|
تاريخ الفن
العراقي
اعداد
: صلاح البشير
كان للعراقيين سابقة قريبة
الامد بالفن في مجال تأسيس الجمعيات السياسية في
نهاية القرن التاسع عشر، وبداية القرن العشرين،
وخاصة ثورة العشرين. فقد حاولوا ذلك ضد الاتراك
العثمانيين، بعد ان لجأ هؤلاء الى سياسة التتريك،
كما حاولوه ايضاً في فترة احتلال البرطانيين
للعراق، فأصبح انتقال ذلك الى الصعيد الثقافي
والفني امراً طبيعاً، منذ مطلع الاربعينات، لاسيما
وان تأسيس معهد فنون الجميلة في عام 1936، كمعهد
للموسيقى، ثم تطويره في عام 1940، ليكون شاملاً
لمعظم الفنون الجميلة اصبح السبب المؤثر في ذلك.
أي في مجال تأسيس الجماعات الفنية، لأنه يقضي على
عزلة الفنان في عمله الفني.
وكان اكرم شكري، بعد عودته
من لندن في عام 1931 قد تشبع كما يظهر بفكرة العمل
لتكوين جماعة فنية، اسوة بالفنانين الاوربين الذين
اهتموا منذ بداية القرن العشرين بذلك، وربما كانت
حياة الرسامين البولنديين الذين تأثر بهم اثناء
تواجدهم في العراق خلال ظروف الحرب العالمية
الثانية مثلاً واضحا لهم. وكان فائق حسن عام
37/1938 قد عمل مباشرة بعد عودته من باريس على
الرسم في ضواحي بغداد برفقة عيسى حنا، ثم التفت
حوله تلك المجموعة من الشباب المثقفين المعجبين
بفنه:ـ جماعة البدائيين فيما بعد. وهكذا مهدت هذه
المحاولات الصغيرة لتبلور فكرة جمعية اصدقاء الفن
في عام 1941. أي ان هذه الجمعية لم تظهر دفعة
واحدة دونما سابقا أنذار بل سبقتها محاولات اولية
لتجمع الفني. على انها ظهرت بلا شك كرغبة عامة
للفنانين العراقيين بضرورة توحيد كلمتهم. وهذا
ماحقق لها النجاح فيما بعد.
على ان الجمعية اصدقاء الفن
مع ذلك تعتبر تحقيقاً لآراء اكرم شكري، اقدم مبعوث
عراقي للدراسة في احد معاهد اوربا بعد ظهور الحكم
الملكي في العراق. وكانت بعض المنافسة قد نشبت
بينه وبين فائق حسن وحافظ الدروبي لاقتسام مسؤولية
تزعم الحركة الفنية كما يبدو. ونحن نلمس ذلك في
انفراد فائق حسن في التدريس في معهد الفنون
الجميلة والتفاف شباب الفنانين وطلاب الفن حوله،
كما نلمسه في مغامرة حافظ الدروبي لافتتاح المرسم
الحر، لكنه سرعان ماتخلى عن مرسمه للجمعية نفسها،
والمرسم الحر كان بدوره مدرسة اهلية لتدريس الرسم
والنحت فتشبع به طموح الدروبي في تبني الحركة
الفنية الناشئة. وهنا جاء دور اكرم شكري في ان
يدلو بدلوه فحرص على تكوين جمعية فنية تضم
الفنانين ومحبي الفن في آن واحد. يذكر فرج عبو في
معرض ذكرياته عن جمعية اصدقاء الفن انه انتمى الى
الجمعية في عام 1944 وكان يشهد باستمرار نقاشاً
بين حافظ الدروبي واكرم شكري من جهة وجواد سليم
وعطا صبري من جهة اخرى، من أجل السيطرة عليها.
ويؤيد ذلك ما جاء برسالة بعثها جميل حمودي الى
الهيئة الادارية ينوه فيها "بالتمزق والتباعد بين
اعضاء الجمعية الذي تخلقه النزعات الشخصية
التافهة..". أي ان جمعية اصدقاء الفن بعد اربع
سنوات. من نشأتها كانت تشهد صراعاً محتدماً بين
اعضائها. وفي رأيي ان المنافشة بين الفنانين لم
تكن لتتطور لولا بدايتها منذ أول تأسيسها. وهي في
جميع الاحوال ظاهرة طبيعية وايجابية لتطور الفن
العراقي وحافز على الابداع في مضماره.
وعلى كل فان أصدقاء الفن
نشأت اول مرة الامر (كفكرة) كانت تراود اذهان لفيف
من الفنانين وبعض المعجبين بهم من المثقفين، كانوا
يلتقون للنقاش والحوار في دار اكرم شكري حيناً وفي
مرسم الدروبي الحر حيناً آخر. مثلما اقترنت
باجتماعات أخرى عقدت في نادي المعلمين في محلة
السيد سلطان علي كان يحضرها عدا الرسامين حقي
الشبلي رائد المسرح العراقي. وكان الحوار حينئذ
يدور حول امكانية تأسيس كيان للفنانين العراقيين
عامة، ومعترف به ثقافياً، وذلك أسوة بوجود
(الاكاديمي جوليان) في باريس. ثم تبلورت فكرة
اصدقاء الفن أخيراً بشكل جمعية للفنون التشكيلية
ومحبي الفنون. وهكذا تقدم كل من أكرم شكري وعيسى
حنا وكريم مجيد الى وزارة الداخلية بطلب لتأسيس
الجمعية. وفي تاريخ 7 /1/ 1941 تمت الموافقة رسميا
على ذلك، كما تم اجتماع الهيئة العامة وانتخاب
الهيئة الادارية بموجب المادة الرابعة من نظام
الجمعية الاساس يوم الاربعاء الموافق 26/2/1941،
في الساعة الثامنة والنصف دار السيد أكرم شكري، أي
بعد مرور الوقت الكافي للتحضير. وقد فاز نتيجة
الانتخاب بعضوية الهيئة الادارية عطا صبري وجواد
سليم في حين اصبح رئيساً للهيئة الادارية أكرم
شكري كما أصبح سكرتيرا الحاج سعاد سليم، كما اصبح
عيسى أمينا للصندوق. والواقع ان ظهور جمعية اصدقاء
الفن بجهود بضعة انفار من الفنانين، وربما، بتشجيع
من قبل بعض المثقفين يدل على الحاجة اللمحة التي
اقتضتها ظروف المثقف العراقي في بداية الحرب
العالمية الثانية. المتحفزة للازدهار، والمهيئة
للتبادل. فعند دراستنا لاحدى محاضر جلسات الهيئة
الادارية عند اول تأسيس الجمعية يتضح لنا عظم
المجهود الذي كان يبذل من قبل الفنان العراقي من
أجل ايصال الفن التشكيلي الى مستواه الطبيعي وما
هو في الواقع الا صورة لمستوى العراقي نفسه.
يقوم اكرم شكري في احدى
محاضر جلسات الهيئة الادارية للجمعية "في العراق
اليوم حركة فنية نشيطة جدا ولكني لااعتقد ان هناك
مدرسة عراقية اوطابع عرقي، فالطابع الفني او
الشخصي للحركة الفنية لايتكامل الا اذا تكاملت
شخصية ذلك المجتمع الذي ينمو فيه الفن. ولو صح هذا
التعبير فيمكنني ان اضع سنّة هي ان شخصية الفن
لابد ان تتبع تكامل شخصية المجتمع، وبديهي ان
شخصية المجتمع العراقي في بداية التبلور كالفن
العراقي".
كانت جمعية اصدقاء الفن في
الواقع ثمرة نهضة سريعة لم تستغرق أكثر من عشر
سنوات على مستوى التعليم الفني بمعناه المدرس. فما
بعد المعرض الصناعي الزراعي عام 1932 داب جيل
الثلاثينيات من مدرسي الرسم في المدارس الابتدائية
والثانوية وعلى رأسهم شوكة الخفاف في الدعوة للرسم
المدرسي بالتخلص من مبدأ (الامشق). والتحول الى
الرسم عن الواقع المرئي. وفي عام 1932 أكمل أول
مبعوث عراقي دراسته المدرسية في أحد المعاهد
الاوربية في لندن، وهذا المبعوث وهو أكرم شكري.
وفي عام 1938 أكمل فائق دراسته في باريس (معهد
البوزار) ومارس تدريس الرسم بكل موضوعية في دار
المعلمين الابتدائية ثم في مدرستين من مستوى
الدارسة الثانوية. وفي عام 1940 اسس معهد الفنون
الجميلة كاعتراف صريح بأهمية تدريس الرسم والنحت
دراسة اختصاص وعلى مستوى الدراسة الثانوية. وفي
عام1945 تخرجت اول دورة من طلاب معهد الفنون
الجميلة. فنحن نفهم من هذا كله أن تأسيس جمعية
اصدقاء الفن منسجما مع اتساع موجة العمل الفني
بصورة تدريجية وسريعة نسبيا.
من هنا فظهورها يعزى أيضا
الى مدى شعور الفنانين العراقيين بمصلحتهم كمجموعة
من المتخصصين او على الاقل العاملين في الحقل
الفني، وبهذا المعنى أيضا يمكن تفسير حماس البعض،
قبل ظهور معهد الفنون الجميلة نفسه، الى تأسيسه
حينما يقول: "لما لم يكن لدينا معهد لتدريس الفن
فكرت أن تكون عندنا جمعية فنية" أي جمعية تضمن
تخريج الفنانين المتخصصين وليس كما كان الامر
سائدا، وهو الاعتماد على المجهود الذي يبذله مدرسو
الرسم في المدارس الابتدائية والثانوية على اكتشاف
قابليات طلابهم.
ومن ناحية أخرى يعزى ظهورها
الى كونه انعكاسا طبيعيا وموازيا لتبلور الوعي
الاجتماعي والسياسي في البلاد. فقد اسست عام 1941
أي في الوقت الذي أخذ فيه الشعور القومي بالوضوح
ولم تعد القناعة بالرضوخ لاهواء الدولة الحليفة
بريطانيا ليعبر عن معنى الاستقلال الحقيقي. فهذه
الاعوام ما بين تأسيس المعهد الموسيقي عام 1936،
كأول مؤسسة فنية تعنى بتعليم الفن على اصول مدرسية
وتأسيس جمعية اصدقاء الفن، شهد العراق بوضوح تفاقم
الوعي السياسي، أي(منذ انقلاب بكرصدقي وحكومة حكمت
سليمان عام 1936 وحتى حركة مايس وحكومة رشيد عالي
الكيلاني عام 1941). ويبدو ان تطابق التطور الفني
كان بهذا الشكل الدقيق وبصورة لا واعية ينم عن مدى
صدق نوايا القوم، وتطلعهم بحماس نحو الحلول
الفضلى. وقد حدثني عيسى حنا عن صدفة نادرة جمعته
عام 1936 وبكر صدقي المذكور قبل ان يدبرانقلابه،
وقد كشفت تلك الصدفة عن أن بكر صدقي نفسه كان
رساما هاويا، وقد وعد وقتئذ عيسى حنا بمنحه فرصة
السفر الى احد المعاهد الاوربية للتخصص بالرسم،
وهذه الرواية رغم كل شيء تدل على مدى وضوح أهمية
العمل الفني في اذهان القادة والزعماء وقتئذ.
نستطيع ان نستنتج أيضا ان
ماساعد على بقاء الجمعية فعلاً احتلال العراق من
قبل برطانية عام 1941 بالذات، أي بعد فشل حركة
مايس هو تشجيع الانكليز أنفسهم للفن والفنانين
الهاءً لهم.
يتبع.. |