الصفحة السابقة الأرشيف وقفة تراث اتصل بنا كلمة زيتونة الرئيسة
 
حق المعرفة فوق كل الحقوق جميع الحقوق محفوظة لموقع زيتونة موقع زيتونة نافذة مستقلة ليست مسؤولة عن مضمون المقالات التي تنشر ولا تعتبر المقالات المنشورة وجهة نظر رسمية للموقع ، بل فقط تعبرعن رأي الكاتب asfook@yahoo.com

نهاية التاريخ أم نهاية العقل دراسة نقدية لنظرية نهاية التاريخ على ضوء التطورات

 

د. محمد سعيد الأمجد

النفط والسياسية في العراق

 حسن عبد راضي الفريجي أكاديمي وباحث إعلامي

نماذج تاريخية من التقارب المذهبي في العراق

 

واثق الحسني - باحث واعلامي

التنمية البشرية المستدامة والمواطنة (قراءة في جدلية مبادلة التأثير) - العراق أنموذجا)

د. منعم العمّار - باحث واكديمي

التعددية العراقية ودورها في ترسيخ الوحدة الوطنية - شروط إقامة السلم الأهلي

 

رحيم الساعدي - باحث وأكاديمي

سيكولوجية اللعب عند الأطفال

إعداد . د. حسن منديل الطائي

أضواء على أطروحات توينبي في فلسفة التاريخ

تعريف ونقد : علاء الدين السيد محمد تقي الحكيم

نظرية المعرفة للسيد محمد باقر الصدر

 

 د. عائشة يوسف المناعي - قطر

الحقيقة الحقيقية والحقيقة الإيديولوجية

 

د. مشتاق عباس معن

شاكرحسن آل سعيد

من رواد الحركة التشكيلية في العراق

في مدينة ( السماوة ) جنوبي العراق ولد الفنان شاكر حسن آل سعيد عام 1925م وبين تأريخ ولادته واستقراره في بغداد سنة 1933 قد شاهد البؤس والفاقة بين سكان الجنوب بشكل عام وعلى وجوه أقرانه بشكل خاص.

شاكر حسن آل سعيد ملك أدواته ووصل إلى درجة اليقين في منجزه مستخدما حريته من دون ضغوط من الآخرين.

كان الرسم بالنسبة اليه واقعة أشبه بالصلاة، وكانت حدوده كوناً يتسع باستمرار .

قد عمل في ضوء شموع قليلة واراد ان ينير الطريق لغدٍ افضل في دنيا مضطربة مدمرة، ظناً منه ان الجهد الذي بذله سوف يصبح مثلا اعلى للخيرين .

 ان مشاهداته لابناء مجتمعه وهم يصارعون الحياة واشكالاتها ظل عالقا في ذاكرته ليكون رصيدا لكفاح الشعب في حياته السياسية والاجتماعية والثقافية . حتى الصمت والاحتجاج ضد الظلم والاضطهاد هو نوع من الجهاد والمثابرة وهو حالة ايجابية لرسم منهج الحياة مستقبلا.هو ليس مفكراً سياسياً بل فنان مرهف حسه عاش وسط الناس يتحسس آمالهم وآلامهم في التطلع نحو غد أفضل.

ما يتمتع به شاكر حسن آل سعيد من ذاكـرة قوية ،تلك الذاكرة التي حفظت الكثير من التراث وتعاملت معه بصدق وحس مرهف ذلك وأشياء ُأُخَر كان سببا رئيسا في أن يكون احد رواد الحركة التشكيلية العربية ومفكريها فضلا عما يمتلكه من قدرة فائقة في الرسم.

في طفولته كان متفوقاً على اقرانه في رسوماته متلقيا التشجيع والدعم من أبيه الذي كان يحثه على رسم بعض المشاهد في ( المقهى) أو ( الخيول ) و ( التماثيل المتنوعة ) ويقول في ذلك : (( اعتقد ان والدي - رحمه الله - كان استاذي الفني الأول لأنه كان يصطحبني معه في بغداد للجلوس في مقاهي منطقة الصالحية في كرادة مريم وهي مقاهٍ محاطة بتمثال فيصل الأول ، وكان يطلب مني رسم التمثال او رسم تمثال الجنرال مود أيضاً.

لقد تمسك بالتراث وأصر على أن يكون متجدداً ومتفرداً في خضم التيارات العالمية والحركات الفكرية التي تظهر بين الحين والآخر ، انه يستبق الزمن .ويطرح نفسه مفكرا يحمل عملية الجمع بين التصوف وهموم الفن التشكيلي بأحدث ما وصلت اليه المدارس والأساليب المتعددة مصراً ان يكون طليعياً في ذلك ، لذا وصف بأنه مفكر عربي سد كل الثغرات في الكتابة عن الفن التشكيلي.

يصف شاكر حسن ال سعيد بغداد آنذاك فيقول :(( كانت بغداد أشبه ببركان قابل للأنفجار كانت الوثبة ضد الأستعمار الانكليزي في 1948 قد تحدث وعياً اجتماعيا وشددت مطالبتنا بالحرية والحياة الجديدة . الى التزامنا الاجتماعي والانساني تملكتنا رغبات وقناعات بضرورة التغيير ، بضرورة الحداثة . هكذا جمعتني تلك السنوات ببدر شاكر السياب وعبد الوهاب البياتي وجبرا ابراهيم جبرا وبلند الحيدري كنا نلتقي مساءً في ( مقهى ياسين ) بين السادسة والثامنة مساءً مع الموسيقي فريد الله وردي والشاعر الراحل حسين مردان والصحفي الراحل عبد الحميد الونداوي ونهاد التكرلي)).

كانت ايام البحث والتقصي والعمل المتواصل للوقوف على مديات الحضارة السومرية والبابلية والاسلامية لبلاد ما بين النهرين . لقد ذهب جواد سليم لاستلهام الحضارة السومرية وبعدها تحول الى الحضارة الاسلامية . وقد رسم أجمل لوحاته في عام 1953-1955 التي تمخضت عن أكتشافه لدور كل من المربع والدائرة ومجزآتهما في العمل الفني.

اما شاكر حسن آل سعيد فقد توقف قليلاً في تلك السنوات أمام الفنين السومري والبابلي في لوحتي (شخصيات) و(الفلاحون والقمر) وكان يطيل الوقوف أمام الروح الشعبية كما في ( ألف ليلة وليلة).
كـانت محاولات الاسلوبية تجمع بين المؤثرات الحديثة في الفن الأوربـي من تكعيبية ووحشية وتعبيرية والمؤثرات الحضارية العراقية والعربية ثم ما لبثت رسوماته في نهاية الخمسينات تنحاز بصورة حازمة الى النزعة التجريدية.

فقد كان عليه أن يسلك طريقاً واحداً من أثنين ، الأول الولوج داخل الحضارة الأوربية والغوص فيها ومعرفة خفاياها وبالتالي إدراكها وتبنيها كما فعل بعضهم والثاني هو العودة الى تراث بلاده والالتزام به والسير باتجاه التطور ضمن هذه الحداثة ويقول في تلك الفترة : (( في باريس اتضح لي ان الفكر الوجودي . وقد كان الفكر السائد فيها بعد الحرب العالمية الثانية -عاجز عن تبرير نفسه - لم أستطع تحمل مسؤولية اختيار مواقف الانسانية -وهو ما تقول به الوجودية حيث وجدت ان قوى خارجية هي خارجة عن ارادتي تتحكم في مصيري بشكل مذهل وغير منطقي)).

لم يؤثر هذا التصوف ومعاناته الروحية على فنه ، فقد قدم لنا فناً سلك فيه آخر وهو اختزال الأشكال الى دلالات محدودة المقاصد ( انه الفن الصوفي ) كما يسميه الفنان نفسه ، وقد اكد على الحرف في لوحاته ، لقد نظّر الى ذلك في جماعة البعد الواحد وانسجم هذا التوجه مع جماعة بغداد للفن الحديث ، وكانت دراسته في باريس عن الحرف كأداة للزخرفة وبعد عودته من باريس الى بغداد أصبح الحرف كأداة تعبيرية لديه ويقول في البيان التأملي وهذا جزء من فقراته:-

((على ان جمالية التأمل تعتمد على اساسين :الأول : هو أن العمل الفني التأملي : (وصف للعالم وإيضاح للعلاقة ما بين الذات أي (الفنان) والعمل الفني.

الأساس الثاني : هو ان العمل الفني التأملي ابداع شخصي وأفكار. انه يعترف مقدماً بكمال اية لوحة فنية من دون إنجاز وعلى ذلك فالتدخل في خصوصياتها بواسطة الفعل سيظهر بصورة ديمومية وبدلالة المنهج المقارن عودة الفنان و ( تعرفه ) على اللا - شخصية يتم ضمن مسار افقي يبدأ من ذات الفنان نحو الآخرين ( من كونه شخصاً معيناً الى كونه عضواً في مجتمع).

شاكر حسن ال سعيد ملك ادواته ووصل الى درجة اليقين في منجزه مستخدما حريته من دون ضغوط من الآخرين ، قدم لنا هذا المنجز التأملي والخطاب التشكيلي الذي يتجسد فيه الإدراك الكامل لتحولات المرحلة في هذا القرن واعطاء الصورة الواضحة لجميع التيارات والجماعات الفنية التي قدمت عطاءها ضمن مرحلة القرن الواحد والعشرين وأصدر كتاباً خاصاً بذلك ( البيانات الفنية في العراق ) التي تنتمي اليها هذه الجماعات.

وسأله فاروق يوسف في مقدمة وحوار:

هل تشعر بغبطة المحترفين ام بقلق المخترعين ؟

-الغبطة المطلقة التي يستقر فيها البعض احتكاماً لمستوى المهارة التقنية اشبه ما تكون بمعنى الضحك من فرط البكاء ، في اعتقادي ان مهمتي الأساسية في الفن هي نشدان الإبداع او حرية الانتقال في جماليته الخاصة أي في حدود النظام التأليفي الذي اعمل على توسيع آفاقه.

-هل شعرت في يوم ما بأنك أخطأت حين اخترت الرسم ؟

-لم أقدم على اختياري الرسم للتوجيه نحو اكتشاف الحقيقة في الوجود ( ربما رسمت بعد الموت ) أي في العالم الآخر وذلك عبر امتداد وجودي الروحي .

-هل انت مفكر بزي رسام أم رسام بزي مفكر ؟

-دونما انتقائية وبعيداً عن البهرجة فان اشكالاتي في مجال الفن هي اشكالات ثقافية او انسانية صرف فكل ما اصبو اليه في مسيرتي هو ان افلح في استثمار قابلياتي النظرية اولاً ثم في ان احقق ثانياً قسطي من الإبداع في رحلتي بين الطبيعة والثقافة وحتى ابحث عن نفس العلاقة وفق منهج تراجعي ، أي ما بين الثقافة والطبيعة . هل انا مفكر او رسام مفكر ؟ لا يهمني مثل هذا التحديد بالذات ، لان ما يهمني هو ان ابدو دون ( رأي ) يحدد هويتي.

“الفن والحرية” كتابه الذي طبع في بغداد في السبعينات وسحبت نسخه من السوق وأحرقت لقد كان ذلك نوعاً من النبوءة التي تشير الى المكانة التي سيتبوأها هذا الفنان في الثقافة العراقية، كان يصنع لوحات تجريدية ساحرة، تضفي عليها شخصيته نوعاً من السمو والنبل، فشخصيته توحي بالانعتاق من شروط الانتماء الى كل ما هو ارضي، لذلك أقبل الكثيرون على اقتناء لوحاته بحثاً عن تلك البركة المفقودة. وهي بركة حقيقية تركت أثرها العميق في الرسم العراقي.

كان تقليد رسومه صعباً (كذلك تزييفها)، وهو فعل إن حدث فإنما ينم عن سذاجة من يقوم به، غير أن التأثر بسطوحه كان يسيراً. كان ذلك التأثر قد صنع لوحات هي غاية في الجمال، غير أنها بالنسبة الى أي عين خبيرة لوحات من غير معنى ولا قيمة. مجرد سطوح مسلية للعين. من سنحت له الفرصة لتأمل رسوم شاكر حسن آل سعيد لا بد من أن يدرك الفرق الخطير.

هناك فرق بين أن تعيش وبين أن ترى. كان آل سعيد يعيش رؤاه بصفته عاشقاً مصطفى، لا يرى رسومه إلا من جهة كونها قدراً مؤجلاً، قدراً لا يقبل إلا مرة واحدة. لذلك لم ينتج لوحات تتشابه، كل لوحة من لوحاته هي نموذج مستقل.

مصادره البصرية كانت قليلة بل ونادرة: شيء من الانكليزي وولز، وشيء من الفرنسي فوتورييه، وتماهٍ وتنام عظيمان مع الاسباني تابيث، غير أن مصادره الذهنية والروحية كانت تشده الى مناطق موغلة في لا شكليتها، مثلما يرى حدسياً كان يرسم.

كان آل سعيد في كل ما يفعل تأملياً (وهو صاحب البيان التأملي عام 1966)، لكن من غير أن يعلن شروطاً مسبقة للتأمل. كل ما عرف من وقائع ذلك التأمل أن هناك علاقة غريبة تتشكل ما بين أصابعه وبين مكان خفي في أعماقه. فكان الرسم بالنسبة اليه واقعة أشبه بالصلاة، وكانت حدوده كوناً يتسع باستمرار.

لا أظن أن المعاني كانت تستوقف آل سعيد. ففي غمرة تسليمه بالمعنى المطلق يبدو كل معنى آخر قابلاً للتفادي، بل والاهمال. كان ينقّب بحثاً عن شيء ما، شيء ليس يسيراً وصفه أو استحضاره أو استدراجه. كانت لديه فكرة عن الرسم لا تشير الى اختلافه، بل الى انقطاعه وعزلته وتشرده بين متاهات لا حصر لدروبها.

كان ذكر بيكاسو يقضّ مضجعه، فهل كان آل سعيد يحسد الرسام الإسباني لأنه قال "أنا لا ابحث بل أجد" ؟
فهو فنان الرعيل الأول ، ورائد مهم في الحركة التشكيلية العراقية ، بل والعربية ، ومؤسس هذه الحركة ، وفاعل أساسي في بناء كيان التشكيل العربي المعاصر.

يقول هوندر - اروندل في كتابه حرية الفن ( ان على الفنان واجباً نحو الحقيقة كما يراها حتى اذا تناقض ذلك مع الحقيقة كما يراها حزب سياسي او حكومة او حتى اصدقاءه ، لا أعني بذلك ان الفنان دائماً على صواب فله ضعف البشر فيتجاوز ويتعصب ، ولكنه مالم يخلص لرؤيته الخاصة فانه يفقد الإستقامة الفنية ويصبح غير جدير بأن يقال عنه انه فنان).

أسهم مع الفنان الراحل جواد سليم في تأسيس جماعة بغداد للفن الحديث.

يمكن لنا أن نقول أنه.بدأ كفنان تكعيبي عبر اعتماده في تكويناته على المساحات الهندسية والخطوط المستقيمة وكان ذلك في بدايات الخمسينات من القرن الماضي.

وبدأت تحولات تجربته في نهاية الخمسينات باتجاه التعبيرية من خلال استلهام موضوعات عراقية.
بوادر تجربته الحقيقية في منتصف الستينات من خلال التحويرات الحـروفية واستلهام المهمل في الجدار وإعادة صياغته كعمل فني مؤكـداً في ذلك على فترة الفن البيئي أو فن المحيط الذي نعيش فيه. وما يميز الراحل هو الإنجاز الفني المشفوع بالمادة النظرية.

عمـد إلى التحرر من قيود اللوحة التقليدية ليقدم لوحة متحررة من تلك القيود وإعادة الاعتبار للموروث العربي والإسلامي عبر لغة حداثوية مؤثرة.

تجربة آل سعيد تشكل مرجعية مهمة في التشكيل العراقي حيث استطاع أن يذهب بها إلى فضاء أكثر حرية وانفتاحا دون أغناء دور بعض زملائه وبعض التجارب العراقية المهمة.

استطاع آل سعيد عبر نصف قرن من العطاء أن يكون فاصلا مهما في تاريخ الفن العراقي الحديث فقد عمل في ضوء شموع قليلة واراد ان ينير الطريق لغدٍ افضل في دنيا مضطربة مدمرة ، ظناً منه ان الجهد الذي بذله سوف يصبح مثلا اعلى للخيرين ، اراد ان يقدم لنا منجزه الخطابي التشكيلي - فناً جديداً ومجيد يحمل هوية الأمة وتراثها ، ويكون مبعث لسعادة الإنسان هذا حلمه الذي يراوده ، فلنوقد الشموع على قبره كونه رمزاً من رموزنا الوطنية ، وليرحمه الله برحمته.

 

المصادر :
-(الفنان شاكر حسن آل سعيد.. أحد رواد الحركة التشكيلية والمنظر لها) حسين الهلالي.
-من مقدمة للدكتور شربل داغر لكتاب شاكر حسن ال سعيد ( انا النقطة فوق فاء الحرف).
-كتاب حرية الفن - هوندار - اروندل
-فاروق يوسف في مقدمة وحوار - مجلة الأقلام العدد الثامن - آب 1990
-فاروق يوسف -الحياة
-البيانات الفنية في العراق - شاكر حسن ال سعيد
-فصول من تأريخ الحركة التشكيلية في العراق الجزء الثاني شاكر حسن آل سعيد
-الفن التشكيلي المعاصر في العراق - شوكت الربيعي.
- علي رشيد - الفنان شاكر حسن آل سعيد اعداد وتلخيص : زينب الربيعي

الصفحة الرئيسية  

مقالات

بحوث ودراسات

آفاق

حديث عراقي

تقارير منوعة

أسرة ومجتمع

أوراق ثقافية

مجتمع مدني

نصوص مترجمة

كتب

البحث في القرآن

 

نوافذ ثقافية وفنية

شعر
قصة قصيرة
تشكيل
سينما
مسرح

لوحات

كاريكاتير

صور من العالم

ضع إعلانك هنا

حق المعرفة فوق كل الحقوق
جميع الحقوق محفوظة لموقع زيتونة
موقع زيتونة نافذة مستقلة ليست مسؤولة عن مضمون المقالات التي تنشر
  ولا تعتبر المقالات المنشورة وجهة نظر رسمية للموقع ، بل فقط  تعبرعن رأي الكاتب
asfook@yahoo.com