|
التنمية البشرية المُستدامة والمواطنة
((قراءة في جدلية مبادلة التأثير))
(( العراق أنموذجا ))
الأستاذ المساعد الدكتور منعم العّمار
-
باحث
وأكاديمي
مقدمة
إنّّّ ما يتحمله العراقيون
اليوم من التحديات ، حرّي بالجميع التفكير بِسُبُل
مواجهتها ، مواجهة مجتمعية الغرض ، محددة المقصد ،
واضحة الرؤيا ، فلقد آن الأوان للبحث عن الخيار
الأهم في رحم المعاناة ، خيار إنقاذ ، خيار خلاص
لاخيار تهدئة , والعراقيون بما عُرفوا من وعي
وفطنة قادرون على إستنبات شروطه تصالحاً ومصالحة
وتوافقاًوتراضياً ، تمسكاً بالثوابت وتأهيلاً لها
، ولعلَّ من أولى تلك الشروط إعادة الروح لمفهوم
((المواطنة))، الذي غدا اليوم وبكل مايعنيه من قيم
وأتجاهات ، وحقوق ومسؤوليات ، يمثل القانون
الأساسي الذي تُقاس عليه كل التدابير الهادفة إلى
تشكيل البناء المجتمعي لعنوان كبير أسمه (العراق)
، حيث الحكمة في الادارة وتاجها العدالة والمساواة
والإقراربحق الجميع للعيش الأبدي المشترك من دون
إعطاء مجال للتفرقة، والمواطنة وعلى وفق ما تقدم
من وصف تمثل بشكل مضاف إلتزاماً يحتاج إلى جهد
تأهيلي كبير ومتواصل بدءاً من ترسيخ الشعور القويم
بالذات وعنونتها ، وربما البحث عنها كدرب موصوف؛
لإثبات الوجود وإنتهاءً بالإقرار بما يترتب على
ذلك من واجبات ، واجبة التأدية بإيثار ونكران ذات
، حتّى إذا ما وصلنا إلى هذهِ النتيجة ببرامج
توعية وتثقيف ، والأهم ببرامج تلبية للحقوق
والمطالب ، فأننا كمن أنجز إنجازاً إستراتيجياً
يباهي كل الإنجازات المادية ، كيف لا والمنتج هو
المواطن .
وإذا كان الجميع باحثين
ومفكرين ، وساسة ، يخصصون في برامجهم مكانة متميزة
من أجل تحقيق هذا الهدف ، فإن الكل مَدعو لإبتداع
برامج تزيد من حصانة المواطن وعنونته كوحدة واحدة
مُنسقة التفكير والاداء ؛ ولأجل ذلك تبدو العلاقة
أصيلة بين مفهومي المواطنة والتنمية البشرية
المستدامة , علاقة تبادلية الأثر والتأثير .
أفكار أولية :
يخطيء مَنْ يُرجع البناء
المفاهيمي للتنمية البشرية إلى العقد الأخير من
القرن المنصرم الذي شَهَدَ حثاً متصاعداً بإتجاه
بلورتها كمفهوم وكمعطى ، أكاديمياً وعملياتياً
ووطنياً وعالمياً. فلو حاولنا سبر وقائع التاريخ ،
لاسيما الأقتصادية منها، نجد أن التنمية البشرية
كمفهوم وكمعطى كانت حاضرة في الجهد النقدي
للسياسات الرأسمالية ، ذلك الجهد الذي أفصح عنه
(موريس كلارك) في كتابه (المفكر الأحمر)، عام 1923
والذي أنصبَّ على ضرورة البحث عن آليات وسياسات
مُقنّعة لمِوازاة التوجه نحو صيانة أدوات الانتاج
المادية ، بالتوجه لصيانة الأدوات البشرية لذلك
الانتاج . بحيث تشمل مفرداته كل دواعي البناء
التنموي , ومن هذه الدعوات :ضرورة تعزيزدور
الدولة، والتمييز بين التنمية والنمو ، وبين
الناتج القومي الإجمالي، والناتج القومي الصافي ،
لِما للأخير من دور في قراءة ثِمار التنمية
وقياسها من حيث الدخل القومي للفرد ونسبة ما يُنفق
على التعليم والصحة والإسكان والتربية . ألخ ...
وهكذا بدأ مفهوم التنمية
البشرية وما يستدعيه من إجراءات إصلاح في مختلف
البنى السياسية، والاقتصادية، والاجتماعية، ينمو
في وادٍ ، والتنمية المستدامة في وادٍ آخر ،
لاسيما بعد إنتهاء الحرب العالمية الثانية . وكانت
خلاصة هذا الإختراق أن أخذ مفهوم التنمية
المستدامة بنظام السوق الحرة , الأمر الذي أضعف
الحوافز الموجهة للتوسع في مجالات التنمية البشرية
. وإذا كان عقد السبعينات من القرن المنصرم قد
شَهدَ تحسناً كبيراً في المؤشرات الاقتصادية،
والاجتماعية مصحوباً بنمو حقيقي حققته بلدان
العالم كافة على الرغم من ضيق حالات التبلور
لمحفزات إدماج البشر في غايات التنمية ، فإن عقد
الثمانينات كان عقد الإختلال المُكلف ، أوعقد
التنمية المفقودة بعد تزايد الضغط الدولي بهدف
تطبيق سياسات الإستقرار الاقتصادي والتكيفّ
الهيكلي التي كان الحث بإتجاه سياستها كنهج
اقتصادي قائم على أساس تخفيض الإنفاق العام بكل
مايعنيه من تقليص للمنافع التي تصيب السكان لاسيما
الأشد حاجة منهم بحجة تحقيق النمو الاقتصادي
الكلي، ولكن الذي حصل ، تدنٍ كبير في أوضاع
الطبقات الوسطى، والدنيا، وباقي المجاميع ذات
الاوضاع الحرجة مما يعني خلق المزيد من الفقر وعدم
المساواة والتفاوت .. الأمر الذي وَلَّدَ ضغوطاً
بإتجاه التنمية البشرية وأُطرها المؤسسية، تمثلت
في ضيق فسحة إدماج البشر في غايات التنمية ، كونها
مُنطلقة من قيم السوق التي تتعامل مع الانسان
كمستهلك ، وقد رتبَّ هذا الأمر لدى كثير من دول
العالم الثالث في تأخير إمكاناتها ، سلسلة من
التحديات الكلية التي لم تقوَ على مسايرتها بأدنى
محصلة .
لقد شهد عام 1990 صدور
أول تقرير عالمي للتنمية البشرية؛ بوصفها قضية
شاملة تخص دول العالم وشعوبه وليس لإثارة الانتباه
كدليل على صواب الرؤيا المجتمعية للتنمية
وخياراتها , بل لغرس إدراك متنور بأن التنمية
لايمكن لها أن تستقم من دون البدء بتنمية البشر.
كيف نفهم التنمية البشرية
((المفهوم والرؤية))
بِدءاً ، علينا التمييز بين
مفهوم التنمية البشرية والمفهوم التقليدي الضَيّق
، والذي كان متداولاً في الأدبيات الاقتصادية، حيث
تنمية الموارد البشرية ، فمفهوم التنمية البشرية
بكل ما صادفه من تنظير وإخراج معرفي لم يصل لحد
هذه اللحظة إلى بلورة جامعة شاملة .
إن الإهتمام بتأطير
التنمية البشرية لم يعد يمثل نزفاً فكرياً، أو
نظرة (يوتوبية) للحلم البشري، حيث دولة الرفاهية (Welfar
state) ، بل هومادة
للحوار، والجدل بين الدولة والسوق، ومتطلبات
البيئة الاقتصادية والاجتماعية خاصةً إذا ما أخذنا
بالحسبان أن هدف ذلك الحوار هو ضمان حرية بناء
الذات ليس بمعنى تسويق عملية الانحراف عن المجتمع
، بل دفعاً للسلوك الفردي؛ لكي يكسب المزيد من
القوة .
وقد أنعكست هلامية
المفهوم ـ محل الدراسة ـ والرؤيا المرجعية لهُ على
مفاعيل أداء هذا المفهوم ، سياسياً ، لا سيما في
مجال الحريات العامة , والمواطنة ، والديموقراطية
، ولكن المشكلة الأكبر التي أخذت تُواجه المحللين
والمخططين الاقتصاديين وحتى الساسة تكمن في كيفية
التفريق بين ما يأخذهُ البشر كجزء مِمّا نَعُدّهُ
تنمية بشرية ، وبين مايستطيع أن يجود به هولاء ،
ويُعد ذلك تنمية بشرية أيضاً ، الأمر الذي جَعَلَ
البعض يتجه إلى أركان المقياس الاقتصادي لصالح
المقاييس الأخرى ، فلم تعد التنمية الاقتصادية هي
المقاييس، بل هي وسيلة للحصول على نوعية بشر
قادرين على أبداع نمط من التنمية ، وهكذا بدأ
تحسين نوعية الحياة، أو مايسميه البعض بمقياس
الرفاه البشري (إشباع الحاجات الأساسية ، صحة،
تعليم، وأسكان، وحرية وأمن، ومساواة )، هو الأساس
المُولد لمقاييس التنمية البشرية .
المواطنة وصنع القرار (جدلية المبادلة)
تُعدعملية صنع القرار من أرقى
المهام التي تتولى السلطة مسؤوليتها ، كون إتمامها
يتداخل مع صيانة الذات والحرم الوطني ، وأي خلل
يصيبها سينعكس عاجلاً أم أجلاً على حال ومكانة
الدولة . وغالباً مايكون صنع القرار حصيلة جهد
موائمة بين الاهداف القائمة، والموارد المتاحة
والفرص المستقبلية المنظورة منها، أو التي تستدعي
التشكيل، والتي تحدّدها الرغبات والمصالح . وإذا
كانت عملية صنع القرار قد أرتبطت دوماً بكيفية
ولادة الهدف وطنياً، فإنها تبقى مرتبطة بما يسميه
البعض بـ(مدرجات الشلال) ، أو التفاعلات الحاصلة
بين مكونات الشعب ، الأمر الذي يجعلها وكأنها
تأطير لحصيلة متقدمة من الرُؤى والحقائق الموجودة،
أو تلك التي يتم توليدها من قادة الرأي ، (الاحزاب
،منظمات المجتمع المدني ،أجهزة الاعلام ، طوائف
الشعب المختلفة)، التي تتولى صياغة المطالب طمعاً
في رؤيتها وقد صارت (المخرجات) مُلباة من قبل
السلطة بقرارات سياسية .
وتزداد أحقية الإنتباه لهذا
الأمر عندما تكون بيئة هذهِ الأزمات داخلية،سواءً
تلك الناشئة عن إختلال العلاقة بين سلطة الجموع أم
تلك الناشئة عن تفارق البناء والطموح والأداء .
وأغلب الظن أنَّ الحال
العراقي تُمثل حالة دراسية مُثيرة للأنتباه
والاهتمام معاً لِما مَرَّ ويمر به شعب العراق
بمختلف طوائفه من أوضاع شملت كل عناوين الأداء،
ولاحت كل مفاصلهِ، كما ولاحت مؤسسات الأداء
والكفاءات القيمة عليها ، سواء كان ذلك تحت ظل
الإحتلال أو الإدارات المؤقتة أو في ظل الحكومة
المنتخبة . بل؛ لأنه يقيم الدليل على خطل الأسس
التي بُنيت وتبنى عليها الكثير من القرارات
المصيرية، والتي آخرها رفع الدعم عن الوقود
وأسعارها ، وربما رفع مواد البطاقة التموينية
إذعاناً لمطالب البنك الدولي ، تلك القرارات التي
تضررت من جرّائها الكثير من الشرائح العراقية .
وأزاء ذلك يبدو من الطبيعي أن يصاب المواطن
العراقي بحالة إحباط شديدة من الأداء الرسمي خاصةً
وهو يخوض يومياً الأزمات تَلوّ الأزمات. ولاسيما
في الجانب الاقتصادي الذي بدت فيه قرارات الإنعاش
للدخل الفردي وكأنها سبّةٌ أخذ يدفع ثمنها المواطن
العراقي. وقد كانت من نتائج ذلك أنَ بدا المواطن
مُحاطاً بكم هائل من المشاغل المُفتتة لطاقاتهِ ،
وقد بانت نتائج ذلك في :
أولاً : أصبح العراق سُوقاً
للإستثمار الأجنبي غير المنضبط حتى وصفتهُ (مجلة
الايكونومست) البريطانية بالمموّل الرئيسي لقائمة
رغبات المستثمرين الأجانب الذين وجدوا بفقدان
الآخر والأنضباط وغياب سلطة القانون مايبيح لهم
سلب ثروة العراق وتهريب مقدراتهِ من دون رقيب .
ثانياً : تباطؤ عمليات
الأعمار والبناء التي كان من جرائها أرتفاع معدلات
البطالة إلى درجات ونسب مخيفة ، فقد أشَّرت
أحصائيات وزارة التخطيط العراقية إلى أن البطالة
بين العاملين الذين أعمارهم (15) سنة فأكثر نسبته
(1/28%) لكلا الجنسين ، ويشكل معدل البطالة
للإناث (%26) مقابل (2/30%) للذكور ، و(30%)
للمناطق الحضرية ، و(4/25%) في المناطق الريفية .
ثالثاً : تدني مُستوى المعيشة
وتجاوز نِسَب الذين يقعون تحت خط الفقر في العراق
خلال السنتين الماضيتين ، كما صَرَّحَ بذلك وزير
التخطيط السابق (مهدي الحافظ) بالترافق مع تزايد
نسبة التضخم (32%) وتدني أجور العاملين مقابل
ارتفاعٍ في أسعار المواد الغذائية .
ولكي لا نجعل المواطن وقد
حَمَل حياته محمل البؤس والتأزم نرى من الضروري :
ـ
1ـ أن توازن الدولةبين تطلعها
لبناء مجتمع حر بكل دلالاته ، وبين متطلبات
التغيير التي يشهدها المجتمع العراقي .
2ـ الدعوة إلى مكاشفة صريحة
لطبيعة الأداء الحكومي الرسمي ومظاهره وآلياته،
والصعاب التي تعترض عمله .
3ـ لابدَّ للدولة وهي تتخذ من
اللامركزية درباً بأتجاه الفدرالية، مِن إعانة
لمنظمات المجتمع المدني على المشاركة في خلق
المواطن بما يتلاءم مع القيم الديموقراطية .
4ـ الدعوة إلى اصلاح إداري
كبير، بل ثورة إدارية ، الهدف منها الأرتفاع
بالأداء ، ثورة تدعو إلى إعادة التخطيط للأستفادة
من الموارد، وإعادة توجيه قطاعات الإنفاق ، وزيادة
الإنتاج والإنتاجية.
5 ـ تشكيل لجان متخصصة في كل
قطاع مهمتها تقويم الأداء، لاسيما القطاعات التي
تهم المواطن وذا صلة مباشرة بحياته اليومية .
6 ـ خلق شراكة حقيقية بين
التقنية والتنمية البشرية ، وتلك حكمة سياسية لا
هدف اقتصادي فحسب ، فالتقنية هي ليست أداة للوصول
إلى التنمية البشرية ، بل هي عنواناً لتأطيرها .
7 ـ تفعيل روح المبادرة عند
الهيئات الرسمية ؛ لإن روح التغييرومداه لا يتسقان
إلا مع المبادرة الطموحة لِبناء عهد جديد من
الأداء .
8 ـ خلق نوع من الثِقة بين
الأداء الرسمي والمواطن لبناء نوع من التألف
القراري ، فالمواطن يُعد بيئة القرار الرسمي ،
وكلما أجهدنا النفس في بنائها نضمن للقرار المنتخب
سطوتهِ ، وللمواطن مكانته ، وتلك هي المعادلة التي
لايمكن لها أن تستقيم من دون المباشرة ببرامج
تأهيل مقصودة وطويلة النفس للمواطن العراقي من
شأنها إعادة الوعي لديه بما يصادفهُ من مشكلات
وعلى مختلف الصُعد كخطوة لابد منها ؛ لتشكيل
منظومة قيم أخلاقية تعيد سلوكه إلى مرحلة الإتزان؛
وتنفض عنه ما علق بشخصيته من مثالب الزمن السابق،
وتؤشر له ملامح الإرتقاء المادية والمعنوية بحاله
، وتستثير فيه كمواطن العطاء وتفجيرها في عمل نافع
متواصل يعطي للحياة مضموناً إيجابياً نافعاً ،
وتلك هي روح المواطنة، أسس النجاح الذي تتطلع إليه
برامج التنمية البشرية عموماً .
|