|
لمحات من طبيعة
الرسم في العراق
البعد النفسي
اعداد:زينب الربيعي
إن دراسة دقيقة للرسم المعاصر في العراق لابد أن
تكشف عن امتداد لتراثه القديم والإسلامي الذي جسد
البعد النفسي برؤيا عميقة . فقد كان الفنان القديم
كما يقول جواد سليم : (( مبتغاه الدائم الحرية في
التعبير ، إذ حتى في فن آشور الرسمي ، أن الفنان
الحقيقي ينطلق من خلال مأساة الحيوان الجريح وكان
الرسام المسلم هو الآخر قد اكتشف دلالات الذات
العميقة في تشخيصاته وتحليلاته )).(1)
فمن يدرس رسوم الواسطي يلاحظ أنه لم يهمل التعمق
في فهم الحالة النفسية وعدم عزلها عن سياقها
الاجتماعي ، كل هذا الموروث تجدد من خلال تجربة
الرسام في العراق ، وبعدة صور، فمن خلال الاهتمام
بالأساطير ( طارق مظلوم ، حميد العطار...)
والدراسات ذات الطابع الاجتماعي ( حافظ الدروبي ،
فائق حسن ...)، والدراسات ذات الطابع السياسي /
النفسي ( جواد سليم ، محمد صبري ...)، إستطاع
الرسام أن يُشكل تجربة يمكن أن تدرس من خلال
منطلقه في فهم الواقع وتحليله ، وفي عكس أعماق
الذات وصلتها بالواقع إيجاباً وسلباً ، فقد وجد
البعد النفسي مناخاً لدى الرسام تخطى به العديد من
الحواجز ليبلور في المحصلة رؤيا لاتنفصل عن اتجاهه
العام .
إن طبيعة الرسم في العراق قد ارتبطت بالواقع ،
وبعدة مستويات فإذا كان الفنان قد أولى عناية خاصة
للبعد الانتمائي في أعماله (واقعاً،رمزاً) فإنه
كذلك أولى ـ من منظار متقدم ـ البعد الذاتي قيمة
فنية لا تنفصل عن البعد النفسي الجمعي .
ويمكن أن يلاحظ أن ثمة أثراً عميقاً للواقع
الاجتماعي على طبيعة الرسام النفسية وموضوعاته .
فمن خلال مكونات العمل الواقعي أو المحوري ، يمكن
اكتشاف صلة الرسام بالبيئة ـ والموضوعات العراقية
ـ رسم الأشكال والاستعارات التراثية ... الخ ،
بمعنى أن ثمة موضوعات مرتبطة بالبيئة العراقية ،
ولكن دلالاتها التعبيرية عامة والنفسية خاصة , لم
تكن تعتمد إلاّ على الخصوصية الفنية . أما مغزاها
فانه يشتمل على أفكار تتجاوز نطاق الموضوع المحدد
.
فالشجرة القتيلة ، لجواد سليم بإسلوبها المستفيد
من رسوم الواسطي ـ تبقى لوحة ذات دلالة نفسية
انسانية تتجاوز الحالة الخاصة . من هنا يمكن لعلم
النفس العام أن يكتسب عمقه الانساني الشمولي عندما
يتمثل في المنجزات الفردية / الجماعية. أي : التي
تعبر بجدلية عن ترابط الفردي بالعام ، والجزئي
بالمطلق .
إن واقع الرسم في العراق كان يعبر عن استجابة
أصيلة لدور الفنان وبمنح مخيلته قدرة أعظم على
تجسيد الواقع من منظار شامل ومن بُعد رمزي ومن
خلال دلالة نقدية .
تحولات الجانب الاجتماعي تقود إلى كشف نفسي
:
إن ارتباط الفنان بالبيئة الاجتماعية قد أفلح في
عكس طبيعة العلاقات الاجتماعية أولاً، وتقديم صورة
أخرى بديلة لها ثانياً .
وما دام الفن تجسيداً للمثال المتصور ، فإن دوره
عامة ينزع إلى تحقيق أدق توازن في نظام الأفراد ،
وفي علاقة الفرد بالجماعة.. بيد أن هذا لايحصل إلا
من خلال وظيفة الفن الاجتماعية التي لن تغدو وظيفة
فنية بدون إسهام الجمال في خلق وتأصيل هذه العلاقة
.
إن النماذج الفنية الخلاقة كانت تكشف عن حالات
نفسية، واجتماعية، وثقافية، وسياسية، وحتى جهادية
، وعلى وجه الخصوص انطلاقا من مبدإ ارتباط الفنان
بفكرة النضال الوطني والقومي ، فدراسة أعمال ,
كالسجين السياسي جواد سليم أو ثورة الجزائر ، محمد
صبري، وأعمال أخرى تكشف عن حالات انسانية (مغتربة)
عن طبيعة المثال الاجتماعي المنظور عن الواقع
(المتحرر) وطنياً وقومياً .
نرى أن الفنان يستلهم الحالات النفسية أي يربطها
بمكونات عمله الفني ، وهذا الاتجاه يرتبط عميقاً
بشخصية الفنان الكتومة والحزينة التي تنهج نهج
الصانع الماهر الذي يترك ذاته تظهر بخفاء في العمل
الفني .
لندرس أعمال فائق حسن وخالد الجادر مثلاً : سنلاحظ
في أعمالهما التجسد الخفي للحالات النفسية، ففي
قرويات حسن نلاحظ الحزن الخفي، والطبيعة الداخلية.
للشخصيات ، والطبيعة المرتبطة بحرفيات الفنان
وبعالمه الداخلي المكون من رصد الحالة ومن تحقيق
الرموز الداخلية التي لاتُفهم إلا بفهم مكونات
الفنان وشخصيته تماماً .
لنلاحظ عمل (فائق حسن) الآخر الذي يُمثل حصاناً
عجوزاً يحدق في جمجمة حصان آخر، هذا العمل الواقعي
يعبر فيه الفنان عن حالة نفسية واقعية الجذور وفي
الوقت ذاته تأملية ؛ لأنها تكشف عن حقيقة المصير
(الموت).
إن فائق حسن الذي لم يعبر عن شخصيته التأملية يكشف
لنا جزءاً من مساره النفسي أونقل عن واقعه النفسي
، حيث يتجاوز القيمة الواقعية لمصلحة الحالة
النفسية بتأمل الموت ، ولكن في واقعية خاصة .
كذلك نرى أعمال (خالد الجادر) ذات الحزن الدفين
وقد رسمت ببراعة فنان يكتم مشاعره أو يدمجها
بالعمل الفني ، ففي أعماله عن القرية العراقية
حنين وحزن وكآبة تبلغ حد الرمز أو النصح المباشر!
ففيها يكشف عن ذاته ، ضمن الواقعي .
الفنان يجسد الحالات النفسية أو يكشف عنها، ففي
أعمال محمود صبري ، أو جواد سليم وغيرهم نلاحظ
انفعال الفنان الصريح في الكشف عن الحالة ، وفي
حدة تبلغ حد التعبير المباشرمثلاً : في عمل (ثورة
الجزائر) لصبري أو الشجرة القتيلة لجواد سليم،
في هذه الأعمال نرى أن الفنان يفضح حالته النفسية
ويصورها بأبعادها السياسية أو الاجتماعية ،
فالفنان صريح بالتعبير؛ لأنه صريح في الموقف
الفكري .
ـ
تأثير المدارس الأوربية ـ
لقد تحتم على طبيعة الرسم في العراق أن يخضع إلى
عدة مصادر (تأثيرات) شكلت بنيته الحالية منها
التأثيرات الفعلية للفن الأوربي، والمتابع يلاحظ
بدقة تأثيرات بعض المدارس التي تكونت في أوربا
ومنها المدارس الأكثر تعبيراً عن المشكلات
الانسانية، والتي التزمت بشكل خاص قضايا الانسان
فنرى تأثيرات المدرسة التعبيرية على عدد كبير من
الرسامين إضافة إلى الاتجاهات الواقعية ،
والواقعية النقدية وغيرهما .
بهذا الاتجاه أصبح التحليل السيكولوجي للأعمال
الفنية،عامة، يقودنا إلى فهم مكونات هذه التجارب ،
وفهم طبيعة تكوينها الواقعي ، أي فهم التأثير
التقني في التجربة ، وعملية تحوير المواضيع
وإخضاعها لخصوصيات تجربة الفنان وكذلك ما سيحدث
أخيراً من تمثل حقيقي لها .
من هنا نرى انتقال الأساليب من مصدرها الأجنبي ،
انتقالاً سريعاً، فعلى سبيل المثال نشاهد الكثير
من الأعمال لم يتطرق إليها الرسام ، إلا بعد أن
درس الفن في الخارج , والتزم قواعده العامة. فقد
أفاد الرسام من تجارب بيكاسو، ومن المدارس ذات
الطابع التعبيري، والرمزي، والواقعي ...الخ
إتفادةً ارتبطت بمنح العمل رؤيته الجديدة .
وكذلك انتقال الرسام إلى فهم (سيكولوجي) خاص
بطبيعة العمل الفني سواء كان على مستوى المعالجة
(النفسية)، أم على مستوى (الموضوع) .
ففي هذا الجانب ينقلنا الفنان إلى صميم تجربته
التي ارتبطت بالتعبير عن مشكلات الانسان ، والتزام
جوانبه المضيئة .
إن العوامل النفسية التي أسهمت بتكوين تجارب
الرسم في العراق تنقسم إلى مصادر عدة منها :ـ
ـ محاولة الفنان بدراسة التراث القديم .
ـ محاولته بدراسة التراث الشعبي .
ـ محاولته بمعرفة الذات للفنان .
ومن خلال التمرد مثلاً واللاوعي نرى بأن الرسام
أفاد من فعل الأسطورة في اعادة الحكمة القديمة
بشكل معاصر ، وأفاد من التمرد بالأساليب في خلق
معارضة ضد الأساليب الشائعة .
وبداهة أنّ الأسلوب بحد ذاته لايقوم إلا على نظام
فكري خاص بالرسام . أي إن الفنان بوعيه الشامل
استطاع أن يتمّرد كاشفاً عن شخصيته المتجددة، مثال
ذلك أعمال إسماعيل فتاح البيضاء ففي هذه الأعمال
كشف خاص عن تمرد قائم ضد الأساليب الشائعة بالرسم
في العراق خلال العقد السادس من القرن الماضي.
لقد كان جواد سليم القتيلة المحطمة رمز للإنسان
المضطهد، ولكن هذا كله لم يأتِ اعلاناً مباشراً،
بل من خلال عمل فني له مناخه واسلوبه المتميز،
أي :إننا إزاء تضمين العمل الفني رموزاً لا تنفصل
عن دافع الفنان وغاياته، وفي الوقت نفسه نحن ازاء
لا وعي الفنان المرتبط بوعي الفنان أولاً ،
والمرتبط كذلك بتلقائيته المرتبطة بشخصيته
ومكوناتها أولاً وأخيراً .
قلق
الرسام ومشكلة الأسلوب
:
لقد كان لقلق الرسام أثر مباشر منح الرسم في
العراق ، عدة متميزات أبرزها : الاتجاه التجريبي،
أو البحث عن البديل .
وسعى الرسام ضمن هذا البحث إلى تجاوز الأساليب
الفنية الشائعة إضافة إلى إدراكه لوظيفة الفن
الاجتماعية والجمالية .
فقد كان للقلق ـ الذاتي / الجماعي ـ وظيفة تجسدت
في بحث الفنان عن المعنى ، أي معنى الفن المرتبط
بمكونات شخصية الفنان بدلاً من أن يركز على اتجاه
فني واحد أو إسلوب محدد .
الهامش(1):جواد سليم . دليل المعرض السنوي السابع
للرسم عام 1958.
المصدر : مجلة آفاق عربية ، العدد 11، تموز1980
السنة الخامسة. |