|
يوميات عظم
د. صبيحة
شبر
عظام متكسرة ، بارزة ،، ولحم آيل للنفاد ،، وجه
يكسوه التعب ،، وتحيطه الكآبة
،، سنوات عجاف من الهم والكمد ،،
ألمت بصاحبة هذا الوجه الجميل ، وقضت على ما فيه
من نضارة ، وما بثته في الناس من
بهجة تبعثها تقاسيمه الرقيقة ،الهادئة ،شعر وخطه
المشيب على عجل ،، وعلى حين غرة
من صاحبته ، أتت السيدة على غير انتظار ، باحثة في
العظام المتجمعة التي رميت هنا
بغير اهتمام .
نادت السيدة التي
اعرفها تمام
المعرفة : أكل هذه العظام جاء
ذووها ؟ الصوت اعرفه تمام المعرفة ، طالما هدهدني
، وأنا طفل صغير ، اعتنى
بي ، صبر عند مهدي باشا ، متحدثا باعذب الحكايات ،
عل النوم يأتي الى عيوني
التي تأبى مفارقة التدليل سيدة تدل ملامحها ، على
جمال أخاذ ، كان يثير
الإعجاب ، في المشاهدين ، كنت انا انظر اليها ،
مبهور برباطة جأشها ، وتحملها
الصعاب ، وصرخاتي المتواصلة ،
التي أصر على إطلاقها ، دون توقف ، ليأتيني ذلك
الوجه الآسر ، الذي يرغمني
على الصمت تقلب السيدة ، ذات الجمال الآفل ،
العظام بيدها ، تبحث عن
عظام كانت ، تسعى الى إيجادها في هذه الكومة ،
التي وضعت هنا ، بلا اهتمام
، أشفق لمرأى السيدة العزيزة ،
وهي تحاول ان ، تجمع العظام على بعضها ، لتكون
مخلوقا ، كان عزيزا على قلبها ،
أثيرا على نفسها ،تسأل الرجل الواقف بالتياع : الا
يوجد عظام غير هذه في مكان قريب ؟
يثيرني صوت السيدة ، الذي يبدو الرعب ، عليه
واضحا ، وان حاولت جاهدة أن ،
تخفي معالمه ، في نفسها المرهقة منذ زمان صوت أخاذ
جميل ، ينشد أغاني فيروز ، محاولا
ان يحسن التقليد ، بنبرات مطمئنة ،عشقت ذلك الصوت
، كنت اصرخ باستمرار ، طالبا ان
تأتيني ، صاحبته ، لتسمعني : تلك الأغاني الرائعة
، بعذوبة متناهية ،،
يأخذني جمال الصوت ، الى عوالم من البهجة ، أتمنى
معه ان يبقى ، محيطا بي ،
لا يفارقني تعود السيدة لتقلب العظام ، والتساؤل ،
ينبعث قويا من نبرات صوتها
، الآخذة بالارتفاع أين وضعوا العظام الأخرى ؟
يرعبني الصوت المأسور بضعف
ووهن ، لم أكن اعهده ، بتلك المرأة ، التي كنت
واثقا ثقة تامة ، أنها قوية ، لا
تعرف الخنوع ، ولكن الأيام تفعل
فعلها ، في النفوس ، قبل الأجساد ، وتأتي بتغيرات
لم نكن نظن انها تحدث بمثل هذه
السرعة ، ويهذا الشكل العجيب يعود صوت المرأة ،
التي طالما أسرتني بحضورها
الجميل ، الى التساؤل من جديد : الا تدري ، أخي ،
اين وضعوا العظام الباقية
، لرفات الأجساد الأخرى ؟ اندهش للسؤال ، الا تدري
السيدة العزيزة ، ماذا جرى
؟ عظام متفرقة ، لأجساد كثيرة ، تجمع أكواما
أكواما ، على غير ترتيب ، في
أماكن متفرقة ، استطاعت ان تعرف
ذراعي ، من كم قميص ، كانت قد أخاطته لي ، بيديها
الرقيقتين يعود صوت السيدة ، التي
كثيرا ما بهرتني ، بجمالها ، الى السؤال بلهفة
المحتار ، من جديد هل يمكنك ان
تدلني على الذراع اليمنى ، وعلى الساق اليسرى ؟
لقد نحرونا أيتها العزيزة
، ولم أكن اعلم ، أنني سأكون شاهدا على حيرتك
سيدتي العزيزة ، تعبك ذهب
سدى كما في كل مرة الطفل يبكي بإصرار عجيب ، يبحث
عن سيدة جميلة ، ذات منظر
أخاذ ، تنشد له أغاني فيروز ، بابتسام ، وتحرص على
ان يأتي صوتها جميلا ،
كجمال صوت فيروز تمسك السيدة العظام ، بيديها ،
تحاول ان تجمعها بهيئة واحدة ، تدرك
انها تفقد عظمين اثنين ، من
العسير عليها ، ان تعيد تشكيل الجسد بدونهما ،،
تسأل برغبة شديدة الا
يأتيها الجواب الذي تحرص على تأخيره دلني ، أخي ،
أين وضعوا العظام الأخرى ؟
عظامنا سيدتي دقوها ، نثروها ، مزقوها ، ثم جمعوها
بغير عناية ، ولا انتباه ،
في أماكن متفرقة الطفل تغمره البهجة ، شرب حتى
ارتوى ، لعبت وإياه السيدة
، لاطفته ، أسمعته حلو الأناشيد وعذب الأغاني ،
بصوتها الجميل ، حتى اطمأن وعرف انه
ملاك بهيج ، يغني للسماء مع
الشحرور تعود السيدة الى سؤالها الغريب ، ويبدو ان
الرجل يأبى ، إشفاقا ،أن يطلعها ،
على جوابه الصحيح قل لي ، أخي ، أين وضعوا العظام
؟ أريد الذراع اليمنى ، والساق
اليسرى من جسد عزيز ، لأجمعها مع بعضها البعض ، ثم
أدفئه في بيتي الطفل يضحك ، تأخذه
السيدة ، بيديها ، تأرجحه يمينا وشمالا ، وهو
يكركر ، بصوت سعيد ، طالبا المزيد
، من اللعب مع السيدة الرقيقة يسمع صوت السيدة ،
ينبعث بهلع مكبوت : لطفا ، أخي ،
أريد الذراع اليمنى والساق اليسرى ، انه ولدي ،
لقد عرفت أخيرا أنهم أعدموه ،
وكنت أظن انه ما زال حيا يرزق نفذوا حكم الموت
بالآلاف سيدتي الحبيبة ، لم يتبق
مني الا عظام نخرة ، أمي ، كيف يمكنك ان تجمعي
العظام وهي رميم ؟ تهم السيدة
بطرح السؤال مرة أخرى ، فلم يعد الرجل قادرا على
الاحتمال ، بعد زخات من الأسئلة
المتدفقة ، التي تلقيها على عاتقه ، تلك السيدة
العزيزة ، يجيبها بانفعال : سيدتي
، لم تبق فينا عظام ، تهرأ كل شيء فينا ، أصبحنا
رمادا تذروه الرياح
. |