|
الانعكاسات الاقتصادية
والاجتماعية للتضخم
حسن عبد
راضي
التضخم
ظاهرة اقتصادية مركبة لا يسهم في تشكيلها عامل
اقتصادي واحد كارتفاع
أسعار المشتقات النفطية أو الزيادة في السيولة
النقدية، بل هي
ناجمة عن اختلالات
هيكلية عميقة وتدهور في انتاجية قطاعات الاقتصاد
لاسيما قطاع
الزراعة والصناعة
التحويلية، وارتفاع معدلات البطالة.
ويرى بعض الباحثين ان
العراق لم يعرف أي نوع
من انواع التضخم حتى
عقد السبعينيات من
القرن المنصرم، لكنه عرف اشد انواع التضخم
فتكاً عندما ابتلي
بحكومة دكتاتورية فاسدة تفتقر الى الرؤية والارادة
لتحقيق
التنمية الاقتصادية،
فظلت تدير السلطة من غير اعتماد سياسات اقتصادية
واضحة، وضيعت
الفرصة التي وفرتها
موارد الريع النفطي المتحققة في السبعينيات
والثمانينيات، ولم
تفلح في استثمار تلك
الموارد في ايجاد مصادر قوة اقتصادية وسياسية
واجتماعية جديدة
وفاعلة لتحقيق التنمية
والعدل الاجتماعي.
الحاضنة
السياسية للتضخم
لا شك
ان لكل ظاهرة اقتصادية
معقدة كالتضخم اسباباً متعددة، غير ان اهم أسباب
التضخم في
العراق تأتي من السلوك
السياسي للدولة، سواء في سياساتها الخارجية أو
الداخلية،
لاسيما في نظام يسيطر
على كل مرافق الاقتصاد، وليس له نهج اقتصادي واضح،
فلا هو
اشتراكي ولا رأسمالي،
ووسط مشاغله الحربية والعسكرية الكثيرة (1968 ـ
2003) لم يول
التنمية الاقتصادية اي
اهتمام، بل كانت مغامراته السياسية والعسكرية
سبباً مباشراً
في انهيار اقتصاده
وظهور التضخم بوصفه تحصيل حاصل للاختلال الكبير
بين معدلات النمو
في كميات النقود
المتداولة ومعدل النمو في الناتج المحلي الاجمالي
.
لقد اتجهت
سياسات الحكومة
العراقية منذ اواسط السبعينيات من القرن العشرين،
وعلى نحو اكثر
وضوحاً بعد عام 1980
واندلاع الحرب العراقية ـ الايرانية الى عسكرة
الاقتصاد،
وتحويله الى اقتصاد
موجه شديد المركزية، وبدلاً من التوجه نحو تطوير
البنى التحتية
للاقتصاد العراقي، صار
التوجه نحو تطوير المؤسسات ذات الطابع العسكري
والمصانع
الحربية، كما اقتصر
التبادل التجاري العراقي على استيراد المواد
الاولية للصناعات
الحربية والمواد
والتجهيزات والمؤن الضرورية لادامة الحرب على
الجبهات، الامر الذي
جعل الفجوة تتسع كثيراً
بين عامي 1975 و 1985، ففي حين نما الناتج المحلي
الاجمالي
بالاسعار الثابتة بمعدل
سنوي قدره (9%) ونمت كمية النقود بمعدل سنوي قدره
(29%)، في
الفترة بين 1975 ـ
1980، فقد سجل الناتج المحلي الاجمالي معدلاً
سالباً للنمو قدره (ـ
8%) ونمت كمية النقود بمعدل سنوي قدره (20%) في
الفترة بين 1980 ـ 1985.
ان
قرار الحرب هو قرار
سياسي، لكن له انعكاسات وتأثيرات اقتصادية
واجتماعية لم تحاول
الحكومة العراقية
السابقة معالجتها أو التقليل من مخاطرها، لاسيما
اذا عرفنا ان ثمة
ترابطاً وثيقاً بين
ماهو سياسي واقتصادي واجتماعي في الانظمة
الشمولية، وعلى الرغم
من إدراك الدولة لخطر
التضخم الزاحف باتجاه البنية الاقتصادية القلقة
أصلاً، إلا
أنها لم تتحرك لاحتواء
الخطر، وكانت أولويات الحرب والتصنيع العسكري
والاعلام
الحربي تخنق أي صوت
يمكن أن يحذر أو ينذر أو ينبه.
أما في المرحلة من 1990 حتى
2003 أي بعد اجتياح
الكويت الذي جعل منطقة الخليج بؤرة ملتهبة تجمعت
فيها أضخم حشود
عسكرية لقوات متحالفة
لاكثر من ثلاثين دولة شنت حرباً على العراق
لاجباره على
مغادرة الكويت، وكانت
ستراتيجية قوات التحالف في تلك الحرب المدمرة، هي
الاجهاز على
البنى التحتية العراقية
من مصانع وجسور ومحطات طاقة كهربائية ومحطات مياه
وغيرها،
مما أسهم في تدمير
الاقتصاد العراقي المنهك أصلاً تدميراً شبه كامل،
واصبح وضع
الاقتصاد العراقي خارج
المقاييس العلمية ولايمكن وصفه إلا بأنه فوضى
اقتصادية
شاملة.
وكانت الامم المتحدة ومجلس
الامن الدولي قد اصدرا القرارين رقم 660 و 661
عام 1990، ويقضي الأخير
بفرض عقوبات اقتصادية على العراق، على ألاّ ترفع
هذه
العقوبات عن العراق مالم يتخلص
من اسلحة الدمار الشامل وقدراته العسكرية التي
يهدد
بها جيرانه، هذه القدرات
والاسلحة التي استنزفت صناعتها او استيرادها مئات
المليارات من الدولارات
من عوائد النفط العراقي الذي ظل هو المصدر الوحيد
للناتج
الاجمالي المحلي، بعد
ان أوقفت الحروب ـ أو كادت ـ معظم القطاعات
الصناعية
والزراعية، وقد ظل
النظام السابق يماطل ويسوف في الكشف عن مواقع
أسلحته المحظورة
والوثائق المتعلقة بها
وبمصادرها مما جعل السجال مع لجان التفتيش
لانهائياً، وهذا
ماجعل العقوبات تستمر
حتى سقوط النظام عام 2003.
وبدلاً من اعتماد سياسات
اقتصادية تقشفية،
واجراء اصلاحات شاملة على البنى الاقتصادية
العراقية، فقد اعتمد
النظام العراقي منذ عام
1991 سياسة (تنقيد الدين) اي طبع العملة بدون غطاء
ذهبي،
بكميات كبيرة لتغطية العجز
المستديم في موازنة الدولة، الامر الذي جعل معدلات
التضخم تقفز على نحو
غير مسبوق، وذلك استناداً الى ان التضخم ينجم
ببساطة عن
الاختلال او الفارق بين
معدل نمو الناتج المحلي الذي كان يراوح في مستويات
منخفضة
جداً ومعدل النمو في
كميات النقود المتداولة التي كانت تطبع بوفرة في
تلك الحقبة،
وقاد هذا الاختلال الى
نشوء مايسمى بالتضخم الجامح وهو تضخم حلزوني
تصاعدي في
الأسعار والأجور، وهو
يغذي نفسه بنفسه، ويحدث في الغالب نتيجة لقيام
الحكومة
باستخدام سياسة تنقيد
الدين، وتشكل تجربة العراق في تسعينيات القرن
الماضي أشهر
مثال على التضخم الجامح.
الانعكاسات
الاقتصادية للتضخم
يصف بعض الباحثين
التضخم بانه (مرض
اقتصادي) ومثلما تكون للأمراض البايولوجية أضرار
ونتائج تظهر
آثارها في صحة الانسان
وقدرته على اداء وظائفه الحيوية، كذلك للتضخم مثل
هذا الفعل
المعطل للقدرات
الاقتصادية ويمكن اجمال الآثار الناجمة عن التضخم
بما يأتي:
1 ـ
تفقد النقود وظيفتها
كمخزن ومقياس للقيمة، وكلما اشتد الغلاء انخفضت
قيمة النقود
مما يسبب اضطراباً بين
الدائنين والمدينين، وبين البائعين والمشترين وبين
المنتجين
والمستهلكين وتشيع
الفوضى داخل الاقتصاد المحلي، وقد يلجأ الناس الى
التخلي عن
العملة المحلية الفاقدة
للقيمة واللجوء الى مقاييس أخرى للقيمة كالدولار
والذهب،
ذلك ان التضخم يعبث
بمنظومة الاسعار النسبية بمعنى ان ارتفاع الأسعار
لايشمل السلع
والخدمات جميعاً بنسبة
واحدة، فقد ترتفع اسعار طائفة من السلع والخدمات
بسرعة
كبيرة، في حين تتغير أسعار
طائفة اخرى ببطء، وتبقى أسعار بعض السلع والخدمات
جامدة
على وفق مرونات الطلب السعرية،
ولذلك هناك من يستفيد من التضخم المستمر وهناك من
يتضرر.
2 ـ
اعادة توزيع الدخل الوطني بين طبقات المجتمع على
نحو عشوائي،
وغالباً مايستفيد اصحاب
الدخول المتغيرة من هذا الأمر، كالتجار ورجال
الأعمال،
فتزيد دخولهم عادة مع
ازدياد معدلات التضخم، في حين تتدهور الدخول
الثابتة لشرائح
واسعة من موظفي الحكومة
والقطاع العام، وهم الخاسر الأكبر بسبب التضخم، اذ
تبقى
دخولهم ثابتة أو تتغير ببطء
شديد بإزاء ارتفاع هائل في الأسعار.
3 ـ
اعادة توزيع
الثروة القومية بين
طبقات المجتمع عشوائياً، فالمدخرون لاصول مالية
كالودائع طويلة
الاجل في المصارف،
غالباً ما يتعرضون لخسائر كبيرة، اذ تتعرض القيمة
الحقيقية
لمدخراتهم الى التآكل
مع ارتفاع الأسعار، أما من يعمدون الى الادخار في
أشكال عينية
أو حقيقية كالاراضي
والمعادن النفيسة فهؤلاء ينتفعون من ارتفاع
الأسعار، وهذا
مايشجع الكثيرين على
(الاكتناز) اي شراء السلع والتحف والمعادن النفيسة.
4 ـ
التخلي عن العملة
الوطنية واللجوء الى عملة أجنبية أكثر ثباتاً في
قيمتها، وهو امر
ينعكس على سعر الصرف
للعملة المحلية.
5 ـ
يلحق التضخم المتصاعد ضرراً بالغاً
بميزان المدفوعات
للدولة، وبالتالي باقتصادها كله، ويتمثل ذلك في:
أ ـ تعرض
الصناعة المحلية
لمنافسة شديدة من الخارج، وما ينجم عن ذلك من
بطالة وانخفاض في
مستوى الدخل المحلي.
ب ـ نتيجة لزيادة الطلب على
السلع المستوردة وانخفاض الطلب
على السلع المحلية
يزداد العجز في ميزان المدفوعات الذي تتطلب
مواجهته اما استنزاف
احتياطيات البلاد من
الذهب والعملات الاجنبية، أو اللجوء الى الاستدانة
الخارجية،
او تصفية ما تملكه
الدولة من اصول في الخارج.
الانعكاسات
الاجتماعية
للتضخم
ليس التضخم مفهوماً
اقتصادياً حبيساً في كتب الاقتصاديين وبحوثهم
وندواتهم، وانما هو
مشكلة تظهر آثارها على نحو جلي في التعاملات
الاقتصادية الصغرى
والكبرى، بدءاً من شراء
الخبز أو الخضروات وانتهاءً بالاستثمارات والعقود
وغيرها،
ومعنى هذا ان للتضخم
انعكاسات اجتماعية مباشرة على المجتمع، تتمثل في
الآتي:
-
-
ارتفاع الاسعار: ان اول مظاهر
التضخم التي يمكن رصدها وقياسها هو ارتفاع الاسعار
على نحو تصاعدي مستمر،
وقد يكون ارتفاع الاسعار ناجما عن زيادة في كمية
النقد تجعل
التيار النقدي اكبر من
التيار السلعي، او انه ناجم عن ارتفاع تكاليف
الانتاج او عن
وجود فائض في الطلب
الكلي.
-
-
وينعكس ارتفاع الاسعار سلبيا
على القدرة الشرائية
لاصحاب الدخول الثابتة
من الموظفين والمتقاعدين والعاملين في القطاع
العام، بحيث
تتقلص قدرتهم على شراء
السلع والحصول على الخدمات تدريجيا، وكلما ارتفعت
الاسعار
وبقيت دخولهم على
حالها، كلما تقلصت قائمة السلع والخدمات التي
يمكنهم الحصول
عليها، بل قد يصل الامر
الى الاقتصار على المواد الاساسية التي تضمن
استمرار
الحياة، كما حصل في
العراق إبان فترة العقوبات الاقتصادية، اذ تذكر
احدى الدراسات
ان الموظف في العراق
كان يتسلم راتبا شهريا قدره دولاران فقط، وان
العائلة العراقية
كانت تنفق ما يزيد على
70% من دخلها على شراء الغذاء مقارنة بـ20% فقط في
الدول
المتقدمة.
ان شرائح واسعة من
المجتمع هم من ذوي الدخول الثابتة، وهؤلاء يلامسون
على
نحو يومي الوجه المباشر للتضخم
وهو ارتفاع الاسعار الامر الذي يجعلهم في مأزق
اخلاقي واجتماعي ونفسي،
فامام عجزهم عن توفير احتياجاتهم واحتياجات
عوائلهم يجدون
انفسهم مجبرين على رفع
مستوى دخولهم اما بالعمل في اكثر من مهنة او
بالانجراف نحو
الفساد والرشوة والتكسب
غير المشروع، كما ادى الى تسرب عدد كبير من
الاطفال الذين
ينتمون الى عوائل
محدودة الدخل من مدارسهم والتجائهم الى امتهان مهن
قاسية لاتتناسب
واعمارهم، او تشردهم او
اتخاذهم التسول وسيلة لكسب العيش.
-
البطالة: تمثل
البطالة مشكلة مزمنة من
مشاكل المجتمعات الفقيرة، ويمكن ان نعد اي مجتمع
مبتلى
بالتضخم مجتمعا فقيرا حتى لو
كانت لديه موارد اقتصادية ضخمة كالمجتمع العراقي،
فالتضخم يخلق بيئة غير
مناسبة للاستثمار سواء من قبل القطاع الخاص المحلي
او
الاجنبي، ومن هنا تنحصر فرص
العمل في العمل الحكومي الذي لا يعود بمردود مالي
يذكر،
او الاعمال الحرة او العمل
بالاجرة اليومية، وتكون فرص العمل المعروضة اقل
بكثير من
الطلب على العمل مما
يؤدي الى البطالة الدائمة او المؤقتة (بمعنى
الحصول على عمل
غير منتظم مثل عمال
البناء وغيرهم) وتسهم البطالة في تكريس التفاوت
النسبي بين
الناتج الاجمالي المحلي
وبين معدلات كمية النقود المتداولة، اذ لايحقق
الاقتصاد في
دولة تعاني من مشكلة
البطالة اي معدلات نمو في حين تزدهر كميات النقود
المتداولة
يوما بعد اخر بسبب
الاصدار الضخم المستمر لها، الامر الذي يخفض قيمة
النقود ويفاقم
المشاكل الاجتماعية
الناجمة عن التضخم، ولابد من الاشارة الى ان
البيانات الرسمية
المتعلقة بالتضخم
وآثاره الاقتصادية والاجتماعية اما شحيحة او غير
مسموح بتداولها
في عهد النظام السابق
ولذلك من الصعب الحديث عن ارقام او نسب دقيقة
لمشكلة البطالة،
اما بعد عام 2003 فتذكر
احدى الدراسات ان نسبة البطالة في عام 2004 كانت
30% حسب
احصاءات غير رسمية،
و18% حسب احصاءات وزارة التخطيط العراقية، اما عن
عام 2005 فقد
اشارت نتائج مسح اجرته
وزارة التخطيط والتعاون الانمائي بالتعاون مع
وزارة العمل
والشؤون الاجتماعية في
العراق ان معدل البطالة في الفئة العمرية 15 سنة
فاكثر يبلغ 28.1%
لكلا الجنسين.
-
الفساد الاداري والمالي: يسبب
التناقص المطرد لقيمة
النقود انخفاضا في
مدخولات موظفي الحكومة والقطاع العام بسبب الثبات
الذي تتصف به
اجورهم الامر الذي
يجعلهم في حالة عوز دائم وشعور بالمرارة بسبب عدم
قدرتهم على
توفير احتياجات عوائلهم.
ان مثل هذا الوضع يوفر ذرائع حقيقية او زائفة
للفساد
الاداري والمالي لموظفي
الدولة الذين يستغلون المواقع التي يشغلونها من
اجل الحصول
على مورد اضافي عن طريق
الرشاوى والهدايا التي يحصلون عليها من المتعاملين
واصحاب
المصالح وحتى المعاملات
الورقية البسيطة مقابل تسهيل هذه المعاملات، بل قد
يتعدى
الامر المعاملات القانونية
بمعنى ان يقوم الموظف بتمرير معاملات لا تتوفر على
الجوانب القانونية
اللازمة مقابل الحصول على رشوة يتناسب مقدارها
طرديا مع حجم
الخرق القانوني الذي
يتغاضى عنه الموظف.
-
ان الفساد الاداري والمالي
يعبث بحقوق
المواطنين فقد لايحصل
صاحب الحق على حقه في دعوى قضائية (مثلا) لأن
الطرف الاخر قدم
رشوة كبيرة للقاضي او
لموظفين في القضاء وهلم جرا. لقد غزا الفساد
الاداري كل
القطاعات وتغلغل في
دوائر الدولة جميعا واصبح جزءا من المنظومة
البيروقراطية
للدولة، كما ان هذه
المنظومة بدورها اصبحت اكثر تعقيدا بسبب الاجراءات
الشكلية
المناهضة للفساد، فعلى
سبيل المثال للتأكد من ان الكتاب الفلاني صادر حقا
من
المؤسسة الفلانية يرسل صاحب
العلاقة الى تلك المؤسسة ليحصل على ما سمي حينها
(صحة
صدور) او (صحة تسريح) في حال
العسكريين، وهكذا انعكس الفساد الاداري على هيئة
تعقيدات اضافية
للسيرورة المعقدة (اصلا) لاي معاملة حكومية.
-
ازدياد معدلات
الفقر: يجمع الباحثون
على ان التضخم يحدث تغييرات جذرية في البيئة
الطبقية للمجتمع،
اي انه يحدث استقطابا
حادا لثنائية الفقر والغنى، اذ تتكدس الثروات لدى
فئات قليلة
من المجتمع وهم التجار
والمستثمرون والمضاربون في العقارات وغيرها، بينما
تظل
قطاعات واسعة من المجتمع تعيش
عند خط الفقر او تحته وتنسحب الطبقة المتوسطة شيئا
فشيئا لتنضم الى الطبقة
الفقيرة، وطبقا لهذا الاستقطاب الحاد، ينقسم
المجتمع الى
فئتين لا ثالث لهما:
فئة الاثرياء المسيطرين على رؤوس الاموال الذين
يحظون برعاية
الدولة ويستأثرون
بالامتيازات ومظاهر الرخاء والترف، وفئة الفقراء
المحرومين
المهمشين قليلي التعليم
الذين لايملكون خيارات كثيرة لتنمية مواردهم
وتحسين احوالهم
المعاشية وتعليم
ابنائهم ولا يحصلون على رعاية صحية كافية وليس
بمقدورهم الحصول على
الغذاء اليومي (في ابسط
اشكاله) بسهولة.
ان من شأن هذا التمايز
الطبقي ان يخلق
شروخا اجتماعية في
اوساط المجتمع وان يكرس مشاعر الغبن والمظلومية
لدى الطبقات
الفقيرة، كما ان ابناء
هذه الطبقات يصبحون عرضة - اكثر من غيرهم -
للامراض كسوء
التغذية وفقر الدم
والامراض السارية وامراض الجهاز الهضمي وغيرها،
كما انهم يتعرضون
اكثر من غيرهم
للانحرافات الاجتماعية كالتسرب من الدراسة والتشرد
والادمان
والتسول.
-
ارتفاع اسعار العقارات: يظهر
ارتفاع الاسعار المتصاعد عدم جدوى
الاستثمار في المشاريع
الانتاجية بسبب ارتفاع كلف الانتاج وعدم استقرار
اسعار
المواد الاولية مما يدفع اصحاب
الرساميل الى الاتجاه نحو المضاربة بارباح كبيرة
وفورية في قطاعات
محدودة (كالتجارة والعقارات) لما توفره من ارباح
مضمونة وسريعة
وينتج عن هذا الامر
ارتفاع اسعار العقارات ومعها ايجارات السكن على
شكل قفزات كبيرة
بسبب الطلب المتزايد
عليها من جهة وبسبب الشعور لدى من يمتلك مدخرات
نقدية ان
قيمتها آخذة في النقصان
ولذلك يلجأ الى الادخار في العقارات الامر الذي
يؤدي بدوره
في انخفاض معدلات
الناتج المحلي الاجمالي وتكريس التضخم.
-
ان ارتفاع اسعار
العقارات وايجارات
السكن ينعكس سلبا على فئات واسعة من المجتمع
العراقي، اذ ان نسبا
عالية من العراقيين
لايملكون دورا سكنية واغلبهم مستأجرون وذلك يجعلهم
عرضة لابتزاز
اصحاب العقارات.
المصــادر
1- د. فلاح خلف
الربيعي: من اجل تفسير موضوعي لظاهرة التضخم في
الاقتصاد العراقي.
2- هلال الطعان: التضخم
والانفاق الحكومي في العراق. |