|
قصة قصيرة
شـــتاء
جهـــــنم
كاظم
الشويلي
اشتد البرد في زنزانتي
التي لا يضيؤها سوى مصباح معلق في السقف كأنه
فانوس يلفظ أنفاسه ألأخيرة ، ناديت ســـجاني الذي
يقف على كرسي طويل في زاوية الغرفة وبفمه سيجارة
:ـ أريد مدفأة تقيني برد الليل الشتوي اللامتناهي.كان
قصير القامة جدا ، زم شفتيه بلا مبالاة ، وظننت أن
توسلاتي سوف تصيب المرمى واكسب الجولة من دون
الخوض في سياسة العصا الغليظة. قلت له بعطف ورقه :
ــ وإذا لم تـكن هناك مدفأة . فتكفيني بطانية
واحدة لفراشي وغطائي وسوف أتوسد حذائي . نعم لا
بآس ببطانية. واحدة.الشيء الوحيد الذي لم أجد له
تفسيرا هو : هل كنت أهذي بسبب البرد القارس أم ان
سيدي السجان لا يفقه ما أقوله . قطب حاجبيه ، ربما
أدهشه طلبي . استدركت طلبي وأنا ألمح حلقات دخان
سيجارته المحلقة في فضاء الزنزانة و كأنها حبال
مشانق ، قلت :ــ لا أريد بطانية ، أعطني لباسا
شتائيا يتناسب مع طقس هذه الزنزانة الرهيبة. أغمض
السجان عينيه و سبح بعالم آخر ، تمتم بكلمات غامضة
مثل كاهن فرعوني ، سحب الدخان عميقا ثم أخرجه مرة
أخرى على شكل حلقات ، آه تقتلني هذه الحلقات ،
تذكرني بالحبال الملفوفة على رقاب الضحايا.توسلت
به كما يتوسل الغريق بقشة ، آه من سجان كتمثال
روماني لا يتـــــــحرك، نقرت على قمة رأسي
بأناملي الخشنة و الذي تمخض بفكرة رائعة سارعت
بعرضها أمام سجاني صاحب الوجه الصخري : ــ البرد
سوف يهلكني أسعفني بشاي ساخن يقويني على تحمل
البرد ، أسناني تصطك .نفث دخان سيجارته بصمت قاتل
، ثم فرك انفه المستطيل و كأنه يستعد لخوض معركة
ومضى يحدق في قسمات وجهي البائس ، تلاقت أناملي
فوق رأسي و تلمست أذني ثم رجوت هذا الرجل الذي وقف
كالوتد وهتــــفت :ـ أيها السجان المقدس ! ادع لي
الطبيب فقد اشتد ألمي ، ان أنسانا سوف يموت قبالتك
وإذا لم تستطع فاجلب لي أقراص جميع الآلام ، فإذا
لم تستطع فأعطني قدحا من ماء نقي اروي به ضمأي ، و
ذلك اضعف الأيمان .ظننت انني في زنزانة قانونية
كالتي قرأت عنها في صحف النظام ، لكن ما بال هذا
الشرطي يقتلني بنظرات ميتة و كأن أساطيله غرقت في
المحيط . كدت أبكي عندما ذكرت أمي وقد سهرت
الليالي تذرف الدمع على أبي حينما أودع السجن قبل
سنين مازالت كلماتها ترن في آذني مثل ناقوس كنيسة
يقرع في واد ، كانت تـنشف دمعـاتها بمنديل عتيق ،
و تلمــس كتفي برفق وتقــــــــــول :ــ السجن
للرجال يا ولدي .يا أماه هذا في عصركم ، اما في
عصـــرنا فمن يطيق نظـــرة السجان وســـــوط
الجــــلاد ولسعة الكرسي الكهـــــــــربائي و
حــــــوض التيزاب والمروحة التي تدور
ملـــــــيون مرة في الثانية . وأشياء لا اعرفها
أنا ولا تعرفينها أنت و..و.. و.. سألت هذا الدب
المنفوخ جهلا وغباء : ــ كيف يطــــــيب لك الوقت
في سـجن نــــــــزلائه أحرار وجـــــــلاديه
عبــــــــيد ؟.أماه هذا المغفل البليد لا يجيب
مرر أصابعه فوق شاربه الكثيف ورمقـــني بنظــرة
حمــقاء سألته مرة أخرى :ــ ألا تحب الحرية أيها
السيد ؟ اعلم أنك مشغوف بها ، و أنا كذلك يا سيدي
اعشقها وأود أن أعود لبيتي و أمي التي تنتظرني و
قد أرهقتها سنوات الانتظار ، فهذا السجن كابوس
مرعب .طقطقت أناملي ، ثم رفعت قدمي اليسرى من
المستـنقع الذي يغطي أرضـية الزنزانة حتى
ركبــــــــتي و توسـلت بسجاني الذي مازال يـنفث
الدخان ، قلت :ــ رحماك أيها السيد ! لا أريد شيئا
سوى الجلوس ، فأنا لا أستطيع في هذه الغرفة
المغطاة بالوحل و الماء الآسن وفضلات رفاق غادرونا
أن اجلس مثل باقي البشر ، هذا المستـنقع سوف يشل
قدمي .رمى بعقب السيجارة إلى الماء الذي يملا
الزنزانة تأهب فوق كرسيه الطويل الذي يغوص نصفه في
ماء الغرفة لضربي ، أمسك سوطه بإحكام ، رفعه إلى
الأعلى ولسع به كتفي. لقد انتهت استراحته بعد
انتهاء سيجارته ، وهاأنذا استقبل سياطا جديدة من
العذاب اللامتناهي. |