يوم ارتحل ابوها مغدورا برصاص الارهاب ولم نعثر
على جثته الابعد ايام طويلة من البحث في مشرحة
الطب العدلي كانت صغيرة لاتعي شيئا فتحولت الى
وديعة الراحل الوحيدة عندنا وعندما وصلت سن
الدراسة اكتشفت ان اسم ابيها المدون في بطاقة
الاحوال المدنية غير اسم الذي تناديه ( بابا )
فكثرت الاسئلة البريئة وكيف مات ابوها وكنا في كل
مرة نذكر لها صفاته الحميدة ونحببها فيه ثم نذكر
صفات الارهابيين القتلة حتى اصبحت كلمة ( ارهابي )
اكبر شتيمة في عرفها الطفولي البريء واكملت سنتها
الدراسية الاولى والثانية بتفوق وهاهي بالصف
الثالث ذكية ..حلوة .. عذبة .. شاطرة .. جميلة تحب
مدرستها تنهض مبكرة كل يوم تكتب واجباتها وتحل
ظفائرها وتحمل حقيبتها وتذهب مع اترابها لمدرستها
وقبل ايام المت بي وعكة اجبرتني على عدم مغادرة
البيت وفي ظهر احد ايامها تعالت طرقات عنيفة على
باب البيت ولولا مصاحبة بكاء واصوات طفولية لهذه
الطرقات لتوقعت ان من يطرق الباب هم الرفاق او
عناصر مديرية الامن في الزمن الغابر واننا لازلنا
في عهد القائد الضرورة حملت جسدي المنهك نحو الباب
وياليتني لم افتحه لقد وجدت طفلتي التي ايتمها
الارهاب والمسلحين ابكاها ودمر نفسيتها ارهاب اخر
.. وكانت في حالة يرثى لها ينز من جبينها الدم
وكدمات وجروح تغطي وجهها الطفولي ويتعالى نشيجها
وتتسارع دموعها وصدريتها التي احبتها من اجل
المدرسة ممزقة تحيط بها زميلاتها وهن يحاولن
مواساتها وتصبيرها والذعر باد في عيونهن جميعا
وصغيرتي لاتنطق غير كلمة ( ارهاب ) او بالاحرى هي
الكلمة الوحيدة التي فهمتها من خلال نشيجها
ونحيبها . ادخلتها وبعضا من زميلاتها الى غرفة
الجلوس وحاولت ان افهم منها شيئا ولكن بدون جدوى
عدى جملة ( معلمتنا ارهابية بعد مااريد المدرسة )
فاستعنت بزميلاتها لشرح الحال فقالت احداهن :
انها نست ان تكتب واجب يوم امس واكتشفت المعلمة
ذلك وهي تصلح الدفاتر وسألتها عن السبب فقالت ( ست
نسيت ) فما كان من المعلمة الا الامساك بمسطرة
الحديد وانهالت عليها ضربا وكانت تحاول حماية
جسمها بيديها فجرحت احدى الضربات المتلاحقة يدها
وشقت جبينها ولم تتوقف المعلمة عند هذا الحد
وشدتها من شعرها وضربتها بالجدار عدة مرات حتى
انهارت وتهاوت على الارض فأمرتنا بايصالها للبيت
وذهبت هي الى الادارة لتشكوها للمديرة ولم تضف
صغيرتي شيئا فقط ارتني الجروح والكدمات وملابسها
الممزقة وسألتني وهي لازالت تئن : لماذا يجعلون
الارهابيين معلمين لنا ألم يقتلوا ابي من قبل .؟
.
الى
هذا الحد وفقدت قدرتي للاستماع وطلبت من محدثي
التوقف عن سرد هذه القصة المؤلمة بعد ان طفرت من
عيني اكثر من دمعة رغم محاولتي التجلد وعدم
التفاعل مع ما اسمع وبعد ذهابه قلبت الامر على عدة
وجوه وفكرت في سري ان يكون الرجل متأثرا بالافلام
الهندية والا كيف يعقل ان يقوم مربي او مربية بهذه
الاعمال الشنيعة في زمن نتلمس به جراحنا من زمن
تسلطي ديكتاتوري رحل عنا توا وساوى بين الجميع
بظلمه وتعنته ؟
واين ذهبت الانسانية والوازع الاخلاقي في التعامل
مع الصغير والضعيف .؟ وحتى لو شرع الضرب كأسلوب
تعليم مبتكر الا توجد هيئات تراقب عمل المعلمين
بالمدارس ؟
الا
يعلم المختصون في مجال التعليم ان الاف الطلاب
يتسربون من المدارس وخصوصا الابتدائية والمتوسطة
سنويا بسبب غلظة المعلمين وقسوتهم .؟ واذا غاب عن
المدارس الرقيب فماهو عمل الضمير بالنسبة للمعلم
.؟
حق المعرفة فوق
كل الحقوق
جميع الحقوق محفوظة لموقع زيتونة
موقع
زيتونة نافذة مستقلة ليست مسؤولة عن مضمون المقالات التي
تنشر
ولا تعتبر المقالات المنشورة وجهة نظر رسمية للموقع
، بل فقط تعبرعن رأي الكاتب asfook@yahoo.com