إن الذين يصدرون الأحكام
الجزافية يقعون دوماً في تناقضات، فهو مثلاً أشار
إلى ضرورة الحكومة العالمية في موضع من الكتاب
واعتبر هذا الهدف شيئاً خيالياً ونوعاً من الأوهام
في موضع آخر كما في هذين النصين:
"إن هذه الحروب ستظل مستمرة
إلى أن تظهر قوة عالمية قاهرة تحكم في المنازعات
وتنفذ أحكامها بالقوة على منوال ما تفعل الحكومات
المحلية في منازعات الأفراد".
هذه الفكرة ممتازة لأنه
لاحظ التطور الذي حصل في نظام القبائل ومنازعاتها
وتم خلال حقب التاريخ تكوين الدولة التي تضم
القبائل وظهرت المؤسسات التي تحاول القضاء على
التنازع.
ولذلك فالتطور يستمر حتى
تندمج الدول في دولة عالمية واحدة ويتم القضاء على
منازعات الدول مثل ما تم القضاء على منازعات
الفئات والقبائل والأفراد في الحكومات المحلية.
ولكنه تنكر لهذا الهدف في
موضع آخر فقال:
"اصطنع أولئك المفكرون
مثلاً عليا للإنسان كما فهل أفلاطون في الجمهورية
والفارابي في المدينة الفاضلة وأرشدوا الناس إلى
تلك القيم ثقةً منهم أنهم إذا عرفوها أخذوا بالسعي
نحوها.. وبهذا يتم الصفاء والهناء في العالم
بزعمهم".
ثم قال:
"أخفقت كل المثل التي جاء
بها المفكرون فلم يتأثر بها أحد"
وبشأن القيادة العالمية أو
الرئيس العالمي قال:
"صور الفارابي في المدينة
الفاضلة مجتمعاً سعيداً يحكمه الرئيس الذي هو
(الإنسان الكامل) والذي تتوافر فيه صفات المثالية
حيث يكون تام الأعضاء فاهماً ذكياً فصيحاً معتدلاً
صدوقاً عادلاً قوي العزيمة محباً للعلم معتزاً
بكرامته..".
ثم تساءل: أين نجد مثل هذا
الرئيس؟ وإذا وجدناه كيف نجعل الناس ينتخبونه؟ وقد
يظهر له منافسون بعد انتخابه ويحسبون أنفسهم مثله
أو أفضل منه ثم يبدأ الجدال فالقتال وينتهي الأمر
بسقوط الرئيس مضرجاً بدمه؟
ثم قال أن الفارابي وأمثاله
لا يهتمون بهذه الاحتمالات وكأنهم يعيشون في عالم
غير العالم الذي نعيش فيه.
وسأحاول توضيح الإجابة على
الاشكالات الآنفة باعتبارها من صميم الاشكالات
الواردة حول القيادة الموعودة سواء كانت هدفاً
إنسانياً أم خطة ربانية.
فهناك فرق بين كون القيادة
هدف إنساني وبين كونها خطة إلهية. وحينما تكون
هدفاً إنسانياً بمعزل عن التخطيط الإلهي
فالاشكالات تكون صحيحة لأنه ليس لجميع الناس
القدرة على تمييز الأفضل.. فلا بد من استحواذ طبقة
على السلطة وقهر بقية الطبقات والسلطات دوماً تمثل
طبقة ما في الدول الحالية.. ولذلك قلنا أنه ليس من
صفات الأنبياء ولا من خططهم ترك القيادة لاختيار
الناس لأن النزاع سيظهر مرة أخرى، بل ترك القيادة
لاختيار الناس هو فكرة مضادة للدين لأن من طبيعة
الدين (الدينونة) أو الالتزام بالتعليم الإلهي
ومنه بل أهم فقرة في هذا التعليم هو تحديد القيادة
الصالحة فالنظرية القائلة باختيار القيادة بمعزل
عن الوحي هي نظرية (الذين كفروا)- فالقيادة
الإلهية وفق قواعد الدين يجب أن تكون متواجدة
دوماً- وبهذا وحده يصح حساب الخلق عقاباً أو
ثواباً ما دام الاستخلاف هو الهدف الأساسي من
الخلق.
لقد كان النبي (ص) يقول:
"إذا صلح الراعي صلحت الرعية".
لقد ربط صلاح المجتمع بصلاح
القيادة، وإذن فتحديد الراعي هو جزء من التشريع
فالكفر به كفر بهذا الجزء والنتيجة هي الكفر بالكل
لقوله تعالى:
".. ويقولون نؤمن ببعض
ونكفر ببعض ويريدون أن يتخذوا بين ذلك سبيلاً.
أولئك هم الكافرون حقاً واعتدنا للكافرين عذاباً
مهيناً.." – النساء/ 150
إذن فالاشكالات المذكورة
تسقط حينما تكون القيادة العالمية جزء من التخطيط
الإلهي على النحو التالي:
أ.المثل العليا التي
ذكرها عن الحكماء أو الفلاسفة إنما تدل على ضرورة
عقلية للحكومة العالمية. ولكن من الواضح أن طريق
الوصول إلى هذا الهدف هو من أفكار الفلاسفة فينطوي
بالتأكيد على ثغرات واحتمالات يستحيل تحقيقها
لآنها لا ترصد حركة المجتمع وتطوره ولا تفكر
بالتخطيط الإلهي وعناصره.
لكن الاعتراف بهذه
الضرورة شيء هام جداً. أنه اعتراف باللاعبثية من
الخلق ووجود هدف منه. أنه اعتراف بضرورة الحصول
على الجنة. الأمر ليس كما قال الكاتب فهم يفكرون
جيداً بهذه الاحتمالات ولذلك كانت تلك المدن
الفاضلة والجمهوريات مقصورة على الفضلاء من الناس.
ومعنى ذلك أننا ما دمنا أفراداً في غاية الاستقامة
فليس هنا أي مانع عقلي من تصور أن يكون الناس كلهم
بمثل هذه الاستقامة.
وهذا الإمكان العقلي هام جداً
في الخطاب الفلسفي للجمهور لأنه ينطوي على تعليم
مفاده أن استقامة الجميع تعني سعادة الجميع وزوال
الشرور وما يتبعه من تحسن في الأرزاق والآجال وقلة
الأمراض.. الخ. وهذا مفهوم عقلي صحيح.. بيد أن
تحقيق الاستقامة نفسها هو أهم ما في الفكرة وقد
أختلف الفلاسفة في هذا التحديد لأنهم أرادوا أن
يكونوا أرباباً من دون الله يقدمون الحل الشامل
للإنسان- وما علموا ان هذا اتهام منهم للخالق
بالإهمال وترك مخلوقاته.. وهو شيء يتنافى مع
إيمانهم بالله الذي أدعوه وشددوا عليه.. إذ ينتج
من ذلك أنهم أرحم بالناس من خالقهم وأكثر اهتماماً
بالخلق من الله، وفي هذه النقطة بالذات جمع
الفلاسفة بين الكفر والإيمان، بطريقة كان المفروض
ألا يفوتهم أساسها المنطقي مدفوعين بحب (الأنا)
وشدة (التعالي) والشعور بالتمييز عن الخلق.. والذي
دفعهم إلى محاولة التعالي على الخالق بشعور أو لا
شعور.
لقد كان عليهم حيث أمنوا بالله
أن يبحثوا عن الحل الذي وضعه الله إذ ليس من
المقدور منطقياً الإيمان بإله لا يعتني بما خلق-
كان عليهم أن يفعلوا ذلك- بدلاً من تقديم مقترحات
لا يمكن تحقيقها لأنها ليست من صميم التكوين
الطبيعي للخلق.
لقد قدمنا في كتاب (الحل
الفلسفي) ولأول مرة في تاريخ الفلسفة حلاً يتميز
(باضمحلال الأنا) يبحث عن إجابات للاشكالات
الفلسفية العميقة من النصين الماثلين أمامنا
(الخلق والكلام) أعني الوجود الذي خلقه الله
والكلام الذي كلمنا به الله من غير تدخل من ذواتنا
في هذا الحل. إنه عمل فكري يتميز لأول مره بالصفة
العلمية المحضة لأنه يحاكي طرائق العلم الحديث في
استخراج القانون من موضعه بغير تدخل منه في صياغة
هذا القانون- فواجبه هو كشف القانون فقط.
ومعلوم أن اكتشاف سر الوجود
والحل الشامل للإنسان من خلال تحليل أو كشف
(الأنا) على طريقة ديكارت هو ابتعاد عن هذا الحل
من أول خطوة لأنه يفترض وجود الأنا وحده بلا موضوع
وكل تطوير جاء بعد ذلك (للكوجيتو) الديكارتي كانت
تطويراً للتقهقر الفكري. ليس إلا فقد أصاب الناس
الاحباط وظهر عندهم التشاؤم بفضل هذا التطوير.
ب.ظهر التشاؤم في كلمات
الكاتب عن مستقبل العالم وهو شعور يَعمّ أفراداً
كثيرين.
إذا كان هذا المستقبل مندرج
في التخطيط الإلهي فالتشاؤم في الطرح الديني هو
كفر.
وسبب ذلك بسيط جداً. فإن الله
خلق العالم لغاية هي الاستخلاف ليكون الكائن
المشحون بقوة الاختيار مرتبطاً بالله وفق اختياره
وحينما يقول المرء أن هذا لا يتحقق فإنه يكفر
بالله إذ يجعل أعماله عابثة لا حكمة فيها ولا غاية
منها.
وقد أكدت نصوص كثيرة هذا
المعنى قرآنية ونبوية وأشارت إلى كفر من يشك في
حتمية الوعد الإلهي وتحقق الحكومة العالمية وكفر
من يقف حائلاً دون تحقيق هذا الوعد بالقول أو
العمل. بل هدد أولئك الذي يتساءلون سؤال الشك:
(متى هذا الوعد)، (متى هذا
الفتح إن كنتم صادقين)، (فسَينغضون إليك رؤوسهم
ويقولون متى هو قل عسى أن يكون قريباً).
ولكننا رأينا من قبل خلاصة عن
أثر التحريف الديني للمقولات الإلهية فقد طال هذه
النصوص ما طالها من اعتباطية التفسير وصرفت معاني
الوعد إلى يوم الحشر السماوي، بينما هو يتحدث عن
وعد يتحقق في الأرض في طور الاستخلاف.
ومن جهة ثانية أمرت النصوص
الأخرى النبي (ص) والمؤمنين بوجوب (الانتظار) أو
(الترقب) أو (التربص) أو (الصبر).
وهي تعابير تدل على وجوب
الاستمرار في حالة (القلق) والعيش تحت هم أو هموم
هذا القلق لحين تحقق الوعد. ولكن هذه الألفاظ
كغيرها ربطها المحرفون بعالم سماوي لا نعلم عن
تفاصيله شيئاً، ذلك لأن تفاصيل ذلك الحشر لا تظهر
إلا في فترة الوعد الأسبق حيث تنتشر معارف وعلوم
وتكشف حقائق عن العالم غير ما نعرفه الآن، فهذه
الألفاظ كما سنرى مترابطة في النظام القرآني
بالوعد الإلهي وعلاماته.
وقد رأينا اقتران قوله تعالى
"وانتظر إنهم منتظرون" مع السؤال (متى هذا افتح)
في آية الفتح في فصل سابق.
هذه جملة أخرى من الألفاظ:
المورد الأول: "فتربصوا
حتى يأتي الله بأمره" 24/9
أمر الله هو الوعد
الإلهي بالاستخلاف.
لذا كان هذا اللفظ
من جملة ألقاب القائد الموعود في هذا الطور:
"صاحب الأمر"، "ولي
الأمر".
وهو مرتبط بأولي
الأمر الذين فرضت طاعتهم كطاعة الرسول
"يا أيها الذين
آمنوا أطيعوا الله ورسوله وأطيعوا الرسول وأولي
الأمر منكم" 59/4.
المورد الثاني:
اقتران الفتح الموعود بالأمر مرة أخرى كما في
المائدة:
"فعسى الله أن يأتي
بالفتح أو أمر من عنده" 52/5.
المورد الثالث:
اقتران الأنظار بالأمر:
"ولو أنزلنا ملكاً
لقضي الأمر ثم لا ينظرون" 8/6.
لأن الأنظار مرتبط
بالفتح وظهور الأمر. فإذا أنزل ملكاً فإن الملك لا
عمل له سوى (الملك) فهو يستولي على الملك وينتهي
الأمر فلا تبقى مدة للمهلة. وهذا المطلب يعد
استعجالاً منهم للعذاب، مثلما ذكره في موارد أخرى
"ويستعجلونك بالعذاب ولولا أجل مسمى لجاءهم
العذاب" 53/29.
فإذا أخذت لفظ
(استعجل) وتابعته في النظام القرآني أعادك إلى
الوعد الإلهي:
المورد الرابع:
"ويستعجلونك بالعذاب ولن يخلف الله وعده" 47/22.
مثلما يعيدك هذا
العنوان إلى الأمر:
المورد الخامس:
"أتى أمر الله فلا تستعجلوه" 8/16.
فإذا قلت ما معنى
(أتى) وكيف يتفق الفعل الماضي مع ضرورة الترقب؟
الجواب إن (أتى) ليس
بنفس معنى جاء. فالآتي لم يجيء بعد فالأمر آتي
ولكنه لم يصل بعد إلى الواقع الأرضي كظهور فعلي.
يكفي أن القائد الموعود موجود وينتظر الأمر.
وبصفة عامة فإن
العلاقات اللفظية هنا متشابكة وهي بالطبع تحتاج
إلى مؤسسات للدراسة لا أفراداً فلنترك ذلك ولنأخذ
لفظاً آخر مثل التربص:
المورد السادس:
"قل كل متربص فستعلمون من أصحاب الصراط السوي ومن
اهتدى" 135/20.
وهذا واضح من كونه
واقع متحقق لا مجرد حساب ونتائج، إذ كيف يعلم
المرء من هم أصحاب الصراط السوي ما لم تكن فكرتهم
مجسدة في الواقع؟
إن (الصراط) هو
تعبير آخر عن تنفيذ مشروع الخليفة. والتوحيد هو
مسألة دقيقة جداً: (أنظر كتابنا أصل الخلق)، ففي
الدولة العالمية تنكشف الحقائق ويتبدل العلم وليس
هناك من وسيلة للكذبة والمنافقين لإخفاء نواياهم-
لأن السرائر تنكشف وتكون الحركة بقوة هذه السرائر
فالنظام الطبيعي يتغير برمته كما ستلاحظ في علامات
الطور المهدوي. عندئذ تظهر النعم والبركات وينكشف
سر الموجودات للمتقين بينما يتخلف الكذبة
والأنانيون في عذاب دائم مع الموجودات التي لا
يستطيعون مجابهتها.
فلنأخذ لفظاً آخر
مثل (انتظر):
المورد السابع:
"فهل ينتظرون إلا مثل أيام الذين خلوا من قبلهم قل
فانتظروا إني معكم من المنتظرين" 102/10.
ثم قال: "ثم ننجي
رسلنا والذين آمنوا" 103/10.
هنا يسقط الاعتباط
الديني برمته. لأن نجاة الرسل في الآية مسألة
مستقبلية بعد الانتظار ومعلوم أن الرسل جميعاً
سبقوا النبي (ص) فهو خاتمهم ولا يمكن أن يكون
الأمر في القيامة إذ لا يوجد خطر على الرسل. ربما
يقولون أن الخطر هو أهوال القيامة ولكن هذا القول
غير منطقي أبداً فلماذا يفعل الله هذه الوقائع حتى
يحتاج إلى أن ينجي الرسل؟ لأنه قادر على جعل
الحوادث لا تقع أصلاً على الرسل ويكونون بعيداً
عنها. نعم في القيامة هم بعيدون عنها فعلاً.
"إن الذين سبقت لهم
منا الحسنى أولئك عنها مبعدون" 101/21.
إذن فالآية تتحدث عن
نوع من العذاب يأتي إلى الأرض ويكون الرسل فيه
متواجدون ويحدث صراع تكون فيه الغلبة للرسل مثلما
حدث مع لوط (ع) وإبراهيم (ع) حيث أنجاهم الله من
العذاب ففي طور الاستخلاف سُينشر الرسل تارة أخرى
وتنشر الأمم تباعاً فوجاً من بعد فوج:
"ويوم نحشر من كل
أمة فوجاً ممن يكذب بآياتنا فهم يوزعون" 83م27.
بينما يكون الحشر
جماعياً يوم القيامة:
"ويوم يحشرهم جميعاً
يا معشر الجن والإنس قد استكثرتم من الإنس" 128/6.
فهناك إذن حشران
مختلفان ويجب التفريق بينهما في الموارد فربما قال
(يحشرهم جميعاً) وهو يقصد فوجاً واحداً في حشر
الأفواج لا الحشر العام في القيامة، وإنما يعرف
هذا الأمر من خلال الاقتران اللفظي في النظام
القرآني.
إذا أخذت لفظ (فوج)
فإنه إذا شئت أعادك إلى أي لفظ آخر يتعلق بالوعد
الإلهي أو الفتح مباشرةً، كما في سورة النصر التي
لاحظنا دلالتها المستقبلية في الفصل السابق.
أكتفي بهذا القدر من
النماذج التي ستظهر أهميتها وارتباطاتها مرة أخرى
في الأبحاث اللاحقة.
ج. أما التساؤل القائل:
كيف نجعل الناس ينتخبون (الإنسان الكامل)؟ فهو
سؤال ساقط عن الاعتبار حينما يتم ذلك وفق التخطيط
الإلهي. لأن الناس لن يفعلوا ذلك ما لم يحدث تمييز
شديد بين العارفين بهذا الوعد المصدقين به وبين
المكذبين بهذا اليوم.
ومثل هذا التمييز لا
يحدث إلا بعد سلسلة من الفتن والمخاوف تنتهي
بالعلامات الكونية المرعبة والتي من خلالها يظهر
فشل جميع النظريات الموضوعة من قبل الإنسان.
ذلك لأن الحل الشامل
مرتبط بطبيعة الإنسان والكون فلو اجتمع الناس
وقرروا- بفرض غريب- إقامة دولة عالمية يسودها
الإخاء والتكامل على قواعد يضعونها بخلاف الشرع
الإلهي وخارج حدود هذا الارتباط فإنهم يستحيل
عليهم تحقيق ذلك استحالة تامة.
والسبب في هذا الفشل
هو أن التشريع الإلهي جزء من طبيعتهم وتكوينهم
ومتناغم مع تكوين العالم وقوانينه في جميع
جزئياته، فإذا أرادوا الخروج عنه كان ذلك بمثابة
الخروج عن طبيعتهم وطبيعة الأشياء فكأنهم يريدون
تحقيق شيء يرفضون تحقيقه في عين الوقت، فلذلك فإن
أي طرح فكري غير الفكر الإلهي هو هدر للطاقات
وتأخير لمسيرة هذا الكائن نحو الهدف المحتوم الذي
خلق من أجله. لذلك أكدت النصوص القرآنية على
الإسراع والتسابق.
"سارعوا إلى مغفرة
من ربكم وجنة".
"سابقوا إلى مغفرة
من ربكم وجنة".
وسوف نلاحظ ارتباط
إحدى هاتين الآيتين بجنة الطور المهدوي والتي توصل
إلى الجنة الأبدية السماوية ولذلك أختلف وصف الجنة
في الموردين مثلما اختلفت الأفعال: سارعوا،
سابقوا.
وقد يقال: إن بعض
الدول الصناعية المتطورة تمكنت من صنع نموذج
اجتماعي يسود فيه العدل وينعم بالرفاه إلى حد ما
وفق فكر بشري محض. فلو استمر تطوير هذا النموذج
ليعم العالم بأسره فإنه سيمثل طرحاً معقولاً بل
ومجزياً مقابل الطرح الديني الذي لازال مجرد فكرة،
ومن المحتمل ان الله يريد من الإنسان أن يقوم هو
بصنع عالمه المنشود.
الجواب على ذلك: أن
في هذا الاعتراض مجموعة أشياء يجب التفريق فيما
بينها. أولها أن الله يريد من الإنسان أن يقوم
بصنع عالمه المنشود هي صحيحة من صحاح الفكر الديني
فقط. وإنما تباين المفاهيم جعلها من مقولات الذين
كفروا. إن مقولات الذين كفروا ترفض الوصول إلى
العالم المنشود- لأنهم يعتقدون أن العالم سينتهي
وهو مليء بالشرور فليس ثمة غاية من الخلق.
إن الآخرة تعبير
زماني لا مكاني بمعنى أن الآخرة هي التي تأتي ولكن
مجيئها مرتبط بالحركة نحوها فهي زمان لكنه يتحرك
مبتعداً دوماً فعلينا السعي والإسراع للإمساك بها.
لسنا نحن الذين نذهب إلى الآخرة في موضع ما من
السماء تسوقنا الملائكة. فهذه الصورة من صور
القيامة. أما في الطور المهدوي فالملائكة هم الذين
يأتون إلى الأرض.
"ويوم تشقق السماء
بالغمام ونُزَّل الملائكة تنزيلاً". 25/25.
وهذا التنزيل مرتبط
بعلامات الطور المهدوي من أكثر من جهة:
الأول: لفظ غمام ورد
في النبوي متواتراً عن المهدي:
"يخرج المهدي وعلى
رأسه غمامة فيها مناد ينادي هذا المهدي خليفة الله
فاتبعوه"
وفي نور الأبصار:
"على رأسه غمامة فيها مناد ينادي"
نور الأبصار/155،
البيان- باب النداء، منتخب الأثر/448.
الثاني: مرتبط بالغمامة
التي على رأس المسيح (ع) حين نزوله مع المهدي كما
في إنجيل لوقا.
"وحينئذ يبصرون ابن
الإنسان آتياً في سحابة بقوة ومجد" لوقا/21-35-37.
إذن فإن الله تعالى
يريد من الإنسان أن يصنع عالمه المنشود ولكنه لن
يصل إليه إلا بشرط هو ان يكون السعي لهذا العالم
وفق التوجيه الإلهي لا خارجاً عنه لآن الخروج عنه
يعني الخروج عن قوانين الطبيعة والاجتماع التي
شحنها الله بهذا الخلق.
إن النموذج الغربي
الصناعي خارج عن الطرح الديني والفكري الإلهي فكيف
إذن حصل هذا التطور؟
هذا السؤال الوجيه
قد يجاب عنه بذكر عوامل عديدة ولكن هذه العوامل
مهما كثرت فإنها ترجع بالنهاية إلى علة أصلية
واحدة وهي أن النموذج الغربي حاول بالفعل الحفاظ
على حرية (الأفراد)، التابعين لهذا النظام فقط
مصادراً حرية أمم وشعوب أخرى.
فليس من شيء سوى
الحرية له القدرة على فرز الناس وتمييزهم وليس مثل
الحرية شيء يمكن المجتمع من إبراز الأفراد
الصالحين والمجدين وكشف المزيفين وليس مثل الحرية
شيء يمكن المجتمع من التطور والترقي فبالحرية
وحدها يحصل التنافس الشريف بالفضائل، وقد قام
النموذج الغربي بحماية الحرية بأركانها المادية
فقط دون الأركان الأخرى وقام بحمايتها داخل
النموذج الاجتماعي دون بقية الشعوب والمجتمعات، بل
بنى حرية أفراد النموذج على مصادرة حرية بقية
الشعوب وربط بينهما وبين استغلال دول العالم
الأخرى ولذلك فهو يساند الطواغيت والحكومات
الدكتاتورية خارج النموذج دوماً بل ويقف بوجه
الشعوب الداعية إلى التحرر من تلك الحكومات.
والسبب في ذلك أن
محاكاة الفكر الإلهي بتنظير بشري لا يؤدي إلى
تكوين عقيدة صالحة في جميع أركانها حيث يظهر
الانحراف عن الفكر الإلهي بصورة ما في التنظير
نفسه لأنه منشق عن (الأنا) الإنساني وهي نتائج
محتومة لا مناص منها مطلقاً.
لذلك نرى الفكر
الغربي يسعى حثيثاً لمحاربة الفكر الإلهي ويحاول
التفريق بين الأديان بل بين مذاهب الدين الواحد
وكأن هذا العمل جزء من عقيدته الاجتماعية
والسياسية.
هذا يدفعنا لملاحظة
موقع الحرية في الدين الحقيقي لا الدين الذي أوصله
لنا المحرفون لأن المحرفين قد تعمدوا مهاجمة أعظم
ركن من أركان الدين وهو (الحرية) فأهالوا عليها
ركاماً من عقائدهم لإخفاء مضمونها الحقيقي.
حرية الاعتقاد في
الإسلام ركن هام هو (عموده الفقري) وبدونه يستحيل
عليه الوقوف والحركة لأنه مرتبط بإزالة الطاغوت
الذي يصادر الحرية وقد توصلنا خلال البحث الحثيث
عن الحرية في الفلسفة قديمها وحديثها ومواضيع
الجبر والاختيار وعرضناها على النظام القرآني
وحديث النبي (ص) وأقوال الإمام علي (ع) فظهرت لنا
نتيجة واحدة هي خلاصة هذا البحث الذي لا يمكن ذكر
تفاصيله هنا، هذه النتيجة هي أن الإيمان بالحرية
هو الإيمان بالله وأنها هي الإيمان والإيمان هي لا
فرق بينهما.
ومن المؤسف أن الأمة
لازالت تجهل موقع الحرية في الدين ولذلك فهي تردد
ما ذكره المحرفون من انتشار الإسلام تحت قوة
السلاح وكأن الحكام الذين قاموا بالفتوحات هم
الإسلام والإسلام هو الحكام وبذلك نقضوا عقيدة
يؤمنون أنها جوهر الإسلام في التأسيس العقائدي حيث
أرجع الفهم العقائدي لأطروحته إلى القرآن والسنة،
فالإسلام يتمثل بالقرآن وأعمال النبي وأفعاله
الصحيحة النسبة فقط. أما ما قام به الآخرون فإنه
لا يمثل عقيدة الإسلام بل يمثل اجتهاداتهم
الشخصية وحسب.
لقد أكد القرآن على
الحرية حتى لتبدو وكأنها محوره الأساسي والدائم
للحديث عن مختلف الأشياء فهي هناك حيث ما قرأت في
القصص والتشريع والتهديد والوعيد وذكر الآيات..
هناك دوماً حديث عن الحرية وراء السطور، وذلك عدا
الصيغ والعبارات الصريحة مثل:
"أدفع بالتي هي
أحسن"
"أدع إلى سبيل ربك
بالحكمة والموعظة الحسنة"
"لا إكراه في الدين قد تبين
الرشد من الغي" 256/2.
"ويدرئون بالحسنة السيئة".
"إنما عليك البلاغ وعلينا
بالحساب" 40/13.
"أفأنت تكره الناس حتى
يكونوا مؤمنين؟" 99/10.
"إلا من أكره وقلبه مطمئن
الإيمان" 106/16.
"فإذا الذي بينك وبينه
عداوة كأنه ولي وحميم"
"قال الملأ الذين استكبروا
لنخرجنك يا شعيب والذين آمنوا معك من قريتنا أو
لتعودنّ في ملتنا قال: أولو كنا كارهين؟" 88/7.
لقد خلط المحرفون بين
الأوامر التي تدافع عن الحرية وبين الأوامر التي
تؤكد الحرية فالأوامر التي تدافع عن الحرية تضمنت
الدفاع عنها بالقتال واستعمال السلاح فهو قتال ضد
الذين يريدون مصادرة الحرية وإجبار الخلق على
معتقداتهم وكانت النتيجة من هذا التزوير عدا
مخالفة الآيات واتهامه (ص) بعدم تنفيذ أوامر الله
وتجاوزه على صلاحياته، كانت النتيجة أن خصومه هم
الأحرار والنبي هو الذي يريد مصادرة حريتهم!!.
هذه النتيجة واضحة جداً وهي
محتومة حسب الفهم المنتشر في الأمة عن أسباب
القتال.
لاحظ الأوامر الإلهية
الأخرى والمشتملة على أدوات الحصر:
"فإن أعرضوا فما أرسلناك
عليهم حفيظاً إن عليك إلا البلاغ" 48/42
"فإن توليتم فاعلموا إنما
على رسولنا البلاغ المبين" 92/5.
"فهل على الرسل إلا البلاغ
المبين" 35/16.
"فإن تولوا فإنما عليك
البلاغ المبين" 82/16.
"فإن توليتم فإنما على
رسولنا البلاغ المبين" 12/64.
"وما على الرسول إلا البلاغ
المبين" 54/24.
"وما على الرسول إلا البلاغ
المبين" 18/29.
تدل الآيات الآنفة على أن
واجبة هو التبليغ فقط. ومعنى ذلك أن القتال حدث
لسببٍ آخر هو انهم يريدون منعه من التبليغ، ومعلوم
أن التبليغ هو دعوة الناس إلى فكرة معينة، وترك
الاختيار لهم في اعتناقها أو عدمه فهم أحرار في
الإيمان أو عدم الإيمان بها.
أما أعداء النبي (ص) فكانوا
يريدون أن تكون الساحة الاجتماعية لهم وحدهم إنهم
طواغيت وجبابرة لا يسمحون للخلق في التعرف على أية
فكرة جديدة مخالفة لمعتقداتهم. هذا هو سبب القتال.
ألا تراه (ص) يرسل الرسل إلى المجتمعات الأخرى
وليس فيها إلا عبارة واحدة تحمل معها حريتها
الكاملة لا يفهمها الطواغيت كرسالته (ص) إلى ملك
الروم.
"من محمد رسول الله إلى
هرقل عظيم الروم: أسلم تسلم فإن أبيت فعليك إثم
القبط.."!.
وإلى ملك فارس: "فإن أبيت
فعليك أثم المجوس"! لأن هؤلاء واقعين تحت سلطان
الملوك وإسلام الملوك يعني إعطاء رعاياهم حرية
الاختيار فإذا لم يفعلوا أصبحت آثام الشعب في
أعناق الملوك!.
لقد كانت سيرة الرسول (ص)
شاهداً حياً وفي مئات من الوقائع على حرصه الشديد
في الحفاظ على الحرية، لكن المشكلة أن الأمة لم
تفهم للآن طريقته في الحفاظ عليها ولا حجمها
الحقيقي.
لقد كان النبي (ص) يدافع عن
الحرية داخل المجموعة الإسلامية وخارجها فكان ينزل
العقاب الصارم بمن يتدخل في حريته أو يحاول
الاستحواذ عليها وكان يجاهد لاحتواء العدو.. فهو
يدافع عن حرية عدوه أيضاً- عدوه الواقع تحت سلطان
العبودية للإنسان فكان يقاتل لأجل الحرية وهو أمر
لم يفعله مخلوق قبله على مر التاريخ الإنساني
وكانت الحرية ظاهرة في التشريع في كل فقرة من
فقراته. ولم يتحرك على هذا السلوك بعد النبي (ص)
إلا رجل واحد هو الإمام علي (ع). وسأذكر لك واحدة
من الاختلافات الهامة بين أسلوب الرسول (ص)
والإمام علي (ع) في أخذ الزكاة و أساليب غيرهما:
ففي عهد الإمام علي (ع)
كانت الطريقة التي أمر بها غريبة تماماً عن الوسط
الاجتماعي وطرائق جباية الزكاة باستثناء أولئك
الذين رأوا النبي (ص) فتذكروا أن هذه طريقته، فقد
أمر الإمام أن يقف الجابي على باب الدار بعيداً
ويدير وجهه وينادي سائلاً إن كان هناك رجلٌ في
الدار؟
فإذا خرج إليه رجل من الدار
سلم عليه ثم قال:
"الديك يا عبد الله شيء من
مال الله أحمله إلى ولي الله؟"
عليه أن يذكر ذلك بلطف
وأدب، فإذا رأى أن أهل الدار في مصيبة أو عندهم
مريض شغلوا به اعتذر منهم وتركهم!.
فإذا قال صاحب الدار نعم
عندي شيء من مال الله فإذا كان مثل البقر والغنم
والحبوب يطلب من صاحب المال أن يقسمه نصفين. ثم
يدير وجهه ويخيرّ صاحب المال أحد النصفين. ثم يقسم
النصف المتروك ويفعل ما فعله في المرة الأولى.
ثم يفعل ذلك مرة بعد مرة
حتى يبلغ المال الجزء الذي هو حق الله في المال
فيجعل الخيار لصاحب المال في أخذ أحد الجزأين.
أما طرائق الخلفاء فيكفي ان
أذكرك بواحدة منها فقد كان جابيه على الزكاة (خالد
بن الوليد) حينما قام بجباية الزكاة من (مالك بن
نويرة) وقومه.
وخلاصتها ان خالد حاصرهم
حينما قالوا ليس عندنا مال تحمله للخليفة وكشف
عليهم الرجال. ثم أعطاهم الأمان فدخل الجيش فلما
القى مالك وقومه السلاح عمد الجيش إلى إشهار
السلاح فقتل معظم الرجال وفرت النساء والصبيان ثم
أسر منهم جماعة وقتل مالك الرجل الشجاع غدراً ثم
عمد خالد على أخذ زوجته من غير (عدة) شرعية وعمل
ولائم على دماء القوم وفي أرض مصرعهم وفتش الجنود
عن أثافي للقدور فلم يجدوا فأمر بوضع رؤوس القتلى
أثافي للقدور فكان يأكل وينكح على رائحة شواء
الرؤوس البشرية!!.
تلك واقعة لم يستطع
المحرفون إلى هذا اليوم من إسدال الستار عليها أو
تبريرها رغم ألسنتهم الطويلة. نعم دافع كثيرون عن
الخليفة ومنهم الكاتب المصري (هيكل)، ولكن عند
قراءتك الدفاع فإنك تزداد اشمئزازاً وتقززاً من
أعداء الحرية بدلاً من أن تقتنع بأن دفاعهم منطقي.
لذلك فإن عمل الرسول
والإمام هو الذي يمثل العقيدة الإسلامية فقط
وأعمال غيرهم لا علاقة لها بالطرح الديني لأنها
تمثل اجتهادات أو أحلام فاعليها وحسب.
حق المعرفة فوق
كل الحقوق
جميع الحقوق محفوظة لموقع زيتونة
موقع
زيتونة نافذة مستقلة ليست مسؤولة عن مضمون المقالات التي
تنشر
ولا تعتبر المقالات المنشورة وجهة نظر رسمية للموقع
، بل فقط تعبرعن رأي الكاتب asfook@yahoo.com