|
سماحة السيد محمد باقر الحكيم ....شهيد
الكلمة والتغيير
إن
نفسه الزكية لم تكن تهوى سوى الاسلام منهجاً،
والقرآن الكريم شريعة وان يكون المنهج والشريعة
مطبقة على ارض العراق الحبيب.. وهي امنية مشروعة
لعظمة المنهج وقدسية الشريعة
لقد
رفض شهيد المحراب الخنوع بكل اشكاله حتى للفكر
الديني الكهنوتي المهوم والمعوم، ليشمخ بطلاً
مجابهاً ذلك كله، باعلان صادق وجهرة
كريم عبد حمد الشويلي : باحث
وإعلامي
لم يقل احد ان آية الله
العظمى السيد محمد باقر الحكيم (قده) كان يهوى
الرئاسة. وهو الذي لم يترك محفلاً من جموع
العراقيين الا وجلجل في اركانه بالحديث المشهور :
(آخر من يخرج من قلوب الصديقين حب الرئاسة) ..
تأمل الحديث الذي يذكر فيه الصديقون وليس الابرار
او الناس العاديون.. لهذا كان يشعر شهيد المحراب
(قده) انه بمثابة الصديقين ولكنه لا يحدث نفسه
بالرئاسة، وهو الذي ابتعد عنها بعد السماء عن
الارض..
اذن فان نفسه الزكية لم تكن
تهوى سوى الاسلام منهجاً، والقرآن الكريم شريعة..
والحق يقال: انه كان يود في كل مرة يتكلم فيها
وتكلم، ان يكون المنهج والشريعة مطبقة على ارض
العراق الحبيب.. وهي امنية مشروعة لعظمة المنهج
وقدسية الشريعة.. من هنا كانت عظمة هذا الشخص
النبيل.. عظمته من عظمة المنهاج، ونبله من قدسية
الشريعة.. فنعم الشخص الفضيل وصولاً الى الهدف
السامي .
ودليلنا على ذلك انك لو
قلبت صفحات حياة شهيد المحراب (قده) ذلك الرجل
المتفاني في ذات الله، لما وجدت الا عظيماً يؤلف
قصيدته السماوية على لوح انساني فريد على ارض
تلتقي معه في العلياء.. حياته بطولة تقتحم افكار
الانسانية وتدهم حياة الامم لخلق اسلوب من العيش
الكريم.. حياته تنازعتها آداب الاسلام وفلسفة
الشريعة..
والعظماء الانسانيون .. اذا
جاز لنا ان نرسم العظمة على احد وهو ما توفرت
رسومهم في شخصية شهيد المحراب، وافاض منها على
ابناء الشعب العراقي المظلوم لقد كانت حياته اقرب
الى حياة الانبياء والائمة (ع) عندما جاهد كداعية
الى الله وكانت حياته اقرب الى حياة الصالحين
عندما كافح من اجل تغيير المجتمع البشري، نحو
العدالة والقسط.. ولم ير في يوم من الايام انه
ناوش المنطقة الرمادية بين الظلم والعدالة..
فهو يكتب ويحاضر ويؤلف
ويعمل ثم يسعى للتغيير... حياة دؤوبة تقابل حياة
القديسين، وهي بالقطع تحاول ان تفهم معنى القداسة
في الشريعة.. هذا الشخص نصب نفسه للخير، ما كان
للخير مرتع.. ونذر شهيد المحراب نفسه للمعونة ما
كان للمعونة موضع.. وكم قد نسي نفسه في خضم
برنامجه الاجتماعي وهو يريد ان يحدث هزة في جدران
المجتمع العراقي ... حياة شهيد المحراب بنيت على
التدين الذي يلتزم العلم التزاماً، كيف وهو سليل
عائلة الحكيم التي شخصت العنوان الديني والعرقي
والوطني في تحركاتها... ثم درجت تلك الحياة الى
الحب بادب رشيد.. وقامت حياته على ثقافة سياسية
منزوعة من المنهج الفكري الاسلامي الذي يحفل
بتقويم الناس بل ويدعم تأنيسها وانسنتها..
نعم كانت حياة شهيد المحراب
(قده)، حياة مليئة بالرفض بتعدد الاسلام في زمن
كان للدين الاسلامي الف وجه والف اتجاه.. من هنا
جابهته جيوش السب والشتم، فجابهها بالمعرفة
والتضحية.. كيف ونفسه تنهل من ذلك الاسلام الوحيد
الوجه والوحيد الاتجاه..
لقد حطم شهيد المحراب
العبودية في الاشخاص، لانه آمن ان للعالمين إلهاً
واحداً لا شريك له.. فرفض الخوض في التقاليد
البالية، رافضاً حتى الخضوع لعادات قديمة تمسكت
بها نفوس آخرين.
لقد رفض شهيد المحراب
الخنوع بكل اشكاله حتى للفكر الديني الكهنوتي
المهوم والمعوم، ليشمخ بطلاً مجابهاً ذلك كله،
باعلان صادق وجهرة، فلم يبال لجبروت الطغاة، او
لعلعة الجهال، فاستقامت حياته على ذلك الرفض الى
آخر حياته الشريفة التي ختمها بالشهادة الصادقة..
واللافت للنظر هو عرفان
مقصود ان الجميع يقرون بان شهيد المحراب نذر حياته
من اجل الرفض والقبول بالاسلام الوحيد، حتى ممن
يظنونه انه على الجانب الآخر... فكم مرة رأى بثاقب
نظره، الى سبل النهوض بالواقع المردي الذي كان
يعيشه الشعب العراقي جراء ممارسات النظام العفلقي
الصدامي، التي اتسمت بالطغيان والاستبداد.. فهي
بذلك تستطيع ان تتطور وتتقدم لتزاحم باقي الامم
المتقدمة الاخرى..
رأى السيد شهيد المحراب
(قده) ان الواقع المرير حينئذ لا يفسح المجال لطرح
اساليب التقدم والتطور المنشود، الذي يركز على
انهاض الفكرة السليمة بمنطق سليم وانامة الصنم
بقوة تلك الفكرة وصولاً الى استيعاب ذلك الواقع
بما يتلاءم وامتدادات تلك الفكرة وتجذرها.. حتى
اذا ما نضجت تلك الفكرة بشكل سليم وناجح، عندئذ
يمكن لتلك الفئة ان تمد يدها لتؤدي عملية التغيير
في الواقع العراقي تساوقاً مع عملية التقدم...
وبالرغم من ظهور مفاصل ذلك
الواقع، وانبثاق تلك الفكرة، فقد كان السيد شهيد
المحراب (قده) قد امعن في تعريف التطور والتقدم،
لكي لا تنسحب الى استلهام كل ما هو غربي، فننجر
الى ذلك التطور والتقدم كمقلدين تقليداً اعمى...
بل يجب ان يكون التقدم والتطور على وفق الفكرة
الاسلامية التي تهتم بالجانب الانساني كمحور
لتقدمه، وعلى الجانب الاخلاقي كمحور لتطوره..
فقد رأى شهيد المحراب ان
الانسان يجب ان يتقدم في فكره، ويتطور في اسلوب
حياته، وفق منظومة فكرية اسلامية طموحة.. وهذا كان
هو السبيل الوحيد الذي ينبغي ان يلتزم به الشعب
العراقي كي ينوش السماء علواً ورفعة.. ولكن نظام
العسكرة الارهابية التي كان ينتهجها النظام
العفلقي الصدامي، الاستهلاكي للحياة، الامر الذي
قلل من وعي الشعب وتصميمه على تغيير نظامه الذي
يحكمه، فتغير نظام حياته بالاخير.. وقلة الوعي اذا
سيطرت على عقول شعب قضمت من تصميمه ونتفت ريش
جناحه، فاجهض الجود بالنفس، وصولاً الى التحرك
موضعياً.. وذلك تحرك بلا حركة، او حركة بلا تحرك..
ولكن حياة شهيد المحراب على
عكس ما سبق كانت مليئة بتحرك تلك الفكرة او يفكر
بذلك التحرك.. عندئذ فهم الشعب العراقي إنه مغلوب
على أمره، وذاق الامرين من ويلات النظام العفلقي
الصدامي المقبور، فنشأت فكرة تكوين قوة عسكرية
تباري عسكرة القوة عند النظام المقبور .. او على
الاقل يتلمس ذلك النظام ان الظلم لابد ان يكون له
نهاية حتى اذا كان الظلم بعثياً طاغوتياً.. فكان
(بدر) النواة لذلك التحرك، فاندمجت الفكرة والتحرك
في تلك النواة.. وترعرعت تلك النواة ورتعت تحت
مفاصل التحرك الاسلامي السياسي، وتحت كنف الفكرة
القرآنية العقائدية.
نعم استخلص السيد شهيد
المحراب (قده) من الواقع العراقي قوته العسكرية
وهو قوات (بدر) الظافرة.. فاستلهم شهيد
المحراب(قده) من القوة واقعاً عراقياً جديداً كانت
حياته الشريفة فداءً لها.. وهي شهادة تمثل علماً
يرفرف على دنيا التاريخ العراقي المعاصر..
كان يستطيع شهيد المحراب
(قده) ان يعيش عيش الدعة والرفاه بما يملك من اثر
عظيم من النسب الكريم والعلمية المأثورة.. لكنه
ترك ذلك كله ليصنع لشعبه - من فرط حبه له -
برنامجاً حياتياً يتوافق مع امتدادات نظرته في
الكرامة والاحترام..
فهو بحق ادبنا الحي بكل
حركاته وسكناته، في غدوه ورواحه.. لكن استشهد ذلك
الادب في وقت نحن بأمس الحاجة الى حياة ادبه، او
ادب حياته.. فسكنت حركاتنا وذهبت غدواتنا، وبقينا
نرثيه وفي الصدر لوعة حرى وفي الحلق شجى، وربما
ذهب بنا الحزن عليه مذاهب شتى لولا بقية من ايمان
يتغلغل في الصدور،وهفهفات عقيدة مغروزة في معظم
رجالنا... فهو الحكيم الذي احكم نهجه في مهجنا،
وصولاً الى الشهادة او النصر. |