|
البطالة في العراق
أسبابها ، آثارها
، حلولها
صفاء هلال الموسوي : باحث وإعلامي
تُعد مشكلة البطالة من أهم المشكلات التي
تواجه دول العالم عامة والدول النامية خاصة، وهي
مشكلة متشعبة، ومتجذرة، ومتشابكة، والخوض فيها
أكثر صعوبة، وهذه الظاهرة تكاد تكون متواجدة في كل
دول العالم سواء أكانت متقدمة أم غير متقدمة
(نامية) ، إلا أنّ الدول المستقرة سياسياً
واقتصادياً (المتقدمة) تكون فيها هذه المشكلة أقل
بكثير مما هي عليه في الدول النامية ، وأنها أي
(الدول المتقدمة) تستطيع بفضل استقرارها السياسي
والاقتصادي خلق فرص عمل جديدة تؤدي إلى امتصاص
البطالة شيئاً فشيئاً، وعلى الرغم من ذلك فأنها لم
تستطع القضاء عليها بالكامل، بل التقليل من نسبتها
، لقد تمكنت هذه البلدان من السيطرة على معدلات
البطالة ضمن حدود مقبولة لا تجاوز (10%) من القوى
العاملة في أسوأ الاحتمالات(1)
، وسنبين في هذا البحث البطالة وأسبابها وآثارها
على المجتمع والحلول الممكنة لذلك.
البطالة:
تختلف التسميات التي تطلق على هذه الظاهرة
والمقصود واحد والآثار تبدو متشابهة ، فالبطالة
بمفهومٍ عام ((جهد إنساني منتج يحقق الدخل))
(2)،
وبوفق هذا التعريف فالبطالة مصطلح معاكس لمصطلح
التشغيل فلا يمكن أن نفهم البطالة ما لم نفهم
التشغيل ؛ لأنهما متداخلان ومتصلان؛ ولأجل ذلك
سنبين ما التشغيل ، فالتشغيل يقسم إلى قسمين :
أحدهما : أن تعمل لنفسك وتحصل على الدخل.
وثانيهما : أن تعمل لغيرك وتحصل نتيجة لهذا العمل
أجوراً ، ووفقاً لهذا التعريف الذي ذكرناه آنفاً
فالشخص الذي عمله من النوع الثاني فلا يعد عاملاً،
بل عاطلاً ؛ لأنه غير منتج على وفق للنظرية
الاقتصادية وهذا ما يسمى بـ(البطالة المقنعة)
ويمكن مما ذكرناه تحديد خصائص الفرد العامل منها :
يبذل جهداًُ معيناً كأن يكون عضلي أو فكري أو غير
ذلك بشرط أن يحقق هذا الجهد إنتاجاً يخدم المجتمع
ويحقق عن طريقه الدخل ويجب أن يكون العمل ضمن
قدراته ومؤهلاته وأنْ يعمل لعدد محدد من الساعات
وهناك أنواع كثيرة للبطالة منها :
1ـ البطالة الاحتكاكية (الانتقالية) : وهي
المتكونة نتيجة لعدم التوافق بين الوظائف الشاغرة
والعاطلين عن العمل ومثال ذلك عدم التوافق بين
مكان الوظيفة والعاطلين أو بسبب نقص المهارات لدى
العاطلين وغيرها.
2ـ البطالة الدورية : وهي التي تحدث للنشاط
الاقتصادي عندما ينتقل من حالة الرواج إلى الركود
ومن ثم نقصان في الدخل القومي وانخفاض مستوى
التشغيل وحدوث البطالة.
3ـ البطالة الهيكلية : وهي المتكونة نتيجة لعدم
ملائمة الخبرات المكتسبة لدى العاملين
والتكنولوجيا الآخذة بالنمو مما يؤدي إلى حدوث
البطالة وسميت لذلك؛ بسبب المتغيرات الهيكلية التي
تحدث في الاقتصاد عند تغير التكنولوجيا.
4ـ البطالة الموسمية : وهي التي تحدث نتيجة انتهاء
موسم معين مما يؤدي إلى انسحاب للعاملين من العمل
لانتهاء عملهم بانتهاء الموسم ومن الأعمال التي
يكثر فيها البطالة الموسمية القطاع الزراعي والصيد
والبناء والصناعة وغيرها.
5ـ البطالة المقنعة أو (المستترة) : وهي المتكونة
نتيجة لعدم وجود أنظمة الإعانات أو ضمانات البطالة
وكذلك الأيدي العاملة الفائضة واختلال مخرجات
التعليم وارتفاع نسبة الهدر في الطاقات حيث يوجد
موظفون في الدولة لا يقومون أية زيادة في الإنتاج
، وأول من أطلق هذا المصطلح (المقنعة) في عام
1936م لوصف العمال في البلدان المتقدمة الذين
قبلوا بوظائف متدنية دون مستواهم الإنتاجي وينخفض
فيها مستواهم الإنتاجي انخفاضا كبيراً قد يصل إلى
الصفر أحياناً(3).
أسبابها:
للبطالة أسباب كثيرة منها : عدم الاستقرار
السياسي وضعف سلطة القانون وعدم وجود سلطة قضائية
تساعد على التخلص من عدم الاستقرار السياسي مما
يؤدي إلى الفوضى في المجتمع فتصبح مؤسسات الدولة
عرضة للفساد الإداري وبالتالي يكون للمحسوبية
والمحاباة والرشوة دورها، وتكون الفيصل والحاكم في
كل المجالات، وبذلك يتم وضع الأشخاص في غير
أماكنهم المناسبة لاختصاصاتهم ويذهب أصحاب
الشهادات العليا إلى الجحيم، فلا يكون لهم مكان
فضلاً عن زيادة عدد السكان ومن ثم زيادة عدد
الشباب المؤهلين للعمل والإنتاج وعدم وجود ما
يستوعبهم وقدراتهم وأستحقاقاتهم كل ذلك يؤدي إلى
انتشار هذه الظاهرة في المجتمع.
آثارها
:
يرجع الخبراء الاجتماعيون والاقتصاديون أنَّ
أهم أسباب تفشي الجريمة، وحالة الركود الاقتصادي،
والتردي الاجتماعي، إلى البطالة ، وتُفتح أبواب
الهجرة على مصراعيها أمام الشباب الذين يبحثون عن
واقع يقيهم مستقبل الضياع مما يؤدي إلى خلو البلد
من الكفاءات والاختصاصات فيؤدي ذلك إلى تعطيل
مشاريع كثيرة في البلد ويرى العلماء النفسيون أنَّ
البطالة تجعل الشباب يشعرون بعدم الثقة وتكثر
عندهم العقد النفسية وبالتالي يساقون إلى ارتكاب
الجرائم وأخيراً باتت البطالة أحد أوجه الإرهاب
العالمي، فيجب أن نجد لهذه الظاهرة المقيتة
حلولاً.
حلولها :
وضع لجنة من خبراء اقتصاديين واجتماعيين
ونفسيين لتشخيص وإصلاح هيكلية الاقتصاد ضمن مراحل
تؤدي بالنهاية إلى النهوض به وإنشاء مشاريع كبيرة
وصغيرة وتفعيل عملية الخصخصة بتفعيل دور القطاع
الخاص وهذه الخصخصة يمكن أن تكون في الدول
المستقرة سياسياً . وعن طريق هذه العمليات أو
المراحل يمكن استيعاب العاطلين كلٌ في اختصاصه
ونكون قد قللنا من نسب هذه الظاهرة على الأقل إلى
حد مقبول يمكن السيطرة عليه.
البطالة
في العراق :
يرى الكثير سواء كانوا من المسؤولين أومن
المثقفين أو من العامة أنّ هذه الظاهرة قد بدأت
بعد 9/4/2003 وكأن العراق كان دولة مستقرة
اقتصادياً في عهد النظام البائد وبالعكس فإنه كان
يسيطر على كل مجالات الحياة الاقتصادية مثل
الشركات، والمعامل، والزراعة، وكل صرحٍ منتج عن
طريق عصاباته البعثية فكانت المحاباة والمحسوبية
سائدة في مؤسسات الدولة كافة ومحصورة لتلك الفئات
وهذا أدى إلى عدم وضع الشخص المناسب في المكان
المناسب وبالتالي حدثت البطالة وكان موظفو الدولة
يتقاضون أجوراً تقلل من شأنهم وتجعلهم محط سخرية
مما جعلهم يعزفون عن الوظائف ويعملون أعمالاً تجلب
لهم المنفعة المادية وإن كانت خارج نطاق
اختصاصاتهم وأخيراً أصبحت هذه الظاهرة تعيش مع
الفرد العراقي . هذا من جانب ومن جانب آخر كان
يفرض أي (النظام البائد) على الشركات الأهلية
والمعامل الصغيرة ضرائب ما جعلها ترفع أسعار
المنتجات ومن ثم تقليل أجور العاملين فيصبح ما
يتقاضاه العامل من أجور لا يتناسب مع حجم الأسعار
في السوق، فحدث عدم توازن في الاقتصاد للفرد بين
ما يحققه وبين ماينفقه على عائلته وهذه تمثل بطالة
إضافية وغيرها ، وعلى الرغم من عدم وجود إحصاءات
دقيقة تشير إلى حجم البطالة في العراق في السنوات
التي سبقت سقوط النظام في 9/4/2003 إلاّ أنّ هناك
تقديرات تشير إلى حجم هذه الظاهرة فقد تتراوح ما
بين(5% عام 1987) و(17% في عام1997)
(4).
ولكن الإحصائية الأكثر دقة هي تلك التي أصدرتها
وزارة التخطيط والتعاون الإنمائي بالتعاون مع
وزارة العمل والشؤون الاجتماعية عام 2003 (قبل
السقوط) وشملت جميع المحافظات (عدا أقليم كردستان)
وأشارت إلى أن معدل هذه الظاهرة في العراق بلغت
نسبتها بين الذكور (30%) وبين النساء (16%) وكانت
أعلى نسبة لها سُجلت في محافظة الناصرية
بمعدل(46%) وأدنى نسبة في محافظة كربلاء
وبلغت(14%) فقط
(5)،
أما بعد 9/4/2003 حصلت مستجدات أخرى مضافاً إليها
تراكمات النظام السابق ومن هذه المستجدات الزيادة
الحاصلة في جانب العرض في القوى العاملة لا تقابل
زيادة في فرص العمل الجديدة فضلاً عن قيام القوات
المتعددة الجنسيات بحل الجيش العراقي وهؤلاء
يتراوح عددهم مابين(500000 ـ 1000000) فرد
(6)
، وتوقف المصانع الكبيرة والصغيرة، وهجرة رؤوس
الأموال إلى خارج العراق بسبب الظروف الأمنية
الصعبة وهذه الأموال تقدر من (15 ـ 20 ) مليار
دولار، وكذلك اختلال مخرجات التعليم العالي حيث إن
عدد الخريجين لا يتناسب مع عدد الوظائف، أو
الأعمال التي تناسبهم فهناك عشرات الآلاف من
الخريجين في جميع الاختصاصات . فضلاً عن ضعف
القاعدة الصناعية في البلد فقد توقفت جميع
القطاعات الصناعية في البلد بعد انهيار النظام
السياسي السابق وضعف القطاع الخاص ، فالقطاع
الخاص لا يوفر فرص عمل إلا ما نسبته (40% ـ50%) من
مجموع العاملين في العراق بينما يعمل الآخرون في
القطاع العام والمختلط هذا حصل نتيجة لتوجهات
الحكومة في تأميم منشات القطاع الخاص في سبعينات
القرن الماضي، وآثار الحرب العراقية الإيرانية،
والحصار الاقتصادي الذي فرضته والأمم المتحدة ، إذ
تحول الاقتصاد العراقي إلى اقتصاد حرب وتدهور
القطاع الزراعي بسبب الحصار وهجرة العاملين من
الريف إلى المدينة وهذه الظاهرة لا يمكن حلها
سريعاً لتعقدها، بل يتطلب النهوض بالواقع السياسي
والاقتصادي والسياسة الاقتصادية المتبعة من
الحكومة ومما ذكرناه يجب إقامة برنامج معين لتنظيم
خريجي التعليم العالي مع الوظائف المتوفرة ووضع
قانون ينظم التقاعد حتى تكون هناك موازنة بين
مخرجات التعليم وبين المتقاعدين وكذلك تفعيل قانون
الاستثمار الأجنبي وجذب رؤوس الأموال المهاجرة
والاستفادة منها بالقيام بمشاريع تنموية ودعم
القطاع الزراعي فهذا أهم ما يمكن فعله في هذه
المرحلة للنهوض بالاقتصاد العراقي لكي ينتهي هذا
الكابوس من حياتنا الاقتصادية ونحقق بذلك اقتصاداً
رصيناً لنتحول من الدول النامية إلى المتقدمة.
المصادر
(1)
د. حيدر الفريجي، مشكلة البطالة في العراق، بغداد
، مركز الشهيدين الصدرين، للدراسات والبحوث،
2007م، ص5 .
(2)
علي محمد ، اقتصاديات العمل، ط4، القاهرة ،
1991،ص30 .
(3)
فح حسن ، وخلف، وحيدة جبر، دراسة في مكلة البطالة،
المجلة العراقية للعلوم الاقتصادية، الجامعة
المستنصرية، العدد11 ، 2006م.
(4)
الجهاز المركزي للإحصاء (تقرير تشغيل البطالة في
العراق 2003) وزارة التخطيط والتعاون الإنمائي،
العراق 2003م.
(5)
محمد كريم (هل كان قرار حل الجيش صائباً) مقال
منشور على الانترنت، موقع الصحافة العراقية. |