الأرشيف وقفة تراث اتصل بنا كلمة زيتونة الرئيسة
 

حق المعرفة فوق كل الحقوق جميع الحقوق محفوظة لموقع زيتونة موقع زيتونة نافذة مستقلة ليست مسؤولة عن مضمون المقالات التي تنشر ولا تعتبر المقالات المنشورة وجهة نظر رسمية للموقع ، بل فقط تعبرعن رأي الكاتب asfook@yahoo.com

 

الجواهري..

الموقف الملتزم وتداعيات الغربة

د. صبيح الجابر

اليهود والأغيار: الصراع الأبدي بين "سرّ الخير" و"سرّ الشرّ"

أحمد أشقر

أسطورة الطوفان أم طوفان الأسطورة

( قراءة جديدة في اللوح الحادي عشر

عالم سبيط النيلي

التأثيرات الاستراتيجية لدول الجوار العربي أتجاه العراق

 أعداد الباحث : علي عبد الكريم الجابري

فكرة حقوق الإنسان انطلاقا من كتاب أسس ميتافيزيقا الأخلاق

 سلمى بالحاج مبروك

وزراء مالية العشرين:

اتفاق على الشعار واختلاف على التطبيق والتفاصيل

د. عادل سمارة

 دور جامعة الدول العربية في العراق

(سياسياً وأمنياً) 

أعداد الباحث : سعد عبد الحسين الشمري

التنافذ الأدبي بين العربية والإنجليزية 

للأستاذ الدكتور يوسف عز الدين

المراجعة بوابة النجاح والتفوق

وهي تقهر النسيان وتثبت المعلومات في الذاكرة

فاطمة النزوري

التجديد في الفكر التربوي

محمد نجي

موارد يوم الدين في السور القرآنية

عالم سبيط النيلي

الحقيقة الحقيقية والحقيقة الايديولوجية

 

د. مشتاق عباس معن

التنمية البشرية المستدامة والمواطنة (قراءة في جدلية مبادلة التأثير) - العراق انموذجاً)

د. منعم العمّار - باحث وأكاديمي

نهاية التاريخ ام نهاية العقل

دراسة نقدية لنظرية نهاية التاريخ على ضوء التطورات

 

د. محمد سعيد الامجد

نماذج تاريخية من التقارب المذهبي في العراق

 

واثق الحسني - باحث واعلامي

التعددية العراقية ودورها في ترسيخ الوحدة الوطنية - شروط اقامة السلم الاهلي

 

رحيم الساعدي - باحث واكاديمي

اضواء على اطروحات توينبي في فلسفة التاريخ

تعريف ونقد : علاء الدين السيد محمد تقي الحكيم

نظرية المعرفة للسيد محمد باقر الصدر

 

 د. عائشة يوسف المناعي - قطر

سايكولوجية اللعب عند الاطفال

اعداد . د. حسن منديل الطائي

 

 الفصل الثاني

قواعد الاستخلاف وعناصره

اقتباس* : علي المقرمي

1- آثار التشويه العقائدي على فكرة الاستخلاف

لقد تحدثنا الآن عن أفكار عامة ممهدة للموضوع وخطوط عريضة فعرفنا أن المصادر الإسلامية عموماً لها وجهة نظرها الخاصة بها حول الكون والعالم وتاريخه ومراحله وإنها سبقت العلم الحديث في معرفتها عن تعدد العوالم وسعة الكون بل واتصلت بهذه العوالم فيما لا يقل عن ثلاث أو أربع رحلات ذكرها القرآن في المعراج وإراءة إبراهيم (ع) ملكوت السماوات والأرض ورحلة ذي القرنين ورحلة الانطلاق السريع في الزمن لموسى وفتاة مع العبد الصالح.

كما رأينا سابقاً أن الحكومة العالمية مطلب إنساني تؤمن به وترجوه جميع الشعوب والأمم في المعمورة على مر التاريخ الحديث.

وإذن فلابد من أن تكون للمصادر الإسلامية وجهة نظرها الخاصة بها بشأن الحكومة العالمية ومستقبل البشرية ولا بد أن تكون لها رؤيتها الخاصة لهذا المستقبل- وأسلوب الوصول إليه والمنهج الفكري الذي تقوم عليه الدولة العالمية.

إنه من الغريب أن يقوم المرء بالبرهنة على بديهيات دينية وقواعد أساسية قرآنية وقوانين إسلامية واضحة لأناس مسلمين أو مؤمنين بكتب منزلة... ذلك أن المهدوية قضية عقلية لا تحتاج في الحقيقة إلى برهان.. ولكن حينما لا يبقى [من الدين إلا اسمه ومن القرآن إلا رسمه]- حسب تعبير الرسول (ص) فعندئذ تحتاج الأمة إلى براهين متعددة وليس إلى برهان واحد.

لننظر إلى المسألة من وجهة نظر عقلية محضة. فإن من أوضح الأمور أن كل ملك يحاول تطبيق القوانين التي يشرعها في مملكته. وإن لم يقدر على ذلك فأما لفساد تلك القوانين أو لعجزه عن إدارة نظام المملكة- وفي الحالتين لا يستحق البقاء على العرش.

ولقد نسي المسلمون بسبب حبك المؤامرة العقائدية ضدهم هذه البديهية وتصوروا أن الخالق الذي أبدع مليارات النظم وملايين المجرات والعوالم وبلايين الكواكب واحكم صنع النظم الكاملة وتميز بالفردانية والقهارية المطلقة على الكون المترامي الأطراف قد ترك الأمور كلها لهم، ولم بعد يبالي بتطبيق شريعته وانصياع الخلق لأوامره وأن يرى الخرق المستمر لتعليماته وقوانينه فلا يهمه ذلك بشيء وربما قال البعض أن الله لا يُكره أحداً على اتباع شريعته- فهذا حق ولكن يبدو أنه لا يراد به إلا الباطل- فكيف يكرهم يوم القيامة على دخول النار والملائكة يضربون وجوههم وأدبارهم!- من غير أن يريهم بأم أعينهم مملكته القائمة على قوانينه وقد سعد بها المؤمنون وشقي بها آخرون!؟.

فأولاً لا توجد علاقة بين الإكراه وتطبيق الشريعة- وذلك أن اليوم الذي يبدأ فيه التطبيق الفعلي لنظام المملكة الأرضية ترفع التوبة فلا تقبل توبة- بمعنى آخر يرفع الاختيار [ لا ينفع نفس إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيراً ]- كما سيأتيك في محله- وإذن فلا موضوع يبقى للنقاش فقد انتهت المهلة واكتملت فترة الاختبار.

ومن جهة أخرى- لا نرى علاقة بين الإكراه وبين تشكيل مملكة الدين العالمية فهذه المملكة إلى لحظة قيامها- حيث ترفع التوبة- قائمة على الاختيار بكامل الحرية لجميع الأفراد.. كل ما في الأمر أن الله بلغ الجميع بذلك وأسمع جميع الأمم بهذا الوعد.. فمن تمسك به كان من جملة أفراد المملكة ومن صد عنه أهلكه الله عند قيام الوعد وانتهاء المهلة، أوليس الملوك يعطون مهلة لتطبيق القانون وتسليم المخالفين أنفسهم إلى القضاء؟! إنهم يعطون يوماً ويومين وشهراً وشهرين- ولكن ملك السماوات دائم لا يزول ولا يفوته شيء ومهلته على قدر عظمته وأطوار خلقه وعمر مملكته..! [وإن يوماً عند ربك كألف سنة مما تعدون]... 47/الحج.

نعم إن الله لا يكره الناس على الإيمان به.. ولو شاء لأنزل آية (فظلت أعناقهم لها خاضعين).. 4/الشعراء. ولكنه يكره الناس على اتباع النظام- والفرق بينهما كبير فحينما تنتهي فترة الاختبار لا بد من تطبيق النظام الذي ادعى الخارجين عليه إنه (غيبي) أو (مثالي) أو (طوباوي) لا يمكن تطبيقه!- ليعلموا [إن وعد الله حق ]- وإن الساعة التي يمارون فيها آتية لا ريب فيها وأن الله يبعث من في القبور- ومع ذلك فإننا سنبرهن في محله أن سلوكهم سقر ودخولهم النار هو من اختيارهم. فمن سلم نفسه طوعاً سلم ومن لم يفعل فإن القضاء يلقي عليه القبض في النهاية كرها.. [وله أسلم من في السماوات والأرض طوعاً وكرهاً] 830/آل عمران.

إن الملك القهار لا يكتفي لتقديس شريعته بمجرد المحاسبة على المقصرين في القيامة فهذا من صفة الملوك العاجزين الذين يحملون الناس قسراً على طاعتهم.. إن الملك القدير لا بد له من تنفيذ وعده ورؤيته التطبيق الفعلي لشرائعه على أرض الواقع برغم المخالفين والمكذبين والمستهزئين.. وهو قادر على إيصال الجنس البشري إلى هذا الطور بما أودع فيه من رغبة في البقاء والتطور والعقلانية والذاكرة وبما أمدّه من العقيدة الراسخة والقادة الأصفياء والمبشرين والمنذرين من الأنبياء- مما سيأتيك تفصيله فيما بعد.

فكيف يؤمن البعض بقدرة ملوك الأرض ومفكريهم على صياغة نظرية أممية تصلح لدولة عالمية وينكرون على خالق هذا النظام قدرته على مثل ذلك؟

إن قضية سيطرة الدين على الأرض- بل وعلى الكواكب الأخرى- كما في بعض الأحاديث هي قضية بديهية فهناك بشر بيننا طالما ادعوا قدرتهم على إعطاء نظريات صالحة لكل الأمم فكم من نظرية بيننا تعيش إلى هذا اليوم؟ وكم من متحذلق يدعي قدرته على إنقاذ العالم أجمع بأفكاره ويحمل شعبه على تطبيقاتها ولو استخدم الحديد والنار؟

فمن جهة الغرب ينادي رئيس ذلك المعسكر أنه [ليس من وسيلة لإنقاذ العالم إلا النظام الاقتصادي العالمي القائم على السوق الحر أو اقتصاد السوق- وهو النظام الوحيد الذي سوف يطغى على كافة بقاع الأرض].(1)

ومن جهة الشرق كان قائد الثورة الروسية ينادي [الشيوعية هي قدر شعوب العالم].(2)

ومع ذلك ومع سماع المسلمين لتلك الصيحات غيرها ممن لم تتأسس لهم دولة تحمل الناس على عقائدهم(3)- فإن بعض المسلمين بل وبعض أصحاب العمائم يسخرون من يوم الدين ويكذبون بوقوعه! نعم لأن يوم الدين هو غير يوم القيامة في هذا المنهج. أنه يوم يكون فيه الدين واقعاً معاشاً. ما سبب  ذلك؟

إذا أردنا شرح هذا الأمر بتفصيل فإن ذلك يحتاج إلى كتاب طويل جداً- نذكر لكم فيه صفحات التآمر على الدين وعلى التوحيد بصفة خاصة وعلى نظام القرآن.

ولقد كان إنكار المهدوية تتويجاً لسلسلة طويلة من عمليات التحريف في عقائد وأساسيات الدين القويم. بل ظلت المهدوية بشكلها العام هي تقريباً الوحيدة من العقائد الكثيرة للدين الإسلامي صامدةً بوجه التحريف قياساً بغيرها من أسس الدين لأنها بقيت (مذكورة) كفكرة وإن كانت فارغة المحتوى. ذلك لأن المهدوية بشكل عام هي ما اتفق عليه جميع الأمّة بلا استثناء ولم يتم هذا الاتفاق إلا بعد إخراج الفكرة من محتواها العقائدي والشمولي وتحجيمها بالشكل الذي يناسب الطغاة ولا يقض مضاجعهم.

وليس بالإمكان ذكر عمليات التحريف العقائدي الذي جرى ويجري للآن بحق الرسالة.. إذ يستوجب ذلك إخراج الكتاب تماماً عن قصده لكثرة هذه التحريفات التي طالت كل شيء في العقيدة.. من أسسها إلى فروعها إلى إعراب وتفسير القرآن.

والمشكلة التي أعانيها شخصياً في الطريقة المثلى لإيصال هذه الكمية الهائلة من المعلومات بأقل كلام لمن لا يدري شيئاً عن تاريخ التحريف، ومن أحتمل منه ذلك من القراء.. علماً أن هؤلاء هم أكثرية الأمة بجميع مذاهبها تقريباً فضلاً عن اتجاهاتها الأخرى.

الكتاب هذا نفسه هو منهج جديد تماماً للبرهنة على حتمية الطور المهدوي من القرآن والكتب المنزلة باستخدام أسلوب التدبر اللفظي للقرآن- وهو في طريق للاستدلال يكشف زيف وتحريف المفسرين وعظم جنايتهم على الإسلام ولكن هذا الكشف إنما يمر فقط بما له صلة بموضوع المهدوية وأيام الله الأخرى- ولا شأن له بعملية التحريف الواقعة في صدر الإسلام ولا بمحاولات تحجيم دور الرسالة الخاتمة ولا بالإجهاز على صفات الخالق نفسه. ولا بالمؤامرة الكبرى على القرآن من خلال تفسيره- ولا بالتغيير والتبديل في عقائد الدين- ولا بآلاف الكذابين الذين وضعوا الحديث عن النبي (ص) مقابل رشوة ولا بالذين مهدوا لهم بمنع كتابة الحديث مدة أربعين سنة منذ وفاته- ولا بالذين استخدموا أسلوب الاغتيالات للمعارضين بعد رحيل الرسول (ص) مباشرة، ولا بالذين انتقوا الولاة والعمال الملاحدة بشكل خاص ليولوهم أمورهم ولا بالذين تقاتلوا بالسيوف وتطاعنوا بالرماح على الخلافة بعد النبي (ص).

كما أن الكتاب لا علاقة له بالمتآمرين في عهد الرسول والتحامهم عليه ليتبع (أهواءهم بعد الذي جاءه من العلم)- ولا بالذين (يلمزونه بالصدقات) ولا بالذين (يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت وقد أمروا أن يكفروا به)، ولا بالذين (هموا بما لم ينالوا) ولا بالذين (يبخلون ويأمرون الناس بالبخل) ولا (بالمنافقين والمنافقات) ولا (بالذين في قلوبهم مرض)، ولا (بالمؤلفة قلوبهم) ولا بالذين (خلطوا عملاً صالحاً وآخر سيئاً) ولا بالذين (يؤذون رسول الله) ولا بالذين (ينادونه من وراء الحجرات) ولا بالذين (يرفعون أصواتهم فوق صوت النبي) ولا بالذين لم يعطوا أموالاً (إذا هم يسخطون)، ولا بالذين (ألهتهم تجارتهم عن ذكر الله وأقام الصلاة فتركوه قائماً)- ولا بالذين (جاءوا بالإفك عصبة منهم)- ولا بنسائه اللاتي يتآمرون ويتظاهرون عليه- ولا بالذين (يتناجون بالإثم والعدوان ومعصية الرسول) ولا بالذين (يحلفون بالله إنهم منكم وما هم منكم بل هم قوم يفرقون)- ولا بالذين (يحلفون بالله ما قالوا ولقد قالوا كلمة الكفر بعد إسلامهم) ولا بالذين (آمنوا ثم كفروا ثم آمنوا ثم كفروا ثم ازدادوا كفراً) ولا بالذين (ارتدوا عن دينهم) فهددهم الله بأن (يأتي بقوم يحبهم ويحبونه أعزة على الكافرين أذلة على المؤمنين يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومه لائم)، ولا بالذين (إن مات أو قتل) انقلبوا على أعقابهم، ولا بالذين (يبدلون نعمة الله بعد ما جاءتهم) ولا بالذين (يكتمون ما أنزل الله من الحق)، ولا بالذين (كرهوا ما أنزل الله فأحبط أعمالهم) ولا بالذين (كرهوا بعض ما أنزل الله)، ولا بالذين (شاقوا الرسول من بعد أن تبين لهم الهدى الشيطان سول لهم وأملى لهم)، ولا بالذين قالوا للكفار واليهود (سنطيعكم في بعض الأمر والله يعلم أسرارهم)، ولا بالذين قالوا (هلم إلينا- ولا يأتون البأس إلا قليلاً) ولا بالذين (ارتدوا على أدبارهم من بعد أن تبين لهم الهدى) ولا بالذين (تفرقوا وكانوا شيعا كل حزب بما لديهم فرحون).(1)

كما أن هذا الكتاب يفترض أن لا شأن له بالمراحل اللاحقة من التحريف والتآمر فلا شأن له بالإجهاز على ميزانية الدولة المالية، ولا بالتقسيم الفئوي الطبقي للرواتب الذي سنه الخلفاء ولا بأنظمة الحكم التي تؤكد أن أمرهم (وصية بينهم) لا (شورى بينهم)، ولا بأسلوب الوراثة الذي سنوه فيما بعد، ولا بمنع الناس من تفسير القرآن أو بالسؤال عن معاني الآيات ولا بإصدار الأمر بالإقامة الجبرية على علماء الصحابة كابن مسعود وحذيفة من أجل ألا تنكشف خيوط التآمر ولا بتسليم الشام ملكاً صرفاً لمعاوية مدة عشرين سنة أميراً وعشرين سنة أخرى خليفة- ولا بجمع السنة النبوية ثم حرقها مرتين على يد خليفتين بعد رحيل الرسول مباشرةً- ولا بعشرات الفتاوى المخالفة لقواعد دينية معروفة ولا بمئات التحريفات في العبادات  والمناسك وتوزيع الثورة والمعاملات والإرث والشعارات الدينية.

كما أن الكتاب يفترض ألا تكون له علاقة بفئات التحريف اللاحقة حيث وضعت القواعد والأصول وكتب الحديث النبوي بعد ثلاثمائة سنة من رحيل سيد المرسلين-!.

إن تأخر كتابة الحديث النبوي بعد ما أكد الرسول (ص) على الكتابة والتسجيل وقام بنفسه بالأشراف على تعليم القراءة والكتابة- هو بمفرده يدل على حجم المؤامرة وأبعادها- إذ تأخر تسجيل أقدس الكلام وأحكم الأحكام بعد القرآن كل هذه المدة!!. وهو يدل على قوة المتآمرين وكثرتهم وامتلاكهم ناصية الأمور.

ما مضى هو آيات ومقاطع كثيرة في كتاب الله- زعموا فيها جميعاً بأسباب نزولهم التي ابتدعوها إنها نزلت في رجل واحد هو (عبد الله بن أبي سلول) المنافق أو في أصنام قريش أو في بعض اليهود وأهل الكتاب. أما هذه الأمة الباقية بعدهم فهي براء منها براءة الذب من دم ابن يعقوب! وإن كتاب الله عبارة عن تاريخ لا (قرآن). لذلك فإن الكتاب هذا لا شأن له بالقواعد المنحرفة التي وضعوها للتغطية على جرائم التحريف الأولى مثل قاعدة أن كل معاصري العهد النبوي صحابة ولو لم يروه ولم يسمعوا منه وكل صحابي فهو عدل وثقة ولا يجوز نقده- وكانت تلك القاعدة الجريمة من أبرع خططهم للإجهاز على الرسالة من خلال خلط الأوراق ببعضها وتمرير الأكاذيب الموضوعة- بل وإيجاد المبررات للتحريف.

فكانت النتيجة أن اشتغلت آلاف الأقلام المأجورة بتبرير أعمال السلف واعتبارها جميعاً أعمالاً صالحة.. حتى تلك الحروب التي غرقوا فيها بالدماء وأغرقوا غيرهم فقد بررت على أنها اجتهاد بعضهم باتجاه بعض وأنهم جميعاً على حق!!!.

ولقد أصبح المسلمون أضحوكة لليهود والنصارى بإيمانهم بهذه القاعدة.. وبقيت أقلية من أهل القبلة تنظر للأمر من وجهة نظر القرآن والسنة والتاريخ ومنطق الأشياء فكانت تلك الفئة هي الوحيدة المغضوب عليها من قبل الجميع.

لقد ضحك المفسرون والعلماء المنحرفون من هذه الأمة مدة أربعة عشر قرناً وجعلوهم يتصارعون ويكفر بعضهم بعضاً ولكنهم لا يتمكنون أبداً من كشف الخيوط الأولى للمؤامرة ولا انتقاد الجيل الأول البادئ في الاختلاف والتحريف كما ذكر القرآن.. لقد جعلوهم يؤمنون أن (الاختلاف رحمة) وفي عين الوقت يكفرون المخالفين لهم وفي عين الوقت يؤمنون بصلاح جميع المتحاربين وأهل الفتن في الصدر الأول.

فهل رأيت في حياتك أمة بلغت كل هذا الجهل بنفسها ما بلغته هذه الأمة؟ والجهل الأعظم في هذه الأمة أن البحث التاريخي أو القرآني أو النبوي المنطقي إذ يكشف المؤامرة بكل أبعادها فإن الذي يفعل ذلك يتهم فوراً بأنه عدوٌّ للدين يريد به الشر ويريد التفريق بين الأمة وكأنّ الأمة مجتمعه الآن.. وكأنها ليست في أقصى مدى من الذل والانحلال والتخبط والعصيان!

وعند تحليل المسألة بدقة يظهر بوضوح وجلاء صدق الرسول (ص) فيما أنبأ به من صفات الأمة في آخر الزمان حيث تبلغ من الجهل والعناد والغباء درجة أن أحد الصحابة يسأله فيما إذا كانوا يفعلون كل ذلك ولديهم عقولهم أم لا؟. فيجيبه (ص) عن ذلك بما يفهم منه أن المفاهيم والعقائد عندهم تتغير فيحسبون أنهم على ملة الإسلام بينما هم في دين آخر.. إذ لم يبق حسب تعبيره من (الإسلام إلا أسمه ومن القرآن إلا رسمه)... وأنا لا أدري أينطبق هذا الوصف على المحرفين والمستمرين بالتحريف وهم أكثرية الأمة أم على تلك القلة التي تريد فرز الخبيث عن الطيب فتتهم دوماً أنها من الأشرار؟.

[وقالوا ما لنا لا نرى رجالاً كنا نعدهم من الأشرار. اتخذناهم سخرياً أم زاغت عنهم الأبصار]. 62/صاد.

فحتى وهم داخل النار يسألون عنهم ظناً منهم أنهم معهم.. فأي غباء وعناد وهذا الذي ران على قلوبهم- إن هؤلاء هم قطعاً ممن يضنون أنهم مصلحون وعلى دين الحق وعلى نهج الملّة. ذلك لأن عبدة الأصنام لا يسمون المؤمنون أشراراً ولا يعتقدون بالجزاء أصلاً. ولا يسألون عن المؤمنين لعلهم ناجون من عذاب النار- إنما هذا السؤال من أهل القبلة بعضهم عن بعض!

لقد أصبح المسلم العادي جداً لا يدري شيئاً عن حقيقة دين الله وفي نفس الوقت لا يدري أنه لا يعلم شيئاً فيظن أنه على الطريق القويم وتأخذه الحمية فيما يعتقده ولو كان مجموعة من المتناقضات المضحكة.

من هنا امتلأت كتب التاريخ والتفسير بما يرضي جميع الفئات والأذواق والمذاهب فبإمكان الشيعي الحاذق أن يأتي بآلاف الأحاديث من كتب السنة في فضل علي (ع) على جميع الصحابة ويتمكن السني أيضاً الإتيان عن الشيخين أو عن عثمان! في صحيح البخاري تجد فضل الجهاد والمجاهدين ولكنك أيضاً تجد أن الجلوس في الدار أفضل من الجهاد(1).

في صحيح البخاري أيضاً: إذا أقدمت الفتن كقطع الليل المظلم فالقائم فيها خير من الماشي والقاعد خير من القائم!.

حديث يدعو إلى العزلة عند حدوث الاختلاف. وفي نفس الوقت فإن هناك أحاديث تبين أن التمسك بأصحابه وما هم عليه هو طريق الهدى. فكيف تكون العزلة هي طريق أهل الهدى- وأي أصحاب يقصدهم الحديث- وإنما الفتن وقعت أول ما وقعت بينهم؟!.

وفي نفس الوقت هناك أحاديث تأمر بالتمسك بأهل البيت (ع) عند حدوث الاختلاف وأخرى تمتدح الخارجين على (علي بن أبي طالب) وفئة ثالثة تبين أن علي لا يخرجهم من الهدى ولا يدخلهم في الضلال وأنه مع القرآن لا يفترقان.

وإذا كنت من أصحاب الجمل وأصحاب معاوية أو أصحاب يزيد أو أصحاب الحسين أو أصحاب علي، وإذا كنت من المعتزلة أو الشيعة أو السنة أو برأسك أية فكرة أو بدعه، أو ضلالة فإنك تجد حتماً في تراث الأمة ما يؤيد وجهة نظرك ويحير خصومك ويعطيك الحجة على أقرانك.

لماذا؟ لأن هذا ما كانوا يخططون له وهذا ما كانوا يريدون بقاءه.

في صحيح البخاري: (أصحابي كالنجوم بمن اقتديتم فقد اهتديتم)- أنه حديث يزكي جميع الصحابة ويجعلهم جميعاً هداة هادون مهديون- مما لا نجد له مثيلاً في تشابه الدمى الخارجة من مصنع واحد بقالب واحد... حديث غريب إن كان الذي وصلنا منه ما وصلنا وإن لم تكن له تكملة اقتطعت أو خصوصية بترت عمداً. وكيف وأنى يؤمن به المرء وهو يرى أصحاب أي رجل مصلح ليسوا سواءً بالإخلاص والصدق مهما كان الرجل فذاً ومضحياً للإنسانية- بل هؤلاء هم أكثر الناس ابتلاءً بمن يصاحبهم.. لأن لكل ثَورة ثورة مضادة بحجمها.. [وكذلك جعلنا لكل نبي عدواً من المجرمين]- 31/الفرقان.

وكيف يتمكن من الإيمان وهو يسوق حديثاً آخر بعشرة طرق في باب الحوض، فيه إن جمعاً من أصحابه يُحلأّون(1) عن الحوض وتطردهم الملائكة- فيقول: رجل بقربهم هلم- فيقول النبي (ص) إلى أين؟ فيقول إلى النار والله فيقول ما شأنهم فيقول: إنهم ارتدوا من بعدك القهقرى.

وفي ألفاظ أخرى: فأقول يا رب أصحابي فيقال: إنهم غيروا بعدك فأقول سحقاً سحقاً لمن غير بعدي.(2)

ونحن نردد مع خاتم النبيين (ص) سُحقاً سُحقاً واللعنة على من غير بعده. هذا الحديث يقبله العقل والقلب لأنه يتفق مع العقل والقلب المؤمن ويتفق مع حقائق التاريخ ومع ما وقع بالفعل ويتفق مع تحذيرات القرآن الكثيرة من الارتداد والزيغ.

وهو بعد ذلك بطرق أكثر وأمتن وأصح سنداً من الحديث الأول.. وليس هذا هو الموضوع- إنما الموضوع لماذا جعلوا كل التاريخ وكل كتب الحديث بمثل هذا (الكشكول) الذي فيه ما لذ وطاب لكل الفئات هداة أو منحرفين؟

 وإذا كانوا قد ارتكبوا هذه الجريمة بالتحريف- بحجة أمانة النقل- فلماذا تستمر أمة عددها مليار مسلم في التسليم بكل هذا الكم المناقض حتى فقدت عقلها ورشدها وأضاعت المقاييس وظلت وأظلت و(أظلت كثيراً عن سواء السبيل) وحتى أن قد ضحكت من جهلها الأمم لشدة صممها وعماها عن تاريخها ودينها؟ وهل هناك أجهل من أمة تؤمن بكل صيحة لإنقاذها ممن هب ودبّ ولا تؤمن بأنها هي المنقذ للعالم وأن الدولة دولتها والرسالة رسالتها والمهدي الموعود مهديها؟ هل هناك أمة يمثل صفاتها وفقدانها لرشدها؟!- لو كانت تلك إكذوبة لأمة أخرى لتمسكت بها- فكيف والمبعوث فيهم سيد البشر والكتاب المنزل عليهم أعظم نبأ في السماوات والأرض.. تبيان لكل شيء وتفصيل الذي بين يديه من الكتاب ومهيمناً عليه؟

إن هذا الكتاب ليس للمحرفين ولا للمنحرفين ولا للتابعين ولا للمتبوعين. إنه فقط لأولئك الأحرار الذين يبحثون عن دينهم الحق تحت ركام التحريف والتزييف والتشويه للأقلام المأجورة.. إنه لأولئك الذين أحبوا الله وعشقوا كتابه العجيب ورغبوا في معرفة تاريخهم ومستقبلهم. تاريخهم الذي أخفى ما فيه حفنة من الذين اشتروا بآيات الله ثمناً قليلاً.. ومستقبلهم الذي جعلوه لا يتضمن سوى قيام الساعة التي تقوم على شرار الخلق.. فأصبحت حتمية التاريخ البشري الذي أسجد لله لأول رجل فيه ملائكته وذكر أنه جاعل (في الأرض خليفة)- أصبحت حتمية تاريخه للشرور وتطوراً للشرور بدلاً من أن تكون حتمية لخلافة الله في الأرض كما أراد وشاء.

"يريدون أن يطفئوا نور الله بأفواههم ويأبى الله ألا أن يتم نوره ولو كره الكافرون" 32/التوبة.

إن هذا الكتاب ليس لهؤلاء بل لأولئك الأحرار الباحثين عن دينهم وعقيدتهم وهذا هو الذي يهون الأمر ويجعلنا نكتفي بما أوردناه من لمح عن ذلك التحريف الذي يشعر به كل مؤمنٍ حقٍّ شعوراً قوياً وإن لم يطالع فيه كتاباً.


 

(1) من خطاب للرئيس الأمريكي في عيد رأس السنة 1986.

(2) من مقولات الماركسية اللينينية المشهورة.

(3) مثل نظريات الوجوديين ونظرية علم النفس لفرو وغيرهما.

(1) الآيات الشريفة المذكورة يعرفها قارئ القرآن وهي مبثوته على طوله وبخاصة في سور الأحزاب والتوبة والمنافقون والتحريم والحشر والأنفال ومحمد (ص).

(1) الحديث 10/باب الجهاد عن أبي هريرة.

(1) يحلأون: أي يطردون.

(2) صحيح البخاري- باب/الحوض.

 

* من كتاب الطور المهدوي

 

 

الصفحة الرئيسية  

مقالات

بحوث ودراسات

آفاق

حديث عراقي

تقارير منوعة

أسرة ومجتمع

أوراق ثقافية

مجتمع مدني

نصوص مترجمة

كتب

البحث في القرآن

 

نوافذ ثقافية وفنية

شعر
قصة قصيرة
تشكيل
سينما
مسرح

لوحات

كاريكاتير

صور من العالم

ضع إعلانك هنا

 

حق المعرفة فوق كل الحقوق
جميع الحقوق محفوظة لموقع زيتونة
موقع زيتونة نافذة مستقلة ليست مسؤولة عن مضمون المقالات التي تنشر
  ولا تعتبر المقالات المنشورة وجهة نظر رسمية للموقع ، بل فقط  تعبرعن رأي الكاتب
asfook@yahoo.com