الأرشيف وقفة تراث اتصل بنا كلمة زيتونة الرئيسة
 
حق المعرفة فوق كل الحقوق جميع الحقوق محفوظة لموقع زيتونة موقع زيتونة نافذة مستقلة ليست مسؤولة عن مضمون المقالات التي تنشر ولا تعتبر المقالات المنشورة وجهة نظر رسمية للموقع ، بل فقط تعبرعن رأي الكاتب asfook@yahoo.com

نهاية التاريخ أم نهاية العقل دراسة نقدية لنظرية نهاية التاريخ على ضوء التطورات

 

د. محمد سعيد الأمجد

النفط والسياسية في العراق

 حسن عبد راضي الفريجي أكاديمي وباحث إعلامي

نماذج تاريخية من التقارب المذهبي في العراق

 

واثق الحسني - باحث واعلامي

التنمية البشرية المستدامة والمواطنة (قراءة في جدلية مبادلة التأثير) - العراق أنموذجا)

د. منعم العمّار - باحث واكديمي

التعددية العراقية ودورها في ترسيخ الوحدة الوطنية - شروط إقامة السلم الأهلي

 

رحيم الساعدي - باحث وأكاديمي

سيكولوجية اللعب عند الأطفال

إعداد . د. حسن منديل الطائي

أضواء على أطروحات توينبي في فلسفة التاريخ

تعريف ونقد : علاء الدين السيد محمد تقي الحكيم

نظرية المعرفة للسيد محمد باقر الصدر

 

 د. عائشة يوسف المناعي - قطر

الحقيقة الحقيقية والحقيقة الإيديولوجية

 

د. مشتاق عباس معن

الحقيقة الحقيقية

و

الحقيقة الأيديولوجية

د مشتاق عباس معن

( 1 )

ثنائية الجدوى واللاجدوى :

هناك فارق كبير بين البحث عن الحقيقة ، وتسويق الحقيقة إلى الفرد عبر جهاز منهاجي ترتبه طريقة فكرية وضعية ، وفي كلا الحالتين نحتاج إلى منهج لضبط البحث أو ترتيب خطوات بلوغه أيضاً ...

فالحقيقة أمر مشكل سرمدي الإشكال ، لم يتورط فرد بالقول ببلوغه حتى أثبتت الأيام ببعده عنها ؛ لأن فرداً جديداً فنّد منهاجه ووضع منهاجاً جديداً أثبت فيه أن الحقيقة في حيازة منهجه لا منهج السابق .

ولم يكن الأمر مختلفاً في المنهج الديني – ولا نريد به وقت حضور النبي " ص " لأنه حالة استثنائية مرتبطة بفعل رباني - ، بل كان مندرجاً ضمن الأمر نفسه ، فلم  يتبنَ أحد العلماء حيازة الحتمية في قول الحقيقة لأن  أقطابه قرّروا أن الحقيقة المطلقة أمر إلهي لا يصل إليه الفرد بسهولة ، بل يحتاج إلى سلسلة طويلة من الجهد التأملي ( الفكري  ) و السلوكي ( العملي ) ، حتى انسحب هذا الأمر على فتاواهم التي انحصرت في مجالين :

-         العبادات .

-         المعاملات .

فكانت مضامينها أحكاماً ظنية لا قطعية ، بمعنى أن الحكم الموجود فيها لا يمثل الحقيقة المطلقة ، بل هو طريق يأمل المفتي من خلاله أنه بلغها ، فهو مسلك من مسالكها ...

و إلاّ لما ساد الخلاف المذهبي ، واختلاف الرأي بين علماء المذهب الواحد ، مما يطرح إشكالية جديدة ناقشها علماء الكلام ، وهي : الحقيقة واحدة أم متعددة ؟.

( 2 )

 نقّب الفيلسوف العلمي الكبير كارل بوبر في نقاب هذه الحتمية الدينية فوجد أنها لا حتمية أيضاً ، إذ يصرّح في كتابه الشهير ( الكون المفتوح ) :

أن الحتمية  determinism ليست علمية، وهي تختلف عن مفهوم السببية (أو العلمية)، وأن "لا علمية" الحتمية ليست ناتجة عن معطيات العلم الحديث ، بل إنه يمكن رؤية هذه الناحية في الفيزياء الكلاسيكية نفسها.

يستعرض بوبر لنا هذه المفاهيم، فيقول إن فكرة الحتمية دينية الأصل – ولو أن بعض الديانات نادت باللاحتمية -  وفكرة الحتمية تشبه الفيلم السينمائي. فالحاضر هو الصورة التي تُعرَض في هذه اللحظة؛ بينما الماضي هو الصور التي تم عرضُها؛ أما المستقبل فهو الصور التي لم تُعرَض بعد. ونحن، وإن كنا نعدم وعيَ هذه الصور، فإن الله على علم كلِّي بها. وهكذا لا يمكن تغيير المستقبل، تمامًا كما أنه لا يمكننا تغيير الماضي.

أما الحتمية الميتافيزيقية فإنها شبيهة بالحتمية الدينية. فهي ترى أن كلَّ حوادث الكون معينة ومحددة، لكنها لا تصرُّ قائلة بأنه يوجد كائن ما يعرفها، أو أنه يمكن التنبؤ العلمي بها.

 ويرى بوبر أن ما نعرفه اليوم تحت اسم الحتمية العلمية، من وجهة النظر التاريخية، ناتج عن استبدال فكرة الطبيعة بالإيمان، واستبدال فكرة القانون الطبيعي بالقانون الإلهي.

ويمكن تعريف الحتمية العلمية – حسب بوبر - : إنها العقيدة التي تقول إن بنية العالم هي على صورة تسمح بتنبؤ عقلي لكلِّ ظاهرة أو حدث، وبدرجة الدقة المطلوبة، شريطة أن يتوافر لنا وصفٌ كامل ودقيق لكلِّ الحوادث والظواهر التي وقعتْ في الماضي ولكلِّ قوانين الطبيعة.

وهكذا يجول بوبر بنا في عالم الحتميات المختلفة، ليعود ويركِّز بحثه على مفهوم الحتمية العلمية، فيُفرِد لها فصلاً كاملاً، موضِّحًا أُطُرَها ومضامينها الفيزيقية والبيولوجية والنفسية. ويبين بوبِّر أن النظريات العلمية والممارسات المخبرية لا تحقق واحدًا على الأقل من الحدود التي يتضَّمنها التعريف الآنف الذكر.

وتحت عنوان "دفاع عن اللاحتمية" يقدم بوبر الأسباب التي تدعوه لمناصرة اللاحتمية indeterminism: فمن الناحية الحدسية نشعر أنه لا يمكننا التنبؤ بعمل مبدع كبير، كإنتاج موتسارت لإحدى مقطوعاته الموسيقية. ثم إن المعرفة العلمية ليست إلا معرفة تقريبية. ويبحث أيضاً في اللاتناظر asymmetry القائم بين الماضي والمستقبل، ويرى فيه سببًا آخر للأخذ باللاحتمية. ثم يضيف سببًا مهمًا، وهو عدم تمكننا من التنبؤ في صورة علمية بالنتائج التي سوف نحصل عليها مع التزايد المطَّرد للمعارف. أما السبب الأخير فهو عدم تمكننا من التنبؤ، في صورة علمية، بحالاتنا الذاتية المستقبلية. وهذه الأسباب مجتمعة تسمح لبوبِّر بدحض مفهوم الحتمية العلمية.

وفي فصلٍ تحت عنوان "مشكلات ميتافيزيقية" يوضح المؤلف موقفه الرافض من الميتافيزيقات الحتمية. ولكنه يضيف: "إن مفهومي الحتمية واللاحتمية الميتافيزيقيين لا يمكن دحضهما ولا إثباتهما."

وفي خاتمة بعنوان "اللاحتمية غير كافية" يبيِّن الكاتب ما يقصده بالحرية الإنسانية؛ إذ يوضح بأن علم الفيزياء لا حتمي غير كافٍ وحده لتشييد الحرية الإنسانية وفهمها. ولهذا يطالب بوبِّر بشيء آخر، ويقدم لنا مفهوم "الانفتاح السببي" المبني على مفهوم العوالم الثلاثة.

أول هذه العوالم عالمُ الفيزياء: التراب والأشجار وحقول القوى الفيزيقية والكيمياء والبيولوجيا. أما العالم الثاني فهو العالم الذي يدرسه علماء النفس، أي عالم المشاعر والمخاوف والآمال والعقل الباطن واللاوعي. وأخيرًا، العالم الثالث، وهو العالم الذي يتألف من الإنتاج الإبداعي للنفس الإنسانية، كالأعمال الفنية والأخلاق والعلوم إلخ.

ويرى بوبر أنه، لضمان الحرية الإنسانية، يجب على هذه العوالم أن ينفتح بعضها على بعض ويتفاعل. وهكذا فإن على العالم الأول أن يكون مفتوحًا على العالم الثاني ومنفعلاً به، تمامًا كما يجب على العالم الثاني أن ينفتح على العالم الثالث وينفعل به. ويقول بوبِّر إن الإبداع والحرية يرتهنان بقيود العوالم الثلاثة هذه وحدودها.

ثم يضيف إلى كتابه أخيرًا ملحقًا يشرح فيه مفهوم الاختزال reductionism العلمي (أي فكرة تفسير النفس بالبيولوجيا، والبيولوجيا بالكيمياء، والكيمياء بالفيزياء) ويبيِّن طبيعة العلم الناقصة والمحدودة دومًا.

وعليه نستنتج من اطروحة بوبر التي لخصناها في أعلاه :

-   لا حتمية في بلوغ الحقيقة من أي منهاج وضعي ، حتى الديني حينما نستبعد مرحلة وجود النبي "ص " وتتحول المسألة إلى عقلية الفرد المجرد عن النبوة ، فإن القطع بقول الحقيقة غير مسوغ له ؛ فغيره يخالفه بالقول .

-         العلوم التجريبية أيضاً لا تقطع ببلوغ الحقيقة الحتمية .

-   العلم الناقص وليد العقلية الناقصة التي يمتلكها البشر ، فالعقل المطلق غير بشري ، وحتى المباني العرفانية التي يؤمن بها الصوفيون في تشكيل الإنسان الكامل تستجلب صفات ربانية خارقة .

وعليه ، فالأيديولوجية ثنائية مشكلة كباقي الثنائيات المشكلة في حياة البشر والكون كله ، فنحن نؤمن بعدم قطعيتها في توصيلنا إلى الحقيقة ، فهي إذن غير مجدية ، وفي الوقت نفسه نجد أنفسنا بحاجة ماسة إليها ؛ لأننا لا نستطيع العيش من دونها ، فهي مجدية إذن ...

( 3 )

الايديولوجيا - كما عرَّفها ماركس - مجموعة أوهام تعتم العقل وتحجبه عن إدراك الواقع والحقيقة، فإن العقل يتحول مع الايديولوجيا إلى مفهوم مسبق يجب تحديده وتأطيره وفقاً لما تريده الايديولوجيا ، إذ يتحول العقل وفقاً لذلك إلى مجرد أداة تستجيب دائماً لرغبات الايديولوجيا الفائزة التي لا تفتر ولا تني عن الولوج في الصراع مع الخصم، ويتوجب على العقل عند ذلك أن يخوض معها الصراع لتحقيق النصر والظفر.

ينطلق هو أيضا من أيديولوجيا البروليتارية ( الطبقة العاملة ) ، وإن ادعى هو أنها لا تحتاج إلى أيديولوجيا ، ويتضح الأمر أكثر عند مانهايم الذي حاول التغطية على هذه القفزة المنهجية ، فقال بضرورة تشكل طبقة مثقفة تخلق الجو المناسب لأديولوجيا تسيّر البروليتارية بعيداً عن شبح الطبقة الحاكمة المستأثرة بالأيديولوجيا .

وفي كلا الأمرين الأيدولوجيا حاضرة ، وهي التي كانت قبل قليل سُبّة ، فهي إما وهم فلا نقترب منه ، وإما مسلك لبلوغ الحقيقة فنتمسك به ، لكن الأمر طبيعي إن نظرنا إليه من زاوية الثنائية التي ذكرناها .

ولا نبتعد كثيراً حين نستشهد بموقف كارل بوبر المعروف برفض الأيديولوجيا ، حتى كتب كتابا باسم ( بؤس الأديولوجيا ) ، فهو من ضمن منظري ( نهاية الأديولوجيا ) أمثال أرندت وتالمون وكريك وسواهم .

فهو يذهب إلى أن الأديولوجيا ذات طابع شمولي مصادر لرأي الآخرين ومضطهد له ، فهو يمارس سلطة القمع تجاه المخالفين ، لذا فهي أبعد ما تكون عن الحقيقة ، لكنه في الوقت نفسه يستثني الليبرالية – وهي أديولوجيا أيضاً – لأنها تؤسس منهاجاً للتسامح والتعددية وقبول الرأي الآخر ، فهي نظام مفتوح للأفكار ... فموقف كارل بوبر هنا مشكل أيضاً لأنه يضادد الأديولوجيا من وجه ويوافقها من وجه آخر ..

ووقع المنظرون لـ ( موت الأديولوجيا ) في الثنائية نفسها ، وهي أن الأديولوجيا قد ماتت في جانب ، لكنها خالدة في جانب آخر ... هي زائفة مضاددة للحقيقة في جانب ، وموصلة للحقيقة في جانب آخر .

فهذا فوكوياما صاحب طروحة ( نهاية التاريخ ) يؤذن بموت الأديولوجيا الاشتراكية وخلود الليبرالية ...

( 4 )

الأيديولوجيا والإرهاب :

قناعة المؤدلج بحيازة الحقيقة تدفعه بالاستناد إلى الضمير الإنساني ، بوصفه مصلحا ، إلى فرض تلك الأيديولوجيا ولو بالقوة ؛ لأن الأفراد البشرية غالباً ما لا تعرف مصالحها الحقيقية الموصلة إلى المجتمع السعيد المليء بالرفاهية .

لذلك قرّر أدورنو أن الأديولوجيا مصدر من مصادر الإرهاب بمستوييه :

-   الفكري : حين يعمل المؤدلجون على تحويل أفكارهم إلى أمر واقع لا مناص من تطبيقه ، فيمارسون كل وسائل الضغط الممكنة وغير الممكنة لإقناع المتلقين على الإيمان بأفكارهم ، فيعملون – كما يسميها تشومسكي – على صناعة التلقي .

-   الفعلي : حين تكون الأيديولوجيا – بحسب أدورنو – " وسيلة للاضطهاد " كما هو الحال مع الممارسة الستالينية والهتلرية والماسولينية ، فكلها أيديولوجيات عملت على اضطهاد كل من يخالف منهجها .

وفي كل الأحوال ينطلق المؤدلج من منطلقين :

-         منطلق الإصلاح .

-         منطلق حيازة الحقيقة .

وعليه يتقابل مع هذين المنطلقين في منهج المناهضين :

-         منطلق الإفساد .

-         منطلق غياب الحقيقة .

ومن المنطقي جداً أن يسوغ لأصحاب المنطلقين السابقين التخلص من أصحاب المنطلقين الآخرين بشتى الوسائل : الفكرية أو السلوكية ( الفعلية ) - وإن استدعى الأمر إرهاباً - .

ختام :

وعليه فالأديولوجيا أمر مشكل لا يمكن الوثوق به حق الوثوق ، لكننا لا ننفك نحتاج إليه ؛ لأنه من سلالة التطلع البشري لاصطياد الحقيقة الذي لن يموت فينا البتة ، ويبقى السؤال بحاجة إلى بحث دؤوب : متى نصل إلى الحقيقة الحقيقية بعيداً عن الأدلجة .

 

الصفحة الرئيسية  

مقالات

بحوث ودراسات

آفاق

حديث عراقي

تقارير منوعة

أسرة ومجتمع

أوراق ثقافية

مجتمع مدني

نصوص مترجمة

كتب

البحث في القرآن

 

نوافذ ثقافية وفنية

شعر
قصة قصيرة
تشكيل
سينما
مسرح

لوحات

كاريكاتير

صور من العالم

ضع إعلانك هنا

حق المعرفة فوق كل الحقوق
جميع الحقوق محفوظة لموقع زيتونة
موقع زيتونة نافذة مستقلة ليست مسؤولة عن مضمون المقالات التي تنشر
  ولا تعتبر المقالات المنشورة وجهة نظر رسمية للموقع ، بل فقط  تعبرعن رأي الكاتب
asfook@yahoo.com