الأرشيف وقفة تراث اتصل بنا كلمة زيتونة الرئيسة
 
حق المعرفة فوق كل الحقوق جميع الحقوق محفوظة لموقع زيتونة موقع زيتونة نافذة مستقلة ليست مسؤولة عن مضمون المقالات التي تنشر ولا تعتبر المقالات المنشورة وجهة نظر رسمية للموقع ، بل فقط تعبرعن رأي الكاتب asfook@yahoo.com
 

نهاية التاريخ أم نهاية العقل دراسة نقدية لنظرية نهاية التاريخ على ضوء التطورات

 

د. محمد سعيد الأمجد

أسطورة الطوفان أم طوفان الأسطورة

( قراءة جديدة في اللوح الحادي عشر

عالم سبيط النيلي

نماذج تاريخية من التقارب المذهبي في العراق

 

واثق الحسني - باحث واعلامي

التنمية البشرية المستدامة والمواطنة (قراءة في جدلية مبادلة التأثير) - العراق أنموذجا)

د. منعم العمّار - باحث واكديمي

التعددية العراقية ودورها في ترسيخ الوحدة الوطنية - شروط إقامة السلم الأهلي

 

رحيم الساعدي - باحث وأكاديمي

سيكولوجية اللعب عند الأطفال

إعداد . د. حسن منديل الطائي

أضواء على أطروحات توينبي في فلسفة التاريخ

تعريف ونقد : علاء الدين السيد محمد تقي الحكيم

نظرية المعرفة للسيد محمد باقر الصدر

 

 د. عائشة يوسف المناعي - قطر

الحقيقة الحقيقية والحقيقة الإيديولوجية

 

د. مشتاق عباس معن

الجذر العراقي لأسماء الشهور والدهور

د. علي الثويني

نحتفي عادة بحلول كل عام من الألفية الميلادية الثالثة ونحن على مفترق طرق من تسميات الشهور والتقاويم التي تسترعي التمحيص في مصدر اصطلاحها . حيث نجد خمسة مجاميع لتسميات الشهور في كنف اللغة العربية، ونرصد في شجونها تنازع الأهواء وتحزب الفرقاء كما هي السياسة ، وانبرى رهط يمنطق في مبرر استعمالها ، ويرغب كل فريق في التعميم بما اختصت به أنظمته الإدارية .

وتعود فكرة ضبط التقاويم إلى جذور سومرية واكدية عراقية وكذلك مصرية . وأخذوها الفينيقيون تباعا في أفلاكهم إلى ثقافات البحر المتوسط ولاسيما الرومانية منها التي ورثتها عن الإغريق والشاميين وأقحمت فيها أسماء قياصرتهم كيوليوس وأغسطس ، ثم ليعيدوها إلى العالم وتتلاقفها الثقافات ونجد ما يدل على الأصول الرافدية لذلك النظام الملكي الذي ينم عن دلالات عقيدية ، هو كم من الكلمات المقدسة من مثل (Astrology وAstronomy) التي تعني التنجيم والفلك ، وكذلك  (Star , Stella) التي تعني النجمة وهي بمجملها تحريف مهذب لكلمة  "عشتار Ashtar" المقدسة للبابليين ورمزوا لها بنجمة الصباح وهي نفسها عنتر لدى عرب الجاهلية . وقد نجد اسم تموز (دوموز) حبيبها مازال يقبع في قلب التقاويم الآرامية التي ورثناها .

وكلمة تقويم منحدرة من مصدر (قوم) التي تعني إزالة الاعوجاج من الشيء وتعديله وهي تشكل مجموعة القواعد للتوفيق بين السنة المدنية والسنة الاستوائية ولتقسيم الأزمنة وجاء معنى تقويم البلدان بين طولها وعرضها وإخراج أراضيها . ومازالت كلمة (روزنامة) الفارسية تستعمل حتى اليوم والتي هي في حقيقتها مركبة من كلمتين (روز) وتعني يوم و(نامة) وتعني كتاب أي كتاب الأيام ، ومن الطريف إن الإيرانيين يفضلون كلمة (تقويم) العربية على (روزنامتهم) اليوم لدينا صنفان من التقاويم المستعملة هي القمرية أو العربية والأخرى الشمسية (الإفرنجية أو المسيحية أو الميلادية) . واستعمل جل العرب التقويم الميلادي ماعدا العربية السعودية التي تستعمل التقويم الهجري . وثمة تقويم تتداوله الجماهيرية الليبية تفردا يعتمد سنة وفاة الرسول محمد (ص) بداية له ، ولم يحاك الليبيون بلدا أخر . واتبعت الدول صيغة ذكر تاريخين معا ولاسيما في الوثائق الرسمية . وانحصر دور الهجري لدى العامة في ضبط التواريخ الدينية .

وكلمة الشهر ترد في الآرامية بلهجتيها الغربية والشرقية بصيغة (يرخو – يرخا ) التي جاءت منها (يؤرخ) العربية وكلمة (الشهر) تعني كذلك القمر في العربية وقد وردت في القرآن الحكيم سورة البقرة الآية 184 :( فمن شهد منكم الهر فليصمه) . وقد كانت في اللغات السامية (العربية البائدة) تعني الأمر نفسه بسبب ارتباط الشهور بدورة القمر فقد سميت (سهر) في بعضها وكذلك (سين) التي اقتبست منها كلمة سيناء، بما تعنيه الكلمة من روحانيات وعبادة إله القمر لديهم . وهي في الآرامية ( Sharoشارو) بحيث ذكر "الجواليقي" في (الإتقان ص 140) بان اصل الكلمة سرياني (سهر) الذي عرب بعد ذلك . وجاء لدى العرب بما يعني الكثير فقال في ذلك "ثعلب" بأنه سمي شهرا لشهرته وبيانه لان الناس تشهرون دخوله وخروجه. وقال غيره سمي شهرا باسم الهلال لأنه إذا آهل يسمى شهرا ، وقال "ذو الرمة" : يرى الشهر قبل الناس وهو نحيل.

والتقويم القمري سبق التقويم الشمسي لسهولة تتبعه بحسب ظهور القمر دوريا ، ولكنه يقل بيوم واحد كل عام عن التقويم الشمسي . وسميت أسماء الشهور القمرية منذ القدم واهتم بها وطور حسابها الكلدان في بابل . وثمة شهور منها يدعى الأشهر الحرم ، وقد حددت لها قوانينها وضوابطها وصل حد تحريم وتحليل صيد البر والبحر ، ومنع بها إعلان الحرب الذي تمادوا به آهل السياسة والإرهاب ذو اللباس الديني اليوم ليعلنوا الحرب متى شاءوا . وقد قالت العرب إن الأشهر الحرم أربعة ذو العقدة وذو الحجة ومحرم ورجب , ثلاثة منها سرد وواحد فرد .

وكان لعرب الشام والحجاز واليمن تقاويمهم قبل الإسلام ، التي سرعان ما اضمحلت بعد إقرار التقويم الهجري فمثلا أرخ سكان مدينة بصرى في سجلاتهم لتاريخ يقل بـ 105 أعوام عن التاريخ الميلادي المعاصر ، كما وجد ذلك (دوسو) عندما تتبع منابع الخط النبطي في بادية الشام ، ولاسيما في حرة وادي السوط في جنوب حوران , وثمة جداول نظمت لضبط الفرق بين التاريخيين الهجري والميلادي ولاسيما لدى الباحثين والمؤرخين الذين يستسهلون إضافة العدد 622 وهو عام الهجرة الميلادي الذي حدث في 16 تموز (يوليو) عام 622م إلى التاريخ الهجري مع ضربها بمعامل بسيط فحواه الفرق (11 يوما) بين التقويميين ليظهر لهم بالتقريب العام الميلادي .

ومن الطريف في التقاويم الميلادية الشائعة اليوم إن السيد المسيح (ع) لم يولد في سنة 0 ميلادية وإنما في عهد هيرودوس الروماني يرجح العام 4 م وتختلف الطوائف المسيحية في يوم ميلاده ، ليشكل بذلك حالة لعدد تقويمي مبهم وخالي من الدقة . وهو يضاف إلى العدد الكبير من المغالطات التي جوهرها تكريس الاحتفاء بذكرى زهو الحضارة الرومانية الوثنية ، مثلما هي أسماء الأشهر ، أكثر مما هو تمجيد لذكرى ميلاد نبي عظيم ومبشر إعجازي بعقيدة عالمية موحدة .

ويقول في ذلك (توم لوفن) في كتابه (الخلل في عيد الميلاد – ص 19) : (إن عددا هائلا من الأعراف المقترنة بعيد الميلاد اليوم تعود جذوره إلى تقاليد دينية وثنية ، لما قبل المسيحية . . فبعض التقاليد يحمل مفاهيم اجتماعية عرقية ، أو فلكية سوف ينبذها الواعون منا إذا عرف صلب فحواه) . ويؤكد ذلك في موضع أخر قائلا : ( أن أحد أوجه السخرية المتعلقة بعيد الميلاد هو قلة ما هو مسيحي في مضمونه ). وتعود الحقيقة إلى بدايات المسيحية والاحتفال الذي تبنته ألكنيسة و تعود في حقيقتها لإرث وثني حينما كان يحتفل الرومان بعيد الكوكب زحل في أواسط شهر كانون الأول (ديسمبر) ، وكانوا  يمارسون فيها عادات إيقاد الشموع وتبادل الهدايا وكذلك طقوس الولائم المتقنة والسكر المفرط والفحشاء المتحرر. أما شجرة عيد الميلاد فهي تعود للشعوب الجرمانية عندما كانت تحتفل بالخضرة الدائمة الباقية بعد ضمورها في موسم الثلج ونفض الأشجار الذي مقتته العقلية البشرية .  وما يتعلق بشخصية (بابانويل) الخرافية وهو ذلك العجوز الذي يرد بعربته ليوزع الهدايا على الأطفال ، وهي في حقيقتها إلا تقليد شعبي مازال الفنلنديون والنرويجيين وغيرهم يتخاصمون بحماسة على انتمانه لثقافاتهم . ويصر البلقانيون ( الأرثدوكس) على كونه القديس أصطيفان الذي يكتسي الحظوة لديهم . وبالرغم من كل هذا اللغط فمازال بعض أصحابنا يتوقون شوقا لأن يكونوا جزءا من هذا المهرجان العرفي دؤوبين على تطبيق طقوسه  بالرغم من براءته من أي مسحة روحية ، والاهتمام به يرد من باب اقتصادي محض حيث تنشط خلاله الحركة التجارية التي تحتاجها السوق الرأسمالية في دوران المال وتصاعد الأرباح .

 وما وصلنا من ميراث ثقافات المنطقة العربية اليوم عيد شم النسيم وفيضان النيل في مصر الوارد من التواريخ الفرعونية وكذلك الحال في كثير من الأعياد الرافدية . فمازال الفلاحون في جنوب العراق يستعملون أسم نيسان للدلالة على موسم الحصاد الذي يرد بصيغة الفعل (نيسن ) ، ويعقد أن نيسان تعني (نيشان) أي علامة لموسم الحصاد ، وكذلك لذكرى عيد رأس السنة البابلية (الأكيتو) الذي هو بالأساس قد وردهم من السومريين عندما كانوا يطلقون عليه أسم (زكموك ) . وقد كان في هذه المناسبة يعاد تجديد البيعة للملك في بابل والذي يصادف الأيام الإحدى عشر الأولى من هذا الشهر والتي تقع اليوم في نهايات آذار وبدايات نيسان ويصادف موسم الاعتدال الربيعي . فهو في العراق عيد دورة السنة أو وعيد النوروز . وتحتفل به كل شعوب الشرق تقريبا ، ومن المؤكد بأن الكرد والفرس و تبعهم من ثم الترك كان قد أخذوه من بابل ، وهو يصادف يوم 21مارس أو تساوي الليل والنهار. وكلمة نوروز تعني بالفارسية (اليوم الجديد) وهو يصادف يوم دخول الشمس برج الجدي . وثمة نوروز خاص بالعراقيين المندائيين (الصابئة) يصادف اليوم السادس والعشرين من تموز ،ويكنى يوم نوروز الصغير المندائي - نوروز زوطا - وهو اليوم السابع والأكثر قدسية في عيد رأس السنة المندائية ويسهر المؤمنون في ليلته حتى الصباح ويسمونها ليلة السلام العظيم شيشلام ربا . حيث تكون  فيه أبواب الدعاء مشرعة . وبنفس المعنى يطلق . على نوروز بالتركية (بني كون) و يعني اليوم الجديد كذلك. وفي التاريخ الإسلامي كان ذلك يمارس على نطاق دوري في مدن بغداد وسامراء خلال الحقبة العباسية وكان المتوكل يوزع فيه الهدايا ، حتى ورد على لسان البحتري يقول فيها :

                           لا تخل من عيش يكر سروره                 أبدأ ونيروز عليك معاد

  ومن الجدير ذكره أن طائفة الصابئة (المندائية) في العراق مازالوا يطبقون القويم البابلي حتى يومنا هذا في أعيادهم الدينية بحسب بعض الباحثين ، ويعتبرون أن يوم 21آذار(مارس) هو يوم تساوي الليل مع النهار واتصال ذلك بالتوازن بين عالم الأنوار والظلمات الذي تنبني على أساسه عقيدتهم . ومازالوا يعتبرون يوم 20 كانون الأول (ديسمبر) الذي يطلقون عليه احتفال (البنجة) وهو يوم زيادة النهار على الليل وزيادة عالم النور أو (هيبل زيوا) في عقيدتهم . ولكن الباحث ثائر صالح يأخذ مذهبا آخر حيث يذكر في مقاله (رحلة التقاويم - جريدة الحياة 1996) أن التقويم المندائي يحاكي التقويم المصري ، وهو يدخل في السجال حول أصول المندائية ، أو تداخل بعض المفاهيم المصرية والغنوسطية (العرفانية ) فيها ، أو حتى اقتباسات أوردها مندائيو الشام قبل رحيلهم إلى أهوار العراق . وكان المصريون قد ضبطوا تقويمهم على فيضان نهر النيل كونه يعتمد على مصدر رزقهم وهو النشاط الزراعي ، بحيث قسموا السنة إلى 12 شهرا ، كل شهر بثلاثين يومأ ، وأضافوا (شهيرا)  صغيرا من 5 أيام لتعديل الرقم من 12× 30= 360 يومأ إلى 365 يومأ ، وهو أقل من السنة الشمسية الفلكية بأقل من ست ساعات . وعرف المصريون القدماء ذلك الفارق ، وحسبوا الدورة التي يعود عندها التطابق بين السنة المصرية والسنة الفلكية ، وهي 1460 عاما وأسموها دورة سيث ( نسبة إلى نجمة سيريوس وهي الشعرى التي ترتبط ظهورها بفيضان النيل) . ويذكر(ثائر صالح) إن الأيام الخمسة الكبيسة لدى عامة الصابئة تسمى بالبنجة ، وهو موعد عيد الخليقة ، والاسم مأخوذ من الكلمة الفارسية بنج أي خمسة . وانحرف التقويم المندائي عن التقويم الميلادي المستعمل حاليا بحوالي 193 يومأ , فقد قابل اليوم الأول من كانون الثاني 1992 يوم 11 تموز حسب التقويم المندائي ، أي أن آخر تعديل جرى على ألتقويم المندائي حدث العام  1220 ميلادية ، في أواخر أيام الدولة العباسية ، وكما يبدو لم يعدل الصابئة تقويمهم منذ ذلك الحين .

وبصدد أسماء الشهور ، فأن جلها ورد من التسميات القديمة فمثلا نجد في الأشهر القمرية أسم عاشور وهو أول شهور العرب وهو نفسه وارد من الديانات القديمة في العراق التي مجدت ألهتهم ( أشور) الذي أتى بتسمية الآشوريين ، وكان قد أقتبسه الفرس كذلك وأسموه (أهورا) مقترنا بالآلهة الفارسي القديم . وفي سياق اقتباس الكلمات من الفارسية نجد كلمة (مهرجان) التي تعني عيد الملك وهو الذي يحتفل به في الخريف .

 وبسبب جهل المؤرخين المسلمين بالآرامية واللغات الشرقية المنقرضة عموما فكان سهلا عليهم أن ينسبوا الكلمات لأصول فارسية أو رومية أو يثربوها إلى معان في العربية كونها من (السامي المشترك ) مثل كلمة  (كانون ) التي مازالت تستعمل بدلالات لغوية تعني موقد النار بما يعني الشتاء الذي تحل به المواقد . وذكر  البيروني بعض التسميات ظن بأنها مجوسية ويعني بابلية لاختلاط الحال عنده بين المانوية البابلية والزرادشتية  الفارسية .

ونجد ما قاله صاحب اللسان مبتدئا بشهر (آب - أغسطس )0 (و آب من الشهور أعجمي معرب ) وتمادى في ذلك بخصوص شهري كانون (والكونان شهران في قلب الشتاء ، رومية ) ، ووهم مثله صاحب (القاموس) بقوله : (وحزيران اسم شهر بالرومية وكذلك نيسان وتشرين وآذار) . وزاد (الشرتوني) (ج 2 :ص 1108) شرحا بقوله (والكونان شهران في قلب الشتاء ، و قيل هو عربي مأخوذ من معنى الثقل لشدة برده وصعوبة المتسبب والحركة فيه وقيل دخيل ). وقال (البيروني) في (الآثار الباقية ص 59و 318) (المجوس وقد يسمون الشهور بالأسماء السريانية ، أما النصارى بالشام والعراق و خراسان فقد مزجوا بين شهور الروم وشهور اليهود ، وسموها بأسماء سريانية وافقوا في بعضها اليهود وباينوهم في بعضها). وقال (ابن العبري)  في كتابة الفلكي السرياني الموسوم بـ (الصعود العقلي مج 2ص 190): (فمن الأمم التي عدت بعض شهورها ثلاثين يوما ومنها أكثر من ثلاثين وبعضها اقل منه كالرومان واليونان والرهاويين (آهل حران أو اورفة ) والسريان ، وأما الرهاويون لما اقتبسوا أسماء الشهور من العبرانيين لم يوافقوهم في تقسيم كمية أيامها لكنهم وافقوا في ذلك اليونان و الرومان . وفي قول هذا العلامة فأن مجموعة من أسماء شهور العبرانيين لا توافق أسماء شهور السريانيين وهي . مرحشوان ، وكسيلو ، وطيبث ، وسبون والثلاثة الأولى توافق تشرين الثاني (نوفمبر) وكانون الأول (ديسمبر) وكانون الثاني(يناير) . ومن الجدير ذكره إن لليهود بعض التسميات المشتركة مع السريان ولكن الملفت إنها تعني اشهر أخرى فمثلا آيار لديهم يعني شباط السرياني وحزيران يدعوه آذار أول ثم ثاني وآب يحل محل آيار ..الخ .

وأورد الأب دورم في كتابه (البلاد الواردة في الكتاب المقدس ص 42 ) , إن طيبث Tebet وسيون Siwan  اسمان بابليان ، وليس عبريان ، و يؤكد اقتباس اليهود للكثير من المفاهيم ومنها أسفارهم من أساطير بابل . وذكر أيضا في كتابه انف الذكر وكتابه المسمى بـ (الديانة الآثورية البابلية ) إن أسماء شهور آذار ونيسان وأيار وتموز وآب وأيلول ( ويسمونه اولولول Ululu) وتشرين ويذكرونه مرخما (تشري) كما هو عند العبرانيين والسريانيين أيضا Tesrit هي بابلية الأصل ، ومن البابلية آخذها العبرانيون والسريان فقال العبرانيون ، نيس ، واواب (مثل السريان ) وتمز، وايلل ، وسفط . أما حزيران ، وكانون الأول ، وكانون الثاني فأسماء سريانية ووردت كذلك (Hziron, Kanoun, Kadhmoio, Traino).

واخذ العبرانيون نظام التعديل الذي يقرب السنة القمرية من السنة الشمسية كثيرا الذي يمكن حسابه مقدما من الكلدانيين في القرن الرابع ق.م . بعد إن كانوا يستعملون سنة قمرية خالصة ، واحتفظوا بهذا النظام إلى اليوم , واخذوا أسماء الأشهر الكلدانية – البابلية: طبيتو، شباطو، ادارو نيسانو، ايارو، سيمانو، تموزو (أو دموزو) ، أبو، الولو (أو أولولو) ، تشيرتو، اراشامنا ، وكانونو (كسليمو أو كسليفو) . وهذه الأشهر بالعبرية : طبيث ، شباط ، ادار ، نيسان (ابيب = الربيع ) ، ايار (زيو) ، سيوان ، تموز، آب ، الول ، تشري (ايثانيم ) ، مرحشنان (بول )، وكسليف.

 وأسماء الأشهر هذه آخذها العرب والأتراك ليضأ مع تغيير بسيط ، وقبلهم الآراميون والمسيحيون والسريان والمندائيون . ولدى الصابئة تسمى الأشهر طابيث ، شباط ، آدار، نيسان ، ايار، سيوان ، تموز، آب ، ألول ، تشرين ، مشروان ، وكانون .

 ويمكن إن تكون بعض تلك التسميات من أصول سومرية وهي أولى الحضارات المثقفة في جنوب العراق مثل كلمة (دموزي) أو (تموز) الموحي بشغفهم بزوج آلهتهم القديمة (أنانا) التي أصبحت لدى البابليين عشتار. و( دموزي) تعني هي لغتهم (الابن الشرعي) وتم انتقالها مثلما نقل الكثير من مظاهر الثقافة والحضارة إلى الاكديين أول الشعوب السامية (العربية البائدة ) التي خرجت من الجزيرة ، وانتقلت دواليك إلى من ورثها من الأقوام الآمورية والكنعانية والكلدانية والآرامية واقتبسها العبرانيون فأصبحت إحدى شهورهم ونقلها الفينيقيون إلى اليونان فحرفت و أصبحت (ادونيس ) لتضطلع بنفس المعنى الروحي . وقد أكد ذلك عالم التاريخ (جيمس فريزر) في كتابه (الفص الذهبي) والذي ترجمه المرحوم جبرا إبراهيم جبرا .  ومن الطريف نذكر هنا ، إن العراقيين القدماء ولاسيما البابليين كانوا يحزنون في أيلول الذي يشعرهم ببواكير الخريف ونضوب الخصب والخضرة ، وقد جعلوه موسما للبكاء والعويل على (دموزي) بعد إن زال خصبه ، وما كلمة أولولول Ululu  التي ورد منها (أيلول ) الا تعني الولولة أو النحيب في العربية ونلاحظ إنها قريبة لشقيقتها . ومن الغريب إن لها مرادف قريب في الإنكليزية (Wailing ) ويعني الأمر عينه ، بما يدعو إلى العجب العجاب .

وبالرغم من ذلك الميراث في ثقافة المنطقة العربية من مصادرها العراقية والشامية والمصرية فقد اختلف العرب في تتبع أي منها ، وتفرقوا إلى خمسة مجاميع مميزة تتبع كل منها تقويم معين ، وهي :

 1- المغرب وقد استعمل أسماء الأشهر الرومانية بالصيغة التي استعملها العرب في الأندلس بسبب تماسهم واختلاطهم مع النصارى والتي نقلت إلى المغرب مع حركة التواصل بين الصوبين ، لتستقر إلى يومنا هذا. وتلفظ الأسماء عربيا مثل غثث (أغسطس ) وشتمبر ..الخ . ومن الطريف في ذلك وجود مناسبة شعبية في المغرب العربي يطلق عليها (الناير) وتمارس فيها طقوس الفرح وتبادل الهدايا والزيارات على نطاق واسع وهي مأخوذة من أسم (يناير) أو رأس السنة الميلادية الروماني.

2- موريتانيا والجزائر وتونس وهي تستعمل الأشهر ألموروثة من التسميات الفرنسية لكنهم كتبوها بأحرف عربية مثل أوت (أغسطس - آب ) وجويية (يوليو - تموز) وجانفي (يناير- كانون 2) ..الخ.

3. ليبيا وقد ارتأت أن تقترح أسماء خاصة بها مستمدة من الأحداث السياسية أو المناخية أو حتى من الأعراف العربية البدوية منها مثل أشهر الطير والحرث أو سياسية مثل ناصر(يولية ) ..الخ .

4. مصر والسودان والجزيرة العربية ، وبضمنها اليمن والخليج العربي الذي تبع للتأثيرات الثقافية المصرية وعاندا التكوين الأول لإدارات تلك البلدان ، والتي اعتمدت على الخبرة المصرية التي استعملت تلك التسميات منذ (فرنجة) الحياة في مصر في القرن التاسع عشر على يد محمد علي باشا وورثته . والأشهر هنا أسمائها رومانية بحتة حرفت للتسهيل ، مثل يونية ويوليو أغسطس ..الخ . ومن الجدير بالذكر هنا أن جل تلك التسميات تخلو من المنطق السديد فهي أما هجين من الأتي من الاقتباسات الرومانية أو استرسال رقمي قديم حينما كان العام يبدأ في الشهر الثالث الحالي . فنجد (يناير) يعني شهر الشباب أو التجديد و(فبراير) يعني شهر التدفئة و (مارس ) ورد من بقايا الوثنية ويعني المريخ . أما (أبريل ) وهو مقتبس ومقلوب من لغات الثقافات السامية (العربية البائدة ) بصيغة (أربع أيل ) أو (اربيل ) التي تعني الآلهة الأربع  ، لما للرقم 4من حظوة و(ايل ) يعني (الله ) العربية . ومن ناحية الترقيم فهو الأصح من حيث وروده الرابع . ونجد الخلل الرقمي مثلا في سبتمبر الذي يعني السابع وموقعه التاسع وأكتوبر ويعني الثامن وموقعه العاشر وديسمبر ويعني العاشر وموقعه الثاني عشر.

ومن المعلوم أن الغرب أستعمل التقويم الروماني الشمسي المعروف بالتقويم النبولياني ، الذي أدخله يوليوس قيصر العام  46 ق .م . وأضاف سنة كبيسة كل أربع سنوات ليكون طول السنة اليوليانية 365 يوما وربع اليوم . لكن هذا التقويم يقل في الواقع بـ 11 دقيقة و 14 ثانية عن السنة الفلكية ، هذا يعني اختلاف يوم واحد كل 128.2 سنة أو ثلاثة أيام كل أربعة قرون تقريبا . وقد أصلح البابا غريغوري الثالث عشر هذا الخطأ العام 1582 م ، حين أمر باستعمال التقويم المعروف حاليا بالتقويم الغريغورياني وبدأت الدول الكاثوليكية استعمال التقويم الغريغورياني في القرن السادس عشر، أما الدول البروتستانتية فلم تستعمله إلا في القرن الثامن عشر. ولم تعترف الكنيسة الباروسلافية الروسية . بهذا التقويم ،  ولم يجر إصلاح التقويم في روسيا إلا العام  1918، ولهذا السبب اختلف التقويم الروسي عن التقويم الغريغورياني المستعمل عالميا حتى وصل الفارق إلى 13 يوم

5- العراق وبلاد الشام الذي استمدت التسميات من جذور بابلية - أرامية (سريانية)  أختارها الرعيل الأول من الإداريين والساسة الذي خلفوا الحقبة العثمانية . والأسماء هي آذار ، ونيسان ، وحزيران ، وتموز..الخ  وفي خضم هذه الخلاف الثقافي ، ثمة حاجة لحل وسط بين الإدارات العربية ، بغرض إيجاد صيغة تفاهم وسط بما يوفره من جهد ومساحة طباعية أو يرفع التلعثم الذي يقع به عاثري الحظ من المذيعين ، والأهم في كل ذلك أن يوحد تلك الثقافة المسكينة التي من فرقة السياسة ومناخات المصالح .

 معمار وباحث thwanyali@hotmail.com

 

 

الصفحة الرئيسية  

مقالات

بحوث ودراسات

آفاق

حديث عراقي

تقارير منوعة

أسرة ومجتمع

أوراق ثقافية

مجتمع مدني

نصوص مترجمة

كتب

البحث في القرآن

 

نوافذ ثقافية وفنية

شعر
قصة قصيرة
تشكيل
سينما
مسرح

لوحات

كاريكاتير

صور من العالم

ضع إعلانك هنا

حق المعرفة فوق كل الحقوق
جميع الحقوق محفوظة لموقع زيتونة
موقع زيتونة نافذة مستقلة ليست مسؤولة عن مضمون المقالات التي تنشر
  ولا تعتبر المقالات المنشورة وجهة نظر رسمية للموقع ، بل فقط  تعبرعن رأي الكاتب
asfook@yahoo.com