|
الواقعية السياسية
في
خطاب شهيد المحراب آية الله العظمى السيد محمد
باقر الحكيم (قده)
إن غاية السياسة هي تنظيم
القوى الجماعية واستخدامها لفض النزاعات بين
المتنازعين من ابناء المجتمع، او هي: ممارسة
المسؤولية بين السلطة والشعب تستمد قوتها من الناس
طبقاً للدستور ويحكمها القانون
، فالنظرة الواقعية
المتفحصة لواقع العراق السياسي والاجتماعي
والثقافي والاقتصادي تؤشر جملة من الامور تحمل
تعقيدات وصعوبات في التعامل لاسيما بعد انهيار
النظام السياسي السابق
كان خطابه سياسياً
واقعياً مثل انعطافة مهمة في مرحلة تأريخية مهمة
وخطاباً سياسياً جديداً في نظرته المعاصرة للواقع
العراقي بجوانبه المختلفة
.
كان سماحة شهيد المحراب
(قده) من الرواد في طروحاته للتقريب بين المذاهب
الاسلامية، والدعوة الجادة الى تحقيق الوحدة
الاسلامية، فبينما كان يناضل من أجل قضية العراق،
لم يفته العمل للدعوة بإخلاص للوحدة الاسلامية من
خلال تأسيس (المجمع العالمي للتقريب بين المذاهب
الاسلامية) .
المحرر السياسي
ان الحديث عن الواقعية
السياسية مسألة تثير الجدل في أغلب الاحوال،
والسبب في ذلك لانها مسألة (حرفة)، وقد يساء فهمها
احياناً بصورة الخطأ على انها التخلي او الابتعاد
قليلاً عن موضوع او ازمة او اشكالية ما تتطلب
حلاً.
وقد تصل في أذهان البعض
ولاسيما (العامة) بأنها وسيلة انهزامية عن القضية،
وصيغة تفكير ضعيفة.
وقبل ان نحدد بصورة عامة معنى (الواقعية السياسية
في خطاب شهيد المحراب سماحة السيد محمد باقر
الحكيم (قده) يجب التعرض اولاً الى مسألة في غاية
الاهمية وهو السؤال المهم، ما غاية السياسة؟ ومن
ثم ما الواقعية؟ فهل غاية السياسة هي البحث عن
الحقيقة ام عن قضية أخرى؟ يعتقد البعض ان غاية
السياسة هي التهيئة للمواطنة الصالحة، وآخرون
ومنهم السياسيون والمفكرون بان غاية السياسة هي
تنظيم القوى الجماعية واستخدامها لفض النزاعات بين
المتنازعين من ابناء المجتمع، او هي: ممارسة
المسؤولية بين السلطة والشعب تستمد قوتها من الناس
طبقاً للدستور ويحكمها القانون، وهناك مذاهب فكرية
متعددة في هذا المجال، لا مجال للبحث فيها، اما
الواقعية فهي تستخدم لأجل التواصل بين الناس
بمعنيين مختلفين على الأقل، المعنى التعبيري
والمعنى الوصفي، فيمكننا أن نطلق تعبير (الواقعية
السياسية) على التعامل الواقعي مع مسائل السياسة
وبموضوعية بعيداً عن (اليوتوبيا السياسية) أي:-
(الخيال) أو المثالية
السياسية، ومن ثم ينفتح الباب لفض الاشكالات او
النزاعات وايجاد العلاجات الملائمة والمناسبة على
وفق الواقع القائم. وهنا تتدخل ارادة (العامل
السياسي) او الرجل السياسي، في الحقل السياسي لأنه
ذو تأثير فعال في ظاهرة السياسة، وعندما نقول
(بالواقعية السياسية) او الواقع السياسي فهو
الواقع القائم بكل ما تحمله عادات وتقاليد وثقافات
وافرازات المجتمع المادية والروحية، وعليه تنطلق
الواقعية السياسية من خلال ملاحظتها وفهمها
واستيعابها لهذا الواقع وترجمته ومن ثم انتاجه على
شكل مخرجات تتمثل بمعالجات او قرارات سياسية تهدف
للصالح العام.
وانطلاقاً من هذا المفهوم
كان على القوى السياسية للمعارضة العراقية قبل
انهيار النظام السياسي السابق التعامل مع القضية
العراقية بلغة الواقعية، والواقعية السياسية وليست
على اساس (الخيال او المثال السياسي)، على الرغم
من ان هذا لا يعني تقاطع الواقعية السياسية مع
المثال، بل هي كذلك تنشد الوصول الى الحالة الافضل
او الامثل، وهذا الامر يحتاج الى نشاطات واجراءات
عديدة وعبر مدد زمنية.
فالنظرة الواقعية المتفحصة لواقع العراق السياسي
والاجتماعي والثقافي والاقتصادي تؤشر جملة من
الامور تحمل تعقيدات وصعوبات في التعامل لاسيما
بعد انهيار النظام السياسي السابق، خاصة محاولة
بعض الجماعات والقوى المحسوبة على النظام السياسي
السابق المملوءة بالعقد النفسية والطائفية
السياسية والذهنية التسلطية، من اثارة الكثير من
المشاكل ومازالت تثيرها حتى الآن، اذ وصلت الى حد
قتل العراقيين، لأجل وضع العصي في دواليب الحكومة
العراقية المنتخبة، والمشروع السياسي الوطني
الديمقراطي، ومحاولة اظهار عجز في أدائها (أي
الحكومة) كوسيلة من وسائل الاطاحة بها. فبعد
انهيار النظام السياسي بدا على السطح العراقي
تقاطع في الرؤى وتشدد في الافكار، وامام هذه
الصورة الرمادية كان الشعب العراقي وقواه السياسية
يحتاجون الى نقطة ضوء يهتديا بها، لئلا يضيعا في
بدايتهما فيخسر الجميع.
لقد كانت توقعات المراقبين
والرأي العام العربي والدولي باندلاع حرب اهلية
نتيجة لمجمل تلك التقاطعات بعد 2003/4/9، ولكن
الرهان قد أسقط بفعل حضور الخطاب السياسي الوطني
والواقعي الذي تجلت فيه الحكمة وضبط النفس. والذي
تمثل في واحد من رجال وابناء العراق، هو سماحة
السيد الشهيد (محمد باقر الحكيم) (قده) بعد عودته
الى ارض الوطن، فكان خطابه سياسياً واقعياً مثل
انعطافة مهمة في مرحلة تأريخية مهمة وخطاباً
سياسياً جديداً في نظرته المعاصرة للواقع العراقي
بجوانبه المختلفة. اذ تمثل الخطاب بالاعتدال
والواقعية والنضج والادراك في وقت كان التشدد
تقريباً يغطي الساحة السياسية العراقية، وتجلى ذلك
واضحاً من خلال فهمه لتركيبة المجتمع العراقي، فلا
هيمنة قومية، أو دين أو مذهب، فالعراق لكل
العراقيين يشتركون فيه لبنائه، اذ قال شهيد
المحراب (قده) : (نريد ان نبني دولة عصرية بكل ما
تعني هذه الكلمة من معنى، دولة تعرف مفاهيم
الاسلام وجوانبه الروحية).
وفي الحقيقة ان هذا الخطاب
كان مفاجأة للجميع، سواء للادارة الامريكية او بعض
شرائح المجتمع العراقي. فالدعوة الى دولة عصرية
تحمل الكثير من التفسيرات والتي كان يعتقد بها
سماحة السيد شهيد المحراب (قده) ويناضل من اجل
تحقيقها، ورائدها في ذلك، الحرية للشعب العراقي في
اختيار نظامه السياسي واختيار (انتخاب) حكومته
برضاه وبموافقته.
كما لم ينس دور المرأة في
عملية البناء اذ قال سماحته: (وللمرأة وهي نصف
المجتمع فيها نصيب كبير) أي : الدولة المعاصرة،
وبهذا المعنى فهو يريد ان يعكس التصور الاسلامي
الصحيح ونظرته لدور المجتمع ولاسيما (المرأة)
وليدحض تقولات الآخرين بعدم ايلاء الاسلام لحرية
المرأة. ففي التصور الاسلامي هناك مساحة واسعة
لحرية المرأة ضمن حريات المجتمع.
ولم يغفل دور العمل النيابي
(البرلماني) والنهج الديمقراطي الذي يجعل من الشعب
مصدراً للسلطات غايةً ووسيلة. كون الاسلام يتضـمن
في تصوراته الكثير من الرؤى، مثل (الشورى، وأهل
الحل والعقد، وانتخاب الحكومة والتصويت عليها) من
قبل ممثلي الشعب في (المجلس النيابي) واختيار رئيس
الجمهورية واختيار نوع وطبيعة النظام السياسي،
عندها يكون نظاماً سياسياً متوافقاً مع متطلبات
المرحلة، وحاجة العراق الى نظام سياسي يكفل حرية
الفرد وحقوقه، ويرسم علاقته بالشعب بالشكل الذي
يصب في مصلحة الشعب.
وانطلق شهيد المحراب (قده)
ايضاً من رؤاه للمذهب (الشيعي) وعلاقته بالمذهب
(السني) لنبذ الطائفية اذ قال (قده) ايضاً:
(فالشيعي أخو السني) ليحث جميع العراقيين الى بناء
العراق الجديد، واوصاهما مؤكداً على وحدتهما حيث
قال سماحته: (ان نكون متحدين في قضايانا الاسلامية
وان تحكمنا المودة والحب والتناغم لكي نقيم حكومة
العدل).
فضلاً عن أمر في غاية
الاهمية، يهم الوحدة الاسلامية والمصير الاسلامي
الواحد، فقد كان شهيد المحراب (قده) من الرواد في
طروحاته في التقريب بين المذاهب الاسلامية،
والدعوة الجادة الى تحقيق الوحدة الاسلامية،
فبينما كان يناضل في سبيل قضية العراق، لم يفته
العمل للدعوة باخلاص للوحدة الاسلامية من خلال
تأسـيس (المجمـع العـالمي للتقريب بين المـذاهب
الاسلامية) وهو ملتقى للمفكرين والعلماء والمثقفين
الاسلاميين الرساليين لأجـل وضع الحلول
والمعـالجات بوساطة الدراسات والبحوث. فكانت
معالجته تتسم بالروح العلمية والعملية الصادقة
وبمنتهى الشفافية البعيدة عن روح التشدد والعداء
والانغلاق والتعصب، بل كانت دعوة الى المحبة
والمودة والاخوة عبر الحوار الموضوعي العلمي والذي
يمثل قيمة حضارية واعية لمسألة الاختلاف. فكانت
طروحاته العلمية والعملية على مستوى الفقه والاصول
والاجتماع والسياسة والقوانين، ففي مجال التصور
الاسلامي كان يدعو الى معالجة الاختلافات المذهبية
على اساس الوحدة الاسلامية مستلهماً فيه اصول
الاسلام وعقائده، من خلال الحوار العلمي الموضوعي
المتجرد من كل نزعة تعصبية، والاعتراف بالحقوق
الانسانية الاساسية، مثل الحقوق العبادية
والسياسية لأتباع المذاهب الاسلامية، وتوحيد
النظرة الكلية الى دور الدين ودور الشريعة بعيداً
عن المواقف السـياسية، وتوحيد النظرة صوب صيغة
الحكم الاسلامي بحيث لايكون هناك تقاطع في الصيغة
المطروحة للحكم الاسلامي، وفي مواجهة التحديات دعا
الى توحيد النظرة تجاه اعداء الاسلام، والاهتمام
المشترك بالقضايا الاساسية في العالم الاسلامي.
وفي ما يتعلق بالفقه دعا الى معالجة اسباب
الاختلاف في ثبوت النص الديني، والحكم الشرعي،
ووضع القواعد والاصول والضوابط المستنبطة من
القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة، واتباع
منهج الحوار الموضوعي والعلمي والمناقشة العلمية
الهادئة عبر استحضار الدليل العقلي والمنطقي، فأكد
سماحته ايضاً على تعميق وتجسيد واغناء وتطوير
المشتركات الاسلامية بين المذاهب الاسلامية في
اطار معالجاته للوحدة الاسلامية، والعناية
بالدراسات والبحوث القرآنية، وتوضيح الرؤيا
والمواقف الصحيحة للصحابة، وتوضيح العلاقات
المشتركة بين المذاهب الاسلامية -ليتضح بعدها- كما
يقول سماحته (قده) في بحوثه، عن (ضيق الفجوة
الحاصلة بين المذاهب الاسلامية الاربعة والمذهب
الامامي الاثني عشري) مؤكداً على دور العلماء
والمفكرين في عمليتي التقريب بين المذاهب
الاسلامية وضرورة التعمق في اسس عملية التقريب،
وتأصيل ذلك في نفسية المفكر والعالم والمثقف
وعكسها في بحوثهم ودراساتهم وواقعهم الحياتي
والانتقال بثقافة الحوار والتقريب الى المستوى
المجتمعي. |