|
المجتمع المدني في الفكر
الإسلامي
مقاربة إسلامية
عبد
العظيم صبري
مقدمة
قامت أطروحة المجتمع
المدني على مشاركة المواطنين في تأسيس جماعات
طوعية اختيارية، تهدف إلى تحقيق المصلحة العامة،
وهي مستقلة عن السلطة السياسية. وحققت مؤسسات
المجتمع المدني المتمثلة في المنظمات الأهلية (غير
الحكومية) الكثير من النتائج في عدد من المجالات
الحيوية التي لها صلة مباشرة بحياة الإنسان، مثل
مشكلات البيئة، وحقوق الإنسان، والتمييز العنصري،
وحقوق الأقليات، وحماية المستهلك، وغيرها.
ولا يزال ذلك واضحاً في
المجتمعات الأوربية والأمريكية المتقدمة، فكما هو
معروف أن الدعوة إلى دور ووظيفة المجتمع المدني
بشكله المحدد نشأت في أوربا، نتيجة الاضطهاد
السياسي والفكري والاجتماعي من قبل (الكنيسة
المسيحية) في أوربا خلال القرون الوسطى، فضلاً عن
سيطرة الإقطاع والملوك، الأمر الذي دفع الحركة
الفكرية والسياسية في أوربا، لاسيما في انكلترا
وفرنسا والمانيا، وعلى يد مفكريها (توماس هوبز)
و(جون لوك) و(روسو) و(هيغل)، إلى التفكير وصياغة
شكل وطبيعة ما يجب أن تكون عليه علاقة المجتمع
بالسلطة السياسية، إذ كانت كتاباتهم تتمحور حول
العلاقة بين السلطة والمجتمع، في قضايا مثل
مسؤولية السلطة السياسية تجاه المجتمع، وحقوق
وحريات وواجبات الفرد، وسيادة القانون، واحترام
الإنسان، وتعزيز قيم المواطنة بغض النظر عن
الأثنية والدين والمذهب، وحرية الإنسان في المعتقد
الديني والفكري والسياسي، ومشاركته في القرار
السياسي، فضلاً عن الدور المهم الذي يقع على عاتق
مؤسسات المجتمع المدني في تجميع وتوحيد المطالب
المجتمعية المختلفة والمتعددة وتمريرها إلى السلطة
السياسية لفحصها ودراستها والخروج بقرار سياسي
يخدم المصلحة العامة.
إذن، إذا كانت تلك
القيم والحقوق التي سعى ويسعى إليها الفكر الوضعي،
يحق لنا نتساءل ما علاقة الفكر الإسلامي بالمجتمع
المدني؟ لا لاسيما وأن التصور الإسلامي ينطوي على
جملة من الحقوق والحريات أكدها وعززها القرآن
الكريم والسنة النبوية الشريفة، وعليه نتناول هنا
الطرح المفاهيمي أولاً، وعلاقة المجتمع المدني في
الفكر الإسلامي ثانياً.
1. تحديد مفهوم المجتمع
المدني
اختلف المفكرون في وضع
تحديد مفهوم جامع ومانع للمجتمع المدني، ولكن يمكن
القول: أن وصف زاوية علاقة الإنسان بمطالبه
المجتمعية، (هو حصيلة ثمرة نشاطات وجهود تبذلها
مؤسسات غير رسمية، مستقلة عن الدولة، طوعية،
اختيارية، لا تسعى إلى الوصول للسلطة، وإنما هي:
قوة ضغط على السلطة السياسية المتمثلة (بالحكومة)
وبالأخص على سياساتها العامة التي ترسمها وتنفذها،
ولهذه المؤسسات (أي مؤسسات المجتمع المدني)
قوانينها، وتمويلها أما ذاتياً، أو حصولها على
تبرعات خيرية، أو استقطاع نسبة لها من الميزانية
العامة للدولة، لدعم تلك المؤسسات خوفاً من
تبعيتها لجهات خارجية وهي تدافع عن مصالح أعضائها،
الذين ينتمون إلى جهات مختلفة، بمعنى آخر هي تدافع
عن شرائح المجتمع المختلفة في وظائفها، عن طريق
الأحزاب السياسية، والنقابات العمالية، والإتحادات
والمنظمات والجمعيات والروابط والأندية. وبهذا فان
المجتمع المدني تتضح علاقته بالسلطة، عبر هذه
((القنوات)). فإذا كنا نريد أن نقيم (مقاربة
إسلامية) طبقاً لهذا المفهوم والدور فماذا نجد؟
أولاً: إن نظرية المجتمع
المدني قامت على المفهوم (غير الديني) في أوربا،
إذ انتزعت هذه النظرية دور (الكنيسة المسيحية) في
علاقتها السلطوية من المجتمع، حيث كانت مهيمنة على
المجتمع والسلطة، بل وحتى على الدولة، فتخلصت من
نظرية تخويل الكنيسة بالحكم الالهي طبقاً لتعاليم
الكنيسة المسيحية، إلى نظرية (الحرية الفردية)،
ومن المجتمع الطبيعي إلى المجتمع المدني، ونعتقد
إن موقف الإسلام لا يتقاطع مع الأهداف النبيلة
الإنسانية في التخلص من الإستبداد والإستغلال
فالحديث عن مفهوم (المجتمع المدني) وإن لم يجد في
الأدب والفقه والتشريع الإسلامي، كمصطلح، فمن
الممكن أن يطلق عليه اسم يتوافق مع دور ومضمون هذا
المجتمع. ما دام يتحقق فيه المبتغى الإنساني.
وعليه فان الإنطلاقة من التفكير (الكنيسي) خطأ
فكري وإساءة للعقل وللضمير.
ثانياً: إن دراسة الدولة
والسلطة والمجتمع والقانون، تأثرت عبر مراحل الفكر
البشري بنظريات فلسفية عديدة، وتأثرت أيضاً بالفكر
الإسلامي، ففي رواية تنسب إلى أمير المؤمنين علي
بن أبي طالب (عليه السلام) وهو خليفة المسلمين،
قال له رجل: (إني لا أخرج معك بحرب، ولا أصلي
وراءك بجمعة، فقال له الإمام: (هذا شأنك، ولا أقطع
عطاءك، إلا إذا أعترضت طريق المسلمين).
نعتقد أنه ليست هناك أرفع
وأنبل وأسمى من هذا القول في التجسيد الحي للحرية
والعدالة الاجتماعية والمساواة والقانون في الفكر
الإسلامي.
فالفكر الإسلامي ينطلق في
تأسيس الحياة من مرتكزات معرفية أساسية يمكن
تلخيصها بأن الفطرة البشرية هي (فطرة خيرة)، بوفق
قوله تعالى: (فطرة الله التي فطر الناس عليها لا
تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم..) الروم/30. وفي
الحديث الشريف (كل مولود يولد على الفطرة). لذلك
كان مجيء الأنبياء والرسل لتأسيس مجتمع مدني يحكمه
القانون وتديره السلطة. وبذلك فان القرآن الكريم
يربط أيضاً بين خروج الإنسان من المجتمع الطبيعي
وتأسيس مجتمع الدولة والمدينة، بمعنى آخر تأسيس
(دولة المجتمع) وليس (مجتمع الدولة).
2.
الإسلام وعلم الاجتماع
وعندما نلجأ إلى علم
الاجتماع في دراسة وتحليل آراء المفكرين
الإسلاميين، ندرك أن المجتمع الإسلامي هو (مجتمع
مدني) ومن خلاله:
أولاً: أنه يحض على إقامة
مجتمعات (أهلية) ويفسح لها دوراً كبيراً في بناء
المجتمع والقيام بأدوارها للمصلحة العامة. فالخطاب
القرآني موجه إلى الأمة، فضلاً عن أن الدستور
الأول (للمدينة المنورة) كان (دستوراً مدنياً).
حيث أعطى حق المواطنة للمقيمين في المدينة من
(مهاجرين وأنصار ويهود ومسيحيين) وغيرهم بصرف
النظر عن هويتهم الدينية، وتحت عنوان (المؤاخاة)،
وهو تنظيم (أهلي)، (مدني)، مبكر لعملية اندماج
المهاجرين في المجتمع والحياة الاقتصادية في
(المدينة المنورة). وليست مرتبطة (بالدولة) أو
(السلطة) مباشرة، وهذه من صفات المجتمع المدني
المعاصر.
ثانياً: قال سبحانه تبارك
وتعالى: (ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون
بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون)آل
عمران/104. هذه الآية موجهة إلى الأمة سواء أكانت
مهمته بحقوق الإنسان، أم الدفاع عن الضعفاء،
وتحقيق المنفعة العامة، والتوجيه الأخلاقي، وهذه
الدعوات هي واجب إسلامي فموضوع المجتمع المدني هو
في صميم المشروع الإسلامي ((نصاً وخطاباً
وممارسة))، وكذلك في آيات أخر كقوله تعالى: (لا
خير في كثير من نجواهم إلا من أمر بصدقة أو معروف
أو إصلاح بين الناس ..) النساء/114.
3.
المؤسسات الإسلامية وصلتها بالمجتمع المدني
يمكننا رصد العديد من
الممارسات والمؤسسات الإسلامية، هي في الحقيقة
وثيقة الصلة بالمجتمع المدني، منها:
أولاً: المسجد: لا يزال المسجد محوراً مهماً في
المجتمع الإسلامي، فهو ينتشر في كل بقاع الأرض
الإسلامية وغير الإسلامية، نجد ذلك واضحاً في
العراق ومصر فللمسجد أدوار متعددة، في التعليم
والإرشاد والاجتماعات ومساعدة المحتاجين، والأعمال
الخيرية والعبادية فضلاً أمور أخر كالجهاد ومقاتلة
المعتدي.
ثانياً: الوقف الإسلامي: يستحق الوقف الإسلامي
اهتماماً خاصاً، فقد أبدعته العقول الإسلامية
وفقاً لثقافتهم، فالوقف هو (حبس العين على حكم
الله تعالى والتصدق بالمنفعة حالاً ومالاً). وهو
ظاهرة اجتماعية أهلية إسلامية. ومن النظم التي
مارستها المجتمعات الإسلامية منذ فجر الإسلام إلى
عهدنا المعاصر. التي ارتبطت بمجموعة من الأنشطة
والمشاريع التي عملت في صميم البناء الاجتماعي،
مثل (إنشاء المساجد، ومعاهد التعليم، والكليات،
والجامعات، وبناء المستشفيات، والعلاج الصحي
والطبي المجاني، وبناء المنازل، والمحطات في طريق
المسافرين، وبناء الحصون للدفاع والأمن، وبناء
الملاجئ والتحكيمات المختلفة).
ثالثاً: الطرق الصوفية والمدارس الدينية
وتقوم تلك المؤسسات بدور
التعليم في مراحله المختلفة كما تقوم في ترقية
وتهذيب الأخلاق.
رابعاً: فكرة التعاون: إن فكرة (التعاون) تتجسد في
الحضارة الإسلامية، وهي في الأصل جوهر تطبيقات
المجتمع المدني فالمجتمع الإسلامي ليس هدفه
(الصراع)، بل (التعاون) لحماية ورعاية المجتمع من
التحديات.
خامساً: الرسالة الإسلامية رسالة عمل وتطبيق:
تمتاز الرسالة الإسلامية
بأنها رسالة عمل وتطبيق وبناء، فلأجل بناء المجتمع
لابد من القيام بدور يستند إلى الوعي والمعرفة
واعتماد التربية أساساً. فالقرآن الكريم يؤكد عبر
آياته الكريمة مثل: (هل يستوي الذين يعلمون والذين
لا يعلمون)الزمر/9، و(لقد كان لكم في رسول الله
أسوة حسنة..) الأحزاب/21، و(يا أيها الذين آمنوا
لم تقولون ما لا تفعلون) الصف/2، و في الحديث
الشريف: (لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب
لنفسه)، و(من لم يهتم بأمور المسلمين فليس بمسلم).
فالإسلام دائماً يقرن العلم بالعمل، وبالتربية،
وإعداد الفرد والجماعة ليكونوا مهيئين للعمل،
ويشغل المنهج التربوي مساحة واسعة من الرسالة
الإسلامية مثل (الأخلاق، والآداب، والمعاملات،
والعبادات، والوعي العقيدي لمفاهيم التوحيد)
وآثاراً تربوية تهيئ الفرد للعمل في المجتمع ويخدم
حقوقهم وحرياتهم ويتبنى مشكلاتهم لأجل حلها، ويسهم
في فعل الخير، وإلى ذلك دعا القرآن الكريم والسنة
النبوية، حيث شهدت المسيرة النبوية الشريفة الكثير
من المبادئ التربوية ليحيا في ظلها المجتمع
الإسلامي.
ان استقراء الآيات القرآنية
الكريمة والسنة النبوية الشريفة وأحاديث الأئمة
المعصومين وما أنتجه الفكر الإسلامي توصلنا إلى
قناعة بأن الرسالة الإسلامية هي رسالة إنسانية بكل
أبعادها فهي تنظر للكل الاجتماعي فيما له من حقوق
وحريات من خلال القدرة على بناء المجتمع المدني
الذي يحترم فيه الإنسان. |