاظ على جوهر الحداثة و
مبادئها ،
ومن الممكن أن يبرز
الإسلام نظريته تجاه هذه الظاهرة بطريقة تغاير تلك
النظرية
الغربية التي عادت
بإنتاج أزمات أخلاقية ونزعة الهيمنة والاستغلال
للشعوب المستضعفة
المتطلعة
.
لذلك يجب
التمييز ـ في نظر الصدرـ بين الحداثة كتقدم وبين
التغريب أي تقليد
الحضارة الغربية بصورة آلية دون إعادة النظر في
اسس وقيم هذه
الحضارة ، فالعقلانية و
الحرية و العدالة واحترام الإنسان ليست قيماً
غربية ، بل هي
قيم كونية تستمد وجودها
من تطلع الإنسان عبر التاريخ إلى الكمال ،
وهكذا فالغرب
قد أعطى للحداثة صورة
خاصة انتهت إلى ازمة حضارية شاملة ، ويمكن لحضارة
أخرى أن
تعطي صورة أخرى للحداثة
وللتقدم ، والإسلام هو البديل الوحيد في هذا
المجال في نظر
الصدر(
ومن هنا ، نستطيع
القول بأن الحداثةـ
وفق المنظور الإسلامي ـ
هي ليست رفعاً لشعار
الحرية والعلم و التقدم والإنسان و
ليست تلفيقاً بين
الإسلام وهذه الأشياء ،بل هي صيغة معاصرة لتفعيل
هذه المبادئ
الموجودة أساساً في
منظومة الفكر الإسلامي بما يتلاءم مع الخصوصيات
العلمية و
الثقافية للواقع الراهن
فالعملية ليست رفضاً للحداثة بذريعة الحفاظ على
الهوية
الثقافية الإسلامية كما
انها ليست قبولا لها بشكل يتلاءم مع تحديث الإسلام
وجعله
أكلة مهضومة بالنسبة للإنسان
المسلم المعاصر ...
نها عملية استكشاف
حركة الدين
وقيمه الكونية المطلقة
وابعاده الممتدة في الحياة الإنسانية والأوساط
الإبداعية ،
ثم تحديث الإسلام
داخلياً بتلك القيم والأبعاد المكتشفة من خلال ملأ
منطقة الفراغ
واستثمار الجانب
المتغير للحكم و العقيدة و المبدأ ، وتوظيف ذلك
كله من اجل ازدهار
المجتمع والارتقاء
بوعيه وتنضيج قدراته واحتضان تطلعاته
..
وهذا كفيل بتحديث
الإسلام تلقائياً دون
تجشم عناء البحث حول الصيغ المفروضة لتطبيق
المفاهيم الغربية
وإفرازات واقع الغرب
الثقافي على الإسلام من اجل جعله مقبولاً من ناحية
عصرية مع
حفاظه على هويته
الثقافية .
عائق الفهم التقليدي
استبدال جميع الافكار
والمفاهيم الاساسية عن الحياة والكون هو المرتكز
الآخر للسيد الشهيد في
سعيه الحثيث لتحديث الاسلام ، وهذا يستدعي ازاحة
عقبة الفهم
الكلامي التقليدي ، لذا
اسهم شهيدنا في تأسيس فهم جديد عن العقائد والاصول
.. وذلك
في تأليفه لكتاب (موجز
في اصول الدين) وهو يعلج به الجذر الكلامي
للتقليدية حينما
بدأت الحركة الكلامية
التقليدية المتأثرة بالفلسفات اليونانية تتقاطع مع
المنهج
القرآني وروح نصوص
الشريعة، عبر نقاط عدة، اهمها.
· التكليف
والتعقيد في
اثبات القضايا الضرورية
والفطرية.
· عدم الوعي
بمؤديات المطالب والعقائد
الجديدة حتى لو خلقت
ثقافات مشوهة وساندت نظاما مستبدا وخالفت حتمية
اسلامية.
· الدوران في
حلقة مفرغة من الالفاظ والتجرد الذهني بعيدا عن
ظواهر الكون وحركة
الواقع وسنن التاريخ.
· لم يدرج علم
الكلام التقليدي
مبحثا خاصا بالانسان،
يتناول تأصيل موقف نظري يحدد موقعه من سلم
المخلوقات، أي
منزلة الانسان وقيمته
بالنسبة الى غيره من المخلوقات كالملائكة والجن
وغير ذلك،
والهدف من وجوده وطبيعة
وظيفته وما يرتبط بذلك من مسائل(
ولهذا كانت خلاصة آراء
النخبة المجددة ومشاريعهم تتمثل في كسر طوق ذلك
النمط التفكيري السائد
في علم الكلام والذي يعبر عن تجربة ذاتية اعتقادية
باطنية
فارغة المحتوى، ليس
فيها غير الايمان القلبي بخالق الوجود والاحساس
الباطني بانه
عادل وانه تعالى ارسل
الرسل وانه يجازي غدا كل نفس بما كسبت ويثبت
الطائعين
بالجنة..
اما ما هي وظيفة
الانسان على هذه الارض والالية المعقدة المتعددة
الجوانب التي يعبر بها
عن ايمانه هذا، فلم يتعرض له علم الكلام القديم،
وابدع في
انجازه علم الكلام
الجديد عبر نتاجات رواد النهضة ودعاة الاصلاح
وجهودهم وفعالياتهم
المختلفة، وفي هذه
البؤرة تلتقي عناصر الوعي بين العقيدة والواقع
وترتبط الفكرة
بالسلوك والايمان
بالممارسة الخارجية.
وفي هذا السياق_ أي
ضرورة استبدال القيم
والمفاهيم الموروثة
حينما يتم عرضها على روح النصوص ومعارضتها لها،
انطلاقا نحو
تاسيس مفاهيمي يعيد
للانسان والحياة والمجتمع صورته الواقعية ودوره
الفعال في
المجالات المختلفة_ يرى
الشهيد محمد باقر الصدر ان عمل الواعين والمصلحين
واصحاب
الفكر ينبغي ان
يستهدف(تباسدال جميع الافكار والمفاهيم الاساسية
عن الحياة والكون
التي ترتكز الانظمة
السابقة للحكم والمجتمع عليها)([19]).
مشكلة التبريريين
في حين نرى أن كثيراً
من مفكري الاسلام قديماً
وحديثاً يركنون إلى هذه
الثقافات التبريرية بل ويمدون الاطراف المتنازعة
قيمياً
كالسلاطين والثوار بما
يعزز جانب التسلّط والقهرية, ويدعون إليها بما هي
عقيدة
إلهية يتحتم على الرعية
الايمان بها والعمل في ضوئها.
ولقد كان للثقافة
التبريرية التي شوهّت
الرؤية الإسلامية الصحيحة للكون والحياة والمجتمع
أثر كبير في
ترسيخ أقدام الحملة
الثقافية التي رافقت الاستعمار الغربي لبلاد
المسلمين, حيث
تراجعت هذه الثقافة
المدّعى أنّها إسلامية أمام التطور الحاصل في
مجالي الفكر
والتكنولوجيا, وأحدثت
منطقة فراغ هائلة في الثقافة الإسلامية مما أدى
بكثير من
أبناء المجتمع الإسلامي
إلى الخضوع والتبعية لهذه الثقافة الغازية.
وصف السيد
الشهيد الصدر عملية
تأثر العالم الإسلامي بالثقافة الغازية بتحويل
الإمامة الفكرية
نحو الإنسان الاوربي
قائلاً: أخذ العالم الإسلامي ينفتح على حياة
الإنسان الأوربي
ويذعن لإمامته الفكرية
وقيادته لموكب الحضارة بدلاً عن إيمانه برسالته
الأصيلة
وقيمومتها على الحياة
البشرية([20]).
وهنا سبق وأن قرر
السيد الشهيد الصدر أن
عمل الواعين ينبغي أن يستهدف (استبدال جميع
الأفكار
والمفاهيم الأساسية عن
الحياة والكون التي ترتكز الأنظمة السابقة للحكم
والمجتمع
عليها)([21]).
ولا يمكن حينئذ التخلص
من عقدة حصول وتشكل
فجوة هائلة في المنظومة
الثقافية الإسلامية نتيجة رفع هذه الثقافات
الدخيلة التي
ينبغي العمل على سدها
بما يلائمها من الأفكار والتصورات والآداب
الإسلامية بعيدا عن
السلبية والغموض
الموروثين من الثقافة الغربية.
خلاصة البحث ونتائجه
1. ان الاشكالية
التي ابتلي بها الإحيائيون
إنهم نادوا بتحديث
الإسلام عن طريق قبولهم لمسألة الحداثة بمفهومها
السائد في
العالم الثقافي وراحوا
ينادون بهذه المبادئ التي يشكل مجموعها قضية
الحداثة ،
وينقضون على التيار
الإصلاحي السلفي الذي رفض الحداثة بكليتها
باعتبارها تمثل منطقة
وقوع في الجاذبية
الغربية ، ولكن الاحيائيين لم يدخلوا في عملية
تحليل و مقارنة
وجدل مع الوحدات
الرئيسية لمقولة الحداثة ،الامر الذي حدا بالسيد
الشهيد محمد باقر
الصدر «رض» وهو المفكر
الإسلامي الكبير الى ان ينعتهم بأنهم ارتبكوا
خطاً شرعياً
ومنهجياً في نفس الوقت.
2. يستنتج السيد
الشهيد ان الحداثة ليست حتمية
تاريخية كما يراها
المنطق الغربي بظروفه وتركيباته الفكرية و النفسية
، على جميع
الشعوب ان تتجه نحوها ،
بل هي مرحلة من مراحل التاريخ الغربي و تصور خاص
عن قيمة
ثقافية عالمية من
الممكن ان تصاغ وفق عدة تصورات مع الحفاظ على جوهر
الحداثة و
مبادئها ، ويقرر انه من
الممكن أن يبرز الإسلام نظريته تجاه هذه الظاهرة
بطريقة
تغاير تلك النظرية
الغربية التي عادت بإنتاج أزمات أخلاقية ونزعة
الهيمنة
والاستغلال للشعوب
المستضعفة المتطلعة .
3. إن الحداثة –
عند السيد الشهيد -
عملية استكشاف حركة الدين
وقيمه الكونية المطلقة وابعاده الممتدة في الحياة
الإنسانية والأوساط
الإبداعية ، ثم تحديث الإسلام داخلياً بتلك القيم
والأبعاد
المكتشفة من خلال ملأ
منطقة الفراغ واستثمار الجانب المتغير للحكم و
العقيدة و
المبدأ ، وتوظيف ذلك
كله من اجل ازدهار المجتمع والارتقاء بوعيه وتنضيج
قدراته
واحتضان تطلعاته
..
4. وهذا كفيل
بتحديث الإسلام تلقائياً دون تجشم عناء
البحث حول الصيغ
المفروضة لتطبيق المفاهيم الغربية وإفرازات واقع
الغرب الثقافي على
الإسلام من اجل جعله
مقبولاً من ناحية عصرية مع حفاظه على هويته
الثقافية .
5. لذا فحينما
اختلفت تعاريف الحداثة؛ الخروج عن السائد المستهلك
، وعي
المبدع و المثقف بخصوصيات عصره
و لغة خطابه الثقافي و تركيبته المعقدة الراهنة ،
العداء للتراث و
الاحتكام للعلم المادي و العقل و خصوصيات الحاضر.
.
6. عرّفها بالتركيز
على الجوهر بمفهومها التأصيلي الذي يرتكز على
مبادئ يقرها الدين
الإسلامي بل هي موجودة
بشكل اقوى وأوسع مما هي عليه في الرؤية الغربية
كالتقدم و
الحرية و الإنسان و
العقلانية ): «بمعنى الاحتكام الى العلم و العقل
في كل قضية
مستجدة على ارض الواقع
» .
7. يكمن ابداع
المفكر الاسلامي الكبير الشهيد
محمد باقر الصدر في
مداخلة مقولة الحداثة الاسلامية، من خلال ما يطرحه
من معالجات
للعناصر النفسية
والمعرفية المودعة في الفكر الاسلامي وتحريكها
باتجاه تحقيق مفهوم
قيمي اسلامي للحداثة
يركز على الجوهر والمضمون( الاداء الخلاق للعمل،
قيمته،هدفه،
غايته، قيمه الانسانية،
وبعده العلمي والمعرفي..) في مقابل الوصفات
الجاهزة
المقروءة في ثقافات
الآخرين..
8. يركز السيد
الشهيد على ان المسألة الثقافية
بقدر ما تحتاجه من
صمامات أمان اثناء عملية الانفتاح على فكر الآخر
ونتاجه ، تحتاج
إلى عمليات تفعيل و
دراسة و مقارنة و رؤية نقدية تحليلية ترجع
المفاهيم الحديثة إلى
وحداتها الرئيسة و
ظروفها التاريخية ، للارتقاء بها إلى حالة ابداعية
مشرقة تتوفر
على عناصر حداثوية
إسلامية و قيم اخلاقية ثابتة ، وتعكس هوية الإسلام
ضمن رؤيتها
الحديثة للواقع المعاصر
.
9. وينطلق السيد
الشهيد اولاً من مفهوم الادراك
وهو المصنع المصدر
للافكار والمفاهيم..ومن الخطاب الذي يسلكه الى
تصوير هذه الغاية
الحضارية..واستثمار بعض
الرؤى والتصورات الاسلامية عن الانسان والمجتمع
والتاريخ
ونهاية التاريخ..
10. يقرر السيد الشهيد الصدر أن
عمل
الواعين ينبغي أن يستهدف
استبدال جميع الأفكار والمفاهيم الأساسية عن
الحياة والكون
التي ترتكز الأنظمة
السابقة للحكم والمجتمع عليها لا يمكن حينئذ
التخلص من عقدة
حصول وتشكل فجوة هائلة
في المنظومة الثقافية الإسلامية نتيجة رفع هذه
الثقافات
التبريرية الدخيلة،
والتي ينبغي العمل على سدها بما يلائمها من
الأفكار والتصورات
والآداب الإسلامية
مستفيدا من مفهوم منطقة الفراغ في الفقه الاسلامي
، بعيدا عن
السلبية والغموض
الموروثين من الثقافة الغربية.
11. ان
هذا الهدف يستدعي ازاحة
عقبة الفهم الكلامي التقليدي ، لذا اسهم شهيدنا في
تأسيس
فهم جديد عن العقائد والاصول
.. وذلك في تأليفه لكتاب (موجز في اصول الدين) وهو
يعلج به الجذر الكلامي
للتقليدية حينما بدأت الحركة الكلامية التقليدية
المتأثرة
بالفلسفات اليونانية
تتقاطع مع المنهج القرآني وروح نصوص الشريعة... |