الصفحة السابقة الأرشيف وقفة تراث اتصل بنا كلمة زيتونة الرئيسة
 
حق المعرفة فوق كل الحقوق جميع الحقوق محفوظة لموقع زيتونة موقع زيتونة نافذة مستقلة ليست مسؤولة عن مضمون المقالات التي تنشر ولا تعتبر المقالات المنشورة وجهة نظر رسمية للموقع ، بل فقط تعبرعن رأي الكاتب asfook@yahoo.com

نهاية التاريخ أم نهاية العقل دراسة نقدية لنظرية نهاية التاريخ على ضوء التطورات

 

د. محمد سعيد الأمجد

النفط والسياسية في العراق

 حسن عبد راضي الفريجي أكاديمي وباحث إعلامي

نماذج تاريخية من التقارب المذهبي في العراق

 

واثق الحسني - باحث واعلامي

التنمية البشرية المستدامة والمواطنة (قراءة في جدلية مبادلة التأثير) - العراق أنموذجا)

د. منعم العمّار - باحث واكديمي

التعددية العراقية ودورها في ترسيخ الوحدة الوطنية - شروط إقامة السلم الأهلي

 

رحيم الساعدي - باحث وأكاديمي

سيكولوجية اللعب عند الأطفال

إعداد . د. حسن منديل الطائي

أضواء على أطروحات توينبي في فلسفة التاريخ

تعريف ونقد : علاء الدين السيد محمد تقي الحكيم

نظرية المعرفة للسيد محمد باقر الصدر

 

 د. عائشة يوسف المناعي - قطر

الحقيقة الحقيقية والحقيقة الإيديولوجية

 

د. مشتاق عباس معن

الفرزدق

شاعر الولاء والمواقف الجريئة

 فالح الربيعي : احث وإعلامي

ينحدر الفرزدق من أصل رفيع ، ومن قبيلة كانت لها مواقف مشرّفة قبل الإسلام ، فالمؤرخون ومنهم (ابن قتيبة) و(البغدادي) وصاحب الأغاني يؤكدون على أنه كان شاعراً من النبلاء ، وأنّ والده كان جواداً شريفاً ، وأما جده (صعصعة بن ناجية)فقد منع الوئيد (أي الوأد) في الجاهلية ، واشترى أربعمائة موءودة ، ووفد على رسول الله (صلى الله عليه واله وسلم).

وكانت ولادة الشاعر في البصرة التي كانت سوقاً ناشطة للعلم والأدب ، وملتقى للرواة والشعراء وعلماء اللغة، فكان لهذه البيئة أكبر الأثر في توجيه شخصية الفرزدق الأدبية .

بالإضافة إلى ذلك فقد ورثت عائلة الفرزدق نفسها حبّ أهل البيت (عليهم السلام) واشتهرت بولائها لهم ،وفي هذا المجال تذكر لنا المصادر رواية طريفة تمثّل حادثة كان لها أثر كبير في تشكيل شخصية الفرزدق الدينية ، فقد روى ابن أبي الحديد في ((شرح النهج)) والبغدادي في ((خزانة الأدب)) الرواية التالية :

(( دخل غالب بن صعصعة بن ناجية بن عقال المجاشعي على أمير المؤمنين (عليه السلام) أيام خلافته ، وغالب شيخ كبير ومعه أبنه همام الفرزدق وهو غلام يومئذ ، فقال له علي (عليه السلام): من الشيخ ؟ قال : أنا غالب بن صعصعة ، قال : ذو الابل الكثيرة ؟قال:نعم ، قال:ما فعلت إبلك ؟ قال: ذعذعتها الحقوق، وأذهبتها الحملات والنوائب .قال:ذاك أحمد سبيلها ، مَن هذا الغلام معك ؟ قال: هذا ابني ،قال: وما اسمه ؟ قال:همّام،وقد روّيته الشعر ياأمير المؤمنين ، وكلام العرب ، ويوشك أن يكون شاعراً مجيداً ، فقال (عليه السلام) : لو أقرأته القرآن فهو خير له)).(1)

وكان هذا اللقاء الذي جمع بين الشاعر ، وبين أمير المؤمنين (عليه السلام) أكبر الأثر في تكوين شخصية الفرزدق الإسلامية حتّى إنّه كان يقول بعد ذلك معبّراً عن مدى تأثّره العميق بوصيّة الإمام علي (عليه السلام) (( ما زالت كلمته في نفسي )) حتى قيّد نفسه بقيد ، وآلى ألا يفكّه حتى يحفظ القرآن ، فما فكّه حتى حفظه .(2)

وقد كانت المفاخر والمكرمات التي كانت قبيلة الشاعر تتمتع بها قبل وبعد الإسلام دافعاً له إلى عدم طأطأة رأسه للأمويّين ، فقد كان يرى في قومه من المفاخر والفضل مايتفوقون به على بني أمية ، فجاء شعره نتيجة لذلك مفعماً بالفخر ، والاعتداد بقبيلته ، وحتى إن أنشد قصيدة في مدح الأمويين مضطرّاً فقد كان يعدل عن مدحهم ليصبّ مدحه على قومه بحيث يثير غضب وحفيظة الحكام الأمويين ، وقد قيل إن (سلمان بن عبد الملك) سأله ذات مرّة: ماأحدثت بعدنا ياأبا فراس ؟ فتململ الفرزدق وأنشد :

وركب كأنّ الريح تطلب عندهم     لها  تِرَةً  من جذبها  بالعصائـبِ

سروا يخبطون الليل وهي تلفّهم      إلى شُعب الأكوارمن كلّ جانب

إذا أبصروا نـاراً يقولون : ليتها      وقد خصرت أيديـهم ، نارُ غالـبِ

 

وما إن سمع (سليمان) الأبيات حتى اسودّ وجهه، وغاظه فعل الفرزدق، وكان يظن انّه ينشد مديحاً له . وقد عُرف الفرزدق بمثل هذه الأبيات الفخرية ، وجاء بصور ومعانٍ رائعة تهزّ النفس حتّى أنّ الناس كانوا يردّدونها في منتدياتهم كقوله :

 

وكنّا إذا الجبّار صعّر خـدّه      ضربناه حتّى تستقيم الأخادعُ

 

وقوله :

ترى الناس ما سرنا يسيرون خلفنا

                             وإن نحــن أومأنا إلى الناس وقّفوا

 

وقوله :

إنّ الذي سمك السماء بنى لنا      بيـتاً دعائـمه أعــزّوأطــولُ

حُلل الملوك لباسنا في أهلـنا       والسابغات إلى الوغى نتسربلُ

أحلامنا تـزن الجبـال رَزانـة      وتخالُـنا جِنّاً  إذا مـا نجــهل

 

ومع ذلك فإنّ هذه الشخصية التي تتسنّم المعالي في أشعارها،وتملأ أسماع الآخرين بمفاخر قومها ، وتكاد تذوب تواضعاً وحبّاً لأهل البيت(عليهم السلام) ، ولا عجب في ذلك ، فقد تفتّحت عينا الشاعر وهو صغير على شخصية عظيمة كشخصية الإمام علي (عليه السلام) فنهل منه تلكم النصيحة التي كانت رائداً له في حياته العقيديّة والرساليّة ، ثم إنّه كان قد نشأ في بيئة شيعيّة ، وورث حبّ أهل البيت (عليهم السلام) من والده .

ومع ذلك فإنّنا لاننكر أنّ (الفرزدق) غرق إبّان مسيرته الشعرية في مستنقع الهجاء المقذع ، ونقائضه التي أنشدها في هجاء جرير وقومه مشهورة في هذا المجال ، ولكننا نرى أنّ الشاعر في السنين الأخيرة من حياته يعدل عن هذا الموقف مكتفياً بهجاء بعض الحكام الامويّين ، وفي هذا الصدد تروي لنا كتب الأدب رواية طريفة ضمّنوها أبياتاً ، أعلن فيها الفرزدق عن توبته ، وكفه عن الهجاء .

إلا أنّ ذلك لايعني أن الفرزدق كان من النوع الفاسق الخارج عن الدين ، كما نلاحظ ذلك في شعراء مثل الأخطل والحُطيئة ، ثمّ إنّ الشاعر ـ أي شاعر كان ـ لابدّ له لكي يغدو من الشعراء الفحول المشهورين أن يدخل حلبة الهجاء ، ولعلّ أفضل وصف لشخصيّة الفرزدق ذلك الذي نجده في ((أمالي المرتضى)) حيث يقول عنه :

(( كان الفرزدق شيعيّاً ، مائلاً إلى بني هاشم ، ونزع في آخر عمره عمّا كان عليه من القذف والفسوق ، وراجع طريقة الدين ، على أنّه لم يكن خلال فسقه منسلخاً من الدين جملة ، ولا مهملاً لأمره أصلاً )) . (3)

وقد أكّد الفرزدق استقامته على الطريقة ، وعدوله عن الهجاء في أبيات مشهورة يقول فيها :

 

ألم ترني  عاهـدت ربّـي وإننـي      لبيـن رتـاج ٍ قائـم ومـقـامِ

على حَلْفة لا أشتم الدهر مسلماً      ولاخارجاً من فيّ زورُكـلام

 

 

ميمية الفرزدق في مدح الإمام زين العابدين (ع):

 

تعدّ هذه القصيدة من عيون الشعر العربي ، وقد طارت شهرتها في الآفاق لروعتها ، وصدق العاطفة فيها ، ومن العجيب أنّ هذه القصيدة على روعتها وجمالها تعتبر ضمن الاشعار التي ارتجلها الفرزدق ، الأمر الذي يدلّ على الموهبة الشعريّة العظيمة التي كان هذا الشاعر يتمتع بها .

    وقد روى الأصفهاني في أغانيه في سبب إنشاد الفرزدق لهذه القصيدة رواية طريفة تدلّ على جرأته وتفانيه في حبّ أهل البيت (عليه السلام) بحيث إنّه عرّض نفسه للحبس بعد فراغه من إنشادها ، وإتماماً للفائدة نورد هذه الرواية :

(( حجّ هشام بن عبد الملك في خلافة أبيه ومعه رؤساء أهل الشام، فجهد أن يستلم الحجر فلم يقدر من ازدحام الناس ، فنُصب له منبر ، فجلس عليه ينظر إلى الناس ، وأقبل علي بن الحسين وهو أحسن الناس وجهاً ، وأنظفهم ثوباً ، وأطيبهم رائحة، فطاف بالبيت، فلمّا بلغ الحجر الأسود تنحّى الناس كلهم، وأخلوا له الحجر ليستلمه هيبة وإجلالاً له ، فغاظ ذلك هشاماً وبلغ منه ، فقال رجل لهشام : من هذا أصلح الله الأمير ؟ قال: لاأعرفه ، (وكان به عارفاً ، ولكنه خاف أن يرغب فيه أهل الشام ، ويسمعوا منه) فقال الفرزدق ـ وكان لذلك كلّها  حاضراً ـ : أنا أعرفه يا شاميّ ، فقال: ومن هو ؟ فأنشد الفرزدق هذه القصيدة )).(4) ندرج فيما يلي بعض أبياتها :

 

هذا الذي تعرف البطحاء  وطأته       والبيت يعرفـه والحـلّ و الحـرم ُ

هذا ابن خير عبـاد الله   كلـّهم       هـذا التقيّ النقـيّ الطاهــر العـلم

هذا ابن فاطمة إن كنت   جاهله      بجــدّه أنبيـاء  الله قـد    خُتــموا

وليس قولك من هـذا  بضائـره      العرب تعرف من أنكــرت والعـجم

ما قـال(لا) قـطّ إلاّ في تشهـده       لولا التشهد كانـت   لاؤه   نعــم

من معشر حبّهم دين وبغـضهـم      كفـر وقولـهم   منجىّ  ومعتـصم

مقدّم بعد ذكر الله ذكـــرهمُ       في كل بدء ومختوم بـه    الكــلم

إن عُدَّ أهل التقى كانوا أئمتهم       أوقيل مَن خيرأهل الأرض قيل همُ(5)

 

وعلى اثر إنشاد الفرزدق لهذه القصيدة أمر هشام بالقبض عليه وحبسه، فقال الفرزدق يهجوه بأبيات تدّل على جرأة لاحدود لها، واستبسال في سبيل المبدأ والعقيدة يحسد عليه :

 

أَيحبسني بين المدينة والتـي         إليها قلوب الناس يهوي منيبُها

يقلّب رأساً لم يكن رأس سيدّ        وعيناً له حولاء  بـادٍ   عيوبُـها

 

أضف إلى ذلك أنّ هذه الحادثة الشهيرة تدّل على المكانة العظيمة التي كان يحتلها الأئمّة (عليهم السلام) في قلب الأمة ، وهي مصداق الحديث المعروف : ((التقوى عزّ من لا عزّ له)) فرغم أن الأئمة (عليهم السلام) لم يكونوا يمتلكون من مظاهر الدنيا شيئاً إلا أنّهم استطاعوا أن يضفوا على أنفسهم ذلك العزّ، ويحظوا بتقدير الناس وحبّهم بفضل أخلاقهم السامية الرفيعة .

وقد روى المرتضى (رحمه الله) في أماليه أنّ هذه القصيدة بلغت المسامع الكريمة للإمام علي بن الحسين (عليه السلام)، فبعث إلى الفرزدق بإثني عشر ألف درهم وقال له:(( اعذرنا يا أبا فراس، فلو كان عندنا في هذا الوقت أكثر منها لوصلناك به )) فردّها الفرزدق وقال:((يا بن رسول الله، ما قلتُ الذي قلت إلاّ غضباً لله ورسوله، وماكنت لأرزأ عليه شيئاً)) فردّها إليه، وأقسم عليه في قبولها وقال له:(( قد رأى الله مكانك وعلم نيّتك، وشكر لك، ونحن أهل بيت، اذا أنفذنا شيئاً لو نرجع فيه ))فقبلها .(6)

ـ الهوامش ـ

 (1)            شرح النهج المعتزلي 20:96 .

(2)            المصدر نفسه .

(3)            أمالي الشريف 1:6 .

(4)            ابن خلكان ، وفيات الاعيان 6 :95 .

(5)            المصدر: 95 ـ 96 . وابو الفرج الاصفهاني، الاغاني 21 : 378 ـ 379.

(6)            أمالي الشريف المرتضى 1 :69 .

 

         

 

 

 

 

 

 

الصفحة الرئيسية  

مقالات

بحوث ودراسات

آفاق

حديث عراقي

تقارير منوعة

أسرة ومجتمع

أوراق ثقافية

مجتمع مدني

نصوص مترجمة

كتب

البحث في القرآن

 

نوافذ ثقافية وفنية

شعر
قصة قصيرة
تشكيل
سينما
مسرح

لوحات

كاريكاتير

صور من العالم

ضع إعلانك هنا

حق المعرفة فوق كل الحقوق
جميع الحقوق محفوظة لموقع زيتونة
موقع زيتونة نافذة مستقلة ليست مسؤولة عن مضمون المقالات التي تنشر
  ولا تعتبر المقالات المنشورة وجهة نظر رسمية للموقع ، بل فقط  تعبرعن رأي الكاتب
asfook@yahoo.com