|
العلامة الشهيد
مهدي السماوي
ودوره السياسي في
السماوة
الباحث: عمار العامري
Ammaryasir76@yahoo.com
مقدمة:
قد لا يغفل التاريخ عن صناع حروفه ومؤسسي
أدواره،وان المواقف والأمجاد لم تأتي بلا ثمن ولا
تأتي بطرق غير مقبولة،وان الدماء حينما تسير فإنها
لم تسيل إلا لتسقي أمجاد الأمم ،و السماوة تلك
البلدة التي تغفو على ضفاف نهر الفرات والتي يعود
تاريخها الحديث إلى ما قبل فيضان عام 1723 عانت
الإهمال والحرمان لأسباب كثيرة منها ،الأسباب
السياسية حيث الأدوار والمواقف الوطنية التي
يذكرها التاريخ لأبناء عشائرها الثائرة على مدى
الحقب الزمنية المتعاقبة بوجه الحكام المتسلطين و
أما الأسباب الاجتماعية آذ لعبت الصراعات والمعارك
التي تحدث بين قبائل البلدة والمدن المجاورة لها
من اجل السيطرة على أكثر أراضي زراعية ممكنة وعدم
وجود الوعي الكافي الذي يضمن قناعة العشائر بتركها
للتقاليد والأعراف السلبية السائدة."1"
الأوضاع
العامة قبيل ولادته:
في خضم الإحداث القاسية والتي لا تستقر بسببها
المنطقة عامة و السماوة خاصة جعلتها عرضة للتقلبات
السياسية الخارجية "الاحتلال الانكليزي وتبعاته"
وأما الداخلية فهي "الصراعات على الوزارات في
إثناء الحكم الملكي والانقلابات في العهد
الجمهوري"مما ولد تغيرات على الوضع العام للبلدة
وهذه التغييرات جاءت لأسباب سياسية تعود لغزو
الأفكار القومية التي جاءت عبر البحر المتوسط
إعقاب النهضة الفكرية في أوربا مما اوجد حالة
حماسية وثورية بثت الروح الوطنية لدى الشباب
المتحمس من اجل القضية العراقية والمساند للقضايا
العربية والمناهض للأفكار الدخيلة ،لذلك نجد أن
ثورة العشرين "2" لم تكن فقط انتفاضة عفوية أو
اندفاع ديني ضد محتل غير مسلم ،أنما تحدي وهيجان
مصحوب بأفكار سياسية وأراء أيدلوجية منظمة شيء ما
،ومالحقها من تأثيرات جاءت بسبب الثورات
والانتفاضات العربية في مصر وبلاد الشام والمغرب
العربي ،مما دفعت مجموعة العقول المتحررة في النجف
الاشرف إلى اتخاذ مواقف ايجابية مع كسر للحالة
التقليدية في الحياة الدينية،يضاف إلى ذلك الأسباب
الاجتماعية والاقتصادية"3" التي تعيشها المجتمعات
القبلية والمدعومة من الجهات المستفيدة "الحكومة"
أمثال دعمها لبعض السراكيل بالتقوي بها مقابل فرض
ضرائب على الفلاحين أو ما يسمى بـ "الكَودة"أو
أعطاء صلاحيات واسعة لشريحة الشيوخ المؤيدين
للحكومة مقابل سلب تلك الصلاحيات من الشيوخ
والرؤساء الأصليين مما كان السبب لقيام الثورات
والانتفاضات الشعبية التي شهدتها السماوة في أعوام
35- 36- 1937 ضد الوزارات القائمة آنذاك وللأسباب
السالفة،في هذه الحالة التي تعيشها السماوة
والصراعات السياسية والتأثيرات الاجتماعية.
ولادته المباركة:
ولد سماحة العلامة الشيخ مهدي السماوي ابن الشيخ
محمد رضا "احد وجهاء السماوة "أل عبد الرسول
العبسي السماوي عام 1935 مع التفاؤل به "ولد
مهديكم يا أل احمد"الذي تربى في كنف والده وترعرع
ونشا على نهج عائلته الدينية العلمائية طالبا في
الحوزة العلمية في النجف الاشرف "4" أذ تلقى فيها
علومه الدينية "5"حتى بات من الشباب الواعد
والمتحمس للقضية السياسية في العراق فالتصق بسماحة
الإمام السيد محمد باقر الصدر واخذ منه الشيء
الكثير،وببزوغ العقد الثالث من عمره الشريف برز
دور سماحة الشيخ مهدي السماوي فكان من مجموعة
"أنصار جماعة العلماء""5" مع سماحة الشهيد السيد
محمد مهدي الحكيم والسيد مرتضى العسكري والسيد
محمد حسين فضل الله والشيخ محمد باقر الناصري
وغيرهم ،إذ أخذت هذه المجموعة بتوزيع مناشير
"جماعة علماء النجف الاشرف " التي واجهة المد
الأحمر والأفكار الإلحادية والتنظيمات الطائفية
فكان الشيخ مهدي الحكيم يتمتع بروح ثورية عالية
واندفاع حماسي مبارك دينيا جعله أن يكون من
المحاور المهمة في صنع الاهتمام الشعبي للدفاع عن
القضيتين الأولى القضية الدينية وهي الحفاظ على
الهوية الإسلامية ومحاربة الآراء التقدمية
والثانية القضية السياسية وهي المطالبة بالحقوق
العامة للشريحة المهضومة من الشعب العراقي "أتباع
أهل البيت- ع - " ، كما تذكر بعض المصادر أن سماحة
الشيخ السماوي كان من الطاقات الحيوية في التحرك
الإسلامي المنظم ، إذ تؤكد المصادر التاريخية أن
سماحته من المؤسسين الأوائل لبناء حزب الدعوة
الإسلامية وواضعي اللبنات الأولى لذلك التنظيم
الذي أطرته الأطر الحوزوية بدليل حضوره الجلسات
التأسيسية للتنظيم "6" قبل انقلاب 1958 بالاشتراك
مع المرجع الديني السيد محمد باقر الصدر والسيد
محمد مهدي الحكيم والسيد مرتضى العسكري والأستاذ
طالب الرفاعي السيد محمد باقر الحكيم والحاج محمد
صادق القاموسي والدكتور محمد بحر العلوم والحاج
عبد الصاحب دخيل والحاج محمد صالح الأديب حيث
انبثق من هذه الثلة المؤمنة المجاهدة العمل الأول
للتحرك الإسلامي المبارك من قبل المرجعية الدينية
المتمثلة بسماحة زعيم الطائفة الإمام محسن الحكيم
قده، كما لعب الشيخ السماوي ومن خلال ارتباطه
بجهاز وكلاء المرجعية لسماحة الإمام الحكيم
والإمام محمد باقر الصدر بعد ذلك في مدينة السماوة
"7"، ناهيك عن دوره السياسي في الحزب بأطره
السياسية والعقائدية والفكرية حيث خلق حالة دينية
وسياسية بروح إسلامية متكاملة ، وعزيمة ثورية
نابعة من طيبة هذه البلدة المجاهدة والمؤمنة ،فقام
سماحته بادوار مهمة كان لها الفضل في تحرك الشارع
في السماوة والعشائر نحو قبول التوجه الديني
والمطالب بالحقوق السياسية والاجتماعية للمواطن
العراقي.
دوره السياسي :
1.
تأسيس النواة الأولى لحزب الدعوة في السماوة وهذا
ما خلق طبقة واعية من الشباب المؤمن الذي تربى بظل
سماحة الشهيد التربية الأخلاقية الإسلامية رفيعة
المستوى .
2.
تأسيس مكتبة الإمام الحسين - ع- في وسط السماوة
لتكون المنهل الحقيقي لأفكار أهل البيت -ع-
والمدرسة الدينية والفكرية التي تعطي الدروس
السامية والتغذية الروحية لاحتواها على خيرة
النفائس الثمينة.
3.
تأسيس المواكب الجامعة أو أنصار الإمام الحسين -ع-
فقد تحولت قضية عاشوراء ومظلوميتها إلى أمر
استراتيجي وتعبوي لمعرفة الحقيقة من قيام الإمام
-ع- بهذه الثورة ولما أعطى كل هذه الأرواح فاستطاع
أن يعرف أنصار الحسين –ع- أن لا نطالبه بحقوق بدون
تضحيات ومواجهة للأنظمة الفاسدة وأفكارها
الشيفونية.
4.
دعم أنشاء المساجد والحسينيات في إحياء المدينة
والعشائر لتكون المنطلقات الإيمانية والحوزات
الدينية لقضاء المواطن أوقاته في العبادة والصلاة
وإقامة الجماعة تحديا لموجة الفساد والدعوة إلى
الخروج على الدين ومفاهيمه التي اعتبرتها الأنظمة
بالرجعية فكان دعم سماحة الشهيد نابع من المسؤولية
الشرعية والحسن الإسلامي المتحرر إذ لا يرضى بما
لا يرضاه الله.
5.
أحياءه للمناسبات الدينية والخاصة بولادات ووفيات
الأئمة الأطهار والأعياد الإسلامية التي يتخذها
منبرا فكريا لترسيخ الحالة السياسية وخلق أجواء
معارضة للسياسات التعسفية التي تقوم فيها السلطات
الحاكمة ،التي حاولت "تبعيث" المجتمع في المدينة
والأرياف ،وإيجاد منافذ "لتفسيد"المواطن وبكلأ
الجنسين بعد ما زرعت بؤر الفساد في كل مكان .
فاتخذ العلامة السماوي من هذه المهرجانات محافل
لطرح المشاكل ووضع الحلول المستوفية لها فكان
يحضرها أقطاب التحرك الإسلامي السياسي في العراق
،أمثال حجة الإسلام والمسلمين السيد محمد مهدي
الحكيم نجل الإمام محسن الحكيم زعيم الطائفة الذي
تشرفت السماوة بحضوره الاحتفال الكبير المقام في
ذكرى ولادة الإمام الحسن المجتبى في 15 رمضان
الموافق عام 1964 والذي ألقى فيه السيد مهدي
الحكيم كلمة توجيهية عبرت عن مدى الاستفادة من
تجارب أهل البيت -ع- في بث الروح الدينية المفعمة
بالأفكار والآراء التحررية ، كذلك حضور سماحة
العلامة الشيخ محمد مهدي الاصفي بعد توليه رئاسة
حزب الدعوة للسماوة عام 1965 في جامعة الحيدرية
ليكون للمنبر الاحتفالي صدى بين الجمهور المؤمن
وحافز للتلاحم بوجه المد الماركسي الذي حاول
الإساءة للدين الحنيف.
6.
كان لـ "براني "سماحة العلامة مهدي السماوي الدور
الكبير لرفد الشارع الإسلامي بطاقات والقيادات
الشابة التي نهلت من ذلك البراني دروس ومحاضرات
وتوجيهات الشيخ السماوي ما يؤهلها بان تتصدى
لقيادة الحركة الإسلامية في السماوة والمشاركة في
المواقف والتحركات المشرفة ضد أوكار النظام
وأزلامه بعد أن نخرط الكثير من الشباب الذين
تخرجوا من مدرسة الشيخ مهدي السماوي"البراني"في
صفوف حزب الدعوة ومنظمة العمل وحركة المجاهدين
،وبالفعل فقد صنع المجد مجدا ،والمجاهد مجاهدا
،يخطون الطريق على مساره نحو الشهادة أمثال
الشهداء محمود شاكر السراج صاحب الموقف البطولي
الصارم والسيد عمران حسن الياسري والشهيد قاسم
عيادة أبو ذبيحة، ذلك الكهل الذي سارع الأعداء بكل
عزيمة وإباء وأيضا لحق بالركب ولو بعد حين الشهداء
رزاق الفطن وأمان مسلم شيخ سعد والدكتور نعيم غريب
وحيدر فنجان ومنهم من أطال الله في عمره أمثال
الحجة الشيخ رزاق مسلم الشيخ سعد والعلامة حميد
السماوي والسيدان علي ومحمد سيد صاحب وغيرهم
مواجهته للنظام الصدامي في"انتفاضة رجب":
فكان سماحة الشهيد وبهذه التحركات المدروسة تواق
إلى لقاء ربه وهو راض ٍ عنه داخل إلى رحمته عن
طريق أفضل الوسائل وهي نيل الشهادة بحق وباستحقاق
وبكل شجاعة وإصرار وبمواقف لا ينكرها التاريخ سطر
الشيخ السماوي أروع الأمجاد ليستحق إن يكون هو
"شهيد السماوة الخالد" بعد إن واجه السلطان الجائر
في انتفاضة رجب المباركة على اثر اعتقال سماحة
الشهيد محمد باقر الصدر من قبل النظام الصدامي في
شهر رجب من عام 1979وكذلك تجاوزات جلاوزة النظام
على حريات المؤمنين في السماوة مما اثأر غيض
الثائرين واستنهض المشاعر اتجاه هذه التصرفات "8"
فقام سماحة الشيخ الشهيد وبعد صلاة الظهرين من
يوم الجمعة ومعه خيرة أبناء السماوة بانتفاضة هزت
عروش السلطة البعثية في المدينة مطالبة بإطلاق
سراح السيد محمد باقر الصدر،إذ خرجت من جامعة
السماوة الكبير"مسجد شيخ احمد" وطافت السوق
الكبير"المسكوف" باتجاه شارع باتا وكانت تطلق
الهتافات ضد السلطة العفلقية ونظامها الاستبدادي
وانتهت الانتفاضة عند براني الشيخ مهدي السماوي
والذي خرج إلى المتظاهرين مباركا لهم تحركهم
الإسلامي هذا والمساند للمرجعية الدينية ورغم ذلك
كان أزلام النظام وجلاوزته البعث قد ملئت بهم
الشوارع والساحات العامة لتطويق المنتفضين حتى أن
ألقى الدكتور محمود السماوي كلمته الثورية
والمطالبة بطلاق سراح سماحة السيد فتجمع البعثيون
حول الانتفاضة وبدا الاشتباك بين عدد من
المتظاهرين وأزلام النظام وبذلك تم اعتقال سماحة
الشيخ السماوي ومجموعة كبيرة من الشباب الإسلامي
في السماوة ، فكان الشيخ مهدي السماوي رجلا لا
يهاب الموت والموت يهابه،إذ وقف موقفا صامدا وبكل
رباطة جاش أمام محافظ المثنى آنذاك المجرم شهيد
كَاطع العلي ،إذ وجه المحافظ المجرم أليه كلمات
نابية قال فيها "هل تطمح أيها الأعمى أن تكون رئيس
للجمهورية""9" فأجابه الشيخ الشهيد فورا وبدون
تردد وبعزم الرجال بعد أن فقد بصره من شدة التعذيب
سابقا" أنت ورئيسك ورئاسة الجمهورية لا تعادل عندي
هذا الأصغر" فكان يشير إلى نعله.
فهذه هي الكلمات التي واجهه فيها الطغاة قبل وداعه
لأبناء مدينته التي لم يودعها أنما زرع في نفوسهم
الصبر والعزيمة والشجاعة والإباء ليختم حياته
وأعماله السياسية شهيدا خالدا في ذاكرة التاريخ
حيث اعدم في 8/7/1980 مع مجموعة من وكلاء المرجعية
الدينية والأركان الحقيقية للتحرك الإسلامي .
..............................
الهوامش:
1.
علي الوردي : لمحات من تاريخ العراق الحديث
2.
عبد الرزاق : الحسني :الثورة العراقية الكبرى
3.
علي الوردي: المصدر السابق
4.
احمد السماوي : أل عبد الرسول العلم والفقاهة
5.
سليم العراقي: لماذا قتلوه؟
6.
محمد مهدي الحكيم: التحرك الإسلامي في العراق
7.
على المؤمن : سنوات الجمر
8.
المصدر نفسه
9.
كاظم عبود الفتلاوي : المنتخب في أعلام الفكر
والأدب
|