|
جولة في أروقة المستنصرية
علي المهدي
ما ان تدخل المدرسة
المستنصرية حتى تاسرك اجواؤها المفعمة بعبق
التاريخ، فهي تعد اقدم جامعة عربية إسلامية تدرس
فيها مختلف العلوم الدينية والطبية والفلكية
والفلسفية والرياضية.
بناها الخليفة العباسي ابو
جعفر منصور بن الظاهر محمد بن الناصر والمشهور
بالمستنصر بالله الخليفة (السادس والثلاثون) الذي
بويع بالخلافة يوم الجمعة 13 رجب سنة 623هـ
(1226)م وقد كان منشغلا بالعلوم الدينية والادبية
منعكفاً على نقل الكتب وترجمتها.
تكامل بناؤها سنة (630هـ)
شهر جمادي الاخر، وتم افتتاحها رسمياً سنة (631هـ)
ـ (1233م) وكانت قد بنيت بمادتي الجص والنورة،
وانفق عليها من المال ما يعجز عنه الحصر ووقف
عليها وقفاً جميلاً.
شكل
المدرسة
شكل المدرسة مستطيل. طولها
من الخارج (184.40) م وعرضها من الجهة الشمالية
(44.20)م اما عرضها من الجهة الجنوبية فيبلغ
(48.80)م ومساحتها الكلية (4836)م2، اما مساحة
الصحن فتبلغ (1710)م2.
تحيط به الاواوين والاروقة
والمسجد وقاعات الدرس وخزانة الكتب وحجرات صغيرة
في طابقيها السفلي والعلوي لاقامة الطلبة. يقول
السيد غازي حسين الموظف في دائرة الاثار:
كانت خلف المدرسة من جهة
النهر مجموعة من (الدكاكين) و المقاهي وهناك جسر
يربط الرصافة بالكرخ (جسر دوب) ويقال: ان هناك
قناة تربط المدرسة بقصر الخلافة كان الخليفة يأتي
عبرها إلى مدرسته بواسطة زورقه الخاص!
وعلى الرغم من قربها للنهر
وكثرة فيضانات دجلة ـ آنذاك ـ لكنها لم تتعرض لأي
اثر من آثار فيضانه وذلك بسبب علوها عن مستوى سطح
النهر.
وقد أجريت اول صيانة
للمدرسة عام (1945) بعدما تسلمت دائرة الآثار
ادارتها. وقد فتحت رسمياً للزوار عام (1960) اما
الصيانة الثانية فكانت في عام (1973).
إيوان الطب والصيدلة
يقع هذا الايوان مقابل
المدرسة وعمل تحته (صفة) يجلس فيها الطبيب وجماعته
الذين يشتغلون بعلم الطب، ويقصده الكثير من المرضى
، وفي كتاب (مختصر تاريخ الدول) لابن العبري ان
طبيب المستنصرية كان يتردد إلى مرضاها من بكرة كل
يوم يتفقدهم وكان يشرف على تجهيز المرضى بالدواء
صيدلي.
ومن اشهر من تولى التدريس
في ايوان الطب: شمس الدين ابن الصباغ ومجد الدين
ابو علي الحكيم،
وتضم المدرسة خزانة للكتب حيث ذكر ابن عنبة العلوي
في كتابه، (عمدة الطالب في انساب ابي طالب) : ان
المستنصر اودع في خزانة المدرسة (80) الف مجلد في
مختلف العلوم والفنون.
ومن القاعات التي تجلب
الانتباه هناك قاعة يقال انها تعود (لناظر
المدرسة) حيث تضم فتحتين تبدآن من وسط احد جدرانها
وتنتهيان بسطح المدرسة وتسمى هاتان الفتحتان
حالياً (بادكير) حيث تؤدي الفتحتان دور (المكيف) ،
فتحة يدخل منها الهواء والاخرى منفذا لخروجه.
وبالعكس!
فنظام تهوية المدرسة
وانارتها تدلان على عقلية هندسية رائعة! فالقاعات
مضاءة وتهويتها منعشة على الرغم من عدم وجود
(أدواتهما)!
ومن عجائب المدرسة (ساعتها)
التي لم يبق منها سوى رسمها!
فقد رسمت في دائرة صورة
الفلك وجعل فيها أكثر من طوق لكل طوق باب وفي
الدائرة (بازان) من ذهب في طاستين من ذهب وراءهما
(بندقتان) من (شبه) لا يدركهما الناظر! فعند مضي
كل ساعة ينفتح منها (البازان) وتقع في فمهما
(البندقتان) وكلما سقطت (بندقة) انفتح باب من
ابواب تلك (الطوق) فيصير الباب حينئذ (مفضضاً)
فاذا وقعت البندقتان في الطاستين تذهبان إلى
مواضعهما الاولى ثم تطلع شموس من ذهب في سماء
(لازوردية) في ذلك الفلك مع طلوع الشمس الحقيقية
وتدور مع دورانها وتغيب مع غيابها، فاذا جاء الليل
فهناك اقمار طالعه من ضوء خلفها كلما تكاملت ساعة
تكامل ذلك الضوء في دائرة القمر ، ثم يبتدئ في
الدائرة الأخرى إلى انقضاء الليل وطلوع الشمس
فتعرف اوقات الصلاة".
اولئك الذين عمّروا البلاد.. فرحلوا .. لكن بقيت
اثارهم تدل على علوّ منزلتهم ورفعتهم.
حبذا لو ناخذ من ماضيهم العلمي والمعرفي عبرة
لحاضرنا ومستقبلنا . |