الصفحة السابقة الأرشيف وقفة تراث اتصل بنا كلمة زيتونة الرئيسة
 
حق المعرفة فوق كل الحقوق جميع الحقوق محفوظة لموقع زيتونة موقع زيتونة نافذة مستقلة ليست مسؤولة عن مضمون المقالات التي تنشر ولا تعتبر المقالات المنشورة وجهة نظر رسمية للموقع ، بل فقط تعبرعن رأي الكاتب asfook@yahoo.com

نهاية التاريخ أم نهاية العقل دراسة نقدية لنظرية نهاية التاريخ على ضوء التطورات

 

د. محمد سعيد الأمجد

النفط والسياسية في العراق

 حسن عبد راضي الفريجي أكاديمي وباحث إعلامي

نماذج تاريخية من التقارب المذهبي في العراق

 

واثق الحسني - باحث واعلامي

التنمية البشرية المستدامة والمواطنة (قراءة في جدلية مبادلة التأثير) - العراق أنموذجا)

د. منعم العمّار - باحث واكديمي

التعددية العراقية ودورها في ترسيخ الوحدة الوطنية - شروط إقامة السلم الأهلي

 

رحيم الساعدي - باحث وأكاديمي

سيكولوجية اللعب عند الأطفال

إعداد . د. حسن منديل الطائي

أضواء على أطروحات توينبي في فلسفة التاريخ

تعريف ونقد : علاء الدين السيد محمد تقي الحكيم

نظرية المعرفة للسيد محمد باقر الصدر

 

 د. عائشة يوسف المناعي - قطر

الحقيقة الحقيقية والحقيقة الإيديولوجية

 

د. مشتاق عباس معن

رائحة الوردة اللامرئية

 احمد السعداوي 

كان كل شي يتدهور ويتفتت ويتقلص تدريجياً ، تراقبه الأعين ببرود وبلا مبالاة ، لاعتيادها عليه ، لكن من يراقب جيداً سوق مريدي ، يستطيع إن يخرجه من هذه القاعدة ، فمع الشروع بالتدهور والتفتت والتقلص ، كان هذا السوق يتنامى ويتماسك ويتمدد .

المساحة الأصلية للسوق أصبح يشغلها بائعون ومتبضعون يزدادون يوماً بعد أخر ، إضافة إلى مساحات جديدة يحتلها هذا السوق يومياً ، بحيث يغدو من الصعب تحديد نقطة بداية اونهاية له ، وكل بائع مهما ابتعد بمسافة عن السوق فهو مرادي الهوى ، وعينه تراقب دائماً المسافة التي بينه وبين السوق ، وكيف يظهر فيها نهار كل يوم جنبر جديد ، حتى تتزاحم في النهاية فوق مساحات صغيرة متجاورة .

إحياء كاملة ابتلعتها هذا السوق وضمها اليه ، فمن جنبر (1) او اثنين يتمركزان في بداية الفرع ، وعيون أصحابها على القبلة المرادية ، يمكن التنبؤ بان بيتاً مجاوراً ستحول غرفة أو واحدة منها  - تلك التي تطل على الشارع- إلى محل لبيع الملابس المستعملة ، او لتصليح اخشاب غرف النوم .. ثم تسري العدوى في البيوت لمجاورة ، ليفقد كل راكز راية لنهاية السوق شرعيته ، فيسلم الراية للذي وراءه ، وهذا يسلمها بدورة بعد فترة للذي خلفه .. وهكذا .

وخشية ان تتحول مدينة الوردة اللامرئية بين ليلة وضحاها مستعمرة مراد ، دخلت الجرافات وصنعت لنفسها شوارع عبر اكداس البضائع والجنابر وعربات العصير واللبلبي والملابس والأحذية والكتب ، ليفر أصحابها ويختلطون بالمتبضعين حاملين في أيديهم ما استطاعوا حمله من بضائعهم متقافزين على الساعات الجدارية المرصوفة على الأرض ، وأجهزة التسجيل والمصابيح النفطية .. لينتهز السراق (النكرية) (2) هذه الفوضى فيكونون مع الباعة المنكوبين ايضاً ، حاملين ما شاءوا من أشياء لن يلا حقهم عليها احد في كل الأحوال ، لكن السوق يعود ليضمد جراحه ، ويردم بصمت الشوارع التي خلفتها الجرافات بجنابر جديدة حتى غدا من الصعب على سائقي السيارات إن يضمنوا خروجاً سريعاً لسياراتهم حين تدلف الشارع الإسفلتي الذي امتصه السوق وألحقه بممتلكاته ، لذا فقد اجتهد بعض السواق ليغيروا من طريقهم باتجاه شوارع أخرى ، وحتى خلال الأفرع بين البيوت ، وهناك واحد و اثنين من الركاب أثارهم هذا التحول الفجائي في طريق السيارات .. اذ كان وارداً ان يقول احدهم للسائق : (نازل) وحين تتوقف السيارة داخل الفرع يقفز هذا الراكب من باب السيارة إلى حوش بيته مملوءاً غبطة وسعادة .

وفي البحث عن نقطة المركز في هذا السوق المترامي الإطراف كالإخطبوط – والذي يقال : انه تسس في بداية الستينات بسبب جلوس الحاج مراد ببسطه المخضر التي له على احد الأرصفة – هناك من يقول : ان بائعات السمك بتحالفهن العتيد الذي امتد منذ إسلافهن (حيتان الأنهر والاهوار) في هذا المكان يشكلن الوتد الثابت فيه ، فما من جرافه استطاعت زحزحة طسوتهن قيد أنمله .

وتشكل المسافة غير المشغولة بينهن وباقي بائعي الأشياء المختلفة الأخرى ، بسبب الزفر المتصاعد من أوانيهن وثيابهن وحتى ألسنتهن السليطة .. هالة من المهابة وحجاباً ينزهن عن التماهي مع باقي اجزاء السوق ، غير ان بؤرة أخرى مضادة تماماً تنافهن على هذه المركزية .. تتمثل ببائعي الاجهزة الكهربائية والمسجلات والتلفزيونات المستعملة واشرطة الفيديو والكسيت والبوسترات والعاب الاتاري والبلي ستيشن ، غير أنهم سرعان ما يتفرقون وتذهب ريحهم ، هاربين باجهزتهم حالما يشمون رائحة جرافة تقترب .

لم يكن احد من بائعي الشاي ، او القماصل العسكرية ، والبساطيل (3) والبيريات (4) او أصحاب جنابر السكائر المتنقلة المربوطة الى رقابهم بشريط قماشي .. يؤمنون على اية حال بان جسد الحاج مراد سيستمر في نموه من دون ازعاج ، ففي يوم شارف على الانتهاء .. وإذا انجدر قرص الشمس المحمر وراء العمارات والبيوت .. كانت هناك ضجة في أقصى إطراف السوق ، اعتقد الناس أنها بسبب القبض على لص أو مزور وثائق دراسية ودفاتر تجنيد وجوازات وكان ذلك مألوفا ويتكرر يومياً ، لكن الضجة أدخلت إليها أناسا آخرين .. حتى اقتربت كثيراً من أواسط السوق ، ليتكشف الأمر في النهاية عن جرافة عملاقة صفراء اللون لم ير احد مثيلاً لها من قبل ، ترفع فكها المفغور إلى السماء بشراهة وعدوانيه .. وهي تتقدم لتسحق أي شيء إمامها ، تدارك البعيدون أمرهم وحزموا بضائعهم بسرعة هائلة ، وتعاونوا على حمل مسقفاتهم المصنوعة من القضبان المعدنية الصدئة والبطانيات والقماش والحبال .. وتفاجأ آخرون بفك الجرافة العملاقة وهو يقضم بضائعهم ، ولو لا يد احدهم التي سحبتهم لكانوا بين العجلات المسننة الضخمة للجرافة تتقدم الجرافة ويتكوم المتراكضون فوق بعضهم البعض .. مختلطين بالملابس والخضار والشرابت والكتب وأواني لطبخ والصحف القديمة العائدة الى العهد الملكي والسجاد القديم وخرز الرزق والحظ .

كان عباس السين الأصلع بشاربيه الكثيف يحدق بعينين جاحظتين كعيني ثور ، يجسد الجرافة الصفراء وهي تاتي علىجنابر رفاقه وتسحبها إمامه بكيلتها الكبيرة ، هزه احدهم كتفة ... وهو يحذر قائلاً .. الا ترى .. ماذا بك .. اهرب .. ولكنه كان يعرف تماماً ما الذي يحدث في تلك اللحظة ، نظر الى جنبره الذي يبيع فيه العطور الشعبية التي يسحبها من قناني كبيرة بـ (سرنجه) من الـ(ستيل) ، ويملأ بها للزبائن ما يفضلون من عطور داخل انابيب صغيرة بسمك القلم وبطول الاصبع تنتهي بسدادة من  المطاط .. تأمل جنبره وكانما للمرة الاخيرة .. ثم رجع ببصره مسلطاً اياه على الجسد الاصفر للوحش الهادر .. كأنما ذلك يكفي منه لحرق الجثة المعدنية المتقدمة وهي تدفع لجنابر اليائسة امامها ، في النهاية ، كتفهَ اصدقاؤه بايديهم وهو يصرخ لاعناً وشاتماً ، طالباً منهم ان يتركوه ، لكنهم سحبوه بعيداً عن الفك المسنن للجرافة الضخمة في اللحظة الاخيرة والتهمت جنبره واحس وهم يسحلونه بعيداً بالروائح تلاحقه من الخلف متغيرة بين عطر وعطر .. معلنه تكسر زجاجته الضخمة التي تمثل كل رأس ماله . كان المتبضعون واقفين على مبعدة يراقبون بأنذهال كبير شاعرين مع انفسهم بانهم متورطون في القضية وفي النهاية يجب ان يكونوا في صف احد الطرفين ، إما مع الجرافة أو الجنبر غير ان حسم الموضوع بسرعة لم يكن سهلاً لديهم ، صرخ عباس وهو يرى جنبره يختلط مع الجنابر الماكوله ..وحاول اكثر من مرة الإفلات من قبضة الأذرع الرحيمة بحاله ، صرخ موجها كلامه إلى الذين حوله : (والله أسافر .. إذا تحطم جنبري .. والله أسافر) .

 عند انتهاء النهار ، وحين جمعت الجرافه العملاقة كل جنابر السوق على شكل هرم كبير من اسلاك الحديد والبطانيات وخوص وجريد لنخل واكياس لجنفاص المخاطة على قضبان معدنية نحيفة وصفائح جينكو وعشرات القطع القماشية التي حال لونها من الشمس ، وكان الجميع يرى مع عباس كيف ان قمة هذا الهرم كانت جنبر العطور العائد له ، ولم يعرف احد لماذا بدا الامر مضحكاً او مبهجاً حيث اندفع هولاء المنكوبين يتلاغطون ضاحكين .. مصفرين ومهلهلين ، لان جنبر عباس كان متربعاً على هذه الأنقاض .. سالماً كأنما يد رفعته ووضعته فوق عرش الحطام هذا ، صاح احدهم (انظروا الى جنبر عباس كأنه ملك ) وقال اخر منفعلاً كأنه يهتف : (انه ملك الجنابر) ..وضحك آخرون : لان عباس لن يسافر ، كان يخالجهم هذا اليقين وهم يشاهدونه متهلل الوجه مذهولاً ..بعد إن ملأ صياحه ووعيده السوق بأكمله .

حين تكشف الصباح ، اندفعت النساء من البيوت المجاورة تنوح وتخمش الخدود بجوار الأجساد الجنبرية الممضوغة وبعض الرجال يتجولون بين الأنقاض .. بحثاً عن بقايا رمق لجنابرهم .. ولم يخرج المتبضعون للسوق احتراماً لقدسية اليوم الحزين ، وقف احدهم على صفيحة ملقاة كان يستخدمها نهار البارحة احد باعة الشاي ككرسي له .. ثم ألقى هذا الشخص خطبة قصيرة في ضحايا الجرافة العملاقة .. يذكرهم فيها بما كان يقوم به الحاج مراد في هذه الظروف .

كان عباس الملك يراقب هادئاً الحشد ألمأتمي . ثم يجول في نظره في رض البارحة .. ويشاهد السيارات تمرق بيسر وسهولة عبر الشارع الإسفلتي قادمة وذاهبة فيغمض عينيه ويستطيع لحظتها ان يتشمم بأنفه المدرب .. روائح رأس ماله العطري ، وهي تأتي من إرجاء الجسد المرادي المسجى .

  الهوامش  

 جنبر : هو منضدة مستوية على الأرض لبيع مختلف السلع .

النكرية : عصابة متكونه من افراد يقومون بسرقة الاخرين باتباع وسائل خفيه .

البساطيل : احذية الجيش

 البيريات : أغطية الراس العسكريين .

الصفحة الرئيسية  

مقالات

بحوث ودراسات

آفاق

حديث عراقي

تقارير منوعة

أسرة ومجتمع

أوراق ثقافية

مجتمع مدني

نصوص مترجمة

كتب

البحث في القرآن

 

نوافذ ثقافية وفنية

شعر
قصة قصيرة
تشكيل
سينما
مسرح

لوحات

كاريكاتير

صور من العالم

ضع إعلانك هنا

حق المعرفة فوق كل الحقوق
جميع الحقوق محفوظة لموقع زيتونة
موقع زيتونة نافذة مستقلة ليست مسؤولة عن مضمون المقالات التي تنشر
  ولا تعتبر المقالات المنشورة وجهة نظر رسمية للموقع ، بل فقط  تعبرعن رأي الكاتب
asfook@yahoo.com