|
" مدينة اللصوص " .. بين السينما و
الأدب
ترجمة
:
عادل العامل
عن :
CONTEXT
ديفيد بينيوف كاتب
سينمائي ، و أنا لا أعني فقط أنه يكتب سيناريوهات
للأفلام ، و لو أنه يفعل ذلك ، كما يقول سول
أوستيرليتز كاتب هذا المقال، فتكييفه لروايته
الأولى كسيناريو ، ( الساعة الخامسة و العشرون ) ،
كانت بمثابة نقطة وثوب إلى أقوى فلم من أفلام
سبايك لي في سنوات ، و قد خطط بينيوف لقنابل
سينمائية مثل ( طروادة ) و ( محرك الطيارة الورقية
The Kite Runner).
ما أعنيه هو أن كتابة بينيوف ــ التركيب و الأسلوب
اللذين يشكلان أساس عمله ــ هي في حد ذاتها متأثرة
سينمائياً أكثر مما هي من إيحاء الأدب .
إن ميل بينيوف
السينمائي يخدم و يضاعف معاً جهوده من أجل روايته
الثانية ، ( مدينة اللصوص ) ، و هي حكاية درامية
عن بطولة بعيدة الاحتمال في فترة الحرب وسط حصار
لينينغراد خلال الحرب العالمية الثانية . و يكاد
الحوار الداخلي dialogueو
الأحداث تندفع من الصفحة ؛ و يمكن للواحد أن يتذوق
تقريباً حبات الذرة المشوية المتناثرة على الأرضية
في لحظات مندفعة بشكل خاص . لكن ما يتضمنه فلم
رهيب ليس دائماً ما يدخل في رواية من الدرجة
الأولى ، و يمكن تفحص ( مدينة اللصوص ) كسيناريو
ممتاز لقنبلة موسم أوسكار على نحوٍ أفضل مما
كرواية تامّة النضج .
يبدأ كل شيء بدرزن
بيض . إذ يطلب كولونيل من الـ NKVD
الألمانية أكلةً شهية غير ممكنة من ليو بينيوف ،
17 عاماً ، أُلقيَ القبض عليه حديثاً لسرقته
سكيناً من جثة طيّار ألماني .
و إذا لم يستطع ليو
تحقيق هذا المكوِّن الأساسي من مكوّنات وليمة عرس
ابنة الكولونيل في غضون أسبوع ، فإن حياته تكون في
خطر .
و يعرف ليو ما يكفي
ليصدّق الـ NKVDعندما
يهدّدون ؛ فقد اعتقلت الشرطة السرية أباه و
اغتالته ، و هو شاعر له شأنه ، قبل سنوات .
و يصاحب ليو زميلاً له في الزنزانة يدعى كوليا ،
فارآّ من الجندية و دارساً أدبياً ميَّالاً للنساء
و غير قادر على إغلاق فمه .
و
يقاسي الاثنان عذاب تجوال عبر روسيا فترة الحرب في
أدنى مراحلها : " تساقطت الجثث الألمانية من
السماء ؛ و راح أكَلَة لحم البشر يبيعون حلقات
السجق ؛ وانهارت المجمَّعات السكنية إلى الأرض ؛ و
أصبحت الكلاب قنابل ؛ و صار الجنود المتجمدون
لافتات على الطرق ؛ و وقف نصير بنصف وجهٍ مترنحاً
في الثلج و هو يحدق حزين العينين في قتَلته " .
فالفلم يكتب نفسه عملياً .
و بفضل بركة أوامر
الكولونيل ، يحصل ليو و زميله كوليا على مرور حر
للتجول في فظائع لينينغراد في فترة الحرب بحثاً عن
طبق بيض للأكلة الآنفة الذكر، و هما يعبّان حتى
الثمالة من الانتهاكات النازية . و الألمان مذنبون
فوق كل شيء بالحط من شأن القدرة الروسية على شجاعة
تحدي الموت و الرغبة في القتال حتى الرجل الأخير .
و تحث دعوة نازية
حمقاء ، للاحتفال بالاستيلاء المستقبلي على
المدينة في فندق أستونا ، ليو على التأمل قائلاً
لنفسه : " لقد كرهنا النازيين لغبائهم بقدر ما
كرهناهم لأي شيء آخر ــ إذا سقطت المدينة ، لن
نترك أي فندق يمكن أن يشرب فيه الألمان الشنابس في
بارات البيانو و ينامون في أجنحته الفاخرة إذا
سقطت المدينة ، فإننا سنأتي بها للأسفل معنا " .
و أينما ذهب ليو و
كوليا بحثاً عن درزن البيض النفيس ، شاهدا عذابات
الناس ، حيث صارت مهنة البعض ذبح الابرياء و
استخدامهم لأغراض مجهولة ، و الفتيات يعرضن
أجسادهن على المعذِّبين الألمان كوسيلة وحيدة
لإنقاذ أنفسهن ، و الجنود يصبحون جثثاً برفة جفن.
و يجد ليو و كوليا نفسيهما مع عصبة من الأنصار
تقودها فيكا ، و هي فتاة ضعيفة البنية قادرة على
أن تُحدث ثقباً في رأسٍ نازي من على بعد نصف كيلو
متر ، فيخفق لها قلب ليو المتأثر بألاعيب كوليا
الرومانسية ، الذي يقول له مداعباً : " يبدو عليك
أنك ستحقق إصابةً في القنَّاصة ، ها ؟! "
و على كل حال ، فإن
الواحد يتساءل إن كان ديفيد بينيوف في العمل
المناسب ، أم أنه مثل شخصيته الثرثارة كوليا مناسب
لوصف حركة الأحداث action
على نحوٍ أفضل من صناعة كتاب .
فتبرز لحظات معينة بجلاءٍ بلّوري ، لكنها تعكس حب
كاتب السناريو للدايلوغ الجوي و الحاد القاطع
كالشفرة ، و ليس انكباب الروائي على نسج تعويذةٍ
بالكلمات .
و إليكم هذا المشهد ، على سبيل المثال : " كان إحد
الجنود الروس الحفاة قد توقف عن المشي .
فراح آخرون من وحدته المأسورة يرجونه أن يتحرك ، و
هم يتوسلون و يلعنون . غير أنه هزَّ رأسه ، من دون
أن يتفوّه بكلمةٍ أبداً ، و قد تجذَّرت قدماه في
الثلج . فحاول صديق أن يدفعه إلى أمام ، لكن من
دون جدوى ؛ لقد اختار بقعته .
و حين اندفع العسكريون ، و هم يلوّحون ببنادقهم
الرشاشة و يصيحون بلغتهم الألمانية ، تراجع جنود
الجيش الأحمر في تردد عن رفيقهم المشؤوم . فابتسم
هو للألمان و رفع يده لهم بتحيةٍ نازية ساخرة . و
مثل هذا المشهد له نكهته الخاصة المؤثرة على
الشاشة الفضية البعيدة و ليس على صفحات الكتاب .
و كما يمكن للمرء أن يتوقع ، ينتهي الثلاثي الجديد
في أيدي ضابط نازي متعطش للدماء ، و يتطلب الهرب
منه الجرأة و السرعة ، وينقذون أنفسهم و يعودون
بذلك الكارتون من البيض قبل أن ينتهي الأسبوع
المقرر لهم .
و يعطي هذا للبونيوف فرصةً وافرةً ليقوم مثل كوليا
بالاحتفاء بشيءٍ من نثره الخاص : " لكن في تلك
الليلة ، و أنا أركض عبر حقول حنطة الشتاء غير
المحروثة ، و الغزاة الفاشست خلفنا و الغابات
الروسية المعتمة أمامنا ، شعرتُ بفوران من الحب
الصافي لبلدي " .
|