|
الوطن والمواطنة والوطنية
الوطن تعبير يمثل
الانتماء القانوني والسياسي والثقافي والعاطفي في
اقليم جغرافي محدد ومعين على اساس وشروط ومواصفات
ومعالم تميزه عن الاوطان (الاقاليم) الاخرى
المواطنة هي تعبير عن أساس
كينونة الفرد ورمز عزه وشرفه وكرامته
د.صالح الطائي باحث اعلامي
وأكاديمي
ان أي محاولة لتحديد
العلاقة بين الوطن والمواطنة والوطنية يتطلب
الاشارة الى علاقة الفرد بالارض التي يحيا عليها،
أي العلاقة بين الشعب والاقليم بالتعبير السياسي
مادياً ومعنوياً ومن ثم تحديد حالة النسيج الذي
يربط المواطن بوطنه، اولاً، وان تعبير المواطنة
يتطلب ايضاً الاشارة الى المديات الحقوقية
والسياسية والاجتماعية والثقافية التي تربط الفرد
(المواطن) بوطنه، من كونه فرداً (مواطناً) يتمتع
بحقوق وحريات وتلقى عليه واجبات، لكي يطلق عليه
كلمة (مواطن). ومن هنا كانت هذه القيم الاجتماعية
والسياسية (الوطن، المواطنة، الوطنية) تحمل
التزامات وحقوق، ومن ثم فهي تجعل هذه الروابط
مقدسة بين المواطن ووطنه.
ان الوطن وفق الفهم المعاصر
يتجاوز المعنى التقليدي الذي يشير الى السكن، بل
هو تعبير أسمى وارفع من ذلك، فالوطن تعبير يمثل
الانتماء القانوني والسياسي والثقافي والعاطفي في
اقليم جغرافي محدد ومعين على اساس وشروط ومواصفات
ومعالم تميزه عن الاوطان (الاقاليم) الاخرى، فهو
-أي الوطن- ليس الحيز (المكان) الذي يستقر فيه
الفرد ويتخذه مكاناً لأعماله ومصالحه وصلاته
العائلية فحسب، بل هو الالتزام القانوني والسياسي
والثقافي للفرد ازاء الوطن، اذ ان هذه الالتزامات
(الواجبات) هي التي تحدد الصيغة والشكل والمضمون
او الجوهر الحقيقي للوطن -الاقليم- وما عدا ذلك
تصبح العلاقة ضعيفة، ان لم نقل انها معدومة، وعليه
فقد أكد القانون الدولي الخاص والعلوم السياسية
بان الوطن هو ذلك الحيز او الاقليم المحدد
جغرافياً بمساحة ويعيش عليه شعب معين مهما اختلفت
قومياته وتوجهاته الفكرية والدينية، في اطار نظام
سياسي معين ويتمتع افراد هذا الشعب بحقوق وحريات،
وعليهم التزامات (واجبات) قانونية وسياسية
واجتماعية.
اذن، ولأجل ما تقدم، يضحى
ارتباط الفرد (المواطن) بالوطن مكانياً بحكم
الحياة والاستقرار والعيش، وزمانياً حيث يشكل
اطاراً لحياته البايولوجية وثقافياً اذ يشكل الوطن
منهلاً لثقافة الافراد وتوجهاتهم، وقانونياً اذ
يشكل الوطن التزاماً قانونياً وسياسياً واجتماعياً
من خلال جنسية المواطن وانتمائه الى الارض التي
يعيش عليها. وعاطفياً حيث يشكل انتماءاً شعورياً
للحياة التي يعيشها وأملاً وتطلع مستقبلي لخدمة
مجتمعه ووطنه.
أمّا المواطنة
(Citizen
ship) :
فقد اقترنت بولادة الدولة
الحديثة، بمعنى هي نتاج التحولات المجتمعية
والسياسية والثقافية والفكرية في المجتمع الاوربي
التي افضت فيما بعد الى تأسيس الدولة الحديثة في
اوربا. بمعنى آخر هي ولادة الدولة المدنية، دولة
الحقوق والحريات والقوانين، وعلى الرغم من ذلك لو
تتبعنا جذر المواطنة فلسفياً قديماً نرى ذلك قد
تجسد في (دويلات المدن) في اليونان بالرغم من ضيق
افق المفهوم الذي لم يكن يشمل جميع افراد شعب
(دويلات المدن) اليونانية، فقد كان يطلق صفة
(مواطن) على ألأثني من أب أثني وأم أثنية، ما عدا
الاجانب والعبيد، فلم يكن يشملهم ذلك الوصف.
وقد تطور ذلك المفهوم على مر التاريخ، فعندما قامت
الدولة القومية الاوربية وتطورت، مقابل ذلك تطور
مفهوم -المواطنة- اذ اخذت تبرز مفاهيم وسياسات
وانظمة جديدة من قبيل السيادة المطلقة داخل حدود
الدولة على مواطنيها وارضها وثرواتها، لذلك برزت
الحاجة الى تقنين هيمنة الدولة وحقوق المواطنين
على ارضية الحرية والعدالة والمساواة، وبما يعزز
من الحقوق الاساسية لرعايا الدولة، وفي طليعتها
الحقوق المدنية والسياسية والاقتصادية والثقافية،
وقد عززت هذه الحقوق، العهود والمواثيق الدولية،
مثل:
العهد الدولي الخاص بالحقوق
المدنية والسياسية والعهد الدولي الخاص بالحقوق
الاقتصادية والاجتماعية والثقافية.
اذن: المواطنة المعاصرة قد
خرجت عن نطاقها التقليدي الى نطاقها الموضوعي في
الحياة القانونية والسياسية وفي اطار العلاقة بين
الفرد والسلطة، وبذلك فالمواطنة هي نتاج ترسيخ
مفهوم الدولة المدنية الحديثة وما تقوم عليه من
سيادة لحكم القانون وسيادة الشعب والمشاركة
السياسية في ظل دولة المؤسسات.
وفي التحليل الاخير: ان
المواطنة هي العضوية الكاملة الحقوقية والقانونية
والسياسية التي تنشأ من علاقة الفرد بالدولة. بما
تتضمنه من واجبات وحقوق.
وتعتمد المواطنة على ثلاث
ركائز اساسية هي:
اولاً: المساواة.
ثانياً: الحرية.
ثالثاً: العدالة.
وان هذه الركائز هي نفسها
مقومات الدولة المدنية الحديثة والتي تستند الى
شرعية الشعب فعندما نتطرق الى الركيزة الاولى وهي
(المساواة) لا نجد تفاضلاً بين مواطن وآخر، فالكل
متساوون امام القانون، هذا اولاً اما الركيزة
الثانية وهي الحرية فالحريات والحقوق تمنح للكل
دون استثناء فلا تباين في حق او حرية من مواطن
لآخر، بل الجميع يتمتعون قانونياً ودستورياً
وسياسياً بالحريات والحقوق السياسية والمدنية. اما
الركيزة الثالثة فهي العدالة التي لا غنى عنها
لتنظيم شؤون الحياة بما يضمن رفع الظلم والحيف في
اعطاء كل ذي حق حقه استناداً الى الحق الطبيعي
للانسان كانسان. والى الحق المكتسب بالانتماء
كمواطن ينتمي الى دولة (وطن).
اما الوطنية: فهي الوعي
والشعور والانتماء والحب المركز في الفرد او الشعب
او الامة تجاه وطنهم، بما يشمل قيمهم ورموزهم
وعاداتهم وتقاليدهم، المحتضن لهم والعائد اليهم.
فايمان غالبية المواطنين بهذه الرابطة يفسر لنا
الدرجة العالية من الاستعداد للدفاع عن الوطن،
فالمواطنة هنا تعبير عن اساس كينونة الفرد ورمز
عزه وشرفه وكرامته، واذا كان المتخصصون بالعلوم
السياسية يتفقون على مفردة -الوطن- في اطارها
الزمني والمكاني وفي ركنيها المادي والروحي، فان
التعبير عن هوية الانتساب الى الوطن ودرجة
الموازنة بين الحقوق والواجبات في مصطلح (الوطنية)
لم يحض بالتطابق بين شعوب الارض، فالشعوب الحية
صاحبة الحضارة تركز وتمارس اعلى درجات الانتساب
الى الوطن كهوية شرف وتحقق الالتزام بين الواجبات
والحقوق وتعد -الوطنية- قيمة عليا لا يدانيها قيمة
اخرى، تحتم على من آمن بها، الدفاع والبناء
والاخلاص للوطن.
وفي حالة العراق، فلم يشهد
العراق طيلة تاريخه السياسي منذ عهد تكوين الدولة
العراقية الحديثة تجسيد وتعزيز لمفهوم المواطنة
تأصيلاً وتجسيداً وواقعاً، وهنا تكمن أهم الثغرات
والخلل في البنية الاجتماعية والسياسية والثقافية
العراقية، فالمواطنة هي المدخل الاساس لتأسيس
وصيانة الوحدة الوطنية العراقية وخلاف ذلك تتعرض
الحياة المجتمعية والسياسية والثقافية العراقية
الى خطر كبير يهدد الاستقرار السياسي والاجتماعي
في العراق، لاسيما ونحن نعيش في مرحلة التحول
الديمقراطي بعد القضاء على النظام السياسي السابق،
الذي أضر كثيراً بقيم الوطن والوطنية والمواطنة.
بمعنى آخر الاضرار بمقومات ومنظومة التعايش الوطني
العراقي التي لا يمكن ان تتحقق فيما لو اقصيت
(المواطنة) لحساب الانتماءات الفرعية الضيقة.
ولتلافي هذا الخلل والثغرات
في البنية الاجتماعية العراقية ورفد عملية التحول
الديمقراطي بأسباب النجاح، يتطلب ان تنهض النخب
المثقفة والواعية العراقية لاعادة انتاج مفهوم
-المواطنة- او انتاج منظومة وطنية عراقية تستطيع
من خلالها تلافي كل نقاط الخلل في قيمة المواطنة
عبر تأسيس دستوري وقانوني وسياسي يقيم الحقوق
والحريات وتفعيلها واقعياً على الصعد كافة على
الواقع العراقي ومن خلال تأسيس دولة القانون،
ودولة المؤسسات وتعزيز دور الثقافة الوطنية واقامة
المجتمع والسلم الاهلي والتعايش الوطني بغض النظر
عن الانتماءات القومية والدينية. |