الصفحة السابقة الأرشيف وقفة تراث اتصل بنا كلمة زيتونة الرئيسة
 
حق المعرفة فوق كل الحقوق جميع الحقوق محفوظة لموقع زيتونة موقع زيتونة نافذة مستقلة ليست مسؤولة عن مضمون المقالات التي تنشر ولا تعتبر المقالات المنشورة وجهة نظر رسمية للموقع ، بل فقط تعبرعن رأي الكاتب asfook@yahoo.com

نهاية التاريخ أم نهاية العقل دراسة نقدية لنظرية نهاية التاريخ على ضوء التطورات

 

د. محمد سعيد الأمجد

النفط والسياسية في العراق

 حسن عبد راضي الفريجي أكاديمي وباحث إعلامي

نماذج تاريخية من التقارب المذهبي في العراق

 

واثق الحسني - باحث واعلامي

التنمية البشرية المستدامة والمواطنة (قراءة في جدلية مبادلة التأثير) - العراق أنموذجا)

د. منعم العمّار - باحث واكديمي

التعددية العراقية ودورها في ترسيخ الوحدة الوطنية - شروط إقامة السلم الأهلي

 

رحيم الساعدي - باحث وأكاديمي

سيكولوجية اللعب عند الأطفال

إعداد . د. حسن منديل الطائي

أضواء على أطروحات توينبي في فلسفة التاريخ

تعريف ونقد : علاء الدين السيد محمد تقي الحكيم

نظرية المعرفة للسيد محمد باقر الصدر

 

 د. عائشة يوسف المناعي - قطر

الحقيقة الحقيقية والحقيقة الإيديولوجية

 

د. مشتاق عباس معن

قصــة قصيرة

وتبحــر سـفينــة الفقـــراء

الاهداء : إلى الأرواح التي غادرتنا بهدوء وطمأنينة أواخر التسعينيات اهدي هذه السطور المتواضعة المستوحاة من قصتهم الواقعية

كاظم الشويلي

نفض الغبار عن وجهه وهو يهرول نحو دارهم، تعلو شفتيه ابتسامة عريضة، قال وهو يلهث :ــ يمه يمه ..رسالة .. رسالة من أبوي ..توقفت المرأة عن كنس باحة الدار نظرت إلى ولدها ( حسين ) ذي العينيين العسليتين وهي مندهشة ابتسمت بحزن وقرصت خده الذي يشبه تفاحة صفراء وطلبت من ولدها أن يتهجى حروف الرسالة التي قبض عليها كما يقبض على أرجوحة العيد : ـــ احزمي حقائبك يا أم حسين و الحقي بي إلى استراليا هنا بحر من الحرية هنا الفردوس المفقود الذي قضينا أعمارنا نبحث عنه ..باعت أم حسين أقراطها ، معاضدها ، ومحابسها وحولت كل نقودها إلى دولارات، ولم تنس أن تبيع الأشياء الثمينة التي في دارها ، حزمت بقيه حاجاتها مع قرآن كريم وسبحة مشهدية وتربة حسينية في صرة صغيرة ، وعندما أحصت نقودها تيقنت من هذه الكومة من الدولارات لا تنفع إلا لشراء تذكرتين .. واحدة لها و الأخرى لحسين لتنتقل عبر المهربين إلى اندونيسيا ثم تتبع زوجها في استراليا، وانتابتها نوبة من السعال حادة ، نهض حسين من فراشه وناولها أقراصها المهدئة وكوب من الماء ، ارتشفت ، نظرت إلى حسين والقلق يساورها تساءلت في سرها .. هل يمهلها المرض حتى توصل حسين إلى أحضان أبيه ؟ ، نظرت إليه بعيون نصف مغلقه ، نهض حسين مرة أخره ودثرها ببطانية سميكة ورجع ليتصفح أوراق كتبه، وتذكر بأن أمه .. أخبرته بأنه من الغد سوف يترك المدرسة انهم على رحيل لكن أين الرحيل؟ ، وحدّث نفسه .. وهذه المدرسة كيف أودعها، أودع ساحتها أولادها، كتبها، أشجارها، الطفولة البريئة بين أحضانها، لكن كل هذه الأشياء تهون إذا تربعت في حضن أبي.. قبلت أبي ..همست في إذن ابي.. ومضي حسين يتأمل صفحات كتبه، وهو شارد الذهن .. فزت أمه من إغفاءتها ، رأت حسين في عالمه الطفولي ، وهمومه..لكن أي هموم يحمل هذا الصبي ؟؟؟ وأي عالم سيخوضه مع المهربين، أولئك التجار الجشعين الذين لا يرون الإنسان إلا بطاقة سفر وحفنه من الدولارات وابتزاز في عمق المحيط ، صعدت أم حسين مع ولدها إلى ظهر زورق صغير مع اللاجئين الناجين بجلودهم يبحثون عن مأوى فهاهم من دون مأوى .. يبحثون عن الأمن .. عن الحرية ..وهاهي ارض..الله الواسعة .. سألت في سرها ( أين أبو حسين .. في هذه الساعة ..انه خرج في ذلك المساء يبحث عن الحرية، والقليل من الكسب الحلال لقد طاردته المنظمة الحزبية لأشهر طويلة وكل ما في الأمر انه اشترك في الانتفاضة ،خرج ليعبر عن رأيه ، ولم يفلح في الهروب إلا بعد أن باع سيارته الصغيرة التي كانت مصدر رزق الأسرة و .. خرجت أم حسين من ذكرياتها عندما سمعت صاحب الزورق يرطن بلغة غريبة و تبرع احد اللاجئين بترجمتها : ــ ترجلوا ..جميعكم..نزل الهاربون وتعدادهم يقارب الثلاثين إلى ارض جزيرة نائية خالية من البشر.. جزيرة باردة ..تجمعت فيها الغيوم وتضرب العواصف أشجارها الباسقة،وتوحش أصوات الرياح أجوائها ، خاطبهم الربان قصير القامة :ــ يجب أن تدفعوا ثلاثة أضعاف الثمن وإلا سأترككم هنا في هذه الجزيرة .. فهم الهاربون إن هذا البحار( قصيرة القامة ) يسعى لابتزازهم ، لكنهم أصروا على عدم إعطائه ولو دولاراً واحدا عسى أن يغير رأيه وليوصلوهم إلى السواحل ألاندونيسيا ..لكن البحار ذو القامة اخذ زورقه ومضى وهناك قرب السواحل ألاندونيسية مت الصفقة في الخفاء ، وتساوم الربان ذو القامة القصيرة على بيع هؤلاء إلى بحار آخر صاحب انف مجدوع و بمبلغ زهيد ، دفع البحار ذو الأنف المجدوع الثمن، واشترى السمك في الماء ، واتجه بزورقه صوب الجزيرة النائية ، وعندما وصل تاجر الموت صاحب الأنف المجدوع إلى الجزيرة رأى كأن السماء قد صبت كل أمطار الدنيا على رؤوس هؤلاء اللاجئين ، ففتح فمه بابتسامة عريضة نمت عن رضا وصيد آخر، وعندما اقترب من البضاعة وجد إن هولاء الهاربين أصيبوا بالمرض والرشح والحزن والأطفال يصرخون ويستنجدون وكانت أم حسين تسعل بشده وهي تتدثر مع ولدها حسين ببطانية سميكة ،ووقع الصيد في شباك الصياد حيث لم يتردد اي أحد في دفع الثمن الجديد للبحار صاحب الأنف المجدوع ، دفعوا ما يعادل خمس أضعاف سعر البطاقة السابقة ، استسلموا لأجل صراخ الأطفال الذي كاد أن يفتك بهم المرض ، صعدوا الزورق الجديد وقبل أن يصلوا إلى سواحل اندونيسيا أعطى البحار صاحب الأنف المجدوع الأطفال أقراصا منومة لكي ينام الأطفال ويخمد صراخهم فلا ينتبه حرس السواحل الاندونيسيا إلى بكاء وعويل الأطفال ، فيعتقل الجميع .. ( ياللرحمة ) أطلقتها مع حسين بصمت وشرب الأطفال الأقراص المنومة ، رفض حسين إلحاح البحار، ورده قائلا :ــ أنا رجل كبير جدا ..أتحمل عذاب الدنيا ولن تبكيني.... وفي الصباح الباكر هبط الهاربون إلى السواحل الاندونيسية وتلقفهم تجار التهريب وتساوموا معهم في ذلك الجو البارد والأرض الرطبة طلب تجار البحر مبالغ باهضة لمجرد الصعود إلى سفينة عتيقة كأنها مصنوعة في القرون الوسطى ذات أخشاب منحورة ومحركات مترهلة وعلى هذه السفينة لنقل مئات اللاجئين إلى ارض السراب ، مسكت أم حسين ولدها وصعدت إلى السفينة بعد أن أعطت آخر حفنة من نقودها ، وحسين تعلو شفتيه الابتسامة حيث أخبرته أمه بأن هذه السفينة الأخيرة التي سوف يركبونها.. آخر محطة في الرحلة الطويلة وسوف يلقون بعصا الترحال في عرض المحيط، وتختم العمر بطمأنينة وهدوء .. وأبحرت السفينة المنخورة وهي تحمل فقراء الدنيا.. لا لم يكونوا فقراء فلم يفروا من بلدهم لفقر وفاقه ، إنما خرجوا طلبا للحرية ، ورفضا لأنهر من الدماء تسيل في طاحونة الحروب اليومية التي يجزر فيها عشرات الأبرياء يوميا ودوى صوت محركات السفينة وكأنها صوت ناقة منحورة وأبحرت السفينة وعلى شفاه راكبيها ابتسامة وحزن وقلق وبؤس ، وفجأة خف دوي المحركات رويدا ثم توقف من دون سابق إنذار ، الرياح العاصفة تضرب السفينة ، يتفسخ الخشب المنخور وينفلق وسط السفينة، وكأنها أصيبت بطوربيد بحري وانقصم ظهر السفينة إلى نصفين وتفتت ألواح السفينة ، يصرخ الأطفال من الرعب .. تذهل النسوة .. يتحرك الرجال بذعر لعلهم يوقفوا تحطم السفينة وكأنهم يحاولون منع جبل من السقوط ، الرياح تعصف بشدة اسماك القرش تفتح أسنانها المنشارية .. الغيوم تحجب آخر نجوم الله في السماء وبدأت السماء بالبكاء وشرع المساء بالنواح والعويل وهبطت دموع السماء على سفينة البؤساء المتحطمة ، وغرق المحيط بالدموع والنشيج الأمواج تعلو بجنون ، تحتضن أم حسين ولدها بشدة تنظر إلى سقف السفينة الذي يحمل فوقه عشرات الهاربين تدفقت المياه بقسوة إلى جوف السفينة ، انفلقت ألواح السفينة وكأنها صعقت ، تعلقت أم حسين بلوحة صغيرة ، مسكتها بقوة وهي مازالت تحتضن ولدها، تضمه إلى صدرها ..الموج لا يرحم ، يهبط عليهم من دون شفقة ، تنزلق اللوحة ، لكنها مازالت تحتضن حسين ، فهو كل حياتها ، نظرت إليه وهي عاجزة على إنقاذه ، حدقت في حسين بهلع واختلقت ابتسامة كاذبة سرعان ما تلاشت من شفيتها عندما صفعتها موجة عاتية نظرت مذهولة ، إلى أمواج المحيط ، وكأنها تنتظر معجزة ، أصابها الذعر ، صرت أسنانها ، لطمتها موجة قاهرة ، نظرت نحو السماء ، ارتعشت ، ارتجت ، حدقت ، حسين يبلعه المحيط مازالت يداه الطويلتين تتمسكان بالسماء وكأنه ينادي الله .. غاص بوجهه الذي يشبه تفاحة صفراء ، صرخت الأم : ــ حسين .. حسين..حســـــين .. ياعلــي احضرنه ياعلي ..والوجه الصغير يغط في المياه ، تحركت نحوه ..احتضنته ، رفعته إلى الأعلى الأمواج الدافئة تدفع نحوه لوحة صغيرة وكأنها يد الله ..تضع حسين فوقها يمسك حسين اللوحة بقوة.. وأم حسين .. بدأت تغوص.. تغوص في المياه الدافئة.. تغوص بعد ان تلاشت قواها ..حسين يستله الصيادون في الصباح الباكر، وفيه الروح والبكاء وحزن كالبحر لكنه لم يهرول على رمال الساحل، ولم ينفض الحزن عن وجهه الطفولي، ولم تعلُ شفتيه الابتسامة ..ولم ير من ركاب السفينة الـ (300 ) الهاربين غير عدد لا يتجاوز الـ 20 ولم تكن أمه من بين الوجوه .. ولم يصل استراليا .

الصفحة الرئيسية  

مقالات

بحوث ودراسات

آفاق

حديث عراقي

تقارير منوعة

أسرة ومجتمع

أوراق ثقافية

مجتمع مدني

نصوص مترجمة

كتب

البحث في القرآن

 

نوافذ ثقافية وفنية

شعر
قصة قصيرة
تشكيل
سينما
مسرح

لوحات

كاريكاتير

صور من العالم

ضع إعلانك هنا

حق المعرفة فوق كل الحقوق
جميع الحقوق محفوظة لموقع زيتونة
موقع زيتونة نافذة مستقلة ليست مسؤولة عن مضمون المقالات التي تنشر
  ولا تعتبر المقالات المنشورة وجهة نظر رسمية للموقع ، بل فقط  تعبرعن رأي الكاتب
asfook@yahoo.com