|
قصة قصيرة
حفار القبور
هيثم جبار الشويلي
بينما كان يتشحُ بثوبهِ
الملائكي، يغط ُ في نوم ٍ عميق، كنا كحلقة نحيط به
من اتجاهات متناهية الاقطار، العامل يستنفذ ُعرق
جبينهِ حد الثمالة، ينظر للموجودين بسخط كبير
بالاضافة الى الغيظ والقنوط ، جسمه المتلألأ من
حبات الرمل الممزوجة بعرق جسده تستحوذ على القسم
الأكبر منه.
ثمة أصوات غريبة تداعب
مسامع الحضور ، بينما صوت المعول الذي يخربش به
الجدار يزقزقُ ، يثيرُ في النفس الاشمئزاز.
بعينيه الحمراويتين... اطلق
عدة نظرات اشبه بنظراتِ السخرية ، كان يرمقُ ذي
الثوب الملائكي بحسرات ويطلقها على شكل تنهدات.
يغوص في صمته ، ليعود مرة
اخرى الى حالة من التلاشي اللامتناهي التي سرعان
ما تبدد مع كل احصائية لعدد النظرات التي يطلقها
كل الجالسين من حوله، يكرر النظر ويطلق زفرات حرى
، أيّ مسجى ذاك الذي يحاول اتعابي بهيبة جسده تلك،
ثم يكرر الصمت مرة أخرى ليعاود العزف بمعوله الذي
يطلق سمفونية من نوع خاص، أكوامُ من الرمل تعصف
وجوه الحاضرين لتسدل ستار تلك الأعين التي تلقم ذي
المعول بنظراتها الحاذقة ، الاخدودُ يمتاز بثلاثِ
جدران لاتشبه الرابع منها ، فالرابع يحتوي على شق
ٍ طولي، مسكينٌ انت ايها الساعي الى حتفك بلا
أقدام ِ ، قالها على مضض وهو يرمق بعينيه تلك
الحشود التي تتطلع اليه والتي تستظل بظلال ِ جدران
هَرِِمة نُحتت عليها اسماءُ وتواريخ قديمة لاتعود
الى زمن ٍ سحيق، بل تعود الى فترات تكاد تكون
متقاربة ، نظراتهُ المتدفقة بشهوة الاستهزاء تحوي
اسئلة عدة.
بينما أنا بدأت أكره كل شيء
من حولي...
اكره عطر ماء الورد لانه
يذكرني بالموتى..
اكره الاثواب الملائكية
البيضاء لانها تذكرني بالموتى..
اكره القطع السوداء التي
تجهض جدران العاصمة لانها تذكرني بالموتى..
وبت أكره الخشب ايضاً لانه
يذكرني بالتابوت وهو بدوره يذكرني بالموتى..
بل بت أكره كل شيء حولي
فعما قريب سيصبحون أموات لذا فانهم يذكرونني
بالموت.
وبعد ان انزل ذي الثوب
الملائكي ، وأودعه الشق الطولي من الجدار الرابع
المغاير للجدران الثلاث المتبقية ، خرج من تلك
الحفيرة نافضاً عنه حبات الرمل المبلولة بماء جسده
، ليهيل التراب بمعوله ، كي تضيع هيبة الجدران
الاربعة التي تتوارى عن الانظار ، مبتلعة ذي الثوب
الملائكي ومخلفة ورائها كومة تراب ، ليبدأ معه
فجرُ جديد من عالم ٍ جديد. |