|
قصص قصيرة جداً
البيـــــارق
زيد الشهيد
(1)
بيارق البدء
تضاءلت الشمس ونضب بريقها
لحظة تسلّقَ الغبارَ تخوم الأثير وسط أجواء قرقعة
السيوف ، وتشابك الرماح ، وصرخات الرجال الساقطين
توّاً من على ظهور خيولهم النافرة مثخني الطعنات /
مفغوري الجراح فيما البيارق بيضٌ وسود خفّاقةٌ
تقارع رمضاء الرمال اللاهبة ، وحشود الغبار العابث
.
يكرُّ القادمون؛ وينهزم
آخرون .. تتعالى صيحاتٌ سافرة لفرسان مربوعي
الاكتاف ، مشدودي السواعد ، محكمي
القبضات . سيوفُهم لاهثة ،
ورماحهم طاعنة .. تتفجَّر الدماء فتشربها الرمال
المتعطشة .. هتافات " الله أكبر "" على قلّةِ
عددها تدوّي فتزرع في القلوب الضعيفة ، والنفوس
الخائرة ، والضمائر المشتراة رعباً ،وفزعاً
وانشداهاً ؛ فتختلج القلوب ، وتخور السواعد ،
وتذوي الهمم ، وتتضبّب العيون فينطفىء بصيص الشر
المنكمش في دياجير النفوس الخاوية . تلك التي
سرعان ما ما تؤول إلى الانكفاء فتتمايل بيارقها
السود ثم تتهاوى أرضاً لتدوسها سنابك الخيل ،
وتلوثها قتامة الدماء الشيطانية . البيارق البيض
صامدة ، منتصبة .. تظلَّ عالية تخفق باطراد ؛
ترمقها العيون الكسيرة ، الخائبة التي تستبق
نهايتها المرعبة .
يتفكك الحشد الظالم /
المتجبر ويتفتت ؛ فيتيه شراذمَ في بطون الصحارى
بينما الحشد المؤمن برغم قلته يشتد تعاضداَ
والتئاماً .. ويأتي الصوت سماوياً / رخيماً /
أليفاً : " كم من فئةِ قليلةٍ غلبت فئة كثيرة " ..
تتآلف السواعد ، وتتماسك القلوب ساميةً تحت طوفان
بيارق فضيّة ناصعة . يدعوها ألقٌ نوراني آتٍ من
أبواب عريضة لسموات بهية ، مشرقةٍ ، مُشرعة .
(2)
بيارق الولاء
منذ الصباح والحشود
تتوالى . ترتفع فوقها بيارق بيض وسود وحمر وخضر
وزرق رُسمت على بعضها هياكل نجوم مخمسة ومثمنة ،
وأخرى رسوم خيول واثبة أو سيوف لامعة ، وأخرى
توسطتها شموس ألِقة ن وأقمار فضية متلألأة .. تلك
الحشود قدمت من مدنٍ واسعة مكتظة ح ومن شعاب قصية
متفرقة . وها هي تقف أمام مبنى متواضع ارتفعت فوقه
مئذنة ناتئة على أمل ان يطل الرجل ذو القامة
الربعة والوجه النوراني . هذا الذي بورِكَ ،
وبُجِّلَ ، وقُدِّسَ ، وكُرِّمَ ، ورُفِعَ ،
وعُزِّزَ ، وصُلّى عليه لتمتلىء لمرآه العيون ،
وتطمَئِن لطلعته النفوس ن وتهتف له جموع الحناجر
هتاف الولاء .
وحين انتصف النهار وأُدِّيت
الصلاة أطلَّ من على دكَّةٍ وطيئة ؛ تؤطِّر وجههُ
هالة نور سماوية . مسح بعينين تتَّسع حدقتاهما
وتطفحان بالرضا والتقبُّل والإيثار .. رفع يداً
تحيي الحشود الهادرة فاستحالت بكفّها الحيية
المنبسطة بيرقاً تمازجت مع جموع البيارق المرفرفة
فيما العيون شاخصة والنفوس متطلعة ن مغترفة من
منهل الطلعة البهية ما طابَ لها ، وما اشتهت ..
يبدو المشهد الماثل
احتفالياً ؛ تحتفي لبهجته السنون فتسطِّر ما ترى
بأحرفٍ من شروق . تستحيل لذلك الصفحات صحائف تجلٍّ
يقرأها الآتون من عصور غائرة في ثرى المجهول
القادم على أنّه عهد أخوةٍ ، وألفةٍ ، ومساواة وسط
عالمٍ يمور بقهرٍ ، وقسرٍ ، وظلمات ، وحسد ،
وأحقاد ن وضغائن ن واحتواء ، وانكفاء ، وبيع نفوس
، وانتهاك اعراض ، وشراء ذمم ، وضياع أمنيات ،
وفقء عيون ، وتفاقم أحزان ، وانطفاء أحلام .
ويصمت الحشد المؤمن بغتةً
، وينصت بقلوب خاشعة ، ونفوس متأملة فيفوه الفمُ
الذي يفوح مسكاً وعنبراً مُعلناً بقلبٍ راضٍ ،
ونفس مطمأنةٍ عن اكماله لدينهم ، و اتمامه
لنعمتهم ، ورضائه عما أراد ن وما ابتغى ...
لحظتها تطوفُ فوق الرؤوس البيارق الخفّاقة سحابة
بيضاء تهمي رذاذاً عاطراً من قناعةٍ تسري إلى
النفوس فتمنحها الراحة الأبدية والحلم بجنانٍ
باذخة في مراتب الفردوس السرمدية .
(
3 ) بيارق الانعتاق
بيارقهم كثرُ ، وقلوبهم
بيض ؛ حملوها ومضوا عابرين الصحارى ، مجتازين
الجبال . وآخرون منهم على سفائن تمخر عُباب
الأمواه أبحروا ؛ مخترقين المضايق والارخبيلات
الضحلة المنحسرة صوبَ مدنٍ ، وقرى ، وتجمعات ..
هنالك حيث الأرواح الحزانى تنتظرهم ن والعيون
الكسيرة تصبوا إليهم ، والقلوب التوّاقة للانعتاق
من البؤس الانساني والعبودية المقيتة تهفو لمقدمهم
.
وحين تتراءى طوارف بيارقهم
يشعُ في وجوه المتطلعين ضوءٌ لم يشهدوا وهج ذرّاته
من قبل فتكتحل عيونهم بألقٍ سحري ح ويسري إلى
دواخلهم فيضٌ من دفءٍ غريب تتبرعم في أنسامهِ
منابت المحبّة والتقوى .. ذلك يُشعِرُهم بانهم تحت
البريق النوراني سوايةٌ . يتناهى إلى مسامعهم
كلامق فيه ودُّ ومحبة ، يقول " كلكم كأسنان المشط
" فتتجلّى المعجزة باحساس الجميع بانسانيتهم التي
ديست وخلّفوها وراءهم منذ زمن سحيق ، متذكرين
الاجيال التي انطفأت عيونها قبل أن ترى اشعاعات
النور نوأوصمت آذانها قبل سماع النبرلات المسنكبة
عدلاً وسماحةً واستئثار .. وبعمق الرغبةِ
بالانفكاك من قيود الذل نحو الانطلاق باتجاه الأفق
الفسيح شرعوا يصيخون السمع لصوتٍ آخر فيه غضبٌ
وتعنيف لؤلئكَ الموتورين ، الوجلين من ضوء الحق
الذي شعَّ في وجوههم فكشفَ قبحَها ، وومضَ في
دواخلهم فعرّى سؤآتها : " متى استعبدتم الناس وقد
ولدتهم امهاتُهم أحرارا ؟! " ، فيعلوا على الوجوه
الحييّة بهاء باهر ؛ وترتسم ابتسامات صادقة على
شفاه نضت زرقتهال وجفافها ، وارتوت برضاب ذي شهدٍ
جنائني ح وتصدر كلمات الشكر لمن أهداهم وأخذ بيدهم
إلى الطريق القويم من أفواهٍ احسَّت بقدرتها على
النطق لأولِ مرّةٍ ... تتحرك الخطى فتنضم تحت رفيف
البيارق متداخلةً مع الحشود ، ليهدر أصحابها بذات
الصوت الذي أدركهم ؛ زاحفين صوب مفازاتٍ أخر لا
بدَّ أنها بانتظار. |