|
الظواهر النفسية في الحرب
الإعلامية على العراق
رائــد الحسناوي
في اليوم الذي أصبح
العالم فيه قرية صغيرة ، بدأ الأعلام يقلص من
الهوة الشاسعة بين القارات ويقرب بين البشر في
منظومة إعلامية كبيرة، وشبكة أخطبوطية واسعة.
لتدخل عشرات بل مئات بل ألوف من البشر في غرفة
دردشة واحدة على صفحات الانترنت. بدأت هذه النقلة
النوعية في وسائل الأعلام ، مع تطور العلم
والثقافة ووسائل الحروب، وبدأت أساليب جديدة
للسيطرة الاستعمارية .
ليس في السلاح والفرض
والقوة . وإنما في وسائل الاتصال والأعلام ،
والسيطرة الفكرية والثقافية ضمن مشتركات جديدة
يخلقها العدو بين الشعوب لتذوب الخلافات
والاضطرابات لصالح أهدافه الاستعمارية.
أن أي إتحاد مثل
الاتحاد السوفيتي السابق، ينهار في حرب إعلامية
ونفسية باردة، من ذلك يجب أن نعرف مدى خطورة الحرب
الإعلامية وقوتها. وفي نفس الوقت يجب أن نعرف مدى
قوة الاتحاد السوفيتي وضعفه؛ لينهار أمام الحرب
الباردة وهي حرب إعلامية؛ لما كان هذا القطب
الهام والخطير على الكرة الأرضية والذي كان ثاني
قطب عالمي من حيث القوة الاتحادية التي يتمتع بها
، وكذلك العسكرية، لم يصمد أمام هجمات إعلامية
وحرب نفسية اخترقت هذا الاتحاد وحولته لدول تتنافس
وتتصارع في ما بينها. أذن هناك استعداد عالمي
للاعتماد على هكذا حروب من اجل التغلغل في نفوس
وثقافة شعب ومجتمع بأكمله. ويذكر في علم النفس
الإعلامي، بان لدى الكثير من العلماء والباحثين في
هذا الحقل القدرة في التحكم بمشاعر وأراء وقناعات
المجتمع تبعا لإطلاق إشاعة يتم استقبالها بنسبة
متفاوتة تبعا لثقافة المجتمع.إذن تتوفر فرص نجاح
الحرب الإعلامية في حالة قوة الحملة المشنة من جهة
، ومستوى الشعب وثقافته من جهة أخرى.
وللأعلام مع العراق تاريخ
طويل ، إذ استعملت القوى التي احتلت العراق في
سابق عهده أساليب وطرقا ملتوية فهناك احتلال
عثماني و بريطاني. لكل منهما سياسته الاستعمارية
والإعلامية في خداع الشعب وإقناعه بقناعات موهومة
.
والسبب الأول في هذا
هو الجهل الذي كان سائدا في مجتمعنا العراقي. وما
توالى على العراق من اضطرابات وفوضى بسبب الأعلام
والحرب النفسية التي عانى منها العراقيون تحت ضغط
الاحتلال ، وما توالت الحقب حتى جاء حكم زمر البعث
الصدامي. وظهرت وسائل إعلاميه حديثة وصريحة في
حربها على العراق وشعبه نتيجة السياسات الخاطئه
المتوالية ضده.
فحرب إعلامية ونفسية
عالمية أبان الحرب العراقيه الإيرانيه. بالإضافة
إلى الحرب النفسية والإعلامية على العراق أبان
الحصار الاقتصادي لحين سقوط النظام ، وما أن سقط
النظام حتى بدأت مرحلة جديدة لتضاف إلى نتائج
المراحل السابقة نتائج جديدة أكثر خطورة تقودها
الفضائيات والانترنت وأجهزة الإعلام الأخرى ،
بالإضافة إلى المشاهدة اليومية التي يعيشها
العراق. كلها ساهمت في خلق بيئة نفسية ومناخ عام
يشترك به العراقيون جميعا وهي(( القلق والاكتئاب
العام واليأس والإحباط والبكاء نتيجة القهر
والهستيريا)) وغيرها من الظواهر النفسية .
ساهمت حروب سابقة ولاحقة
في تأصيلها داخل نفسية المواطن العراقي الذي
أصبح ضحية الحقد الإقليمي على هذا الشعب ، وبدأت
فضائياتهم ووسائلهم الخبيثة المقروءة والمكتوبة
والمسموعة والمشاهدة تبث سموم الحقد الدفين الذي
يكنونه للعراق من خلال الصحف والمجلات والأفلام
السينمائية وأشرطة الفيديو والاسطوانات ،بالإضافة
إلى التقارير والبرامج التي تثير الغضب والاستفزاز
النفسي ، وتأجيج روح العداوة والحقد ، وهذا يؤثر
سلبا على نفس الفرد العراقي مما يجعله أكثر عرضة
لأمراض خطيرة مثل الأمراض النفسية والبايلوجية
التي يتعرض لها الفرد نتيجة نقل الأخبار الكاذبة
وتهويلها وتضخيم الحدث وإعطائه أبعادا لا يستحقها
وفتح جدلية تضارب الأخبار ومن ثم اختلاف في وجهات
النظر الذي يؤدي في بعض الأحيان إلى نفور من شخص
لآخر .
وهذا أيضا يخلف لنا بعدا
نفسيا في الحالة. وغالبا ما يصاحب الظواهر النفسية
أمراض بايلوجية تحدث عنها. ولكن الخطير في الأمر
هو أن معظم الفضائيات ووسائل الأعلام الأخرى التي
تشن حربا نفسية وإعلامية تأخذ أبعادا أخرى مثل
احتواء المجتمع ثقافيا ونفسيا واجتماعي، لها
تأثيرات مباشرة أو غير مباشرة .
ولها غاية نفعية وقد تشكل
سلطة جديدة تسمى "السلطة الرابعة" وهو الأعلام
لأهميته وخطورته وكذلك الخطاب الإعلامي الهدام
الذي يمنع الفرد من محاولة التغيير ويجعل الفرد
مذعنا وغير مبال مما يعطيه صفة الاستسلام
والاطمئنان النفسي السلبي. وكذلك قولبة الإنسان
ذاتيا ونفسيا مما يعاني حالة الانعزال والانطواء
نتيجة خيبة الأمل التي يعاني جرائها الإحباط .
بالإضافة إلى خلق جو متوتر عن طريق أخبار كاذبة آو
ملفقة قصدهم إهانة واستفزاز المقابل .
وأيضا خلق حالة من أللا
مبالاة والاتكالية ، وسرعة التصديق والخداع وزرع
في نفوسهم اليأس والإحباط نتيجة ما يعانيه عالمهم
الثالث من تخلف. قياسا بقوة الغرب مما يغير
الكثير من طباعهم ومزاجهم وخاصةًً عند الشباب
والأطفال. مما يجعلهم متعطشين الى ثقافة الغرب
وناقمين وحاقدين على ثقافتهم .
وهذا بطبيعته يولد
لنا حالة من النفور من التراث التي يجب أن يعصرن
بطريقة أكثر فاعلية ليجد الفرد بان مواكبة
التطور ضرورة من ضروريات الحياة الجديدة ،نحتاج
إلى مسايرة حقيقية ناجحة لها مقوماتها وأساليبها
المعتمدة حتى نخلق حالة متوازنة من الربط الموضوعي
بين تاريخنا وحاضرنا ومستقبلنا. ألا أن ما هو
ملاحظ ألان هو عكس ما نريد من مجتمع يملك أرثا
حضاريا تليد،( ان الثنائية في عالمنا العربي
والإسلامي. التراثية والمعاصرة ، التجديد والجمود،
المقاومة والاستسلام ،الاعتدال والتطرف ، الإفراط
والتفريط. أبعدنا عن أسلاميتنا التي جاءت على
أساس الحل الوسط . آو (الوسط الحق)) .
أن الهدف من هذا الوسط هو
من اجل الابتعاد عن الازدواجية والنفاق والتناقض
التي تعبر عن حالة نفسية وظاهرة من ظواهر القلق
النفسي وعدم الاطمئنان والتوتر وفقدان الثقة
بالنفس نتيجة للروح الانهزامية التي يعاني منها
الفرد. هناك حالة من التيهان في عالمنا الإسلامي
والعربي نتيجة فقدان القيادة الناجحة التي تقوم
على أساس الحق .
بالإضافة إلى تجيير
الإسلام لصالح أفكار سياسية واجتماعية تجني منافع
للقائمين عليها. وهذا الأسلوب يترك لنا عدم الثقة
بين الرئيس والمرؤوس.مما يشعر الفرد بالضياع ،
ويفقد المجتمع الكثير من مقومات الترابط
الاجتماعي،الوحدة ضرورية من أجل أن يشعر الناس
كلهم على خط واحد وأمام جبهة واحدة هي المصير
المشترك لهذا البلد او المجتمع.(الفئوية والحزبية
والطائفية والعنصرية كلها معاول هدم في المجتمع
الواحد)، وذلك لتغليب المصلحة الشخصية على مصلحة
المجتمع ، والكل منهم يعمل لفائدة الجهة التي
ينتمي اليها على حساب فائدة المجتمع.
خاصة في مجتمع لم
يعرف التعددية والديمقراطية بعد ، لم يقبلها كحالة
تغيير أو نظام جديد.وربما لم يردها أصلا وهذا
موجود عند أولئك الذين يتباكون على النظام البائد.
أذن هناك أمكانية كبيرة لدى وسائل الأعلام بكافة
أنواعها لاستغلال الوضع الراهن في العراق بكافة
صوره الحياتية القاسية لتمرير الكثير من الآراء
والقناعات لتظليل الرائي العام، وزعزعت النفوس وبث
الكثير من أفكار الحقد والعدوانية اتجاه هذا الشعب
التي بقيت تعبث به أفكار كل من هب ودب.
مع وجود عامل مساعد
وهو الجهل في الشارع العراقي التي تعصف به الأهواء
والميول نتيجة قلة الوعي الوطني والمصيري في هذا
البلد. وهذا بالتأكيد يفقد الحس الوطني لدى
المواطن ويخلق له مناخا نفسيا متذبذبا بين الحق
والباطل ليكون فريسة سهلة لأصحاب المآرب
الشيطانية. |