الأرشيف وقفة تراث اتصل بنا كلمة زيتونة الرئيسة
 
حق المعرفة فوق كل الحقوق جميع الحقوق محفوظة لموقع زيتونة موقع زيتونة نافذة مستقلة ليست مسؤولة عن مضمون المقالات التي تنشر ولا تعتبر المقالات المنشورة وجهة نظر رسمية للموقع ، بل فقط تعبرعن رأي الكاتب asfook@yahoo.com
 

الحقيقة الحقيقية والحقيقة الإيديولوجية

 

د. مشتاق عباس معن

أضواء على أطروحات توينبي في فلسفة التاريخ

تعريف ونقد : علاء الدين السيد محمد تقي الحكيم

نظرية المعرفة للسيد محمد باقر الصدر

 

 د. عائشة يوسف المناعي - قطر

أسطورة الطوفان أم طوفان الأسطورة

( قراءة جديدة في اللوح الحادي عشر

عالم سبيط النيلي

نهاية التاريخ أم نهاية العقل

دراسة نقدية لنظرية نهاية التاريخ على ضوء التطورات

 

د. محمد سعيد الامجد

نماذج تاريخية من التقارب المذهبي في العراق

 

واثق الحسني - باحث وإعلامي

التنمية البشرية المستدامة والمواطنة (قراءة في جدلية مبادلة التأثير) - العراق أنموذجاً)

د. منعم العمّار - باحث وأكاديمي

التعددية العراقية ودورها في ترسيخ الوحدة الوطنية - شروط إقامة السلم الأهلي

 

رحيم الساعدي - باحث وأكاديمي

سيكولوجية اللعب عند الأطفال

إعداد . د. حسن منديل الطائي

موارد يوم الدين في السور القرآنية

عالم سبيط النيلي

     الأول والثاني: موردا سورتي الحجر وصاد.

     تناقش هذين الموردين سويةً لأنهما:

أولاً: ارتبطا معاً بواقعة خلق آدم والسجود له واعراض ابليس عن السجود، ومعلوم ان هذه الواقعة مرتبطة بقوله تعالى (اني جاعل في الأرض خليفة).. فهما بصدد التخطيط للخلافة العامة.

وثانياً:  ان كل مورد منهما يمثل طوراً من اطوار الخلق الأول متشابهاً في بعض الألفاظ والعبارات واختلفا في البعض الآخر وقد اكتشفنا من هذين الموردين عملية الترقيّ وصولاً إلى مرحلة الآدمية وبالمقارنة مع موارد السجود الأخرى.

     وكما مرَّ عليك فان هذين الموردين فقط تضمنا جعل (يوم الدين) موعداً نهائياً لاستمرار اللعنة على ابليس من بين جميع الموارد التي ذكرت فيها القصة.

     لقد اشرنا إلى هذه المراحل باقتضاب في الفصول الاولى وأمّا التفاصيل فأنّا ذكرناها في كتابنا (أصل الخلق).

     لذلك نشير هنا إلى فكرة الترقي فقط، تلك الفكرة التي استفدناها من البحث اللفظي المقارن للموارد والمخالفة للمشهور عند الناس.

     لذلك أرجو منك الانتباه ومراجعة ذلك الكتاب فاني سأختصر الفكرة إلى نقاط مركزة:

الأولى: ان خلق آدم (ع) تمّ بمراحل عديدة ذكر القرآن منها ثلاثة مراحل فقد خلق الله اولاً الإنسان من (صلصال من حمأ مسنون). ثم اخبر الملائكة انه عازم على خلق (بشر) من حمأ مسنون.

     فالأصل المشترك يدلّ على وحدة المنشأ وبالتالي فالبشر كائن متطورٌ عن الإنسان.

     ويدل على ذلك تقدم خلق الإنسان على البشر في مورد سورة الحجر كالآتي:

     "ولقد خلقنا الإنسان من صلصال من حمأٍ مسنون. وإذ قال ربك للملائكة إني خالق بشراً من صلصال من حمأٍ مسنون" إذن فالإنسان كان مخلوقاً قبل قوله للملائكة اني خالق بشراً. من جهة أخرى يثبت البحث المقارن بين الإنسان والبشر هذا الاختلاف، فالإنسان مذموم عموماً في القرآن والبشر ممدوح دوماً في القرآن. والمعنى ان الإنسان إذا بلغ مرحلة البشرية فهو ممدوح وإذا بقي في عقليته الأولى فهو انسان وهوَ مذموم.

     ولذلك أطلق القرآن لفظ (البشر) على الانبياء والرسل ومن هو بمقامهم فقط.

     بينما ذمَّ الإنسان: "ان الإنسان لظلوم كفّار"  ابراهيم/34

     "ان الإنسان لكفور" الحج/66

     "ان الإنسان لكفور مبين"   الزخرف/15... الخ

     بينما اطلق البشر على الاولياء:

     "قل انما انا بشر مثلكم يوحى إلىّ انما الهكم اله واحد"       الكهف/110

     فكذلك ورد اللفظ مع الانبياء في (36) مورداً.

     وهنا يسقط مرة أخرى الاعتباط اللغوي ومرادفاته ومجازاته.

الثانية: ان السجود كان للبشر فقط ولم يكن للانسان وقد ظهر ذلك في الجزء المتطابق في العبارة بين موردي الحجر وصاد كالآتي:

الحجر:  "وإذ قال ربك للملائكة اني خالق بشراً من صلصال من حمأ مسنون. فاذا سويته ونفخت فيه من روحي فقطعوا له ساجدين".

صاد:  "وإذ قال ربك للملائكة أني خالق بشراً من طين فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين".

     وهذا الترتيب يفيد في وقوع مرحلتين قال في كل منهما (فاذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين" فليس هنا من تكرار بل الوقائع مكررة لأنها مختلفة في الزمان.

الثالثة:  وجدنا ان الروح لا علاقة لها بالحياة من حيث هي تنفسّ وحركة وتكاثر.

     فالإنسان كان حياً بهذا المعنى وانما انتخب منه فرداً واصطفاه واسكنه جنته بعد ان نفخ فيه روح الايمان فاستحق السجود لهذا السبب ويدل عليه قوله تعالى:

     "ان الله اصطفى آدم ونوحاً..."

     فالاصطفاء لا يكون إلا من مجموعة متشابهة وإذن فقد اختار الله آدم من مجموعة من بني الإنسان.

     تدل على هذه الحقيقة آيات كثيرة وروايات أيضاً بشرط ان نفهمها وفق الحل القصدي للغة.

     من ذلك مثلاً ان هذا الكائن (الإنسان) لم يكن شيئاً مذكوراً قبل نفخ الروح. وهذا ما اكدته أوائل سورة الدهر:

     "هل أتى على الإنسان حين من الدهر لم يكن شيئاً مذكورا" ومنها أيضاً ان ترتيب الآية في سورة السجدة هو يعكس ما ذكره الاعتباط تماماً.

     فالفهم السابق يزعم ان آدم قد خلق من طين على هيئة تمثال ثم نفخ فيه الروح فصار كائناً حيّاً.

     بينما آدم هو انسان حيّ متطور عن جنس سابق وحينما نفخ فيه الروح أصبح بذلك أحد الأصفياء وإلا فهو حيّ قبل ذلك.

     إذ لا تلازم بين الروح والحياة فالموارد القرآنية ذكرت النفس وعلاقتها بالموت والحياة ولم تذكر الروح.

     ولا يوجد سوى مورد واحد استعمل فيه الضمير من غير اسم في سورة الواقعة هو قوله تعالى:

     "فلولا ان كنتم غير مدينين ترجعونها ان كنتم صادقين" إذ قال الاعتباط: ترجعون الروح.

     وقد أبطلناه لان الروح في القرآن مذكر والمورد مؤنث فهو يعود إلى النفس التي انثت في القرآن في جميع الموارد.

     من جهة أخرى استفدنا من حديث الامام علي (ع) في تقسيم الارواح فهي في الحديث خمسة ارواح ثلاثة عامة لكل الخلق وهي روح البدن وروح القوة وروح الشهوة.

     وروح للمؤمنين خاصة وهي (روح الايمان). والخامس للرسل والاولياء وهوَ (روح القدس).

     إذن فالروح عبارة عن قوى من عالم الأمر "ويسألونك من الروح قل الروح من أمر ربّي". فبعضها أرضي المنشأ مادي الصورة وان كنّا لا نراه فهو مصدر حياة الكائن الحي من تنفس وتغذي وحركة لارتباطها (بالبدن والقوة والشهوة).

     وبعضها سماوي المنشأ وهما روح الايمان وروح القدس فهذا يسقط الاعتراض أو الاشكال المتعلق بعذاب الكافرين إذ سأل الاعتباط عن كيفية تعذيب الكافر وفيه روح الله؟ فالكافر ليس له روح من الله انما روح مادي الطبيعة فقط.

     اما الترتيب في سورة السجدة فهو يؤكد هذه المراحل: قال تعالى:

     "الذي احسن كل شيء خلقه وبدأ خلق الإنسان من طين ثم جعل نسلهُ من سلالة من ماءٍ مهين. ثم سواه ونفخ فيه من روحه.."7-9/السجدة.

     إذن فالترتيب هوَ على النحو الآتي:

حمأ مسنون        صلصال (من حمأ مسنون)       ماء مهين        سلالة

نسل طين          إنسان         تسوية (سواه)          نفخ فيه من روحه        (بشر (آدم)

     هذا الترتيب هو المستخرج من الجمع بين الموارد التي ذكرت مراحل الخلق فآية السجدة واضحة إذ تقدمت فيها مادة التناسل (الماء المهين) والسلالة والنسل على نفخ الروح وهذا يعني ان الكائن الحي ومتكاثر وله افراد وذرية قبل نفخ الروح.

     وبعد أن اختصرنا الامر نعود إلى موردي الحجر وصاد ولنرى ما هو سبب ربط لعنة ابليس (بيوم الدين)؟

     من المعلوم ان كل آية في القرآن تتضمن افعالاً مختلفة الصيغ تتضمن التفافاً وانتقالاً في الازمان وهو أمر اكدنا عليه في حلنا القصدي للغة حيث لاحظ هذا الحل ان أي تقدير للازمنة هو تحريف للآية فيجب ملاحظة الازمنة المختلفة واعتبارها من مقاصد المتكلم. "انظر قواعد المنهج اللفظي من كتاب النظام القرآني". وبناءً على ذلك فلا تكرار في الموارد القرآنية لأنها مختلفة في الغايات وان تشابهت في أكثر الألفاظ لوجود اختلافات في الصيغ وفي الترتيب.

     ومن هنا يمكن القول ان مورد سورة الحجر يروي لنا واقعة السجود للبشر ابّان مرحلة الصلصال.

     بينما يروي لنا مورد سورة صاد عرضاً آخر على الملائكة لان يسجدوا للبشر المخلوق من طين ابان مرحلة الطين.ولما كانت مرحلة الطين اكثر تقدماً وتطوراً من الصلصال فاننا نتوقع ان تكون الاجابة على عدم السجود (من قبل ابليس) اكثر شدة وصرامةً من المرحلة السابقة.

     لأنه خلال تلك الفترة الطويلة لا بد وان يكون الملائكة قد لاحظوا التطور والترقي لهذا الكائن – وبالتالي فان المعرض عن السجود يستحق المزيد من التعنيف والوصف المشين.

     وهكذا تميّز مورد صاد عن مورد الحجر:

     مورد الحجر: "إلا إبليس ابى ان يكون مَعَ الساجدين"       الحجر/31

     مورد صاد: "إلا إبليس استكبر وكان من الكافرين"  صاد/74

     ففي المورد الاول أي في مرحلة الصلصال اكتفى بان ذكر آباءه وإعراضه عن السجود فاكتفى بهذا في مورد الحجر.

     بينما في مرحلة الطين وصفه بالاستكبار والكفر.

     وبناءً على ذلك نتوقع ان الوصف سيكون اشد في مرحلة الآدمية وبعد نفخ الروح.

     ونلاحظ ذلك في مرحلة (الخليفة) حيث أشار على الملائكة قائلاً "إني جاعل في الأرض خليفة" وهو مورد منفرد في سورة البقرة. وبعد المناقشة التي جرت حول الخليفة وانتهت بفوز آدم في اختبار الأسماء صدر الأمر الفوري بالسجود لآدم فلم يكن مشروطاً كما في الحجر معاد بصيغة "فإذا سويته ونفخت فيه من روحي" بل بصيغة "اسجدوا لآدم". في هذا المورد اشتد وصف إبليس لاعراضه عن السجود فجمع له ثلاثة أوصاف هي مجموع ما في الحجر وصاد: "إلا إبليس أبى واستكبر وكان من الكافرين" البقرة/34 وقد اخذ هذا المورد رقم آية موزع على الموردين الآنفين فالرقم (4) من صاد والرقم (3) من الحجر. وكأن هذا المورد يعطيك عنواناً يدلك على الموردين السابقين اللذين يمثلان مرحلتين سابقتين من الخلق إذ يمكنك استخراج الرقم الآخر للآية في صاد باعتبارها تمثل مجموع مرحلتين من مجموع الرقمين (3+4) = 7 بينما يمكنك استخراج الرقم الآخر للمرحلة الاولى من حاصل الفرق بينهما باعتبارها مرحلة اولى أي (4-3) =1 والناتج ان آية صاد يجب ان تكون برقم 74 وآية الحجر برقم 31- كما يمكنك ان تفعل العكس تستخرج آية البقرة من ملاحظة الآيتين.

لقد لاحظنا في المنهج اللفظي علاقات عددية كثيرة من هذا النوع وهو يدل على وجود نظام عددي في القرآن ولكنه نظام مرتبط ارتباطاً وثيقاً بالافكار التي تعرضها الآيات أي انه جزء من النظام القرآني الشامل ولذلك فلا يمكن وضعه بصيغ مستقلة عن الفكرة كما حاول البعض لأنه شديد التنوع.

     يشترك موردا الحجر وصاد بعبارة متماثلة واحدة هي:

     "فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين" ولا تظهر هذه العبارة في موارد السجود لآدم الخمسة في القرآن لان التسوية كمرحلة هامة من مراحل تعديل الخلقة كانت قد اكتملت فجاء السجود بصيغة الأمر المباشر:

     (اسجدوا لآدم) البقرة/23-الاعراف/11-الاسراء/61 الكهف/50-طه/116.

     فهل البشر المذكور في الموردين هو آدم المذكور في الموارد الخمسة؟ كلا انه ليس آدم وفق النظام القرآني وان زعم الاعتباط انه هو لماذا؟

أولاً: لأنه أعاد الأمر بصيغة جديدة (اسجدوا لآدم) والمفروض ان يسجد الملائكة فوراً بعد نفخ الروح من غير انتظار لأمر جديد.

وثانياً:  إنه لم يقل اسجدوا للبشر أو لهذا الكائن الذي نفخت فيه الروح إذا زعم زاعم انهم يحتاجون إلى توضيح آخر للأمر.

وثالثاً:  ان الموارد الخمسة في آدم تضمنت جميعاً لفظ "فسجدوا" بينما تضمنت موارد البشر عبارة (فسجد الملائكة كلهم أجمعون)

     وهذا يعني ان الساجدين لآدم ملائكة ذوي صلة بالواقعة فقط بينما الذين يسجدوا للبشر هم كل ملائكة السموات والأرض.

ورابعاً: إن الروح إذ كان روح الإيمان فان النفخ لا يكون آنياً وانما هو بحسب استقباله للروح أي ان لكل مؤمن كمية معينة من الروح يستقبلها بالتدريج.

     ولا ينطبق الشرط "إذا سويته ونفخت فيه من روحي" إلا في حالة ظهور فرد يستلم من هذه الروح اقصى حد ممكن وليس آدم (ع) باعظم أو اقرب مخلوق وإذن فالبشر المنتظر ظهوره انما يأتي بعد آدم.

     ولما كانت الصيغة بالماضي فيمكن القول ان القرآن يجمع ازمنة بعيدة وقريبة في الجملة وهو أمرٌ يفعله المتكلم ولا يفعله الكاتب إلا نادراً.

     أي ان الله تعالى قال هاتين العبارتين في مراحل سحيقة قبل آدم بأمر بعيد في طوري الصلصال والطين ولكنه يذكر ما فعله الملائكة من تنفيذ لأمر السجود عند ظهور هذا البشر والذي وقع ابان نزول القرآن فكان البشر المقصود هو (رسول الله) (ص) وكان السجود الجماعي هذا له دون سواه.

     وإذن فآدم (ع) هو أول بشر ولكنه ليس اولّ إنسان وان رسول الله هو اول بشر ينطبق عليه الشرط (فإذا سويتهّ..).

     فإذا قلت فكيف حدث التدرج في وصف إبليس في تلك الموارد الخاصة بالبشر؟

     أقول لان هذا هو مقصودنا من الإشارة إلى الالتفات السريع في الازمنة خلال الجملة والمتكلمّون يفعلون ذلك دوماً والمتلقي يفهم المقصود فقوله "فسجد الملائكة كلهم اجمعون" في نهاية المطاف وعند ظهور البشر إبان نزول القرآن (إلا إبليس ابى ان يكون مع الساجدين)" منذ طور الصلصال.

     وعندئذ تكون بقية المحاورة جرت في حقبة بعيدة راجعة إلى زمن بداية الحديث "واذ قال ربك للملائكة اني خالق بشراً.." والأمر نفسه يحدث في مورد سورة صاد.

     لذلك راهن إبليس على إغواء الذرية في جميع موارد السجود لآدم (ع) ولكنه لم يفعل ذلك في موردي الحجر وصاد.

     لماذا؟ لأن موضوع المراهنة قد انتهى فقد كان يراهن على الذرية من اجل إلا يظهر هذا البشر اصلاً أو يتأخر ظهوره زمناً طويلاً-فلمّا ظهر انتفى الموضوع لان اغواء ذرية البشر غير مقدور له. ومن اجل ذلك أيضاً ورد (لعن إبليس) في موردي الحجر وصاد فقط دون الموارد الخمسة المخصصة للسجود لآدم (ع).

     إذن فذكر هذه اللعنة وتحديداً إلى (يوم الدين) في هذين الموردين فقط انّما يشير إلى علاقة يوم الدين بظهور البشر فقد تحولت المراهنة في هذين الموردين من الذرية إلى المجموعة الإنسانية كلها فكأنه إذ لا يقدر على اغواء ذرية البشر يحاول تأخير يوم الدين بتقليل اتباع البشر إلى أدنى حدّ ممكن.

     ففي مورد الحجر قال:

     "ربّ بما أغويتني لأزيّنن لهم في الأرض ولأغوينهم اجمعين". بينما قال في الاسراء حيث السجود لآدم:

     "لاحتنكنّ ذريته إلا قليلاً".

     ذلك أن اللعنة تستمر معه إلى (يوم الدين) في الموردين، ومعلوم ان اللعنة هي دعاء او طلب العذاب على الملعون وليست هي العذاب وهذا يعني انه يوم الدين إذا جاء انتهت فترة اللعن وبدأ العذاب للملعون ومن هنا ندرك سبب هذا الالحاح من إبليس في ان يؤخره الله إلى (يوم يُبعثون) كما في الموردين او إلى يوم القيامة كما في مورد الاسراء فكان الانظار إلى (الوقت المعلوم) فقط. فنلاحظ الفوارق بين هذه المسمّيات:

     مورد الحجر: "قال فاخرج منها فانك رجيم، وان عليك اللعنة إلى يوم الدين، قال رب فانظرني إلى يوم يبعثون قال فانك من المنظرين إلى يوم الوقت المعلوم".

     مورد صاد: "قال فاخرج منها فانك رجيم، وان عليك لعنتي إلى يوم الدين، قال ربّ فانظرني إلى يوم يبعثون. قال فانك من المنظرين إلى يوم الوقت المعلوم". في هذا الجزء من المحاورة لا يوجد إلا فارق واحد بين السياقين هو نسبته اللعنة إلى نفسه تبارك وتعالى في مورد صاد (لتعنتي) وغياب هذه النسبة في مورد الحجر: (اللعنة).

     وهذا واضح الآن فان مورد صاد أكثر تطوراً من مورد الحجر والعصيان اوضح واكبر فتمّ تخصيص اللعنة ونسبتها اليه تعالى ولذلك اقترن هذا المورد بالكفر والاستكبار دون المورد السابق لان من لعنه الله فلا احد ينقذه من اللعنة من بعد الله.

     ومن هنا نعلم سبب ظهور الفوارق في صيغة السؤال قبل هذا الجزء بين الموردين.

     ففي طور الحمأ المسنون-مورد الحجر قال:

     "يا إبليس مالك إلا تكون مع الساجدين"

     بينما اصبح السؤال في الطور اللاحق اشد لهجة (في مورد صاد):

     "قال يا إبليس ما منعك ان تسجد لما خلقت بيدي استكبرت ام كنت من العالين".

     فكما نسب الخلق إلى نفسه فقال (بيديّ) نسب اللعنة إلى نفسه فقال (لعنتي) لأن البشر هنا في آخر مراحله الظهورية إذن فاللعنة في الموردين مستمرة إلى يوم الدين.

     وبعد وقوع هذا اليوم يبدأ تنفيذ هذه اللعنة لذلك قال "رب انظرني إلى يوم يبعثون" في الموردين

     إذن فيوم الدين اقرب الأيام ويوم يبعثون آخر الأيام والاّ فلا فائدة من هذا الطلب إذا كان يوم يبعثون هو نفس يوم الدين كما لا فائدة منه إذا كان البعث قبل يوم الدين أو واقعاً فيه.

     لقد عرف إبليس من خلال صيغة اللعن نفسها انه مؤجل إلى يوم الدين. وعلم ان الخليفة الإلهي يظهر في هذا اليوم وهو يوم طويل جداً يستغرق الأمد المضروب للسموات والأرض ويستمر حتى يوم البعث فلذلك كررّ مطلبه في تمديد فترة الامهال (فترة اللعنة) إلى يوم البعث لأنه يريد ادخال طور الاستخلاف ضمن المدة المسموح بها للتسلط والاغواء-إذ اعتقد ولغباءه كما سنرى بامكانية تخريب هذا الطور واعادته من حيث بدأ.

     ان كل تأخير ليوم الدين أي طور الاستخلاف هو لصالحه لأنه كسب لمزيد من الوقت-وهذا شعور طبيعي لكل موعود بعذاب حتمي فهو يحاول ابعاد الموعد قدر ما يستطيع.

     لكن فترة التسليط أي المدة الكلية من آدم إلى طور الاستخلاف هي مدة غير محددة بعدد من القرون او الحقب.

     فهي تعتمد على قدرته في غواية الخلق واضلاله لهم فإذا عمل جهده في تضليل الخلق فلا موعد محدد محتوم يقف حائلاً دونه.

     فإذا جاء يوم الدين لان الخلق انتبهوا في النهاية إلى مصيرهم ورجعوا إلى عقولهم فانه يأتي لا كموعدٍ محتوم بل لاستنفاد إبليس قوته في التضليل كاملة غير منقوصة فكأن إبليس في مطلبه الجديد يريد من الله ان يقف إلى صفه في اضلال الخلق (بالاكراه) وتمديد الفترة رغماً عنهم إلى يوم يبعثون.

     بالنسبة لي دهشت في هذا المورد دهشة عظيمة لحلم الله مع إبليس ولكن الدهشة تزول إذا تذكرتّ ان الله عليم بالخفايا، فان الله لما قال (إلى يوم الدين) احسّ إبليس بما ينتظره من العذاب في ذلك اليوم فاسرع يطلب الانظار إلى يوم يُبعثون وإذن فطلبه كان مشوباً بالخوف أكثر مما هُوَ تخطيط مسبق.

     وقد ظهر التراجع عن الفكرة والقسم بعزةِ اللهِ على اغواء كل الخلق باستثناء المخلصين فورَ تذكيره بأنه من المنظرين.

     وإذن فقوله تعالى: (فانك من المنظرين) ليسَ في الحقيقة استجابة لطلبه الجديد بل العكس تماماً فقد تم رفض هذا الطلب الغير معقول اصلاً لأنه في الواقع من المنظرين فعلاً إلى يوم الوقت المعلوم. فهو يوم محتوم كحركة وغاية للخلق ولكنه غير محتوم زماناً بحيث يحتاج إلى تمديد فالتمديد هو من شؤونه وشؤون الخلق، فمتى ما اصبحت المعادلة معكوسة جاء الوقت المعلوم وإذن فاقصى تمديد هو بيد إبليس فإذا عمل بجّد ونشاط فهناك مدة قصوى لهذا الخلق وهذه المدة تزداد كلما قدر إبليس على تحويل الصفات المكتسبة إلى صفات وراثية في الأجيال فالأخطاء والآثام إذا تراكمت انتجت آثاماً وآثمين منذ الولادة وبالتالي يمكن ان تستمر فترة الإغواء.

     أدرك إبليس من خلال قوله تعالى "فانك من المنظرين إلى يوم الوقت المعلوم" ادرك ان الموضوع متعلق بمدى نشاطه في الاغواء فقال وكانه تذكر ذلك بطريقة المتبجحّ باعماله:

     "قال فبعزتك لاغوينهم اجمعين. إلا عبادك منهم المخلصين" حينئذ اجابه الله على ذلك بالقول:

     "قال فالحق والحق أقول لاملأن جهنّم منك وممن تبعك منهم اجمعين"

     لقد تضمنت عبارة (منك وممن تبعك) أشارة إلى مشاركته الخلق في تكوين الذراري والسلالات.

     لكن عبارة (الوقت المعلوم) جعلت إبليس يعيش قلقاً آخر فالعبارة تشير من طرف آخر إلى ان هذا الوقت (معلوم).

     وبالطبع فهو معلوم لله وحده كتحديد زماني وهذا ما جعله يسعى لاكتشاف هذا الوقت ومثل هذا الشعور نجده عاماً عند أكثر الخلق فهم يرغبون في كشف المستقّبل خاصة فيما يتعلق بمصيرهم فتجد الكثير من الوجهاء والزعماء والساسة والمثقفين يستمعّون إلى العرافّين وقراء الكف والفنجان وما شابه وان تظاهروا بعدم التصديق بهؤلاء. في مرحلة السجود لآدم (ع) استغل إبليس الفرصة مرة أخرى لاكتشاف الوقت المعلوم بصورة استفزازية فهو لا يبرح مرحلة حتى يكون أكثر صلفاً واشد استكباراً في المرحلة اللاحقة وهذا ما نجده في مورد الاسراء:

     فقد حاول تغيير الطلب من يوم يبعثون إلى يوم القيامة:

     "قال أ رأيتك هذا الذي كرمت علىّ لأن اخرتني إلى يوم القيامة لاحتنكن ذريته إلا قليلاً" الاسراء/63.

     اشتمل هذا النص على محاولة للتكذيب بيوم الدين والظاهر ان إبليس اولّ مكذبّ به على مر التاريخ. وهذا أمرٌ نفسي سببه الاحباط وشدة القلق بشأن هذا اليوم.

     والمعنى انك لو اخرتني ليوم القيامة فاني استطيع احتناك ذرية آدم إلا قليلاً فهو يشير إلى انه قادر على اغواء المجتمع المهدوي فيما لو ابعد الله موعد انتهاء اللعنة وابتداء العذاب بهذا الموعد، بحيث يدخل الاستخلاف ضمن مدة الانظار. والواقع ان هذا المطلب الجديد لا يختلف عن القديم بشيء في كونه غير منطقي ولا معقول.

     ولكنه تضمّن تلميحاً من وجه آخر إلى ان هناك امكانات للاغواء في مجتمع يوم الدين سوف يحرمه الله منها وهو يريد الاستفادة منها، مع ان مجتمع يوم الدين كما قلنا لا يتحقق إلا بعد عودة الخلق إلى الله والى شريعته قبل انتهاء المهلة.

     لكن المطلب قد يشير من طرف خفي إلى الخصائص الوراثية التي ستظهر حتماً في المجتمع المهدوي إلى مدة معينة تستمر إلى حين حصول تنقية كاملة للخصائص وهي فترة طويلة كما يبدو، لأنه طلب ان يكون التأخير إلى (يوم القيامة) مستخدماً ألفاظ (احتنك) و (ذريّة).

     ومعلوم ان الاحتناك لا يكون إلا بحبل أو رّسن فهو يشير إلى خيوط ممتدة له مع الاجيال في الذراري.

     في المحيط: يحّنِكه وحنك الفرس جعل في فيه الرسن كأحتنكَهُ.

     أقول: احتنك صيغة افعتال من حنك فهو مختلف عن حنك. واذا كان يقصد التنويه إلى ذلك بالفعل أي إلى استمرار الخصائص الوراثية الردّية فانه يحاول من خلال ذلك استفزاز الخالق تعالى ليخبره بالموعد المقرر اخباراً زمانياً فجاء الجواب وهو يعّدد الامكانات الممنوحة له في فترة الاغواء معرضاً هذه المرة من ذكر العبارة السالفة أي قوله (فانك من المنظرين) فلم تذكر هنا لان إبليس قد فهم القضية في هذه المحاورة وانما اراد المراهنة على الأكثرية:

     "قال اذهب فمن تبعك منهم فأن جهنم جزاؤكم جزاءً موفوراً. واستفزز من استطعت منهم بصورتك وأجب عليهم بخيلك ورجلك وشاركهم في الاموال والاولاد وعدهم وما يعدهم الشيطان إلا غرورا".

     إذن فبإمكاننا ان نتصور ان الشيطان يستمر فترة اطول بعد الموعد الذي تنتهي فيه المهلة لأن الشيطان من مجموعة الابتلاء نفسها أي من الانس والجن وفي هذه أشارة إلى ان حقبة الإغواء في أول الطور المهدوي تأخذ كامل مداها على يد الشيطان من غير حاجه إلى تحديد فترة الإمهال لإبليس بصفة خاصة.

     وسبب ذلك هو ضرورة إنهاء إمهال إبليس عند تحقيق الوعد الإلهي بالاستخلاف إذ لا ضرورة لتسليط إبليس على جماعة المؤمنين الأتقياء بعد فرزهم عن الفجرة وبعد نزول المدد الالهي والملائكة وبعد مرورهم بهذه الحقب الطويلة من التجارب ونجاحهم في تحقيق الوعد فأن المهلة الإضافية لا فائدة منها تعود عليه سوى تأخيره عن العذاب فهي لا تزيد ولا تنقص من عدد الكافرين والضالين ولا يمكن اغواء المؤمنين في طور الاستخلاف إذ لا شيء يدعوهم للمعاصي بعد حصول الفرز، أما أتباع إبليس فسوف يأخذون كامل فرصتهم في الصراع مع المؤمنين حتى تخلو الأرض منهم.

     ولذلك نجد بقايا للصراع وللنفاق في أوائل طور الاستخلاف حتى ذكرت المرويات ان القائد نفسه يقتل في النهاية على يد المنافقين، ولكن ذلك لا يؤثر على استمرار المهدوية لأن قتله يتم بطريقة (الاغتيال) لا بالحرب وهي الطريقة التي يستخدمها النفاق حينما يعجز عن المواجهة الفكرية والحربية المباشرة.

     إذن فالوقت المعلوم هو وقت خاص يتم فيه انهاء مهلة إبليس وانتهاء فترة اللعن والمرجح انها تقع في اوائل يوم الدين الذي هوَ حسب تسميتنا (طور الاستخلاف).

     ونذكر الآن ثلاثة اقوال للاعتباط اللغوي بشأن (الوقت المعلوم).

     "ابطال اقوال الاعتباط" بشأن الوقت المعلوم.

     قال قوم: الوقت المعلوم هوَ يوم القيامة انظر الله إبليس لهذا اليوم بعدما سأل ذلك بقوله (انظرني إلى يوم يبعثون) أو يوم القيامة كي لا يموت لأنه لا أحد يموت يوم القيامة!

     أقول: ما بال الاعتباط يتخبط مثل عمياء في ليلة ظلماء؟

     فإذا كان الله قد أجاب طلبه على ما زعموا فلماذا يغيّر العبارة في الطلب ويكرر مرة إلى يوم يبعثون ومرة إلى يوم القيامة؟ ولماذا لم يقل الله له في واحدة من الموارد الأربعة قد انظرتك إلى يوم يبعثون أو إلى يوم القيامة؟ ولماذا جاء بالفاء في الجواب (فأنك من المنظرين) أي حال الطلب فانك من المنظرين. وهو جواب واضح لا اوضح منه ولماذا قال: الوقت المعلوم؟

     نعم عجبك يزول إذا علمت ان يوم القيامة ويوم يبعثون والوقت المعلوم هي من مترادفات الاعتباط.

     أما قولهم كي لا يموت في القيامة لأنه لا أحد يموت فيه فهو اشنع. أولاً لأنه لا فائدة من بقاءه حياً على افتراض صحة ما زعموه، لأنه يطلب التأجيل للخلاص من العذاب فلماذا يريد الحياة أم هوَ عند الاعتباط موعود بدخول الجنة؟

     أ لم يلاحظوا انه موعود بدخول العذاب وبالتالي فالموت عليه اهون بل الموت أمنية لا يمكنه الحصول عليها فقلبوا الأمر وزعموا انه يريد إلا يموت!

     ومن قال لهم ان يوم القيامة لا موت فيه؟ أ وليست النفخة التي تميت الخلائق (إلا ما تشاء ربك) هي في يوم القيامة أم عندهم إبليس ممّن استثناه الله بقوله إلا ما تشاء ربك؟

     هذا ليس تفسيراً انما هو ظلمات بعضها فوق بعض. ذلك لأن الاعتباط ابتدع من تفسيره هذا مشكلة جانبية وراح يتجادل فيها وهي قولهم: كيف يجوز اجابة دعاء الكافر؟

     لان الترادف جعلهم يزعمون ان الوقت المعلوم هوَ يوم يبعثون وبالتالي فقوله (ربّ انظرني) هوَ دعاء والجواب هو اجابة للدعاء.

     وقد رأيت ان إبليس كان يراهن وما كان يدعو وان الله كان يهدد ويحبط محاولة الرهان بالتأكيد على ملئ جهنم منه ومن اتباعه وما كان يستجيب دعاءه المزعوم.

     الم يرَ الاعتباط ان الكافر لا يدعو أصلاً في الدنيا إذ لو دعا لآمن، قال تعالى: "قل ما يعبأ بكم لولا دعاءكم".

     وهل موقف المهدد الملعون المرجوم موقف الداعي أم موقف المراهن؟

     وقال قوم آخرون منهم البلخي:

     "أراد بذلك إلى يوم الوقت المعلوم الذي قدّر الله اجله فيه وهو معلوم لكن لا ينبغي اخباره كي لا يحمله أو يغريه بفعل القبيح".

     أقول: وهذا حسن لأنه تحفظ بالمفردات فلم يقل هو يوم القيامة، ولكنه لم يحدد أي معنى للطلب ولا يظهر أي ترابط مع الموارد الأخرى ولم يشر إلى يوم الدين.

     كما انه أخطأ من جهة أخرى وهي زعمه ان عدم اخباره بالموعد هو لتجنب حمله على فعل القبيح، لأنه طلب الامهال لفعل القبيح لا لسواه.

     إنما حجب عنه علم الوقت المعلوم لأنه من الغيب الذي لا يطلع الله عليه أحداً (إلا من ارتضى من رسول)، فكيف يخبر العدو وقال الطوسي:

     "وقد قيل ان الوقت المعلوم هوَ آخر أيام التكليف". وقد تكون هذه العبارة هي الوحيدة التي تشير بغموض إلى (يوم الدين) أو الطور المهدوي فإذا كانت العبارة قد أصابت الحقيقة بشكل عام فإنها أضاعتها من جهة أخرى حيث لم يذكروا متى يكون آخر يوم من أيام التكليف.

     ومن جهة أخرى احدثت التباساً شديداً لأن هذا يصح فقط على رأي القائلين بزوال التكليف عند ظهور المهدي (ع) وهو رأي خاطئ فالطور المهدوي هوَ طور تطبيق التكليف الشرعي بصورته الشاملة. وقد رأى هذا الرأي أكثر العلماء ومنهم ابن حجر متناسين ان المهدوية هي فترة تحقيق الدين على وجهه الصحيح.

     نعم يحدث بعد حقب ودهور من هذا الطور تحوّل في صورة العبادات إلى ما يشبه عبادة الملائكة وهوَ أمر مختلف ولا يمكن تسميته بزوال التكليف إذ التكليف بالمعنى الاعم هوَ العبودية لله ولا انتهاء لهذه العبودية بل على العكس تترسخ العبودية لدى العباد إنما تختلف صورة التعبّد فقط – إذ قد تقتصر على الذكر والتسبيح لان اهل ذلك الطور تندمج لديهم العبادة مع العمل فيصبح سلوكهم كله عبادة محضة لله تعالى.

     للمناقشة:

     قد تقول فهل هناك أحاديث تؤكد ان الوقت المعلوم هوَ أحد أيام الطور المهدوي؟

     الجواب: نعم هناك اخبار كثيرة عن أهل البيت (ع) خصوصاً تذكر ذلك أهملها الاعتباط لولعه بالتفسير الذاتي البعيد عن اللغة وعن النظام القرآني منها:

الحديث الأول:  في تحفة الأخوان نقلاً عن تفسير البرهان/مج2/جزء14/343 بحذف الإسناد عن أبي عبد الله جعفر بن محمد (ع) قال قوله تعالى "يوم الوقت المعلوم" يوم يذبحه رسول الله محمد (ص) على الصخرة التي في بيت المقدس.

الحديث الثاني: نفس المصدر بحذف الإسناد عن عبد الكريم بن عمرو الخثعمي قال سمعت ابا عبد الله (ع) يقول: ان إبليس قال انظرني إلى يوم يبعثون فأبى الله ذلك عليه فقال انك من المنظرين إلى يوم الوقت المعلوم.

     وفيه..."وجاء إبليس في أصحابه أي في الوقت المعلوم فيكون ميقاتهم في ارض من اراضي الفرات يقال لها الروحاء قريباً من كوفتكم فيقتتلون قتالاً لم يقتتل الخلق مثله منذ ان خلق الله عز وجل العالمين فكأني انظر إلى أصحاب امير المؤمنين رجعوا إلى خلفهم القهقرى مأة قدم وكأني انظر إليهم وقعت بعض ارجلهم في الفرات فعند ذلك يُهبط الجبّار عز وجل رسول الله (ص) في "ضلل من الغمام والملائكة وقضي الأمر" ورسول الله (ص) بيده حربه من نور فإذا نظر إليه إبليس رجع القهقرى ناكصاً على عقبيه فيقول أصحابه: إلى أين وقد ضفرت؟ فيقول: "إني أرى ما لا ترون إني أخاف الله ربّ العالمين" فيلحقه النبي فيطعنه طعنة بين كتفيه فيكون هلاكه وهلاك جميع اتباعه...".

الحديث الثالث: في الانوار المضيئة بحذف الإسناد عن اسحق بن عمار قال سألت الصادق (ع) عن انظار الله تعالى إبليس: فقال: "معلوماً ذكره الله في كتابه فقال انك من المنظرين إلى يوم الوقت المعلوم يوم قيام القائم فإذا [تم أمره] كان في مسجد الكوفة وجاء إبليس حتى يجثو على ركبتيه يقول يا ويلاه من هذا اليوم فيأخذ بناصيته فيضرب عنقه فذلك يوم الوقت المعلوم منتهى اجله.

     نقلناه عن البشارة/249.

الحديث الرابع: بحذف الإسناد عن وهب مولى اسحق بن عمار قال سألت ابا عبد الله عليه السلام عن قول إبليس "انظرني إلى يوم يبعثون قال فانك من المنظرين إلى يوم الوقت المعلوم" قال قلت جعلت فداك أي يوم هوَ؟

قال: "يا وهب اتحسب انه يوم يبعث الله فيه الناس؟ ان الله انظره إلى يوم يبعث فيه قائمنا فإذا بعث الله قائمنا كان في مسجد الكوفة وجاء إبليس حتى يجثو على ركبتيه فيقول يا ويلاه من هذا اليوم الوقت المعلوم".

     نقلناه عن البرهان/سورة الحجر/ح6

     وأقول: اختلفت هذه المرويات في طريقه قتل إبليس وقاتله ومكان القتل على وجوه:

الأول: ان رسول الله (ص) يقتله ذبحاً على صخرة بيت المقدس.

الثاني: ان رسول الله (ص) يَطْعَنهُ بحربة من نور بين كتفيه في منطقه الروحاء قرب الكوفة.

الثالث: ان المهدي (ع) يقتله بضرب عنقه في مسجد الكوفة وللاصوليين طرائقهم في تخريج الاختلافات بين الاحاديث منها ترجيح بعضها على بعض اعتماداً على قوة الاسانيد ومنها الترجيح على اصول أخرى لهم ومنها الغاء الجميع عند التعارض ومنها حمل البعض على التقيّة خصوصاً عند الأمامية. أما نحن فنرى ان تلك الطرائق اعتباطية فما دامت النصوص متّفقة في الحقائق الأساسية والجوهرية مع النظام القرآني مثل وقت القتل وتقدم يوم الوقت المعلوم على يوم يبعثون وموضع القتل بصفة عامة كونه في المشرق الاسلامي والقاتل كونه النبي أو سمّيه المهدي (ع) فالاختلافات التفصيلية ضرورية لترك فراغ لاحتمالات التغيّر في الظروف الموضوعية.

     ذلك لأنهم قالوا ما قلناه لكم فهو حق وقع أم لم يقع، ومعنى ذلك ان الحادث نفسه يقع لا محالة فإن لم يقع في الزمان والمكان والظرف المخصوص في احد النصوص فانه يقع في ظرف نص آخر، لان النص مشروط بشروط نجهل أكثرها بسبب عدم أمانة نقل النص بكافة وقائعه، فإذا تغيرت الشروط تغيرت الظروف الموضوعية للواقعة.

     والحقيقة ان هذهِ الفكرة هي جوهر ما انطوى عليه مبدأهم المسمى (البداء) وكان يتوجب على الاعتباط اعتبار هذا المبدأ أحد اصول تخريج الأحاديث وفهم مضمونها في اقل تقدير ان لم يعتبرها الأصل الوحيد.

     فالترجيح يخالف البداء ورفض النصوص بسبب تعارضها الظاهري يخالف الأصول ويناقض مبدأ القضاء والقدر وهوَ بالضدّ من وصاياهم وعملية الانتقاء ما هي إلا اعتباط فلم يبق من اصولهم شيء والصحيح هوَ معالجة النصوص وفق النظام القرآني ومبدأ البداء، بغض النظر عن الأسانيد.

من كتاب الطور المهدوي

عالم سبيط النيلي

 

الصفحة الرئيسية  

مقالات

بحوث ودراسات

آفاق

حديث عراقي

تقارير منوعة

أسرة ومجتمع

أوراق ثقافية

مجتمع مدني

نصوص مترجمة

كتب

البحث في القرآن

 

نوافذ ثقافية وفنية

شعر
قصة قصيرة
تشكيل
سينما
مسرح

لوحات

كاريكاتير

صور من العالم

ضع إعلانك هنا

 

حق المعرفة فوق كل الحقوق
جميع الحقوق محفوظة لموقع زيتونة
موقع زيتونة نافذة مستقلة ليست مسؤولة عن مضمون المقالات التي تنشر
  ولا تعتبر المقالات المنشورة وجهة نظر رسمية للموقع ، بل فقط  تعبرعن رأي الكاتب
asfook@yahoo.com