شهدت التقلبات السياسية التي مرت على العراق خلال
العهود التاريخية المنصرمة أن هذا البلد العريق
يعود في اصالته إلى الشعوب والقبائل التي استوطنت
هذه الأرض ونزلت في ظهرانيها وعندما ندرس تاريخ
العراق الحديث والمعاصر نلاحظ إن العراق وبولاياته
الثلاث محكوم بقوانين ودساتير محلية صيغت على شكل
قرارات عالية المستوى سنها أناس تعلموا وتفقهوا في
مجالس ومدارس قبائلهم وعشائرهم واستندوا على مبادئ
وإحكام قانونية مع علم الجميع أنهم لم يدخلوا
المدارس الفقهية ولا الجامعات القانونية وبذلك
أصبح ألزاما على أبناء القبائل أو العشائر السير
وفق الدستور المحلي وتربطهم روابط اجتماعية عالية
المستوى أنجزت خليطا متجانسا من العلاقات داخل
العشيرة حتى أضحت هذه العشيرة تعمل وفق نظام
الدولة المصغرة أو الإقليم المتحد ضمن اتحاد سياسي
واسع وإن رؤساء العشائر وزعماءها في العراق تتوقف
عليهم المشورة في كيفية مواجهة الغزاة ومقاومتهم
من خلال قيام الثورات والانتفاضات مع أن الجميع قد
اتخذ المرجعية الدينية مرجعا له.
أن للعشائر وخاصة في العراق الأثر الكبير في رسم
سياسة الدولة العراقية الحديثة خصوصا وان الرأي
والتنفيذ توقف على مدى قناعة رأي زعماء العراق
وغالبيتهم من رؤساء العشائر في تنصيب الملك بعد أن
أخذت موافقتهم في نظام الحكم والذي اقر من خلاله
بان العراق يصبح نظامه ملكيا هاشميا لا يخرج على
رأي الشعب العراقي.
ومع أن بناء الدولة لا يتوقف على تنصيب الرئيس فقط
إنما هناك أسس أخرى منها وضع الدستور وتشكيل
المجالس النيابية وإقرار القوانين التي تدخل في
إطار البناء السياسي للدولة فقد أصبح ممثلوالقبائل
والعشائر هم من يؤسس لهذا البناء الجديد وإن
العشائر تشارك في سن قوانين الدولة مقتبسة ذلك من
ثقافتها ومدارسها العريقة.
ومتى ما غيرت الحكومات سياستها تجاه أبناء الشعب
فأن العشائر تخرج منتفضة من اجل إرجاع الأمور إلى
مساراتها الصحيحة وهذا على طول الخط التاريخي في
العراق إذ أن أبناء العشائر هم النواة الأولى
للبناء الأساسي في العراق سياسيا واجتماعيا
وثقافيا إلى غير ذلك.
رغم دور العشائر العراقية الأصيلة وتاريخها الحافل
بالمواقف والمآثر فإن السياسات الرعناء للنظام
السابق قد تدخلت في رسم معالم جديدة حاولت تسييس
العشائر وتفريغها من محتواها الأصلي وبناء زعامات
على أسس حزبية وشخصيات كارتونية توقع على ما يسن
لها ولا تؤسس لجديد ولا تصلح ما يعيب
أن الموقف من تسييس العشائر يقابله الموقف من
تسييس الجيش فكلاهما مواقف خطيرة في بناء العراق
الجديد فمواقف الجيش كثيرة في العراق إذ انه
استخدم أداة بيد الحكومات فقد حارب الجيش العشائر
في انتفاضاتها إبان سياسة حكومات الحقبة الملكية
والجيش نفسه غير نظام الحكم من الملكي إلى
الجمهوري بعد مجزرة قصر الرحاب والجيش ذاته قتل
زعيمه ونصب عبد السلام عارف وفرض عبد الرحمن على
المدنيين وأسقطه فيما بعد وأصبح منظمة حزبية
يقودها صدام لخلع احمد حسن البكر ويفرضها وسيلة
لمواجهة الشعب العراقي في الشمال والجنوب
والانتفاضات الشعبية.
فكما لا نرضى أن تسيس قوة الجيش لا نرضى أن تسيس
العشائر فكلاهما أساس في البناء.
وإن العشائر اليوم تأخذ دورها الحقيقي في بعض
المحافظات العراقية من خلال مشاركتها الفعلية في
استتباب الأمن وفرض القانون ولا تسمح إن تعتبر
العشائر نفسها واجهة بنفس الشعارات للتعبير عن
أراء حزبية مستغلة لوضع أبناء العشائر الاقتصادي
الاجتماعي والثقافي.
فالعشائر تنأى دائما عن أن تكون أداة حزبية أو
واجهات سياسية ولكنها لو استغلت بهذه الطريقة لا
بد أن تخرج وتعلن رفضها ورأيها الصريح في يوم من
الأيام.
ندعم العشائر ونمدها بما تحتاجه ولكن لا نقول "أن
أرادت العشائر أن تنظم نفسها وطلبت العون
والمساعدة من الحكومة تقدم لها ما تريد " وهذا
يعني دعما بدون آلية معينة أن هذا الكلام خلاف
الواقع لان التنظيم ولأي جهة كانت يجب أن يكون له
اطر دستورية وقانونية ولا يتوقف التنظيم على
مشاركة لون سياسي واحد وخلاف لأراء الشركاء
السياسيين فهذا يعني استغلال للمصلحة العليا ويأتي
اليوم الذي تفضح به السرائر.
حق المعرفة فوق
كل الحقوق
جميع الحقوق محفوظة لموقع زيتونة
موقع
زيتونة نافذة مستقلة ليست مسؤولة عن مضمون المقالات التي
تنشر
ولا تعتبر المقالات المنشورة وجهة نظر رسمية للموقع
، بل فقط تعبرعن رأي الكاتب asfook@yahoo.com