تبدأ السورة بذكر عدد من الوقائع المستقبلية
بأداة الشرط إذا ولا يأتي جواب الشرط الاّ بعد
اكتمال اثنتي عشرة واقعة وهذهِ الوقائع هي على
الترتيب التالي:
1. إذا الشمس كورت.
2. وإذا النجوم انكدرت.
3. وإذا الجبال سيّرت.
4. وإذا العشار عطلت.
5. وإذا الوحوش حشرت.
6. وإذا البحار سجّرت.
7. وإذا النفوس زوجت.
8. وإذا الموءودة سئلت بأي ذنب قتلت.
9. وإذا الصحف نشرت.
10. وإذا السماء كشطت.
11. وإذا الجحيم سُعرت.
12. وإذا الجنة أزلفت.
وحينما تنتهي الوقائع الاثنتي عشرة يأتي جواب
الشروط كلها جواباً واحداً هُوَ "علمت نفس ما
أحضرت". وحينما ينتهي ذلك يأتي نفي للقسم (فلا
اقسم بالخنسّ...) حيث تعاد صيغ شرطية أخرى مع جواب
جديد كما سنرى وموضوعنا يتعلق بهذهِ الصيغ الشرطية
وجوابها ولكن قبل ذلك نذكر بعض الملاحظات عن
الوقائع الآنفة:
الأولى: ان جواب الشرط متعلق بكل واقعة على انفراد
ومعنى ذلك ان الشمس إذا كورت علمت نفس ما أحضرت
وإذا النجوم انكدرت علمت نفس ما أحضرت وهكذا إلى
قوله وإذا الجنة أزلفت.
لماذا؟ لأن هناك إعادة للشرط (إذا) فلو كان
السياق مقتصراً على العطف فقط لكان الجواب لا يقع
الاّ عند وقوع الحوادث كلها وهذا الفارق الهام
أهملهَ الاعتباط اللغوي فلو قلت لابنّك: إذا درست
وعملتّ معي في الحانوت وأطعتني بنيت لك داراً
لك...".
يفهم السامع انك لا تبني الدار الاّ عند
وقوع الثلاثة سوية الدراسة والعمل والطاعة. ولكن
لو قلت له "إذا درست وإذا عملت معي وإذا أطعتني
بنيت لك داراً".
فأنه يفهم انك تبني له الدار إذا عمل أية
واحدة من الثلاثة. وهذا ما أتفق العوام عليه
بالسليقة اللغوية يقول القائل "يا أخي إذا سلمتني
المال وإذا أودعته عند أحد وإذا أعطيتني مكانه كذا
فاني راضٍ فالمهم ان توفيني مالي".
يفهم السامع ان الرضا متعلق بتحقيق أي واحد
من الشروط لا جميع الشروط.
الثانية: ان الترتيب هنا زماني. فالوقائع
المستقبلية تترتب زمانياً ولكنه ليس كما نتصور أي
ان الأول من الوقائع هُوَ الأخير بالنسبة لنا.
فالسامع إنما يُثيره اقتراب الوقائع لا
ابتعادها. ألا ترى المحقق مع المتهم يبدأ بالسجن
الذي هُوَ نهاية قصة المتهم ثم يفاجئه كل مرة بما
يؤدي إلى السجن ويذكر له التفاصيل مقترباً من واقع
الحدث وزمانه؟ هذا الترتيب هُوَ ما تؤكده الآيات
التي مرت علينا في سورة هود.
فالجنة إذا أزلفت هُوَ أولّ الوقائع
المنتظرة. وتستمر ما دامت السموات والأرض فإذا
كورت الشمس بعد انكدار النجوم الغي هذا النظام
الكوني وانتهت المراحل ومعلوم ان هذهِ الوقائع على
هذا الترتيب واقعة زمانياً بين أول الطور المهدوي
ويوم القيامة.
بمعنى أنها تمثل حقب ومراحل هذا الطور.
الثالثة: ان عدد هذهِ الوقائع مترابط مع النظام
الكوني. لقد لاحظنا ان السبعة نظام بنائي: سبعة
سموات – سبعة الوان ..الخ والثلاثة نظام زماني
والاثنان نظام توليدي يمثل الزوجية العامة أو
التقابل الضروري للوجود مثل شمالي جنوبي في
المغناطيسية وسالب وموجب في البناء الذري.
ومجموع هذهِ الأنظمة هُوَ اثني عشر.
وأيضاً لاحظنا ان هذا العدد مساوٍ لعدد
خلفاء الطور المهدوي في الحديث الشريف:
"كنّا جلوساً إلى ابن مسعود بعد المغرب
وهُوَ يعلّم القرآن فسأله رجل فقال: يا أبا عبد
الرحمن أسألت النبي (ص) كم تملك هذهِ الأمّة من
خليفة فقال: ما سألني عنها أحد قبلك نعم خلفاؤكم
اثنتي عشر عدة نقباء بني إسرائيل".
مصادر الحديث بألفاظه المختلفة وأسانيده
المختلفة:
1. مسند احمد بن حنبل: أربعة وثلاثون طريقاً هي
في الجزء الخامس بالصفحات من 86-108.
2. المستدرك / ج3/ 618-617.
3. الخلافة والأمارة ب1/ ف 1/ 34.
4. كنز العمال / ج 5 – 312 المطبوع في هامش
مسند أحمد.
5. تاريخ بغداد / ج 14/ 353 ح 7673.
6. تاريخ الخلفاء/ 7.
7. الصواعق المحرقة / ف 3 ب 1/ 11.
8. صحيح البخاري/ ج 4/ كتاب الأحكام باب أخراج
الخصوم.
9. الترمذي في الصحيح / ج 2 ص 45.
10. صحيح مسلم / باب الأمارة.
11. صحيح ابي داود م ج 2 / كتاب المهدي.
12. في كتب الشيعة المختلفة / 614 حديثاً عن
الخلفاء الاثنى عشر. مجموع النصوص في الأثنتي عشر
خليفة يربو على تسعمائة نص.
الرابعة: ان المقصود بلفظ (خليفة) أو (خُلفاء) في
النص النبوي هُوَ عين المقصود به في النص القرآني،
لأنه (ص) يحاكي القرآن في ألفاظه. فالخليفة
والخلفاء في النص القرآني شخوص محددّين بأسمائهم
قبل خلقهم على ما جاءت به البشائر المختلفة في
القرآن. والخلافة في القرآن مركز إلهي.
أما هَؤلاء الذين يسميّهم الناس (خلفاء)
فلا علاقة للنص القرآني والنبوي بهم. الخليفة تسجد
له الملائكة كما سجدت للخليفة الأول آدم إذا
اعتبرناه هُوَ المقصود بقوله تعالى (إني جاعل في
الأرض حليفة). وقد يقول البعض وخاصة تلامذة
المستشرقين: ان هذا هُوَ نفسه (الحق الإلهي) الذي
حكمت الكنيسة به الناس قرون طويلة.
والجواب نعم انه الحق الإلهي نفسه الذي حكت
به الكنيسة قرون طويلة لكنه مسروق من أصحابه
الفعليين. فالكنيسة لا تمتلك في الأصل هذا الحق،
وهذا هُوَ الفارق بين المالك الفعلي والسارق. إنما
هذا الحق هُوَ خاص بالمسيح (ع) وحَدة ومن هُوَ
مثله عند الله. الا ترى النص النبوي يذكر المهدي
(ع) باسم خليفة بطرائق كثيرة مثل "من خليفة الله
فاتبعوّه" أو (لابّد من خليفة) وكذلك ورد في
النبوي المجمع على صحتهِ ان المسيح (ع) يصلي خلفه.
إذن فقوله (ص) (الخلفاء من أمتي اثنا عشر
عدة نقباء بني اسرائيل) المراد به رجال من هذهِ
المرتبة.
فهنا يتم ابتلاء الخلق كما ابتلى الملائكة
بالسجود لآدم، وامّا الحرية في الاختيار فأنها
تظهر هنا فقط. لأن العبودية للموجودات هي العبودية
والعبودية لله هي التحرر من عبودّية الموجودات.
ولكن العبودية الحقهّ لله يجب ان تفرز فرزاً
صحيحاً ولا يتم هذا الفرز الاّ بالتحرر من الذاتية
وعبادة (الأنا) فالتحرر يتم من خلال طاعة الله في
طاعة من أمرّ بطاعتهِ من الخلق. فالأمر الإلهي
واحد لا يمكن تجزئته وحينما يريد الله استخراج
الصالح من الطالح أو الطائع من العصي فأنه يأمر
بطاعة بعض الخلق دون البعض خلافاً للظواهر وبهذا
الطريق وحده يتم الفرز.
واغرب ما قرأت لأحد كتاب مصر المتحذلقين
زعمه ان تحديد اثنا عشر اماماً أو خليفة للنبي (ص)
يتعارض مع الحرية.
فهذا الزعم لا يّدل إلاّ على جهل مُطبق
بالحريّة. لأن تحديد هذا العدَد لا يُلغى الاختيار
بل يُحددّه. وهُوَ مثل الأمر ان تكون صلاة الظهر
أربع ركعات والمغرب ثلاثة والفجر ركعتين.
إذ يتوجب على هذا الكاتب الغبي رغم شهرته
ان يدعيّ ان التشريع مخالف للحرّية في كل واحدةِ
من التفاصيل. وعلى ذلك فالتشريع الوضعي يؤدي إلى
نفس النتيجة وعليه ان يقترح على (مجلس الأمة)
المصري إلغاء كافة القوانين.
القانون موضوع للالتزام به لمن أراد سواء
كان إلهياً أو وَضعياً والحرية باقية إذ لا أحد له
قدرة على سلب حرية الاختيار منّ أي كائن. ولذلك
تجد من يخالف القانون ويخرج عليه دوماً فإذا طاله
القانون عاقبه وإذا لم يطله بقي خافياً فالقانون
يطلب من الأفراد ان يختاروا كذا ولا يختاروا ما هو
عكسه لكن هذا الرجل يبدو أنه يحمل ضغينة على الله
خُصوصاً فظهرت في تحديد اثنا عشر خليفة لأنه لو
قال ذلك بشأن الصلاة كفرّه
(الأزهر الشريف) وحدثت مشكلة.
ولكنه يستطيع قول ذلك مع (اثنا عشر خليفة)
لأن الاعتباط يرتاح نفسياً لأبطال هذا الجزء من
التشريع واختيار جزء آخر – مع ان النصوص التي تؤكد
هذا العدد هي أضعاف النصوص الخاصة بعدد الركعات.
ان طاعة الله لا تتحقق ابداً الاّ عند طاعة
أوامره كافة واعتبارها امراً واحداً.
قلنا ان الوقائع الاثنتي عشرة في السورة
الكريمة مرتبة تنازلياً من الأبعد إلى الأقرب.
وإذن فاؤّل الوقائع الزمنية المنتظرة هوَ (إذا
الجنة أزلقت) إذ هو أول الوقائع المنتظره السابقة
للقيامة.
هذا يعني انها آخر وقائع الطور المهدوي.
فيتسعّر الجحيم وتزلف الجنة .. وبعكس الترتيب
فتنتهي بتكوير الشمس وانتهاء النظام الطبيعي
المعهود.
وهذا يعني ان الجنة ستكون بعيدة في الملكوت
السماوي حيث نبرهن في فصول لاحقة ان الجنة تنطلق
من الأرض وتغزو السماء فالكفرة الفجرة لا يستطيعون
الارتقاء في الأسباب (وتتقطع بهم الأسباب)(1)
ولا يقدرون على الفرار(2)
من الأرض فتجري عليهم اهوال التغيرات الكونية
لأنهم إذ عنوا للمادة وعصوا خالقها فتنغلق عليهم
مفاتيح الوجود (ولا تفتح لهم أبواب السماء حتى يلج
الجملُ في سم الخياط)(3)
لذلك قال النبي (ص) "لا تقوم الساعة إلاّ
على شرار الخلق"(4).
ونحن هنا نفرق لفظياً بين الساعة ومرساها وقيامها.
وعلى هذا الترتيب فعندما يتم جواب الشرط
(علمت نفس ما أحضرت) ويعود إلى نفي القسم " فلا
اقسم بالخنسّ الجوار الكنس..." فان هذا السياق مع
شروطه الجديدة (والليل إذ عسعس والصبح إذا تنفس)
وجواب هذهِ الشروط سيكون خاصاً بالطور المهدوي
وعلاماته، بينما كان القسم الأول من السورة مختصاً
بمرحلة ما بعَد المهدوية. لذلك سنحاول ملاحظة هذهِ
الشروط والإجابة وارتباطها اللغوي بالعلامات
الكونية:
المذنّب الموعود في سورة التكوير
" فلا أقُسمُ بالخنسّ. الجوار الكنسّ. والليل
إذا عسعس والصُبح إذا تنفسّ. انه لقول رسول كريم.
ذي قوةٍ عند ذي العرش مكين. مطاع ثم أمين. وما
صاحبكم بمجنون. ولقد رآه بالأفق المبين. وما هُوَ
على الغيب بضنين. وما هُوَ بقول شيطان رجيم. فأين
تذهبون. ان هُوَ الاّ ذكر للعالمين. لمن شاء منكم
ان يستقيم وما تشاءون الاّ ان يشاء الله ربّ
العالمين".
يبدأ النص القرآني في مرحلته الثانية بذكر
الوقائع التي تسبق الطور المهدوي ويرتبها هذهِ
المرة ترتيباً جديداً من الأقرب إلى الأبعد ذلك
لأن هذا الطور هُوَ مفتاح ما يقع من الحوادث
المذكورة في أول السورة.
ويبدأ ذلك بنفي القسم: "فلا اقسم بالخنسّ"،
والذي يُسمّيه الاعتباط اللغوي بالقسم. ونحن
سمّيناه نفي القسم لأن الله تعالى لا يجوز بحقه ان
يقسم بشيء من خلقهِ لأن القسم (براءة) من الأشياء
واعتماد على المقسم به بينما (الحلف) الذي يتحقق
بالواو هُوَ ارتباط مع المحلوف به فيجوز بحقهِ
تعالى.
أما المخلوق فيجوز الحلف ولا يجوز القسم بغير
الله لأنه لا يمكن ان يعتمد على غيره تعالى، وهو
تفريق نفيس ذكرناه في كتاب (اللغة الموحّدة) وكتاب
(النظام القرآني).
وتسمّي الواو عند الاعتباط بواو القسم بينما هي
واو الحلف لأنها تخلو من لفظ (اقسم).
لذلك لم يرد في القرآن إلاّ نفي القسم من
قبلهِ تعالى وهو اثنا عشر مورداً نفي فيها القسم
جميعاً.
واليوم ونحن نكتب هذهِ السطور وجدنا من
المأثور ما يؤيد ذلك في حديث عن الإمام علي (ع)
هذا نصّه:
"محمد بن العباس قال حدثنا عبد الله بن العلا
عن محمد بن الحسن بن شمون عن عثمان بن ابي شيبه عن
الحسن بن عبد الله الارجاني عن سعد بن ظريف عن
الأصبغ بن نباتة عن علي عليه السلام قال سأل ابن
الكواء عن قوله عز وجل فلا أقسم بالخنسّ الجوار
الكنسّ قال (ع): ان الله لا يُقسم بشيء من
خلقه..."(1)
أقول ذهل المؤلف لغلبة الاعتباط عليه فقال قبل
الوصول إلى الحديث: (فلا أقسم أي أقسم) – تم ذكر
الحديث بعد ذلك ولم يصحح ما ذكره آنفاً.
وقد تقول لماذا ينفي القسم؟ وما الغاية من ذلك؟
والجواب انه تعالى حينما يقول لا أقسم فأنه يريد
منا أن نعلم انه لا يقسم بهذا الشيء ومعنى ذلك انه
لو كان يجوز بحقه أن يقسم شيء لأقسَم به لعظمته
عنده لذلك قال في الواقعة:
(فلا أقسم بمواقع النجوم. وانه لقسَمٌ لو تعلمون
عظيم).
فإذا قلت: إذا كان القسم لا يجوز بحقه تعالى ولا
يجوز للعبد أن يُقسم بغير الله فلمن هو قسَمٌ عظيم
إذن؟
والجواب: ان تعظيم القسم لا علاقة له بوقوعه
وجوازه أو عدمه؟
فهذا القسم لو كان يجوز فهو عظيم.. بيد انه لا
يجوز. ألا ترى كيف تظهر هنا معادلة عجيبة غاية
العجب فانه يعظم القسم بالشيء فمن جهة يظهر لك
عظمة عند الله ومن جهة أخرى ان هذه العظمة لا قيمة
لها أمام المطلق مهما بلغت! وإذن فتعظيمك للقسم
والمقسم به على الفرض هو لتعظيم الله له فقط.
فانه بهذا النفي وبهذا الاستعمال اللغوي حافظ على
تعظيم الشيء مع عدم المساس بعظمة المطلق. أو حافظ
على التعظيم المطلق لله مع تعظيم الشيء.
فانظر اذن إلى عظمة (الخنسّ الجوار الكُنّس) عند
الله.
فما هي الخنسّ الجوار الكُنّسّ؟
الخُنّس الجوار الكُنّس:
قال ابن مسعود (رض) وجماعة هي: الضُباء، جمع ضَبي
وهو الغزال.
وقال سالطوسي: وقيل هي بهرام وزحل والمشتري وعطارد
والزهرة.
وقال أهل اللغة: الخانس الغائب عن الطلوع.
وقال آخرون: روي عن أمير المؤمنين علي (ع) أنها
النجوم – لانها تخنس بالنهار وتبدو بالليل.
ويظهر ان العبارة الأخيرة من شروحهم وإضافاتهم
وليست من قول الإمام (ع) إذ من المحتمل انه قال
(النجوم) على التعميم.
وخالف البيضاوي في كتابه أنوار التنزيل فقال بوجه
واحد هو:
"الخنس الكواكب الرواجع من خنس إذا تأخر وهي ما
سوى النيرين من السيارات".
وهذا يعني ان الخنس عنده هي الكواكب السيارة. وقال
"لانها تختفي في ضوء الشمس".
أقول ان تأخر الطلوع مساوٍ للطلوع لتساوي الليل
والنهار في المعدل ولذلك فان الخنس يفقد دلالته مع
السيارات لطلوع بعضها بصورة دائمة والمطابق لمعنى
اللفظ هو المتأخر في الظهور تأخراً بيناً وواضحاً
– بينما السيارات تتناوب الظهور والخفاء.
ما علاقة (الضباء) بالأمر في تفسير ابن مسعود
(رض)؟
العلاقة هي إن الضبي يتخذ من جذع الشجرة بيتاً في
أسفله ليسكن فيه.
وتسمى الضبية الوحشية في هذه الحالة بالكناس. وقيل
ان البيت وحده هو الكناس – فربطوا بين لفظ خنس
وكنس فقالوا الضباء. وفي القاموس:
الكناس بيت الوحشية تتخذه في جذع الشجرة.
قال: والجواري الكنس هي الخنس أو هي كل النجوم أو
الملائكة أو بقى الوحش وضباؤه والكناسة هي
القمامة.
أقول: لابد من معرفة الكنس لتحديد دلالة الخنس
لأنه تعالى أوضح الخنس بها فقال: الخنس الجوار
الكنس.
والجوار واضحة من الجري وهي الحركة السريعة.
وهذا يعني استبعاد جميع التفاسير أعلاه لانها
مناقضة لها في الحركة فالوحشية إذا اختفت لم تتحرك
والسيارات بطيئة الحركة جداً فالمشتري يكمل دورته
حول الشمس بأكثر من أحد عشر عاما من سني الأرض
وكلما ابتعد المدار ازداد البطء في الحركة
المنظورة من الأرض.
قال في القاموس: الكناسة موضع بالكوفة وأشياء أخرى
هي:
المرأة الحسناء.. والكنيسة السوداء! (لاحظ
التناقض)، وسبعة مواضع بمصر وتكنَّس دخل الخيمة
والمرأة دخلت الهودج. وهذه المعاني وضعت بصورة
مستعجلة وبغير تمحيص.
فالكناسة ليست موضعا بالكوفة إنما هي مقبرة
الكوفة.
والقبر هو كناس لأنه يخفي جسد صاحبه مثلما تخفي
الخيمة والهودج والشجرة من يدخل فيها.
إذن الكنس هي ذوات حركة سريعة بيد إنها مختفية في
بيت فهي من جهة تغيب غيبة طويلة ومن جهة أخرى
فإنها تجري بسرعة ومن جهة ثالثة فإنها مختفية في
بيت ورابعا إنها من النجوم قطعا لأنه الوجه الذي
ذكره الجميع والملائم لسائر موارد نفي القسم
والحلف في القرآن:
(فلا أقسم بمواقع النجوم)
(والنجم إذا هوى)
والسماء والطارق)
(كلا والقمر....) ... إلى آخر الآيات.
فما هي الأجسام الكونية المتصفة بهذه الصفات
الأربعة؟
إنها المذنبات وهي الوحيدة التي تتصف بهذه الخصائص
مجتمعة، لأنها:
أولاً: من النجوم لانها شموس متقدة ذاتياً.
ثانياً: لها نواة محاطة بهالة من الغازات عند
الرأس وصورتها مع الذنب هي صورة الوحشية مع
شجرتها.
ثالثاً: إن سرعتها مهولة فهي أسرع النجوم حركة.
رابعاً: إن ظهورها يتم بعد اختفاء طويل الأمد
وغيبة أطول من فترة الظهور يصل بعضها إلى آلاف
السنين كما رأيت من قبل.
إن دقة التشبيه القرآني والتسمية هي إلى درجة ان
التسمية وقعت على أحد الألفاظ القرآنية في العالم
الصناعي حيث سميت أنواع من المذنبات (بالمكنسة)
لأن لها ذيول تشبه المكنسة.
الواقع ان هذا جزء مما سميناه بالحماية الذاتية
للتعاقب الصوتي.
إذن فالتفاسير المذكورة تحمل دلالة التشبيه
والمطابق للنص القرآني هو الوجه الذي يقول إنها
نجوم من غير تحديد.
- علاقات أخرى –
ان لهذه التسمية علاقات هامة بالمهدوية مثلاً:
أ. إن فيها إشارة إلى تأخر الوعد كما تتأخر
المذنبات.
ب. إن فيها إشارة إلى غيبة (النجم) الموعود في
علاقة مع غيبة طويلة (للنجم) الذي يهدي الخلق أي
المهدي الموعود (ع).
ج. إن فيها إشارة إلى علاقة ذلك بنزول المسيح
(ع) من السماء.
د. إن فيها دلالة إلى عنصر المفاجأة والمباغتة
في الظهور.
هـ. إن فيها إشارة إلى وصول النور الذي يبدد
الليل ويجعل الصبح متنفساً بعد طول اختناق وبعد
ظلام طويل.
(والليل إذا عسعس والصبح إذا تنفس):
في هذين المقطعين عطف على نفي القسم أي لا
اقسم بالخنس الجوار الكنس ولا اقسم بالليل إذا
عسعس. والصبح إذا تنفس.
قال ابن عباس (رض) ومجاهد والضحاك وابن زيد
عسعس: أدبَر بظلامه
وقال مجاهد والحسن: أقبل بظلامه.
وقال الطوسي: عسعس إذا أدبر.
وقال الفيروز آبادي: عسعس أقبل أو أدبر.
وقال البيضاوي: أقبل وأدبر لأنه من الأضداد.
أقول: لابد من الرجوع إلى (عس) لان اللفظ هو
مكرر له.
أقول: ان ما يجمع هذه المعاني هو حركة عس. إذ
تنطوي الحركة على ثقل مع تردد. فالسراب مثلا يتردد
في الحرمة. ولذلك قالوا أبطأ. والثقل والتردد يظهر
في السحاب الثقيل إذ يرتفع وينخفض بحسب قوة
الرياح.
ان الألفاظ المكررة هي ذات حركة ترددية دوما
مثل: تعتع، عتعت، زحزح... الخ فهي تتصف بالتردد
بين جهتين لذلك قالوا أدبر وأقبل وقال البعض أدبر
وقال آخرون أقبل.
هل تحدث حركة مثل هذه في الليل؟
أبداً لم تحدث حركة كهذه في الليل فالليل
يتحرك كما هو بهذا النظام المعهود وبالحركة
الدورانية للأرض والتي هي حركة لطيفة لا يشعر بها
أحد.
إذن فهذا الليل الذي لا يقسم به الله ويظهر
عظمته هو ليل مخصوص لا كل ليل.
فقد ورد ذكر الليل في القرآن بنحو من (66)
مرة.
وأكثر تلك الموارد ذكرت جريان الشمس والقمر
وحركة الليل والنهار الطبيعية وتكويرهما على
بعضهما وولوج أحدهما في الآخر.
هذه بعض الموارد:
- "وسخر لكم الشمس والقمر دائبين وسخر لكم الليل
والنهار" 33/14
"وسخر لكم الليل والنهار والشمس
والقمر" 12/16
"وهو الذي خلق الليل والنهار والشمس
والقمر" 33/21
"ألم تر أن الله يولج الليل في النهار ويولج
النهار في الليل" 29/31
"يكور الليل على النهار ويكور النهار على
الليل" 5/39
"يقلب الله الليل والنهار إن في ذلك لعبرة
لأولي الأبصار" 44/24
يزعم الاعتباط أن (عسعس) هو ما يحدث في كل
ليل من إقبال وإدبار. لكننا نلاحظ ان وحدة السورة
تستلزم اعتبار هذه الوقائع المشروطة بأداة الشرط
إذا مشابهة في وقوعها للحوادث المارة في أول
السورة فهذا الثقل في الحركة والعسعسة لا تحدث في
الليل الطبيعي فالقسم مشروط بأداة الشرط (إذا
عسعس).
قالوا أيضا: امتلأ بظلامه ومنه عس اللبن إذا
امتلأ.
هذا صحيح ولكن متى يملئ بظلامه فقد قال الحسن
إذا أظلم ومعلوم أن الليل ينطوي على الظلمة فهو
مثل قول القائل إذا السواد أسوّد.
إذا كان المقصود تكاثف الظلام فلابد أن هذا
ليل مخصوص يتكاثف فيه الظلام لأسباب كونية متجددة
على النظام الطبيعي وحجب للنجوم.
فإذا رجعت إلى العلامات الكونية فان (ركود
الشمس) معناه توقف الحركة المحورية للأرض بسبب
المذنب كما رأيناه من قبل.
وبعد ذلك التوقف تدور الأرض بصورة معكوسة
حينما تزحزح من وضع السكون عند ابتعاد المذنب إلى
الجهة الأخرى.
وسوف يحجب الذنب النجوم وقد رأينا أيضا ان
ذلك سوف يؤدي إلى حصول ليل طويل جدا لان الجزء
المظلم من الأرض يتضاعف فيه الليل لحين اكتمال
الدوران العكسي.
فإذا صادف وقوعه على الجزء المسكون أو النصف
المسكون من الأرض فهو ليل كثيف الظلام وطويل وخانق
وهو اكثر الليالي رعباً بالنسبة لسكان المعمورة.
وهنا تلاحظ حركة القلقلة من الوضع السابق إلى
اللاحق مروراً بوضع السكون بصورة جلية. فالعسعسة
حركة بطيئة وثقيلة غاية الثقل لامتلاء الأرض
بالظلام الدامس ومعلوم أن ذلك تصاحبه زحزحة
واهتزاز عنيف لإخراج الأرض من وضع الركود إلى
الوضع الجديد الذي تطلع فيه الشمس من مغربها.
وعند طلوع الشمس يتنفس الصبح المختنق وتتنفس
الخلائق بعد ليلة طويلة ومرعبة تعادل ثلاثة أيام
في بعض المرويات.
"أنه لقول رسول كريم":
جواب الأقسام المنفية المذكورة:
قالوا: الضمير في أنه يعود إلى القرآن.
ولما كان معنى ذلك انه القرآن من قول الرسول
وهو ما ادّعاه الذين كفروا فقد اضطروا إلى جعل
الرسول الكريم هو جبريل (ع) لإبعاد فكرة التقول.
بينما لا فرق بين الأمرين لأنهم زعموا أيضا
ان القرآن يملى عليه بكرة وأصيلاً وجبريل (ع) هو
الآخر مخلوق. ويبدو ان المفسرين لهذا السبب وحده
أضافوا عبارات تنوه عن هذا الالتباس لتخريجه بأية
صورة.
قال البيضاوي: (أي جبريل (ع) فانه قاله عن
الله).
يريد بهذه العبارة التأكيد على أن جبريل (ع)
لا يمكن ان يتقوله بينما النبي (ص) يمكن أن
يتقوله!
وهذا واضح البطلان لأن النبي (ص) عندهم أعلى
مقاماً من جبريل (ع).
وقال الطوسي عبارة مماثلة: "معنى انه سمعه من
جبرائيل ولم يقله من قبل نفسه".
وكأن جبريل (ع) عند الكفار لا يتقول بخلاف
النبي (ص).
أقول وهنا مناقشتان غير ما مر:
الأولى: في قوله تعالى "ولو تقول علينا بعض
الأقاويل لأخذنا منه باليمين" – الإجماع أن
المقصود هو النبي (ص) ومعلوم أن الأقاويل لا علاقة
لها بالقرآن إذ لا يمكن إثبات القرآن من خلال
تأكيده على أنه من الله لا من النبي (ص) –
فالمقصود أقاويل أخرى.
الثانية: فاتهم أن المعجز معجز بنفسه فالآية هي
برهان لنفسها ولصاحبها ولا يمكن أن تعتمد على
غيرها في البرهنة عندئذ لن تكون آية. لذلك لم
يناقش القرآن من زعم أنه تقوله لأن هذا الكلام
قائم بنفسه لا يمكن أن يتقوله مخلوق.
إذن لا يمكن ان يحتج القرآن لنفسه بهذه
الطريقة فيقول:
(أنه لقول رسول كريم) – فالكافر قد يجيب
قائلا: ومن أين أعلم أنه رسول كريم؟
إنما يعلم انه رسول كريم من خلال القرآن
لكونه معجز وآيات بينات وكونه قائم بنفسه.
إذن فالضمير لا يمكن أن يعود على القرآن لان
المحاججة تصبح لا منطقية وفيها مصادرة واضحة.
الضمير يعود على تفاصيل ما ذكره آنفا من
الوعد الإلهي.
والمعنى ان ما يخبركم به من تفاصيل هذا الوعد
المنتظر هو قول رسول كريم ثبتت رسالته وصدقه
بالمعجز الذي هو هذا الكلام أي القرآن فالسورة
جاءت لتصديق كلامه (ص) عن الوعد لا لتصدّق نفسها
من خلال النبي (ص) أو جبريل فانظر إلى غفلة
الاعتباط اللغوي وانظر إلى غاياته في إخفاء الوعد
المنتظر.
لذلك قال: "ذي قوة عند ذي العرش مكين".
أي ان قيادته العامة لهذا الطور وظهور حفيده
للقيادة المؤقتة ممكن عملياً لان لديه قوة عند ذي
العرش مكّين من تحقيق ما وعد من ظهور رسالته وغزوه
للسموات وفتحه لأبواب الجنة وأبواب النار وقدرته
في إلقاء من شاء في أتون جهنم وإنقاذ من يشاء عند
تحقق الوعد وانكشاف السرائر.
ثم قال "مطاع ثم أمين".
فهو مطاع من قبل القوى الكونية والملائكة
والموجودات وأمين على مشيئة الله ورسالته وشرائعه.
فالسياق كله لا علاقة له بجبريل (ع) لأن
جبريل هو أحد جنوده.
بل أن جبريل (ع) في المرويات هو منادي المهدي
الموعود (ع) ووزيره الأيمن، هذه بعضها:
الأولى: في كشف الأستار وعقد الدرر عن حذيفة عن
النبي (ص) في قصة ظهور المهدي (ع) قال:
".....ثم يخرج متوجهاً إلى الشام وجبريل
على مقدمته وميكائيل على ساقته يفرح به أهل السماء
وأهل الأرض والطير والوحوش والحيتان في البحر..."(1).
الثانية: في الارشاد قال:
"إذا أذن الله تعالى للقائم في الخروج صعد
المنبر فدعا الناس إلى نفسه وناشدهم بالله ودعاهم
إلى حقه وان يسير فيهم بسنة رسول الله (ص) ويعمل
فيهم بعمله فيبعث الله جل جلاله جبريل (ع) حتى
يأتيه فينزل على الحطيم يقول: إلى أي شيء تدعو؟
فيخبره القائم فيقول جبريل: أنا أول من يبايعك
أبسط يدك فيمسح على يده"(1)
الثالثة: أخرج ابو نعيم في مناقب المهدي (ع) عن
ابن عمر قال "يخرج المهدي وعلى رأسه غمامة فيها
ملك ينادي هذا خليفة الله فاتبعوّه"(2).
وقد فسر جميع الحفاظ (الملك) على انه جبريل
(ع) اعتمادا على القرائن الأخرى.
الرابعة: "في كتاب البيان يسنده عن عبد الله بن
عمر قال قال رسول الله (ص):
"يخرج المهدي على رأسه غمامة فيها منادي
ينادي هذا المهدي خليفة الله فاتبعوه"(3).
الخامسة: في عقد الدرر عن محمد بن علي (رض) قال:
"الصوت في شهر رمضان في ليلة الجمعة
فأسمعوا وأطيعوا ثم قال فإذا سمعتم ذلك الصوت فلا
تشكوا انه صوت جبريل (ع) وعلامة ذلك انه ينادي
باسم المهدي واسم أبيه"(4).
السادسة: في كتاب الغيبة عن الباقر (ع) قال:
"الصيحة لا تكون إلا في شهر رمضان لأنه شهر
الله وهي صيحة جبرائيل (ع) إلى هذا الخلق ثم قال
ينادي مناد من السماء باسم القائم بالأمر فيسمع من
بالمشرق ومن بالمغرب لا يبقى راقد إلا استيقظ ولا
قائم إلا قعد ولا قاعد إلا قام على رجليه فزعاً من
ذلك الصوت فرحم الله عبداً اعتبر بذلك الصوت فأجاب
فأنه صوت جبريل الروح الأمين"(5).
السابعة: ابو نعيم في الفتن عن شهر بن حوشب قال:
بلغني ان رسول الله (ص) قال:
"يكون في رمضان مهمهة وفي ذي القعدة تتحارب
القبائل وفي ذي الحجة ينتهب الحاج وفي المحرم
ينادي مناد من السماء: إلا ان صفوة الله من خلقه
فلان فاسمعوا له وأطيعوا"(6).
نعود إلى السورة الكريمة:
قوله تعالى: "وما صاحبكم بمجنون. ولقد رآه بالأفق
المبين وما هو على الغيب بضنين".
في هذه الآيات الثلاثة يختلف الحل القصدي للغة مع
الحل الاعتباطي من وجوه عديدة.
أولاً: أن الاعتباط يعمم الأفكار فمثلا يقول: أي
أن صاحبكم الذي يدعوكم إلى عبادة الله ليس بمجنون
بل هو عاقل.
فمثل هذا التعميم لا فائدة منه للقارئ. إذ
لم يوضح له الاعتباط لماذا جاء هنا بلفظ صاحبكم
ولماذا جاء بلفظ مجنون وما علاقته بمجمل السورة؟
فهناك موارد قالوا فيها انه ساحر وأخرى شاعر
فالاعتباط لا يربط الألفاظ المستعملة مع الموضوع
وكلامهم هو إنشاء وتعميه على الدلالات القرآنية.
ثانياً: قالوا ولقد رآه بالأفق المبين أي رأى
جبريل (ع).
ومرة أخرى يقع التفسير الاعتباطي في
المصادرة.
لان جبريل (ع) ينقل كلام الله فلا يمكن
الاحتجاج للنبي (ص) والبرهنة على صدقه من خلال هذا
التخريج لان ما ينقله يفترض أن يكون هو الحجة على
صدق الرسول أي أن السورة جزء من الحجة فلا تتضمن
الاحتجاج برؤية النبي لجبريل (ع).
فالذي لا يريد أن يؤمن بالقرآن لن ينفعه
القرآن ومن جملته قوله ان النبي (ص) يرى جبريل.
ان مصادرات المفسرين هي من اغرب المصادرات.
إذن فالضمير في (رآه) يعود على موضع السورة
المبحوث فيه. ولما كان متعلقاً بالخنس الجوار
الكنس وبالأفق المبين فالذي رآه النبي (ص) هو
النجم الموعود الجاري في الأفق المبين والمرتبط
بموضوع السورة والوعد الإلهي.
فالقرآن هنا يصدق النبي (ص) فيما ذكره من
تفاصيل عن الوعد والتي أخفى الاعتباط أكثرها لأن
القرآن هو دليله:
"قام فينا رسول الله (ص) مقاماً ما ترك
شيئاً يكون في مقامه ذلك إلى قيام لساعة إلا حدّث
به حفظه من حفظه (أو) وعاه من وعاه ونسيه من
نسيه..."(1).
وهنا يأتي النص القرآني لإحباط محاولات
التحريف وإخفاء خصائص الوعد المنتظر وعلاماته
لقدرة النص القرآني الفائقة في استيعاب محاولات
التحريف التي لا تنتبه إلى التناقضات ولا تدرك
صرامة النظام القرآني – فتبقى المعلومات محفوظة في
النص مهما بالغوا في صرف معانيها وإبعادها عن
دلالاتها.
هل تصدق أخي القارئ أن الأمة تنسى تفاصيل
الفتن التي يذكرها بإسهاب صاحب الرسالة وخاتم
الأنبياء (ص) وهي من هي في حفظ الأيام والأساطير
والأشعار؟
وهل تصدق أن خطبة تستمر بحدود عشر ساعات لم
يرد لنا منها إلا ما تفيه خمس دقائق من القراءة؟
والخطبة تتحدث عن نبوءات آتية وفتن يحدد فهيا صاحب
الرسالة الموقف من كل واحدة بالتفصيل؟ نعم إن إحدى
خطبة استمرت بحدود عشر ساعات!!
وهذا هو أقل تقدير:
عن عمر بن أخطب (رض) قال: صلى بنا رسول
الله (ص) الفجر وصعد المنبر فخطبنا حتى حضرت الظهر
فنزل فصلى ثم صعد المنبر فخطبنا حتى حضرت العصر ثم
نزل فصلى ثم صعد المنبر فخطبنا حتى غربت الشمس
فأخبرنا بما كان وبما هو كائن.."(1)
إذن فالتفاصيل التي يذكرها النبي (ص) لهم
عن الوقائع المستقبلية تتضمن تحقيق الوعد الإلهي
المنتظر وتطبق شريعته على الأرض كلها وتحقيق
الخلافة الإلهية وهي أمور غيبية لذلك ارتبطت
بالعبارة القرآنية "وما هو على الغيب بضنين" –
فالذي يخبر به هو من مشاهدة حقيقية لأنه رأى النجم
الموعود في الأفق المبين، ولذلك أيضا قال "وما
صاحبكم بمجنون".
وقد أشرنا باقتضاب في كتاب النظام القرآني
إلى ان تهمة الجنون تختلف عن بقية الاتهامات
الموجهة للنبي (ص). فأن لكل اتهام قضية وسبب مختلف
وان هذه التهمة إنما يطلقونها في حالة معينة هي
إخبارهم بأنه سيستولي على الملكوت ويقيم دولة الحق
ويفتح أبواب السماء ويملك مفاتيح الجنة والنار
وانهم يبعثون أو ينشرون أو يخرجون فيكونوا من جملة
ذلك الخلق.
لنلاحظ مواضيع الاتهامات العديدة الموجهة
للنبي (ص) فقد كانت الاتهامات هي: شاعر، كاهن،
كذاب، ساحر، مجنون. وقد اتهم رسل (ع) سابقون ببعض
تلكم الاتهامات:
الشاعر: كانوا يطلقون هذه التهمة عليه (ص) حينما
يطالبون بتفسير أو يريدون إعطاء تفسير للنص
القرآني.
لذلك ارتبطت لفظياً مع القرآن.
"بل قالوا أضغاث أحلام بل افتراه بل هو
شاعر" 5/الأنبياء.
"وما علمناه الشعر وما ينبغي له أن هو الا
ذكر وقرآن مبين" 69/يس.
الساحر: وكانوا يقولون هو ساحر إذا رأوا منه آية
مادية ظاهرة مثل انفلاق القمر أو تكليم الجبل أو
انشقاق الشجرة أو تكليم الجمادات أو ما يحصل من
تفاصيل يومية وخلال الغزوات والمعارك من شفاء
للمرضى وتكليم للموتى.
فارتبطت التهمة بهذه المعاجز المادية ومع
جميع من امتلك منها من الرسل السابقين:
"اقتربت الساعة وانشق القمر وأن يروا آية
يعرضوا ويقولوا سحر مستمر" 1/2-القمر.
"وقالوا مهما تأتنا بآية لتسحرنا بها فما
نحن لك بمؤمنين" 132/الأعراف.
قال ذلك آل فرعون عن الآيات المادية لموسى
وهي تسع آيات.
وقالوا الشيء نفسه عن معجزات المسيح (ع):
"وإذ تخلق من الطين كهيئة الطير بإذني
فتنفخ فيها فتكون طيراً بإذني وتبرئ الأكمة
والأبرص بأذني وإذ تخرج الموتى بإذني
وإذ كففت بني إسرائيل عنك إذ جئتهم
بالبينات فقال الذين كفروا منهم إن هذا إلا سحر
مبين" 110/المائدة.
وهكذا ترتبط تهمة السحر دوماً بالمعاجر
المادية.
الكاهن: ويذكرون هذه التهمة لتفسير وقائع قريبة
يخبرهم بها النبي (ص) وتتحقق فيقولون هو كاهن لأن
ذلك من أعمال الكهان على رأيهم. ولما كانت (نعمة
الله) ظاهرة وباطنة:
"وهو الذي أسبغ عليكم نعمة ظاهره وباطنه"
فحينما يخبرهم بما هو ظاهر يقولون كاهن
وإذا أخبرهم بما هو باطن لم يصدقوا فيقولون مجنون!
لذلك ارتبط اللفظان (كاهن – ومجنون) سوية
مع النعمة:
"فذكر فما أنت بنعمة ربك بكاهنٍ ولا مجنون"
29/الطور.
الكذاب: كانوا يطلقون هذه التهمة إذا اخبرهم
بوقائع الماضي فهي تهمة مرتبطة بتاريخ الكون أو
العالم.
فمثلا أنهم يزعمون أن الآلهة كثرة خلق
بعضها من بعض وهذا تاريخ نشوء الكون والقوى
الفاعلة فيه.
فإذا رد الدعوة بالإله الواحد وقال بانفعال
جميع القوى له مستدلا على ذلك بآيات تنفعل فيها
المادة له فقد اظهر حجة بالغة لأنه قادر على أن
يفعل في الموجودات ما شاء خلافاً للآلهة المزعومة
وهذا الفاعل يقر أنه وجميع ما فعل منفعل للإله
الواحد فهذه حجة كاملة من الناحية المنطقية.
فكانوا يردون على الوحدانية باعتبارها
تاريخاً بالتكذيب ويفسرون انفعال القوى له (ص)
بالسحر:
"وعجبوا أن جاءهم منذر منهم وقال الكافرون
هذا ساحر كذاب"
"أجعل الآلهة إلهاً واحداً إن هذا لشيء
عجاب" 3-4/صاد
وهكذا ترتبط تهمة الكذاب بالخبر الماضي:
"ألقيَ الذكر عليه من بيننا بل هو كذاب
أشر" 25/القمر.
مجنون: وهي التهمة موضوع البحث. فهذه التهمة كانوا
يذكرونها حينما يريدون تسفيه أخبار عن مستقبل
العالم – فيما يخص نزول العذاب أو ظهور الدين في
الطور المهدوي.
فهذا الظهور يستلزم نزول العذاب المرتبط
بنزول الملائكة وظهور البركات لأن الاستخلاف هو
عملية فرز للفريقين وتمكين للصالحين في الأرض
يقابله عذاب للمنافقين والمعاندين فإذا اخبرهم
بوقائع من هذا النوع قالوا هو مجنون.
كذلك ارتبط هذا اللفظ مع بشائر جميع الرسل
(ع).
فمن ذلك قولهم لنوح (ع) انه مجنون عندما
اخبرهم بنزول العذاب واستخلاف المؤمنين:
"كذبت قبلهم قوم نوحٍ"
"فكذبوا عبدنا وقالوا مجنون وأزدجر. فدعا
ربه أنه مغلوب فانتصر ففتحنا أبواب السماء بماء
منهمر وفجرنا الأرض عيوناً" 9-11/القمر.
وقد اتهم موسى (ع) بتهمة السحر باستمرار.
ولكن في مرة واحدة فقط اتهمه فرعون بالجنون؛ وهذه
التهمة الجديدة كانت قد حصلت خلال محاوره طويلة
بينهما يتساءل فيها فرعون عن (رب العالمين) وهي
مختلفة عن الواقعة التي سأل فيها موسى وهارون
قائلاً:
"فمن ربكما يا موسى:.
ونلاحظ ان الجمع (رب العالمين) – مرتبط
بالاستخلاف كما سيأتيك في موضعه.
كذلك اتهموا هوداً (ع) بنفس التهمة في
واقعة معينة. ومع ان لفظ (مجنون) لم يرد مع هود
إلا أن المفهوم هو الجنون وذلك في قولهم:
"إن نقولُ إلا إعتراك بعِضُ آلهتنا بسوء"
54/هود.
لان الروابط اللفظية تخبرنا عن سبب التهمة،
ففي سورة الأعراف ذكرهم هود بأنهم مستخلفين من بعد
نوح ودعاهم إلى تقوى الله فلم يقولوا مثل هذه
التهمة.
لكن قالوها في مورد هود لماذا؟ لأنه هنا
ذكرهم بما سيؤول إليه أمرهم وأشار إلى نزول العذاب
واحتمال هلاكهم واستخلاف المؤمنين من غيرهم بعد ان
يئس من طاعتهم:
"فان تولوا فقد أبلغتم ما أرسلت به إليكم
ويستخلف ربي قوماً غيركم ولا تضرونه شيئاً".
وأما مع النبي (ص) فقد ذكروا هذه التهمة
عند تذكيرهم بمستقبل العالم ونزول العذاب:
"قل إنما أعظكم بواحدة أن تقوموا لله مثنى
وفرادى ثم تتفكروا ما بصاحبكم من جنة أن هو إلا
نذير لكم بين يدي عذاب شديد" 46/سبأ.
(1)
من قوله تعالى "إذ تبرأ الذين اتبعوا من
الذين اتبعوا ورأوا العذاب وتقطعت بهم
الأسباب" – البقرة / 166.
(2)
من قوله تعالى "يقول الإنسان يومئذ اين
المفر" القيامة/ 10.
حق المعرفة فوق
كل الحقوق
جميع الحقوق محفوظة لموقع زيتونة
موقع
زيتونة نافذة مستقلة ليست مسؤولة عن مضمون المقالات التي
تنشر
ولا تعتبر المقالات المنشورة وجهة نظر رسمية للموقع
، بل فقط تعبرعن رأي الكاتب asfook@yahoo.com