|
مرقد
الشهيد جعفر الطيار
(المزار) مدينة تضمنت
جثمان شخصية من أروع الشخصيات التاريخية التي
تتمثل فيها البطولة الإسلامية، فهو الزعيم الأول
للمسلمين في الشام، زعيم المهاجرين في تاريخ
الإسلام، قائد الشهداء الأبرار في حملة الإسلام
على الكفر وحرب الحق مع الباطل.
بسم
الله الرحمن الرحيم
(السلام عليك يا بن عم
النبي (صلى الله عليه وآله) السلام عليك يا قائد
المسلمين إذ قال فيك رسول الله (صلى الله عليه
وآله): (أشبهت يا جعفر خَلْقِي وخُلُقي) وكنّاكَ
أبا المساكين، وقد أدَّيت الأمانة واجتنبت الخيانة
من جهادك الروم حتى قتلت شهيداً صابراً بعدما قطعت
يداك فعوّضك الله بهما جناحين تطير بهما في الجنة
كما أخبر عنك النبي (صلى الله عليه وآله)، السلام
عليك يا بحر العلوم وكنزها ومحيي الرسوم ومروّجها،
السلام عليك يا حافظ الدين وعون المؤمنين ومروّج
شريعة سيد المرسلين، السلام عليك يا عضد الإسلام،
السلام عليك أيها الزاهد الكامل، السلام عليك أيها
الصالح التقي، السلام عليك أيها العارف المؤيد
والعابد المسدَّد، أشهد أنك الأمين على الدنيا
والدّين وأنك بالغت في إحياء الدين واجتهدت في حفظ
شريعة أشرف الأولين والآخرين عليه وآله صلوات
المصلين واتبعت سنن الأبرار وأشهد أنك أظهرت الحق
وأبطلت الباطل وسهلتَ السبيل وأوضحت الطريق ونصرت
المؤمنين والشهداء والصالحين وحَسُنَ أولئك
رفيقاً. اللهم املأ قبره نوراً ورَوْحاً وريحاناً،
وأسكنه في بحبوحة من جنان النعيم برحمتك يا أرحم
الراحمين).
احسان القاضي / إعلامي وباحث
أكاديمي
هو جعفر بن عمران (أبي طالب
) بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف وأمه هي
فاطمة بنت أسد بن هاشم بن عبد مناف، وإخوته: طالب
وعقيل والإمام علي وجميعهم لهم أدوارهم المشرفة في
تاريخ الإسلام، كان جعفر من السابقين إلى الإسلام
في الدعوة كما في رواية أنه كان ثالث من أسلم وكان
أبوه أبو طالب يشجعه وإخوته على الاستمرار في
الدعوة، كما رأى ابو طالب ولده الامام علي (ع)
يوماً يصلّي مع النبي محمد صلى الله عليه وآله
وسلم ولا ثالث معهما فقال لجعفر: (تقدم صل جناح
ابن عمك) وأنشأ قائلاً:
إن علياــً وجعفــــــراً
ثقـــتي عند ملم الخطـــوب والكرب
والله لا أخــــــــذل النبــــــــي ولا يخذله من
بني ذو حسب
لا تخذلا وانصرا بن عمكما أخــــي لكم من دونــــه
وأبي
من تاريخ الطيار أن النبي لما آخى بين المهاجرين
والأنصار آخى بين جعفر وبين معاذ بن جبل، وفي
العام الثالث للهجرة استقبل النبي جعفر وقبّل ما
بين عينيه وضمه إليه، وقال قولته المشهورة: (ما
أدري بأيهما أفرح بقدوم جعفر أم بفتح خيبر).
ومن أدواره المشرفة في نصرة
الإسلام، هجرة الحبشة عندما قامت قريش بتعذيب
المسلمين فهاجر المسلمون الهجرة الأولى. وكانت
بقيادة جعفر بن أبي طالب ومعه ثمانون رجلاً حتى
نزلوا أرض الحبشة فأمنوا بها على أنفسهم وعلى
دينهم وعلى عبادتهم وتلقاهم النجاشي أحسن تلقِ
وأكرمهم غاية الإكرام وأحسن جوارهم وعبدوا الله
تعالى لا يخافون أحداً واستمروا في نشاطهم
الإسلامي.
وفي السنة الثامنة من
الهجرة كانت غزوة مؤتة التي أبلى فيها جعفر ابن
أبي طالب ومن معه من المسلمين بلاءً حسناً وكان
جعفر قد قطعت يمينه فأخذ الراية بشماله ثم قطع
شماله فضم الراية إلى صدره حتى خرّ صريعاً شهيداً
في سبيل الله، ووجد في مقاديم بدنه تسعون ضربة بين
طعنة رمح وضربة سيف، وقد حزن على موته الرسول صلى
الله عليه وآله وسلم حزناً شديداً. وعن ابن عمر
قال: وجدنا ما بين صدر جعفر بن أبي طالب ومنكبيه
تسعين جرحاً ما بين ضربة وطعنة بالرمح، ولما بلغ
النبأ النبي صلى الله عليه وآله وسلم نعى جعفر
وواسى امرأته أسماء بنت عمير، فعزاها في زوجها
ودخلت فاطمة الزهراء عليها السلام، وهي تبكي
وتقول: واعماه فقال رسول الله صلى الله عليه وآله
وسلم: على مثل جعفر فلتبكي البواكي ودمعت عينا
رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وقال: قطعت
يداه قبل أن يستشهد وقد أبدله تعالى عن يديه
بجناحين من الزمرد الأخضر فهو الآن يطير بهما في
الجنة مع الملائكة كيف يشاء، من هنا عرف بـ(جعفر
الطيار). وكان أول من رثاه شعراً حسان بن ثابت في
قصيدته الطويلة التي يقول فيها:
ناولني ليــل بيثـــــرب أعســــر وهم إلى ما نوم
الناس مســــــــهر
رأيت خيار المؤمنين تـــــواردوا شعوباً وقد خلفت
فيمن يؤخــر
فلا يبعدن الله قتـــلى تتــابعوا بمؤته منهم ذو
الجناحين جعفر
وزيـــد وعبـــد الله حين تتابعوا جميعاً وأسباب
المنية تخطـــــــر
غداة غدوا في المؤمنين يقودهم إلى الموت ميمون
النقيبة أزهـــر
كمـــا زان في الإسلام آل هاشم دعائم عز لا
تـــــرام ومذخــــــر
هم جـبل الإسلام والناس حوله رضام إلى طـــــود
يروق ويقهر
هم أوليـــــاء الله أنـزل حــــكمه عليهم وفيهم
والكتــــاب المطهر
ورثـاه كعب بن مالك الأنصاري بقصيدة جاء فيها:
صلّى الإله عليهم من حجــــة وسقى عظامهم الغمـام
المثقل
وقفوا بمؤتة للإله نفوســـهم حذر الروى ومخافة أن
ينكلوا
فمضوا أمام المسلمين كأنهم فلق عليهن الحـــديد
المـــرهل
إذ يهتدون بجــــــعفر ولـــــــوائه إذ كان
أولهـــــــم فنعــــــــم الأول
حتى تفرجت الصفوف وجعفر حين التقى وعد الصفوف
مجندل
فترجل القمر المنير لفقـــــده والشمس قد كسفت
وكادت تأفل
ومؤته قرية إلى جنوبي الكرك وهي إحدى مزارات منطقة
الكرك فيها قبور زيد بن الحارثة وعبد الله بن
رواحة وجعفر الطيار الذين استشهدوا في غزوة مؤته
وهي الآن من المزارات المقصودة من جميع المسلمين.
عندما تدخل مدينة (المزار)
تستشعر وكأن ترابها يعبق بدماء شهداء معركة مؤتة،
على الرغم من مضي ما لا يقل عن أربعة عشر قرناً من
الزمان!.
تستقبلك ساحة صغيرة فيها
بعض الشتلات الصغيرة لأشجار الصفصاف، يتوسَّطها
نصب مكعَّب الشكل كتبت عليه أسماء الجلالة بالخط
العربي الكوفي، وعلى شمال هذه الساحة ثمة نصب كبير
على شكل كتاب مفتوح كتبت عليه أسماء شهداء موقعة
مؤتة بالخط الكوفي أيضاً. وقد أحاطت بالنصب أشجار
الصفصاف بأغصانها الفارعة وبأوراقها الفضية
الجميلة التي تتمايل وتهتز مع هواء المدينة
العليل. ويُحيط بنصب الشهداء سياج حديدي مطلي
باللون الأسود.
تستغرب الهدوء السائد في
منطقة المزارات وما حولها حيث تتخيل نفسك وكأنك في
مدينة خارج الزمن أو خارج الكون كله لشدة الهدوء.
على يمين الساحة يقع مرقد الشهيد جعفر الطيّار،
أما على الشمال من البوابة الكبيرة لمرقد الطيار
فيستقبلك متحف وقعة مُؤتة الذي يفتح عادةً نهار
يوم الجمعة من كل أسبوع. تقف قبالة البوابة
الكبيرة يمتد أمامك رواق طويل تحيط به أشجار باسقة
من الجانبين، يمتد هذا الرواق حتى يصل إلى باحة
واسعة خُصِّصت لإقامة صلاة يوم الجمعة، وذلك في
حال عدم اتساع المكان للمصلّين في مرقد الشهيد
جعفر الطيار لأداء هذه الفريضة. وهناك مقاعد من
الإسمنت لاستراحة الزائرين مظلّلة بسقف واسع يحجب
عن الزائرين شمس الصيف الحارقة في تلك البلدة،
وأمطار الشتاء القليلة الهطول هناك.
ومما يثير العجب أنّ كلّ
الهدوء المحيط بالمرقد يتحول عند مواعيد الصلاة
إلى حضور متواصل من المصلين القادمين من المدينة
حيث تغلق كل المحال أبوابها لأداء فريضة الصلاة
حيث لا يتأخر عنها أي احد إلاّ لعذر يمنعه من
السير على قدميه وليس هناك أجمل من منظر المصلين
وهم قادمون واحداً بعد الآخر بثيابهم البيض وأغطية
رؤوسهم البيض أيضاً، ويقفون صفاً منتظماً للوضوء
ثم يدخلون المرقد لأداء الصلاة وبعد الانتهاء يعود
المزار إلى وحدته وخلوته إلاّ من بعض الطلاب
الأجانب الذين يجلسون بكل هدوء لقراءة بعض آيات
القرآن الكريم.
وقبل أن تدخل غرفة الضريح
يقع نظرك على لوحةٍ من الرخام وضعت على الحائط قرب
الباب حُفِرَت: (هذا مقام الصحابي الجليل الشهيد
سيدنا جعفر بن أبي طالب ابن عم رسول الله (صلى
الله عليه وآله) هاجر الهجرتين وكان القائد في
معركة مؤتة وفيها فَقَد ذراعيه ثم استشهد فأخبر
الرسول أن الله قد أبدله بدلاً منها بجناحين يطير
بهما في الجنة فسمّي (رضي الله عنه) بجعفر
الطيار).
فيما أحاط بالضريح سياج
حديدي طُلي باللون الأخضر أيضاً ، بينما فرشت
الأرض المحيطة بالضريح بسجاد أحمر اللون لجلوس
الزائرين وأدائهم الصلاة اليومية وصلاة يوم
الجمعة، أما جدران المقام فقد عُلقت عليها سيرة
الطيار على شكل لوحة جميلة في ثلاث عشرة فقرة
تتحدث عن نسبه، وصلته بالرسول (صلى الله عليه
وآله) وزواجه من أسماء بنت عميس وهجرته إلى الحبشة
والمدينة وتسميته من قبل رسول الله (صلى الله عليه
وآله) بأبي المساكين واستشهاده.
وقريباً من مدخل غرفة
الضريح عُلّقت لوحة ، وقد كتب عليها بخط جميل نصّ
زيارة الشهيد جعفر الطيار، وهي كما يأتي:
زيارة جعفر بن أبي طالب بن
عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قُصي أبو عبد
الله ابن عم النبي (صلى الله عليه وآله) قتل
شهيداً في أرض الشام بـ(مؤتة) سنة ثماني للهجرة:
في الجهة الشمالية من مرقد
جعفر الطيار ثمة سُلَّم صغير يؤدي إلى منصة حيث
مكان الخطيب في هذا الضريح ولقد كُسِيَ السلم
بالسجاد الأخضر، فيما وضعت مكتبتان خشبيتان
صغيرتان إلى شمال السلم احتوت إحداهما على نسخ من
المصحف الشريف. أما الخزانة الخشبية الثانية
الصغيرة فتحتوي على مجموعة متواضعة من الكتب
الإسلامية، بعضها يتحدث عن سيرة الرسول وآل بيته
(عليهم الصلاة والسلام).
تزيّن وسط سقف الضريح
(ثريا) مصنوعة من الزجاج الأبيض، مضفيةً على
الضريح هيبةً وبهاءً ، فيما تتوزَّع المصابيح
البيض على الجوانب من سقف الضريح.
يزور هذا المرقد عدد غير
قليل من الناس، لاسيما في أوقات الصلاة اليومية،
يكوّن سكان مدينة المزار العدد الأكبر منهم، إذ
يفضلون الصلاة في هذا المكان بالقرب من وليّ من
أولياء الله. ومن المظاهر الإسلامية الجميلة في
بلدة المزار: أن أهالي المدينة لا يتخلفون عن صلاة
الجماعة إلا في حالات المرض الشديد أو السفر،
والسفر حالة نادرة جداً لأهالي المزار، باستثناء
قلة قليلة من الجيل الجديد من شباب الكرك الذين
غادروها من أجل بحثهم ودراستهم. |