|
عِلمُ الحِساب
عند الإمام علي عليه السلام
بقلم : أحمد محمد جواد محسن
مقدمة
ليس غريباً أن يكون الإمام
علي ، عالماً متمكناً في العلوم الفقهية و اللغوية
و أوليات علم الحساب التي تخص عمليات توزيع الإرث
و تحصيل الزكاة و حل بعض المسائل الحسابية
المتضمنة كسوراً ، و هو الذي تربى في أحضان النبوة
و نهل علمه منها ، حيث يقول الرسول الكريم محمد (
صلى الله عليه و آله ) : " أنا مدينة العلم و علي
بابها ، فمن أراد العلم فليأت بابه "[1]
. و في هذا المقام يقول عباس محمود العقاد : فقلَّ
أن سمعنا بعلم من العلوم الإسلامية أو العلوم
القديمة لم ينسب إليه ( أي للإمام علي ) ، و قَلّ
أن تحدث الناس بفضل لم ينحلوه إياه ، و قلّ أن
يوجه الثناء بالعلم إلى أحد من الأوائل إلاّ كانت
له مساهمة فيه (2) . و يقول أيضاً : تبقى له
( للإمام علي ) الهداية الأولى في التوحيد
الإسلامي و القضاء الإسلامي و الفقه الإسلامي ، و
علم النحو العربي و فن الكتابة العربية . مما يجوز
لنا أن نسميه أساساً صالحاً لموسوعة المعارف
الإسلامية في العصور أو يجوز لنا أن نسميه موسوعة
المعارف الإسلامية كلها في الصدر الأول في الإسلام
. و تبقى له مع هذا فرائد الحكمة التي تسجل له في
ثقافة الأمة الإسلامية على تباين العصور . و هنا
نحب أن نشير أنه حتى أبي العلاء المعري يقول عن
الإمام علي ( عليه السلام ) :
و على الأفق في دماء الشهيد
*** ين علي و نجله شاهدان
فهما في أواخر الزمان فجرا
***ن و في أولياته شفقان
و إضافة إلى ما يمتلكه
الإمام علي ( عليه السلام ) من علم و نفاذ بصيرته
فإنه ما فتئ يحثّ على طلب العلم و يذكر أهميته
فيقول على سبيل المثال : تعلّم العلم فإنه إن كنت
غنياً زانك ، و إن كنت فقيراً صانك . ثروة العلم
تنجي و تبقي ، و ثروة المال تهلك و تفنى . ثروة
العاقل في علمه و ثروة الجاهل في ماله . و يقول
أيضاً : كل وعاء يضيق بما جعل فيه إلاّ وعاء العلم
فإنه يتسع به .
و سنحاول في هذه الدراسة أن
نبين مآثر الإمام علي ( عليه السلام ) و براعته في
علم الحساب من خلال النظر في ثلاثة أعمال هامة له
و هي :
نهج البلاغة ، و المسائل
الحسابية التي حلها بسرعة و دقة تامة ، و الشعر
المنسوب إليه .
أولاً ـ نهج البلاغة :
إن خطب الإمام و رسائله و
وصاياه التي وردت في نهج البلاغة تعجّ بمفاهيم
حسابية كالأعداد و الكسور و وحدات قياس الطول و
تعبيرات رياضية ، و فيما يلي بعضاً منها :
الأعداد :
لقد وردت الأعداد صغيرها و
كبيرها كثيراً في نهج البلاغة ، فقد ذكر الإمام
علي ( عليه السلام ) على سبيل المثال :
الأول : في وصية له لابنه
الحسن فيقول : أي بني ! إني و إن لم أكن عمّرت عمر
من كان قبلي ، فقد نظرت في أعمالهم ، و فكّرت في
أخبارهم ، و سرت في آثارهم ، حتى عدت كأحدهم ، بل
كأني بما انتهى إليّ من أمورهم قد عمّرت مع أولهم
إلى آخرهم .
و ذكر الواحد و الاثنين في
وصية له ( عليه السلام ) ، وصّى بها جيشا بعثه إلى
العدو بقوله : و لتكن مقاتلتكم من وجه واحد أو
اثنين ، و اجعلوا لكم رقباء في صياصي الجبال ، و
مناكب الهضاب ، لئلاّ يأتيكم العدو من مكان مخافة
أو أمن .
و ذكر الثلاثة و الاثنتين
في كلام له في توبيخ أصحابه على التباطؤ على نصرة
الحق : ياأهل الكوفة ! منيت بكم بثلاثة و اثنتين :
صم ذوو أسماع ، و بكم ذوو كلام ، و عمي ذوو أبصار
، لا أحرار صدق عند اللقاء ، و لا إخوان ثقة عند
البلاء ، تربت أيديكم .
و قال ( عليه السلام ) و هو
يذكر الرقم أربعة : من أعطي أربعاً لم يحرم أربعا
: من أعطي الدعاء لم يحرم الإجابة ، و من أعطي
التوبة لم يحرم القبول ، و من أعطي الاستغفار لم
يحرم المغفرة ، و من أعطي الشكر لم يحرم الزيادة
.
و في الرقم خمسة قال ( عليه
السلام ) : أوصيكم بخمس لو ضربتم إليها آباط الإبل
لكانت لذلك أهلا : لا يرجون أحد منكم إلاّ ربه ، و
لا يخافن إلاّ ذنبه ، و لا يستحين أحد منكم إذا
سئل عما لا يعلم أن يقول " لا أعلم " ، و لا
يستحين أحدا إذا لم يعلم الشيء أن يتعلمه ، و
عليكم بالصبر فإن الصبر من الإيمان كالرأس من
الجسد ، و لا خير في جسد لا رأس معه ، و لا في
إيمان لا صبر معه .
و السبعة ذكرها في كلام له
في التبرؤ من الظلم : واللّه لو أعطيت الأقاليم
السبعة ، بما تحت أفلاكها على أن أعصي اللّه في
نملة أسلبها جلب شعيرة ما فعلت.
و من العشرات ورد الرقم
عشرة في قوله لما عزم على حرب الخوارج : مصارعهم
دون النطفة ! واللّه لا يفلت منهم عشرة ، و لا
يهلك منكم عشرة.
و قد ورد أيضا ذكر العشرين
و الستين في خطبته و هو يحثّ على الجهاد و يذمّ
القاعدين : للّه أبوهم !! و هل أحد منهم أشد لها
مراسا و أقدم فيها مقاما مني ؟ لقد نهضت فيها و ما
بلغت العشرين ، و ها أنا ذا قد ذرفت على الستين ،
و لكن لا رأي لمن لا يطاع .
و من المئات ذكر المائة في
خطبة له ، يقول : لا تسألوني عن شيء فيما بينكم و
بين الساعة ، و لا عن فئة تهدي مائة و تضل مائة
إلاّ أنبأتكم بناعقها و قائدها و سائقها .
و من الاُلوف ذكر الألف
بقوله : اللّهم مث قلوبهم كما يماث الملح في الماء
! أما واللّه لوددت أن لي بكم ألف فارس من بني
فراس بن غنم
]
.
و ذكر القرن ( و هو مائة
عام ) في خطبة الأشباح بقوله : و لم يخلهم بعد أن
قبضه مما يؤكد عليهم حجة ربوبيته ، و يصل بينهم و
بين معرفته ، بل تعاهدهم بالحجج على ألسن الخيرة
من أنبيائه ومتحملي ودائع رسالاته ، قرنا فقرنا ،
حتى تمت بنبينا محمد ( صلى الله عليه و آله ) حجته
، و بلغ المقطع عذره و نذره .
الكسور :
و الكسور هنا كالخمس و
الثلث و النصف ، الخ . . . فمثلاً جاء ذكر الخمس
في قوله : إن القرآن أنزل على النبي ( صلى الله
عليه و آله ) و الأموال أربعة : أموال المسلمين
فقسمها بين الورثة في الفرائض ، و الفئ فقسمه على
مستحقيه ، و الخمس فوضعه اللّه حيث وضعه ، و
الصدقات فجعلها اللّه حيث جعلها .
و قد ورد ذكر الثلث في كتاب
له إلى أمراء البلاد في معنى الصلاة ، بقوله : و
صلوا بهم العشاء حيث يتوارى الشفق إلى ثلث الليل .
و جاء ذكر الكسر تسعة أعشار
بقوله : بلادكم أنتن بلاد اللّه أقربها من الماء و
أبعدها من السماء ، و بها تسعة أعشار الشر . و
النصف جاء في قوله ( عليه السلام ) : الهمّ نصف
الهرم .
وحدات قياس الطول :
و تقيس هذه الوحدات الأبعاد
الصغيرة ، كالإصبع و الشبر و الباع الخ ، كما تقيس
الأبعاد الكبيرة كالفرسخ مثلاً .
فقد ورد الإصبع في جواب له
عندما سئل ( عليه السلام ) عما بين الحق و الباطل
. فقال : مسافة أربع أصابع . الحق أن تقول : رأيت
بعيني ، و الباطل أن تقول : سمعت بأذني . و الشبر
جاء ذكره في كتاب له إلى عثمان بن حنيف الأنصاري ،
عامله على البصرة ، بقوله : فو اللّه ما كنزت في
دنياكم تبرا ، و لا ادخرت من غنائمها وفرا ، و لا
أعددت لبالي ثوبي طمرا ، و لا حزت من أرضها شبرا
.
و الشبر كما جاء في لسان
العرب هو ما بين أعلى الإبهام و أعلى الخنصر ( إذا
فتحتهما ) .
كما ذكر الفرسخ في كتاب له
إلى أمراء البلاد في معنى الصلاة بقوله : و صلّوا
بهم العصر و الشمس بيضاء حية في عضو من النهار ،
حين يسار فيها فرسخان .
و الفرسخ كلمة فارسية و
يقول عنها ابن منظور في لسان العرب : إن الفرسخ :
السكون من المسافة المعلومة في الأرض مأخوذ منه .
و الفرسخ ثلاثة أميال أو ستة ، سمي بذلك لأن صاحبه
إذا مشى قعد و استراح من ذلك كأنه سكن . و هو واحد
الفراسخ ، فارسي معرب و الفرسخ ساعة من النهار. و
الفرسخ يساوي ثلاثة أميال أو ستة آلاف متر.
تعبيرات متصلة بالرياضيات :
ورد العديد من المصطلحات و
التعبيرات تتصل بالرياضيات في خطب الإمام و كلامه
. كالطول و العرض و العدد و القسمة و المضاعف و
الذرّة و النهاية و الإحصاء و البرهان و الفئة و
المسافة و الحساب و غيرها .
و سنذكر بعضاً منها . ففي
كلام للإمام يوصي فيه أصحابه ، ذكر فيه تعبيرات
مثل : الطول ، أطول ، أعرض ، أعلى ، حيث يقول : و
الجبال ذات الطول المنصوبة ، فلا أطول ، و لا أعرض
، و لا أعلى و لا أعظم منها ، و لو امتنع شيء بطول
، أو عرض ، أو قوة أو عز لامتنعن .
و ورد تعبير القسمة في
مواضيع كثيرة ، مثلا جاء في خطبة له في صفة خلق
بعض الحيوانات : و أنشأ السحاب الثقال فأهطل ديمها
و عدّد قسمها ، فبلّ الأرض بعد جفوفها . و أخرج
نبتها بعد جدوبها . و هنا تعديد القسم إحصاء ما
قدر منها لكل بقعة
]
.
و جاء ذكر المضاعف بأشكال
مختلفة كالمضاعفات ، و أضعاف ، و مضاعفة ، و مضاعف
الخ . ففي خطبة له بصفّين يقول : و لكنه جعل حقه
على العباد أن يطيعوه ، و جعل جزاءهم عليه مضاعفة
الثواب ، تفضلاً منه و توسعا بما هو من المزيد
أهله . و الذرّة ذكرها في خطبة الأشباح بقوله : و
رجع كل كلمة ، و تحريك كل شفة ، و مستقر كل نسمة و
مثقال كل ذرّة ، و هماهم كل نفس هامّة . كما ذكر
النهاية في خطبة له حول صفة خلق بعض الحيوانات
بقوله : و إليها حاكمها ليس بذي كبر امتدت به
النهايات فكبرته تجسيما ، و لا بذي عظم تناهت به
الغايات فعظّمته تجسيدا ، بل كبر شأنا ، و عظم
سلطانا
[31]
.
و بمقابل النهاية ذكر
اللانهاية ، و هذه تأتي بمعان عديدة مثلا ، بلا
عدد ، لا يحصى ، التعداد الكثير ، الأزل الخ . فقد
ورد تعبير لا بعدد في الخطبة السابقة بقوله :
مستشهد الأشياء على أزليته ، و بما وسمها به من
العجز على قدرته ، و بما اضطرها إليه من الفناء
على دوامه ، واحد لا بعدد ، و دائم لا بأمد و قائم
لا بعمد .
و جاء تعبير لا يحصى في
كلامه لمّا عزم على لقاء القوم بصفّين : و رب هذه
الأرض التي جعلتها قرارا للأنام ، و مدرجا للهوام
و الأنعام ، و ما يحصى مما يرى و ما لا يرى .
أما التعداد الكثير الذي
يعنى اللانهاية ، فقد جاء ذكره في خطبة الأشباح
أيضاً بقوله : اللّهم ! أنت أهل الوصف الجميل ، و
التعداد الكثير ، إن تؤمل فخير مؤمل ، و إن ترج
فأكرم مرجو .
ثانياً ـ مسائل حسابية :
من الأدلة الاُخرى على
عبقرية الإمام علي ( عليه السلام ) ، هي حله
لمسائل حسابية معقدة بسرعة و دقة . . . و لا عجب
في ذلك فهو الذي يقول على ملأ من الناس : " سلوني
قبل أن تفقدوني " . و في هذا المقام يقول عباس
محمود العقاد عن الإمام ( عليه السلام ) : و في
أخباره ، مما يدل على علمه بأدوات الفقه كعلمه
بنصوصه و أحكامه . و من هذه الأدوات علم الحساب
الذي كانت معرفته به أكثر من معرفة فقيه يتصرف في
معضلة المواريث ، لأنه كان سريع الفطنة إلى حيله
التي كانت تعدّ في ذلك الزمن ألغازاً تكدّ في حلها
العقول . و سنذكر بعض المسائل المشهورة التي قام
بحلها ، مما يدل على تضلعه بعلم الحساب آنذاك .
و من هذه المسائل المسألة
المنبرية و المسألة الدينارية و قصة الأرغفة و
غيرها .
المسألة المنبرية :
و خلاصة هذه المسألة أن
الإمام عليّاً ( عليه السلام ) سُئل و هو على
المنبر عن ميّت ترك بنتين و أبوين و زوجة ، فأجاب
من فوره : صار ثمنها تسعا . و سميت هذه المسألة
بالمسألة المنبرية لأنه أفتى بها و هو على منبر
الكوفة .
و الفريضة هنا ( أي المال
الذي تركه الميت ) هي أربعة و عشرون ، للزوجة
ثمنها ( أي ثلاثة ) و للأبوين ثلثها ( أي ثمانية )
و للبنتين الثلثان ( أي ستة عشر ) . فضاق المال عن
السهام ( أي نقص المال عن الحصص المفروضة ) ، لأن
الثلث و الثلثين تم بهما المال فمن أين يؤخذ الثمن
. فإذا جمعنا الثلاثة و الثمانية و أنقصناها من
المال لكان الباقي ثلاثة عشر للبنتين نقص من
سهمهما ثلاثة . و يبدو أن ثمة حلين لهذه المسألة .
و هي إما استخدام العول أو عدم استخدامه . ( و
العول هنا كما جاء في مختار الصحاح . عالت الفريضة
، ارتفعت و هو أن تزيد سهاما فيدخل النقصان على
أهل الفرائض ).
فالعول هو إدخال النقص عند
ضيق المال عن السهام المفروضة على جميع الورثة
بنسبة سهامهم . لهذا فإن النقص هنا هو ثلاثة فيدخل
على الجميع فيزاد على الأربعة و العشرين ثلاثة
تصير سبعة و عشرين للزوجة منها ثلاثة و للأبوين
ثمانية و للبنتين ستة عشر . و الثلاثة هي تسع
السبع و العشرين ، فهذا معنى قوله صار ثمنها تسعا
. و إما من نفى العول قال أن النقص يدخل على
البنتين .
المسألة الدينارية :
يقال : إن امرأة جاءت إلى
الإمام ، و شكت إليه أن أخاها مات عن ستمائة دينار
، و لم يقسم لها من ميراثه غير دينار واحد . فقال
لها : لعله ترك زوجة و ابنتين و أماً و اثني عشر
أخا و أنت ؟ فكان كما قال . و هنا تتجلى قوة علمه
و حدسه فبمجرد أن علم بحصتها فقد استنتج عدد أفراد
العائلة ، و ليس فقط ذلك ، بل العلاقة فيما بينهم
و جنسهم و حصة كل منهم . حيث أن هذه المرأة كانت
تتوقع أن أخاها قد ظلمها لذا طلبت الإنصاف و أخذ
حقها . لذلك قال لها خلّف أخوك بنتين لهما الثلثان
أربعمائة ( أي ثلثي الستمائة هو أربعمائة ) . و
خلّف أُماً لها السدس ، مائة ( أي سدسي الستمائة
هو مائة ) ، و خلّف زوجة لها الثمن ، خمسة و سبعون
( أي ثمن الستمائة هو خمسة و سبعون ) . و خلّف معك
اثني عشر أخاً لكلِّ أخ ديناران و لكِ دينار قالت
نعم . فلذلك سُميت هذه المسألة بالدينارية . و
لذلك لو جمعنا هذه الحصص لكان مجموعها ستمائة و هو
المبلغ الأصلي .
قصة
الأرغفة :
جلس رجلان يتغذيان ، مع
أحدهما خمسة أرغفة و مع الآخر ثلاثة أرغفة ، فلما
وضعا الغذاء ، بين أيديهما مر بهما رجل ، فجلس و
أكل معهما و استوفوا في أكلهم الأرغفة الثمانية ،
فقام الرجل و طرح إليهما ثمانية دراهم ، فتنازعا
بينهما و ارتفعا إلى الإمام علي ( عليه السلام )
فقصّا عليه قصتهما ، فحكم لصاحب الثلاثة أرغفة
درهماً واحداً ، و لصاحب الخمسة أرغفة سبعة دراهم
، لأن الأرغفة الثمانية أربعة و عشرون ثلثاً ،
لصاحب الثلاثة أرغفة منها تسعة أثلاث ( لأن له
ثلاثة أرغفة و كل رغيف ثلاثة أثلاث فيكون المجموع
تسعة أثلاث ) ، أكل منها ثمانية ( لأن هناك أربعة
و عشرين ثلثاً أكلها الثلاثة بالتساوي فكل واحد
منهما أكل ثمانية ) و أكل الضيف واحداً منها ، و
لصاحب الخمسة أرغفة منها خمسة عشر ثلثاً ( لأن له
خمسة أرغفة و كل رغيف ثلاثة أثلاث فيكون المجموع
خمسة عشر ثلثا ) أكل منها ثمانية و أكل الضيف
سبعة . أي أن كلاًّ من الثلاثة أكل ثمانية أثلاث
. فالأول أعطى للضيف ثلثا واحدا و الثاني أعطاه
سبعة أثلاث ( و المجموع ثمانية أثلاث ) . و بما أن
الضيف قد دفع لهم ثمانية دراهم ، أي قيمة كل ثلث
هو درهم واحد ، و أنه قد أكل ثلثا واحدا من الشخص
الأول ، لذا تكون حصة هذا الشخص درهما واحدا . و
كذلك أكل من الثاني سبعة أثلاث لذا تكون حصته سبعة
دراهم .
مسألة التي ولدت لستة أشهر :
روي أن عمر أتي بامرأة قد
ولدت لستة أشهر فهمّ برجمها فقال له الإمام علي (
عليه السلام ) : إن خاصمتك بكتاب اللّه خصمتك إن
اللّه تعالى يقول : { وحمله وفصاله ثلاثون شهرا }
و يقول جلّ تعالى : { والوالدات يرضعن أولادهن
حولين كاملين لمن أراد أن يتم الرضاعة } فإذا كانت
مدة الرضاعة حولين كاملين ( أي أربعة و عشرين شهرا
) و كان حمله و فصاله ثلاثين شهرا ، فالحمل فيها
ستة أشهر ، فخلّى عمر سبيل المرأة و ثبت الحكم
لذلك فعمل به الصحابة و التابعون و من أخذ عنهم
إلى يومنا هذا .
قصة
الزُبية :
يقال : إنه رُفع للإمام علي
( عليه السلام ) و هو باليمن زُبية ( و هي حفرة
تحفر للأسد سميت بذلك لأنهم كانوا يحفرونها في
موضع عال ) حفرت للأسد فوقع فيها ، فوقف على شفير
الزبية رجل فزلت قدمه فتعلق بآخر و تعلق الآخر
بثالث و تعلق الثالث برابع فافترسهم الأسد . فقضى
( الإمام ) أن الأول فريسة الأسد و على أهله ثلث
الدية للثاني ، و على أهل الثاني ثلثا الدية
للثالث ، و على أهل الثالث الدية الكاملة للرابع .
فبلغ ذلك رسول اللّه ( صلى الله عليه و آله ) فقال
: لقد قضى أبو الحسن فيهم بقضاء اللّه عَزَّ و
جَلَّ فوق عرشه .
و رويت هذه الحادثة بصور
اُخرى و هي أن الزبية لما وقع فيها الأسد أصبح
الناس ينظرون إليه و يتزاحمون و يتدافعون حول
الزبية فسقط فيها رجل و تعلق بالذي يليه و تعلق
الآخر بالآخر حتى وقع فيها أربعة فقتلهم الأسد .
فأمرهم أميرالمؤمنين ( عليه السلام ) أن يجمعوا
ديّة تامة من القبائل الذين شهدوا الزبية و نصف
دية و ثلث دية و ربع دية ، فأعطى أهل الأول ربع
دية من أجل أنه هلك فوقه ثلاثة ، و أعطى أهل
الثاني ثلث الدية من أجل أنه هلك فوقه اثنان و
أعطى أهل الثالث النصف من أجل أنه هلك فوقه واحد ،
و أعطى أهل الرابع الديّة تامة لأنه لم يهلك فوقه
أحد فأخبروا رسول اللّه ( صلى الله عليه و آله )
فقال : هو كما قضى .
و الظاهر أنهما واقعتان ،
ففي الرواية الاُولى أن الأول زلّت قدمه فوقع ولم
يرمه أحد ، و في الرواية الثانية أن المجتمعين
تزاحموا و تدافعوا فيكون سقوط الأول بسببهم و لذلك
اختلف الحكم فيها .
ثلاثة رجال يختصمون :
عن شرح بديعة بن المقري أنه
جاء إلى أمير المؤمنين ( عليه السلام ) ثلاثة رجال
يختصمون في سبعة عشر بعيراً . أولهم يدعي نصفها و
ثانيهم ثلثها ، و ثالثهم تُسعها . فاحتاروا في
قسمتها ، لأن في ذلك سيكون كسراً ( أي جزء من بعير
) . فقال ( عليه السلام ) : أترضون أن أضع بعيراً
مني فوقها و أقسّمها بينكم ، قالوا : نعم ، فوضع (
عليه السلام ) بعيراً بين الجمال ، فصارت ثمانية
عشر ، فأعطى الأول نصفها و هو تسعة ، و أعطى
الثاني ثلثها و هو ستة ، و أعطى الثالث تسعها و هو
اثنان و بقي بعير له .
ثالثاً ـ الشعر المنسوب للإمام ( عليه السلام ) :
وردت تعبيرات تخص الحساب ،
كالأعداد و الكسور و غيرها في الشعر المنسوب
للإمام ( عليه السلام ) ، سنذكر بعضاً منها : فقد
جاء ذكر الألف في شعر له ، حيث يقول :
عليك بإخوان الصفاء ، فإنهم
*** عماد إذا استنجدتهم و ظهور
و ليس كثيراً ألف خل و صاحب
*** و إن عدوا واحدا لكثير
كما ذكر العدد سبعين ألفا
في شعر له أيضا:
لأصبحن العاصي ابن العاصي
*** سبعين ألفا عاقدي النواصي
مجنبين الخيل بالقلاص ***
مستحلقين حلق ألدلاص
و في حسبة العمر يقول ، و
قد ذكر العدد ستين و النصف و الثلث :
إذا عاش الفتى ستين عاما
*** فنصف العمر تمحقه الليالي
و نصف النصف يذهب ليس يدري
*** لغفلته يمينا من شمال
و ثلث النصف آمال و حرص***
و شغل بالمكاسب و العيال
فحب المرء طول العمر جهل
*** و قسمته على هذا المنال
الخاتمة :
في ضوء إجابات المسائل
السابقة و غيرها ، برهان ساطع على علم الإمام
المحيط و حضوره لديه فيما يجعله حجة على الخلق في
جميع العلوم و الفنون ، خصوصاً إذا قسنا ذلك إلى
عصر الإمام و الثقافة العلمية المحدودة لناس آنذاك
، و في ذلك يقول عباس محمود العقاد : و لكن هذه
الفنون من الثقافة ـ أو جلها ـ إنما تعظم بالقياس
إلى عصرها و الجهود التي بذلت في بدايتها .
و يقول أيضاً : و خلاصة ذلك
كله أن ثقافة الإمام ( عليه السلام ) هي ثقافة
العلم المفرد و القمة العالية بين الجماهير في كل
مقام . من ذلك يمكن القول إن الإمام ( عليه السلام
) يعد أول من عمل في علم المواريث ، كما جاءت في
القرآن الكريم ، و أول من قام بحل المسائل
الحسابية في صدر الإسلام ، كما يعد أول من تمكن من
الفكر الموسوعي الذي يجمع أكبر عدد من فروع
المعرفة المختلفة . و لكن من الغريب ، ـ حسب ما
لاحظنا ـ أن غالبية كتب تاريخ الرياضيات لم تذكر
ذلك ، و هذا أمر يوسف له ، لذلك لابد من إجراء
المزيد من البحوث و الدراسات لهذه الحقبة الهامة
من التاريخ الإسلامي . |