|
من أنت يا نفسي؟
لميخائيل نعيمة
إذ رأيت البحر يطغى
الموج فيه ويثور
أو سمعت البحر يبكي
عند إقدام الصخور
ترقبي الموج إلى
إن يحبس الموج هديره
وتناجي البحر
حتى
يسمع البحر زفيره
راجعاً منك
إليه
هل من الأمواج جئت؟
إن سمعت الرعد
يدوي
بين طيات الغمام
أو رأيت البرق
يفرى
سيفه جيش الظلام
ترصدي البرق إلى
إن تخطفى
منه لظاه
ويكف الرعد
لكن
تاركاً فيك صداه
هل من البرق انفصلت
أم مع الرعد انحدرت؟
إن رأيت الفجر
يمشي خلسة بين
النجوم
ويوشى جبة
الليـ
ل المولى بالرسوم
يسمع الفجر
ابتهالا
صاعداً منك إليه
وتخري
كنبي
هبط الوحي عليه
بخشوع
جاثية
هل من الفجر انبثقت
إن رأيت الشمس في
حضن المياه الزاخرة
ترمق الأرض وما
فيـ ـها
بعين ساحره
تهجع الشمس
وقلبي يشتهى لو تهجعين
وتنام الأرض
ولكن
أنت يقظى ترقبين
مضجع الشمس
البعيد هل من الشمس هبطت ؟
إن سمعت البلبل الصـ
ـداح بين الياسمين
يسكب الإلحان
ناراً في
قلوب العاشقين
تلتظى حزناً وشوقاً
والهوى عنك بعيد
فأخبريني هل غنى البلـ
ـبل في ألليل يعيد
ذكر ماضيك
إليك هل
من الإلحان أنت ؟
إيه نفسي ، أنت لحن
في قد رن صداه
وقعتك يد
فنا
ن خفى لا أراه
أنت ريح، ونسيم
أنت موج ، أنت بحر
أنت برق؟ آنت
رعد
أنت ليل؟ أنت فجر
أنت فيض من اله
الشاعر :
من شعراء الرابطة القلمية
بنيويورك ولد في قرية ((بسكنتاد» بلبنان سنة 1889
والتحق في صغره بمدرسة روسية كانت في قريته فحذق
هذه اللغة ، ثم هاجر إلى الولايات المتحدة حيث
التحق بجامعة واشنطن وظفر منها بإجازة في القانون
، وتجنس بالجنسية الأمريكية ، فلما دخلت أمريكا في
الحرب العالمية الأول كان بين جنودها الذين
احتشدوا في الجبهة الفرنسية ، ووضعت الحرب أوزارها
فظل في فرنسا حقبة ليدرس آدابها ثم عاد إلى
نيويورك ، وله آ ثار أدبية كثيرة » من أهمها
ديوانه ((همس الجفون ) . وهو مثل أبى ماضي يتخذ
موضوع شعره من الكون والحياة بمعناها الواسع ،
ويقف حائرا كثيرا أمام ألغازها ، ويشعر كأنه هائم
تائه في دنياه ، ويؤرقه ما بها من صراع بين الخير
والشر ، إلا انه لا ينتهي إلى شك الوجود بل تستقر
دائماً في اعماقه نزعة روحية ، وقد جعلته هذه
النزعة يكتب ترتيلات وصلوات بديعة
ونراه يستخدم الرمز في بعض
قصائده ، ومن أجمل ماله في ذلك قصيدة((النهر
المتجمد )) وفيها يصف ما ما أصابه ، وأصاب الطبيعة
حوله في فصل الشتاء ، ويبشر النهر بان فصل الربيع
آت لا محالة فتبتسم الدنيا من حوله وينفك من عقاله
، ثم يتحول إلى نهر نفسه الذي كان ضاحكاً مثل
المروج فيأسى لما أصاب أمواج أماله فيه من جمود .
القصيدة
:
يتجه الشاعر في عنوان
قصيدته إلى سؤال نفسه من أنت ؟ فهو حائر إزاءها إذ
يراها تتحد بعناصر الطبيعة عنصرا عنصرا ، فهي ان
رأت البحر يموج ويثور ويبكى عند أقدام الصخور، ظلت
معلقة به حق يعود إلى هدوئه وصفائه فتناجيه
بزفرات هي صدى هديره وان رأت الرعد يقصف والبرق
يلمح في السماء تناولت من البرق قبسا ، وظل الرعد
فيها صداه ، وان تراءت لها أشعة الفجر خاشعة كأنما
هبط عليها وحى من ألسماء . وان رأت الشمس تفارق
الوجود ظلت ترقب مغربها البعيد ، وان سمعت البلبل
يرتل ألحانه الحزينة في الرياض أثار فيها ذكريات
الأيام الخالية .
ويعجب الشاعر من هذا
الفناء في الطبيعة وعناصرها المختلفة ، وما يلبث
أن يزيل الستار عن هذا المكنون في طوايا نفسه ،
فهي لحن يرن فى صدره وقعته يد فنان ماهر لا يراه ء
وهو لحن يلتحم مع عناصر الطبيعة ولا عجب فالجميع ء
_ في رأيه _ فيض من الله
التعليق :
ا _ يلاحظ على هذه القصيدة
، ما لاحظناه على القصائد السابقة من أنها بناء
متناسق ء فالوحدة الفنية فيها تامة ء كل جزء يسلم
إلى صاحبه ء وكل جزء كأنه شد شدا إلى ما يسبقه
ويلحقه ء ليصور الفكرة التي يريدها الشاعر، وهى
قوة إحساسه بالطبيعة ء بل قوة فنائه فيها وحبه
وتداخله في مظاهرها المختلفة .
2_ والقصيدة جديدة في
موضوعها فلم يكن القدماء يشعرون هذا الشعور تلقاء
الطبيعة ، كانوا يصفونها ، ولكن لم يكونوا يدخلون
فيها ويستغرقون هذا الاستغراق الصوفي ، فإذا
الشاعر منجذب إليها ، كأنها جزء من ذات نفسه ،
فننسمه كما يقول نعيمة ذات الريح والنسيم والموج
والبحر والشمس والرعد ، والبوق والفجر، والبلبل
والرياض ، وهذه النزعة مجلوبة من الشعر الغربي ،
فقد شاع بين أصحابه في القرن الماضي هذا الفناء في
الطبيعة .
3_ وتسرى فى القصيدة ظاهرة
مهمة ، هي ظاهرة التشخيص لعناصر الطبيعة ، وبث
الحياة والحركة فيها ، فإذا هي كالإنسان لها
أحاسيسه ومشاعره فالبحر يبكى عند إقدام الصخور،
والفجر يمشى خلسة بين النجوم ، والشمس تحتضن
المياه الزاخرة ، وترمق الأرض بعين ساحرة ، وهذه
الظاهرة تجد لها مشابه في الشعر القديم ، ولكنها
اتسعت في الشعر الحديث مع ظاهرة الفناء السابقة في
الطبيعة ء تقليدا لما رآه شعراؤنا في شعر الطبيعة
الغربي .
4_ والقصيدة كلها من وزن
واحد ، ولكن الشاعر جدد في وزنها وشكلها ضروبا من
الجديد تشيع في شعرنا الحديث ، فمن جهة قصر تفاعيل
البيت ، ومن جهة نوع في القوافي فجعلها تتغير في
كل بيتين ، وأطال التفاعيل في بيت ، وبعبارة أخرى
جعل هذا البيت أطول قليلا مما قبله ، واتخذ القرار
الذي يقف عند نفسه ليبدأ الجزء التالي من أجزاء
قصيدته . وهى كلها تغييرات واضحة » ومن شأنه أن
تجعل الشعر أكثر خفة وقد نوع شعراء المهجر ، كما
نوع شعراء العالم العربي كثيرا في هذا الاتجاه ء
ولكنهم ظلوا جميعا متمسكين بأنغام الشعر القديم
وأوزانه وبحوره .
5_ وعلق البيت الذي اتخذه
قرارا للنغم في كل جزء بما قبله على صورة لا
نعهدها في شعرنا القديم ء كما ترى في الجزأين
الرابع والخامس ، إذ بدأ البيت بمفعول للفعل
السابق في البيت قبله ء وكأنه يريد أن يلفى فكرة
استقلال البيت التي كانت تشيع عند القدماء وهو في
ذلك يتشبه بالشعر الغربي الذي لا تستقل فيه
الأبيات بمعانيها ، بل يتكامل المعن ويتداخل بين
الأبيات . . |