جاء ذكر يوم الديِّن في سورة الانفطار ثلاث
مرّات وهي السورة الوحيدة التي تكرر فيها ذكر هذا
اليوم، بينما كانت جميع الموارد الأخرى قد جاءت
مّرة مّرة في كل سورة من السور العشرة الأخرى.
ومن جهة أخرى فإن يوم الدين جاء مقترناً
بالتكذيب أيضاً ولكن بصورة غير مباشرة من خلال لفظ
(الفجار).
"وإن الفجار لفي جحيم يصلونها يوم الدين"
ولكن تكرار الاسم جاء مع صيغة (ما أدراك)
مكرراً:
"وما أدراك ما يوم الدين، ثم ما أدراك ما يوم
الدين".
وقد علمت أن عبارة (ما أدراك) قد جاءت للآن
في أربع سور مرت عليك مرتبطة بالعلامات الكونية أو
بخصائص طور الاستخلاف وهي الطارق في (وما أدراك ما
الطارق) والمدثر في (وما أدراك ما سقر) والهمزة في
"وما أدراك ما الحطمة) والمطففين في "وما أدراك ما
سجين".
إذن فصيغة العبارة "ما أدراك" هي من ألفاظ
الطور المهدوي، فهل تتفق مواردها عددياً مع خلفاء
هذا الطور أو حقبه المرتبطة بهذا العدد؟
رأينا أن موارد يوم الدين ثلاثة عشر مورداً
وعلمنا معنى هذا الرقم من قبل. لذلك نجد موارد
عبارة ما أدراك لا تتفق مع هذا العدد وحسب وإنما
تتناوب التكرار في ثلاثة سور مشيرة إلى نظام تكرار
موارد يوم الدين الثلاثة.
لكن النظام الثلاثي هذا يبدو أنه ساري
المفعول في موارد تكرار الألفاظ المقترنة بالعبارة
(ما أدراك)، لأننا إذا أحصينا مكررات هذه الألفاظ
نجدها تكررت ثلاث مرات متجاورة مع بعضها بيد أن
عددها في الموارد الثلاثة عشر ثلاثة أيضاً.
لاحظ النظام الثلاثي الآتي:
1- الحاقّة
?
ما الحاقّة
?
وما أدراك ما الحاقّة.
1
2 3
2- ليلة القدر
?
وما أدراك ما ليلة القدر
?
ليلة القدر.
1
2 3
3- القارعة
?
ما القارعة
?
وما أدراك ما القارعة.
1
2 3
لكن هذا النظام إذا كان مرتبطًا بهذه الموارد
فقط في كل القرآن أي لا توجد ألفاظ ثلاثية الذكر
في كل القرآن سوى القدر – الحاقة القارعة واشتراك
الثلاثة بحرف القاف فإن النظام الثلاثي نجده في
المكررات الثنائية للموارد الثلاثة عشر بالنسبة
للفظ (ما أدراك) فقط. وهذا يعني أن لهذا اللفظ نوع
من التمركز في النصوص بحيث أنه يشكل عنواناً
بحثيًا للجمع بين تلك النصوص. لاحظ هذا النظام.
1
2 3
لا توجد سور تتكرر فيها صيغة ما أدراك مرتين
سوى هذه الثلاثة. ولكننا نلاحظ أن الانفطار هي
الوحيدة التي كان المكرر فيها هو نفسه (يوم
الدين).
هذا يجعلنا نبحث عن النظام الثلاثي لمفردة
يوم فنجده في الموارد الثلاثة عشر قد تكرر ثلاث
مرات فقط.
إن هذا التبادل بين النظام الثنائي والثلاثي
يذكرنا بأنظمة سورة الكهف في الفصول الأولى وبصفة
عامة فإنه يذكرنا بالرقم (6) الذي هو عدد أيام
الخلق والعامل المشترك للرقمين.
وقد نعثر على النظام السداسي هذا في ألفاظ
عدة مرتبطة بهذه الشبكة مثل (يوم الفصل) فإنه
متكرر في القرآن ست مرات واحد منها فقط من جملة
المقترن بصيغة (ما أدراك).
وقد يتفرّع النظام السداسي إلى الحروف. فإن
(قاف) مرتبط بالتكوين، أي أنه مرتبط بالفلك من
خلال ما ذكر عن النبي (ص) أنه جبل محيط بالأرض وفد
فسرناه بالقوة المغناطيسية بأدلة لغوية وعلمية
وروائية وافية في النظام القرآني.
فهل نجد مكررات لهذا الحرف متفق مع أيام
الخلق مثلاً؟
نعم، فإن الحرف جاء في ستة ألفاظ فقط من
مجموع الموارد التي اقترنت بصيغة ما أدراك، وهي:
1. وما أدراك ما الحاقة - الحاقة
2. وما أدراك ما سقر - المدثر
3. وما أدراك ما الطارق - الطارق
4. وما أدراك ما العقبة - البلد
5. وما أدراك ما القارعة - القارعة
6. وما أدراك ما ليلة القدر - القدر
ويمكنك أن تلاحظ أن الأنظمة تعود مجدداً
للظهور في داخل البناء الصوتي نفسه للألفاظ، لأنك
إذا أعدت الألفاظ إلى الثلاثي الأصلي لمعرفة تسلسل
وقوع حرف القاف في البناء اللفظي وجدت النظام
الثنائي والثلاثي قد ظهرا في ترتيب القاف داخل
الألفاظ على النحو الآتي:
التسلسل
الترتيب
اللفظ
العدد
1
الترتيب الأول
قدر
قرع
2
2
الترتيب الثاني
عقب
سقى
2
3
الترتيب الثالث
طرق
حاق
2
إن جميع الحروف التي تقدمت حرف القاف كانت قد
استعملت في أوائل السور كحروف مقطعة:
العين: في ك ه ي ع ص
السين: في ع س ق
الطاء: في ط.ه
الحاء: في ح.م
الراء: في أ.ل.ر
الألف: في أ.ل.م
ويظهر من ذلك أن النظام يسري إلى مستوى توزيع
الأصوات في الألفاظ، وهذا ما يؤيد النظرية القصدية
للغة. فإن منشأ النظام اللغوي أصلاً هو من دلالة
الأصوات نفسها، بيد أن إيقاع كلام متفق مع هذا
النظام هو أمر تعجز عنه عقول الخلق كافة –إذ يفترض
في الاتفاق أن يكون شاملاً ولا يوجد بين أيدينا
نظام لغوي بهذه الصورة سوى النظام القرآني.
إذا رجعنا إلى سورة الانفطار نلاحظ تشابهًا
في المقاطع التي افتتحت بها السورة. فهنا أربعة
شروط متعاطفة بجواب واحد:
"إذا السماء انفطرت. وإذا الكواكب انتثرت.
وإذا البحار فجرت. وإذا القبور بعثرت. علمت نفس ما
قدمت وأخرت".
وإذا كانت الشروط في سورة التكوير اثني عشر
شرطًا، فإن مفردات الشروط في سورة الانفطار إثنتا
عشر لفظاً، ذلك لأن كل شرط من الشروط الأربعة
ثلاثة مفردات.
كان الجواب في سورة التكوير هُوَ "علمت نفس
ما اُحضرت". بينما الجواب في سورة الانفطار هُوَ
"علمت نفس ما قدمت وأخرّت". وكان الاعتباط اللغوي
قد ذكر كما هي عادته ان (انفطرت) معناه (إنشقت
وقال الانفطار والانشقاق والانصداع واحد وهُوَ
الأنفراج – انظر البيان/10/290.
وقد أكّدنا في الحل القصدي للغة ان هذهِ
الألفاظ متباينة وهي تشير إلى مراحل مختلفة ووقائع
منفصلة تحدث للتكوينات خلال الحقب المستقبلية وهي
أيام الله المنتظرة، فلكي يتعرف الخلق على تأريخهم
المستقبلي عليهم التدبّر في الفوارق بين هذهِ
الألفاظ.
ان العمليات التي تجري للسماء في القرآن
كوقائع هي اربعة عمليات:
الانكشاط: "وإذا السماء كشطت" التكوير /
الانفراج: "وإذا السماء فرجت" المرسلات/9.
الانفطار: "إذا السماء انفطرت" الانفطار/1.
الانشقاق: "إذا السماء انشقت" الانشقاق/1.
ان كل عملية من تلك العمليات لها خصائصها
المتميزة فمثلا إذا لاحظت الانشقاق فانه مرتبط
بتقسيم الخلق إلى فئتين من أوتي كتابة بيمينه ومن
أوتي كتابة بشماله أو وراء ظهره:
"إذا السماء انشقت. وأذنِتْ لربّها وحُقت" إلى
قوله "فأمّا من أوتي كتابة بيمينه فسوف يحاسب
حساباً يسيراً وينقلب إلى أهله مسروراً. وامّا من
أوتي كتابة وراء ظهره فسوف يدعو ثبورا.." الانشقاق
من السياق/1-11.
فإذا تابعت الانشقاق في مورد آخر وجدته
مقترناً بالكتب أيضاً: "وأنشقت السماء فهي يومئذ
واهية. والملك على أرجاءها ويحملُ عرش ربك فوقهم
يومئذٍ ثمانيةً. يومئذ تعُرضون لا تخفي منكم
خافية. فأمّا من أوتي كتابة بيمينهِ فيقول هاؤم
إقرأوا كتابية..." الحاقه/16-19.
إذن فانشقاق السماء مرتبط بجميع الوقائع التي
يذكر فيها توزيع أو نشر الكتب، ولا يرتبط بالوقائع
المتصلة بحوادث السماء الثلاثة الاخرى.
ونحن نذهب إلى القول الذي يؤكد ان النظام
القرآني يمكن ان يدلّنا على جميع التفاصيل الدقيقة
المرتبطة بهذه الحوادث بما في ذلك اوقاتها فيما لو
عرفنا الأنظمة العددية وعلاقتها بالاستعمال
اللغوي.
وعلى ذلك فان سورة الانفطار تبدأ بواقعة غير
الانشقاق ضرورة ان لفظ الانفطار مختلف عن
الانشقاق.
لا يمكننا هنا ان نذكر التفاصيل المتعلقة
بهذين اللفظين، فان الوقائع الأربعة للسماء مرتبطة
في النظام القرآني بجميع ما يذكره القرآن ويريد به
ما يقع في المستقبل اذ يتوجب ارجاع الوقائع إلى
أحقابها وبالطبع فانّ هناك تداخلاً لفظياً قد
يُوقعنا في وهم شديد لا نشعر به.
إنما يهمنا هنا أول تلك الوقائع وهُوَ يوم
الدِّين. لم يأت في السورة لفظ التكذيب مقترناً
بيوم الدينَ بل جاءَ التكذيب بالديِّن نفسه قبل
ذكر يومه:
"إذا السماء انفطرت. وإذا الكواكب انتثرت.
وإذا البحار فجرّت وإذا القُبور بعثرت. علمت نفس
ما قدمت وأخرّت. يا أيها الإنسان ما عزك بربك
الكريم. الذي خلقك فسواك فعدلك. في أي صورة ما شاء
ركبّك. كلاّ بل تكذبون بالدَّين. وان عليكم
لحافظين. كراماً كاتبين. يعلمون ما تفعلون."
الانفطار: 1-12.
ورد ذكر الإنسان في القرآن (65) مرة. وقد
رأيت انه مذموم في عموم تلك الموارد بخلاف البشر
الممَدوح في الموارد القرآنية جميعاً في هذا
الموضع توجّه الخطاب إلى الإنسان: يا أيها
الإنسان! ولم يرد مثل هذا الخطاب مرة أخرى الاّ في
سورة الانشقاق.
والآن فانك تعلم العلاقة فان سورة الانشقاق
تضمنت علامات للطور المهدوي ذكرناها سابقاً.
لكن متن الخطاب مختلف: ففي الانشقاق قال: يأ
أيها الإنسان انك كادح إلى ربك كدحاً فملا قيه".
فقد التفت اليه في وضعه الراهن فخاطبه محذراً بعد
ان ذكر العلامات.
ولمّا كانت الغاية هي وصول الإنسان إلى طور
البشر ولمّا كانت سورة الانفطار تتحدث في أولها عن
مرحلة متقدمة جداً من المهدوية وقريبة من القيامة،
فقد توجه الخطاب إلى الإنسان الذي بقي في إنسانيته
الأولى ولم ينزق إلى مرحلة البشر وكأنه في هذهِ
المرحلة أصبح ميئوساً من ترقية فالذين بقوا إلى
تلك اللحظة في طور الانسانية لا أمل في وصولهم إلى
مرحلة البشرية فقال:
"يا أيها الإنسان ما غرك بربك الكريم الذي
خلقك فسواك فعدلك".
ذكرّه الآن بمراحل التكوين التي مّر بها وهي:
الخلق والتسوّية والتعديل ... ذلك لأنه خالف هذا
الناموس التطوري ولم ينتفع من التسوية والتعديل ..
بمعنى أنّه لمْ يصل مرحلة نفخ الروح فيه كما حصل
لآدم (ع) وللبشر.
وقد لاحظنا بالتفصيل علاقة هذهِ الروح
المنفوخة في آدم بالطاعة وفصلّنا القول في انها
غير رَوح الحياة وقلنا ان آدم (ع) كان حّياً قبل
نفخ الروح لكنه كان ميت النفس فهو حي ببدنه فقط
وانه واحد من مجموعة كبيرة من بني الإنسان تطوروا
عن مخلوق الحمأ المسنون والطين وان الله تعالى قد
اصطفاه من بينهم لأنه إذ عن بالطاعة لله وتجاوز
مرحلة الإنسانية فنفخ فيه روح الأيمان: "ان الله
اصطفى آدم ونوحاً وآل ابراهيم وآل عمران على
العالمين".
وقلنا كذلك ان الخلق الآن ليسوا جميعاً ولد
آدم فثمة أقليّة نقيّة من آدم وثمة اختلاط في
الذريّات بين ولد آدم ومن بقي من صنف الإنسان
الأول.
بيد ان عمليات الإبادة الجماعية للأمّم كانت
تستهدف حَصَر نطاق الذراري بذرية آدم وتقليل عملية
الاختلاط.
ذكرنا كل ذلك في كتاب (أصل الخلق). وانّ مما
يؤيده جميع الموارد التي تذكر الإنسان والبشر
وكذلك الموارد المتميزة جداً التي توجه فيها
الخطاب لبني آدم وحَدهم.
يصُبح الخطاب هنا متوجهاً للنوع الإنساني كله
– النوع المتخلّف عن التطور المنشود ولذلك جاءت
صيغة الخطاب للمجموع فوراً: "كلا بل تكذبّون
بالدِّين".
وقد قلنا هناك أيضاً أن الاختيار الإنساني الذي
هُوَ محُور التكليف الشرعي هُوَ في الواقع انتخابٌ
ذاتي، أي انه مختلف عن الانتخاب الطبيعي في كون
المنتخب والموضوع واحد في الإنسان دون سائر
الكائنات كما يظهر لنا في الأقل.
أي انك تنتخب السنابل الجيدة لتعيد زراعتها
فتحصر الإنتاج بالسنابل الجيدة. أمّا الإنسان
كنوع، فيقوم بانتخاب نفسه وتقرير نوعه من خلال
اختياراته فهو المنتخب وهُوَ موضوع الانتخاب.
فالفرد الواحد قد لا يؤثر بالنسبة لنا
كثيراً. ولكن الأمر عند الله مختلف جداً فانه
يُعيد الحياة للأموات ويغيّر النظام الطبيعي ويعطي
لهذا الانتخاب فرصته الكاملة.
إذن نفهم الآن قول الصادق (ع): إن المؤمن في
دولة المهدوية يطول عمره حتى يولد له ألف ولد ذكر.
كما نفهم لماذا يكون قتل النفس بغير نفس
أو فساد في الأرض يعادل قتل الناس جميعاً في النص
القرآني. فالمقّدر لهذهِ النفس أن تستمر حياتها
وانما كتب عليها الموت للابتلاء لا غير وإنها
لتحيا فيما بعد حتى تكون لها ذريّة صالحة كلها
بقدر عدد الناس الذي وُجدوا من قبل.
إذن فتأهيل الملكوت والسموات السبع في الطور
المهدوي كما ذكرته بعض الأخبار هُوَ المطابق
للمنطق القرآني.
صحيح أن المؤمنين "ثلة من الأولين وثلة من
الآخرين" بيد أن هذا العدد سيتضاعف بصورة لا يمكن
رسم حدوُدها وان العصاة ليرون بأعينهم كل شيء
فيزدادوا حسرة على حسرتهم.
إن التغيرات التي تحصل للجسد في الجنة مثل أن
بيض الوجوه وان يتضاعف الحسن والجمال حتى ذكرت بعض
النصوص أن نور وجُوهم يفوق الأنوار الكونية إنما
هُوَ من هذا الباب، فان الانتخاب الذاتي يأخذ
مداه.
وهنا يمكننا ان نفهم قوله تعالى "... فسواك
فعدلك. في أي صورةٍ ما شاء ركبّك" نفهمها بالطريقة
التي تجعل هذا التركّب مسُتمراً مع الإنسان كنوع
فان اشكال وُصور المعذبين من المكذبين والمشككين
بقدرة الله المطلقة ستكون على عكس ما رأيناه من
صور للمؤمنين فهي صور قبيحة مردودة إلى أسفل
سافلين.
ومن هنا قد نكون أول من يُعطي تفسيراً
معقولاً لفكرة التناسخ التي انتشرت في حقب تاريخية
مختلفة.
فان أكثر العقائد هي عقائد دينية قالها
أنبياء ورسل فتّم تشويهها وتحويلها عن وجهتها. فقد
قال برجوع الظالمين إلى الصور القبيحة والحيوانية
فلاسفة قدامى من اليونان امثال أرسطوطاليس وسقراط
وأفلوطين على اختلافات بينهم "أنظر – النفس لأرسطو
–2-4/415 ب وتاريخ الفلسفة الغربية/راسل/274
والفلسفة في الإسلام/288 وطيماؤس/453-أ".
وقد سميت الفكرة المشوهة هذه (بتناسخ
الأرواح)، بينما أصل الفكرة ان النفس التي منحها
الله اختيارها الذاتي تختار لنفسها خطة الترقّي أو
التقهقر ومن الواضح ان عملية التقهقر هي رجوع إلى
الأطوار الأولى للخلق حسب الدارونية الجديدة في
(أصل الأنواع) وبالتالي تتوقف النفوس عند حدودها
القصوى في هذا الاختيار وإذن فنحن بازاء تناسخ
أجساد لا أرواح.
بل لفظ (تناسخ) لا يطابق هذا المفهوم إنما
هُوَ تقهقر أو ترقي فالمادة الجسّدية المكونة من
عناصر الأرض هي عامل متبادل في التأثير من النفس.
هنا قد نفهم معنى قوله تعالى في سورة ياسين:
"ولو نشاء لمسخناهم على مكانتهم فما استطاعوا
مُضيا ولا يرجعون". هذهِ الآية الغريبة التركيب
والتي حيرّت المفسّرين في المعاني المتعلقة:
بالمكانة، والمضيّ، والرجُوع .. تتوضح الآن وفق
مفهوم أساسي قائم على الانتخاب.
والمعنى العام ان الله لو شاء ان يسلبهم
الحرية (قدرتهم على الانتخاب) فان ذلك يعني ان
يُمسخوا على مكانتهم الفعلية أي درجتهم الحقيقية
من التطوّر – فان أبدانهم تطوّرت متقدمة أشواطاً
بملايين السنين في حين تأخرت نفوسهم المريضة
بالحيوانية البدائية وبقيت في حالها الأوّل
فالأبدان الملائمة لهم هي أبدان تتناسب مع درجة
عقلانيتهم بمعناها الذي هُوَ عند الله تعالى.
فإذا سلبهم هذهِ القدرة ومسَخهم على تلك
المكانة فلا قدرة لهم على المضّي قدماً في التطور
ولا الرجوع إلى الصورة الأولى المكونة من التراب.
ومن الممكن ان تقرأ العبارات مع حركة المسخ أي فلا
يستطيعون مضياً في التقهقر ليعودوا إلى المادة
الأولى الترابية ولا يقدرون على الرجوع للأصل الذي
مسخوا عنه وهُوَ الصورة الإنسانية – بجعل حركة
المضّي والرجوع متناسبة مع حركة المسخ بعكس
الترتيب الأول.
ولكن الله تعالى لم يفعل ذلك بهم للآن فقد
أعطى هذا الخلق والذي يسمّيه أحد الأئمة (ع):
"الخلق المنكوس" – أعطاهم فرصة مستمرة للاختيار.
ان لفظ منكوس يفيد التراجع والتقهقر في الحركة. إن
لفظ (منكوس) الذي يذكره الأمام الصادق (ع) لهو
دليل واضح على قانون الترقّي للإنسان لأنه يتضمّن
حركة التطور تضمّناً دلالياً، إذ انتكس هذا الخلق
في أغلب أفراده خلافاً للحركة المسنونةِ التي وضعه
الله فيها.
وما ذلك الاّ لتكذيبة بالتطوّر، إذ انّ هذهِ
القدرة في الإنسان مرتبطة بخياراته.
ان الطالب في الجامعة إذا اعتقد انه لا نهاية
لمرحلة الدراسة وان الامتحانات النهائية اكذوبة
وان الشهادة التي تعطي له في النهاية هي مجرد
خُدعة وان تعيينه في عمل هام في المجتمع مجرد
دعاية .. إذا اعتقد بكل ذلك – فهل تظنّه سيفتح
كتاباً بعد ذلك وهَل ستزداد معلوماته؟ وهل سيحترم
الجامعة ومن فيها؟ كلاّ فهذا الشعور بعبثية
الجامعة والدراسة وعدم جدواها تجعله في موقف مناقض
للمأمول منه في جميع الأشياء المتعلقة بذلك..
فأنه سيمقت العالم كله ويتحول إلى بهيمة
وسينعكس ذلك على سلوكه العام فتسوء أخلاقه ويكون
عدواً للجامعة ومن فيها.
فكذلك الأمر من المكذبين بالغاية والنهاية
لهذهِ الجامعة الإلهية الكبيرة والمدرسة الحياتية
الطويلة الأمد. ان المكذبين بالوعد أشرار حتى لو
رأيتهم يفعلون (الخيرات) فان كوامنهم، تنطوي على
حقد دفين ضد الخلق وضَدَّ أنفسه، فهم يمقتون هذهِ
(الجامعة) بما في ذلك وجودهم فيها:
"ان الذين كفروا يُنادَون لمقتُ اللهِ أكبر من
مقتكم أنفسكم
إذ تدُعَونَ إلى الأيمان فتكفرُون" غافر/10.
ولكن غالباً ما يظهر من هؤلاء سلوك خادع
فيحسبهم الساذج مؤمنين ذلك ان (الجامعة) الإلهية
هذهِ مختلفة من حيث ظهور النتائج، فالنتائج فيها
تظهر متأخرة جداً في الزمان لأن موضوع دراستها
هُوَ نفس وجود. هذا النوع الإنساني وأفراده
وحياتهم ومماتهم – فقد يحسب المرء ان التفريق بالغ
الصعوبة وإن تمييز الخبثاء عن الطيبين عمل معقد.
كلا انه على الله يسير جداً ومن هنا قال: "بل
تكذبَّون بالدِّين. وان عليكم لحافظين. كراماً
كاتبين يعلمون ما تفعلون" وعدا الملائكة الذين
يكبون الأعمال فقد أشارت نصوص أخرى هامّة ان تسجيل
الأعمال ذاتي الصورة.. أنها أعمال مسجلة في نفس
كيان هذا المخلوق. ومن هنا أشار القرآن إلى شهادة
الجوارح على الإنسان إذ أن الإنسان لا يملك في
الواقع سوى قدرة الانتخاب انه عند الله عبارة عن
(حرية) مجردة، فبدنه وأعضاءه ليست من أملاكه
الخاصة انها مخلوقات مذعنة لله طائعة له، أعيرت له
على سبيل الإعارة لاستخدامها فهي له ان أحسن وهي
عليه أن اساء.
وهنا يأتي التقسيم إلى مجموعتين:
"ان الأبرار لفي نعيم. وان الفجارّ لفي جحيم.
يصلونها يوم الدين. وما هم عنها بغائبين. وما
أدراك ما يوم الدين ثم ما أدراك ما يوم الدِّين.
يوم لا تملك نفس لنفس شيئاً والأمر يومئذٍ لله".
إذن يعود الأمر كما بدأ لله وحده وتجردّ
النفس عن أملاكها فتظهر (نفس مجردة)، تظهر كاختيار
محض، وليس معنى ذلك انها نفس من غير بدن أو جسم
كما تتوهم، فالنفس بغير أدوات لا تقدر على
الاختيار إنما هي نفس جرّدها الله عن قدرتها في
المخادعة بتغيير النظام.
وهنا يفكر المجرمون بالاعتراض فيقولون: انه
هذا التغير سيكون بعد موتنا فنحن غائبون عن هذا
الواقع في يوم الدِّين.
ويأتي الجواب فورَ قوله يوم الدين في جملة
معترضة تأتي بسرعة لتفصل مكررات هذا اليوم.
إذ يُفترض ان السياق هُوَ: "يصلونها يوم
الدين. وما أدراك ما يوم الدِّين".
لكنه فصل بينهما بجملة: "وما هم عنها
بغائبين"، ليقطع الطريق عليهم في ادعاءهم هذا.
مناقشات مع الاعتباط اللغوي
1. زعم الاعتباط ان قوله تعالى (حافظين. كراماً
كاتبين، يعلمون ما تفعلون)، زعم انهم يعلمون
الظاهر من الأعمال دون الباطن.
أقول لماذا يستغفر المؤمن إذن عّما فعل في
خلواتِه وعّما خالفت فيه نواياه ظواهر عمله؟
أنهم يحسبون ان الكرام الكاتّبين ملائكة
بمعنى أشخاص مثل الإنسان يرافقونه فيكتبوَن ما
يرونه فقط لكنه لا يراهم فالقرآن ذكر الملائكة
باسم (الرقباء) وذكرهم باسم (المعقبات) وهنا اسم
آخر هُوَ (الكرام الكاتبين).
فالرقباء والمعقبون كائنات خارجية امّا
الكاتب فهو داخل الإنسان ولذلك ارتبط علمهم بالفعل
لا بالعمل.
وقال آخرون بل يبقى اللفظ على عمومه لأن
الله تعالى يعلمهم ذلك الباطن من الأعمال. أقول:
أنه ذكر الفعل وليس العمل والفعل أعم، وقال
(يعلمون) فنسب العلم لهم ولم يقل يعلّمهم الله، إذ
جرت سنة الخلق بذلك فإن لديهم قدرة على حفظ ما
يكون من الإنسان من أفعال باطنة وظاهرة. فهناك إذن
من يكتب من الخارج وهناك من يكتب من داخل الإنسان.
ونحن في القضاء نلاحظ ظاهر المتهم ونربط بين بعض
الآثار عليه مع الجريمة.
أمّا الله تعالى فإنه جعل كل خلاياه
وجزيئات جسده شاهداً على أفعاله بما أودع فيها من
قدرة على الحفظ وهي خلق كريم يكتب كل صغيرة وكبيرة
وإذا كان الطب يعجز عن قراءة معظم ذلك فإن الله
قادر على قراءة كل التفاصيل واستنطاق كل
الموجودات:
"حتى إذا جاءوها شهد عليهم سمعهم وأبصارهم
وجلودهم بما كانوا يعملون وقالوا لجلودهم لم شهدتم
علينا قالوا أنطقنا الله الذي أنطق كل شيء وهو
خلقكم أول مرة وإليه ترجعون" فصلت/20-21.
2. وزعم الاعتباط أن الآيات تدل على أن الفسّاق
من الأمة مخلدين في النار.
وإذا كان ذلك غريبًا لأنه جعل الفجار
مرادفاً للفسّاق والنار مرادفاً للجحيم، من غير
تدبر. فإن الردّ عليه كان أعجب وأغرب. فقد قال
الاعتباط المناوئ:
"لا يدل ذلك على أن الفساق من أهل الملة لا
يخرجون من النار لأن هذه الآية خاصة بالكفار وقد
بينّا في غير موضع أن معهم (أي الفساق) ثوابًا
دائمًا على إيمانهم لم ينحبط لبطلان القول
بالتحابط. فإذاّ لا بد من إخراجهم من النار
ليوفّوا ثوابهم"، انتهى التبيان/10/293.
أنا لا أدري من أين يأتي الشيخ بهذه
الإجابات التي تجعل نهاية المؤمن والفاسق سواء وهو
يدين بالولاية لعلي بن أبي طالب (ع) الذي نزل فيه
وفي عدوّه قوله تعالى:
"أ فمن كان مؤمناَ كم كان فاسقاً لا يستوون"
السجدة/18.
والغريب أنه أعرض عن أكثر من خمسين آية
توضّح حال الفاسقين، فانظر هذه الموارد القليلة
منها، هل تجدهم يخرجون من النار ويدخلون الجنة؟
سبحان ربك رب العزّة عما يصفون:
أ. "ولقد أنزلنا آيات بيّنات وما يكفر بها إلا
الفاسقون" البقرة/99. ألا تراه كيف حصر الكفر بها
بالفاسقين؟ فهم وحدهم الذين يكفرون بالآيات.
ب. :نسوا الله فنسهم إن المنافقين هم الفاسقون"
التوبة/67.
هذا تعريف المنافقين، فإنهم (هم الفاسقون)،
ومعلوم أن النفاق إخفاء الكفر وإظهار الإيمان –
فحقيقة المنافق أنه كافر وبالتالي فحقيقة الفاسق
أنه كافر.
معلوم أن الأفعال المضارعة تشير إلى
استمرار عدم الهداية، فلن يخرجون من الجحيم مطلقاً
ويدخلون إلى جهنم فيما بعد ويخلدون فيها.
د. "منهم المؤمنون وأكثرهم الفاسقون" آل
عمران/10.
هذا تقسيم، وهم يدل على التغاير، فالفاسق
ليس مؤمناً. وإذن فقوله (أن معهم ثوابًا دائمًا
لإيمانهم) هو زعم اعتباطي يخالف القرآن والسنة من
أولها إلى آخرها.
ه. "كذلك حقّت كلمة ربك على الذين فسقوا إنهم
لا يؤمنون" يونس/33.
إذن فالذين فسقوا (بالماضي) لا يؤمنون
(بالمضارع)، فعدم الإيمان مستمر.
نعم كان للاعتباط اللغوي والنحوي والفكري
صولات وصولات حول هذا الموضوع الوهمي الذي ابتدعوه
وهو (مصير فساق الأمة من المؤمنين)!
تصوّر... فسّاق من المؤمنين؟!
ما هي غاية الاعتباط من ذلك؟ أليست هذه
الغاية واضحة للجميع، وهي خلط الأوراق وإضاعة
التحديدات القرآنية الصارمة؟ وإذا كان الشيخ
وأمثاله قد وقعوا في حبائل الاعتباط، فما ظنك
بالأساتذة الأكاديميين، بل ما ظنك بالناس عامّة؟
حق المعرفة فوق
كل الحقوق
جميع الحقوق محفوظة لموقع زيتونة
موقع
زيتونة نافذة مستقلة ليست مسؤولة عن مضمون المقالات التي
تنشر
ولا تعتبر المقالات المنشورة وجهة نظر رسمية للموقع
، بل فقط تعبرعن رأي الكاتب asfook@yahoo.com