|
المجتمع المدني في العراق
(الواقع والطموح)
عبد العظيم جبر
باحث وأكاديمي
ان المجتمع العراقي عاش
عقوداً طويلة من السنين تحت السيطرة الاجنبية ،
منذ سقوط بغداد عام 1258 م ، ولم تشكل دولة عراقية
حديثة الا في بداية الربع الاول من القرن العشرين
عام 1921 م ، وفرض عليها (أي الدولة العراقية)
الجديدة ، النظام السياسي الملكي ومؤسساته
السياسية التي كانت نسخة مشوهة من مؤسسات المملكة
المتحدة (بريطانيا) افضت الى نظام سياسي برلماني
منحرف عن الصيغ الديمقراطية ، فضلاً عن ان المجتمع
العراقي كان مجتمعاً تقليدياً ومتشظياً اجتماعياً
وسياسياً وثقافياً ، لذا لم يتشكل في المقابل
ملامح مجتمع مدني بالمعنى الذي عرفته المجتمعات
المتقدمة ، غير ان العراق عرف نشوء وتأسيس بعض
مؤسسات المجتمع المدني في مدة الحكم العثماني في
العراق بموجب قانون الجمعيات الاهلية الاجتماعية
والسياسية لعام (1909 م) ثم توالت القوانين لتشكيل
الجمعيات في العهد العثماني والملكي والجمهوري
منها قانون عام 1922م وقانون عام 1954 م ، وقانون
عام 1966 م، وكانت تلك القوانين تمتاز بـ :-
اولا : انها جمعيات مفروضة
من قبل السلطة (في غالبيتها ) على المجتمع العراقي
. أي لم تكن منبثقة عن ارادة عراقية لتحقيق مصالح
المجتمع ، بل لصالح السلطة لذلك لم تؤدي وظيفتها
في خدمة الصالح العام ولا الحد من طغيان السلطة
السياسية ، لان تأسيسها كان من (فوق) في الوقت
الذي يتاسس المجتمع المدني من (الاسفل) أي من
قاعدة المجتمع ، لذا كانت تلك الجمعيات او
(المؤسسات) مقيدة بقوانين الحكومات انذاك .
ثانياً :- ان المجتمع
العراقي لاسيما بعد السيطرة العثمانية ، كان
مجتمعاً تقليدياً غارفاً في تخلفه السياسي
والاجتماعي والثقافي ، اذ كانت الثقافة التقليدية
(العشائرية والعصبية) هي السائدة ، وعليه فان فرصة
قيام مؤسسات مجتمع مدني بالمعنى الحقيقي للمجتمع
المدني (دور ووظيفة) ضعيفة جداً .
ثالثا:- ان تلك المؤسسات قد
فرضت من قبل السلطة السياسية ، بل اصبحت امتداداً
لها . فهي واجهات سياسية واجتماعية وثقافية وتجلت
اكثر في عهد النظام السياسي السابق .
ويمكن بيان وتحليل دور
ووظيفة مؤسسات المجتمع المدني من خلال توزيعها على
المدد الزمنية الاتية :-
1-
المجتمع المدني بعد 14 تموز
1958 :-
بعد التغيير السياسي في
العراق في 14 تموز 1958 أجيزت بعض الاحزاب
السياسية ، وشهد العراق تاسيس جمعيات ونقابات
واتحادات في بغداد كان عدها (142) جمعية توزعت بين
النشاط الاقتصادي والديني والقومي والمهني والخيري
والثقافي ، فضلا عن عدد من المؤسسات في باقي
المحافظات (الألوية) الاخرى . غير ان الطابع
الواضح لها هو انها لم تسعى او لم تمنحها السلطة
المجال الملائم في صنع القرار السياسي ، والضغط
على السلطة لتحقيق مطالب المجتمع العراقي فبقيت
محودة في عطائها .
2-
المجتمع المدني بعد انقلاب
1963 .
اخذت هذه المؤسسات التي
تشكلت بعد 1963 بالتقلص اذا اصبحت (السلطة البعثية)
هي المحور في كل شيء مما اضعف عمل مؤسسات المجتمع
المدني بشكل ملحوظ .
3-
المجتمع المدني بعد انقلاب
1968 .
ان المؤسسات التي شهدت
تاسيسها بعد عام 1968 في العراق كانت تمثل واجهات
تنظيمية لحزب السلطة السياسية ، فلم يسمح النظام
السياسي السابق بانشاء مؤسسات لا تنسجم مع خط
الحزب والسلطة . لذلك لا يمكن الحديث عن دور او
وظيفة او ان نطلق عليها (مجتمع مدني) لانها لم تكن
في الحقيقة تعبر عن مصالح الشعب وعن مطالبة ، بل
هي ليست طوعية او اختيارية ، بل تشكلت بأوامر من
السلطة السياسية ، وهذا ما يتعارض مع المبدأ
الفكري للمجتمع المدني كونه يتميز باستقلاليته عن
السلطة السياسية . وهذا لم يتحقق في عهد النظام
السياسي السابق .
4-
المجتمع المدني بعد التغير
السياسي في 9/4/2003 .
تشكلت اعداداً كبيرة من
مؤسسات المجتمع المدني في العراق بعد التغيير
السياسي فيه ، وقد بلغت (وبحسب احصائيات وزارة
الدولة لشؤون منظمات المجتمع المدني) اكثر من
(5000) منظمة ذات الاختصاصات المتعددة والمختلفة .
وامتازت بما يلي :-
أ – تتسم بالدوافع
الانسانية : مثل جمعيات حقوق الانسان وجمعيات
السجناء السياسيين ، ومكافحة الارهاب والالغام
والبيئة .
ب – جمعيات تسعى الى نشر
الوعي السياسي الديمقراطي وقيم الحرية وحقوق
الانسان واستقلاله وسيادته .
ج – حضور المرأة بشكل واضح
، وعملها في هذه المؤسسات اذ بلغت اكثر من (35)
مؤسسة لحد عام 2005 م .
د – ضعف التجربة العراقية
في مجال مؤسسات المجتمع المدني .
ولاجل انجاح تجربة مؤسسات
المجتمع المدني يتوجب ما يلي :-
1-
الاخذ بمبدأ المواطنة ،
وبشرعية الاختلاف فكرياً ودينياً ، وعدم اللجوء
الى العنف ونشر الثقافة المدنية .
2-
محاولة تفكيك القيم التقليدية
التي تعرقل قيم الحضارة والمدنية
3-
غرس الوعي لقانوني والدستوري ،
والتثقيف باتجاه وعي مفهوم الدولة .
4-
العمل بجد من اجل نشر الوعي
الديمقراطي ، فمن غير الممكن بناء مجتمع مدني بدون
توافر البناء الديمقراطي .
5-
ابعاد المؤسسة العسكرية في
التدخل في الحياة المدنية والحياة السياسية وتحديد
اهدافها في الدفاع عن البلد داخلياً وخارجياً ضد
التهديدات المحتملة .
6-
التوغل والتغلغل في الريف
العراقي بقصد نشر الوعي المدني والحضاري والمجتمعي
. |