إن
السلطة السياسية تعبّر عن العلاقة القانونية
القائمة بين الحاكم والمحكوم، وتتعزز شرعيتها
بوجود الرضا والقبول المعبّر عنه بنتائج
الانتخابات، وتعمل على تنظيم المجتمع والتوفيق بين
المصالح الفردية والمصلحة الجماعية حفاظا على
الإحساس بالانتماء للوطن الواحد والوقاية من أي
انحلال قد يهدد كيان الدولة، فقد تكون مركزية
لكنها لا تكون إلا مدنية تملك الوسائل القانونية
لإكراه تحت رقابة القضاء لمنع أي انحراف أو تعسف
ضمنا للحريات العامة والفردية.
يقيم أفراد الشعب الواحد في إقليم ترابي يوحد
شتاتهم ومصالحهم، ينمو معه الإحساس بالانتماء
للوطن الواحد. ولكن في الوقت ذاته قد تختلف
المصلحة الفردية عن المصلحة الجماعية، وإذا اشتد
مع هذا الاختلاف واتسعت الهوة تعرض المجتمع ووحدة
الأفراد إلى الانقسام، وكان ذلك عامل رئيسي في
تقسيم الإقليم .ومن هنا كان بناء الدولة دون ركنها
الثالث – السلطة السياسية – ضرب من الخيال، فلا
يكفي توافر الشعب أو الإقليم لإعلان قيام الدولة
ونشأتها دون أن تكون هناك سلطة توفق بين مصلحة
الأفراد والمصالح الجماعية حتى يتسنى ضمان البقاء
والاستمرار.
إن مصلحة السلطة من الناحية اللغوية مشتق من
السلطان، ويعني القوة والبرهان أو الحجة، وكان
التمييز بين السلطة والقدرة ضروريا فالأول عمل
قانوني، أما الثاني فهو عمل إنساني اجتماعي ولهذا
فإن حق إعطاء الأوامر لا يعني دائما القدرة على
الأمر.
كان مفهوم السلطة في الدولة القديمة يخول
لصاحبها قدرة كبيرة عند الممارسة وحين إعطاء
الأوامر، إلا أن تطور أشكال الدولة وأنماط تسييرها
وما صاحبها من تعقيدات العصر الحديث، ولد أطراف
أخرى في محيط اتخاذ القرار السياسي، نشأت معها
مراكز جديدة ذات قوة التأثير تشارك الحاكم في
سلطته الشرعية. فأصبح هذا الأخير لا يستطيع تنفيذ
كل ما يرغب فيه، بمعنى أن حق إعطاء الأوامر المخول
للحاكم لا يؤدي بالضرورة إلى القدرة على الأمر
بالنظر إلى تعقيد وتشابك عوامل عديدة في آلية
تشغيل السلطة ووسائل تحقيق أهدافها.
نجد في القراءات المختلفة كلمة سلطة إدارية،
رئاسية وصائية إلى غير ذلك، لكن الذي نتعرض له
بمناسبة الدراسات الدستورية هو السلطة السياسية
ضمن الأركان الثلاث لكيان الدولة.
إن السلطة السياسية هي ظاهرة تعبر عن انقسام
المجتمع إلى حاكم ومحكوم، والعلاقة القانونية
بينهما تفرز سلطة شرعية، يعترف بها المحكوم ضمن
شروط وصلاحيات يحددها دستور البلاد لمن هو مخول
لممارستها، فإن غابت هذه العلاقة القانونية أصبحنا
أمام سلطة استبداد، لا يرضى بها المحكوم ولا توفر
الاستقرار والثبات لكيان الدولة.
على هذا النحو، تتميز السلطة السياسية بمميزات
تعدد كمايلي:
ـ سلطة هرمية مركزية.
ـ سلطة سياسية.
ـ سلطة مدنية.
ـ سلطة زمنية.
ـ سلطة تحتكر وسائل الإكراه.
نتولى
دراسة كل منها كمايلي:
1.
سلطة هرمية مركزيــة
إن هرمية ومركزية السلطة في الوقت الحاضر تعد من
المسلمات، لكن الأصول التاريخية لهذا المفهوم
تختلف. ففي أوربا تلازم ظهور هذا المفهوم مع نشأة
الدولة كنتيجة للصراع الذي قادته أطراف ثلاث هي
الإقطاع ـ الملك والكنيسة، على خلاف المجتمع
الإسلامي الذي لم يعرف هذه الثلاثية، لأنه انتقل
من حياة البداوة والرق إلى نظام تحكمه مبادئ
الشرعية السمحاء.
إن الهرمية والمركزية تختلف حسب شكل الدولة، حيث
يهيمن هذا المفهوم في الدولة البسيطة ويعرف ليونة
أو لا مركزية في الدولة المركبة (للإشارة أن
التمييز القانوني بين أشكال الدولة سنتعرض له في
العدد القادم).
2.
سلطة سياسيــة
إن أهم ميزة تتصف بها السلطة هي كونها سياسة،
مرتبطة بحق إصدار الأوامر وتسليط العقوبات، وكذا
إيجاد آليات تنظيم المجتمع تتسع في حالة الدولة
الشمولية وتضيق معها الحريات بوجود حكم دكتاتور،
ويتزن ميزانها في النظام الديمقراطي ويكون المعيار
في هذا مشمولا بمدى اتساع الحريات الفردية
والجماعية التي يكلفها الدستور الذي يضعه الشعب.
إن النظام الجمهوري الذي تتبناه الدولة الحديثة لا
يسمح بأن تكون السلطة وراثية، فهي سلطة مؤمسانية
لا تعرف بدمج الذمة المالية بين الحاكم وملكية
الدولة. وعلى نفس النحو، فإن الدولة ذات النظام
الملكي لا يسمح فيها بهذا الدمج حيث تفصل أموال
الملك عن أملاك الدولة لتميزها بالشخصية
الاعتبارية واستقلال ذمتها المالية.
3.
سلطة مدنيـــة
تعتبر المؤسسة العسكرية من أهم المؤسسات الأكثر
تنظيما وانضباط في العالم، ومع هذا فإن خضوع هذه
المؤسسة للحكم المدني أمر لا نقاش فيه، وخضوعها
تنظيما القوانين والتشريعات، ومهامها الاستراتيجية
تضبطها الأحكام الدستورية. ومع هذا تعرف بعض
البلدان استثناء عن هذه القاعدة لظرف تاريخية
معينة، وأخرى لغياب الحكم المدني فيها منذ أن نالت
استقلالها لأسباب ومصالح استعمارية كان هذا الوضع
أنسب من غيره في الحفاظ على تلك المصالح.
4.
سلطة زمنيــة
تعني بالنسبة للدولة المسيحية فصل الدين عن
الدولة، وكان ذلك بعد صراع طويل بين الكنيسة
والحكومة في أوربا، ثم أن الفلسفة المادية ذات
الجذور اليهودية كانت وراء فكرة أن الدين يحد من
الحرية لكونه يسيطر على نفوس البشر، ولكي تكون في
رأيهم الحرية كاملة لا بد من التخلص من الأديان
وسلوك طريق العلمانية في إنشاء الدولة.
5.
سلطة تحتكر وسائل الإكراه
تتميز القواعد القانونية بالجزاء المادي الذي
يترتب على مخالفة هذه القواعد، وهو بذلك يتطلب
وجود وسائل الإكراه كالقوة العمومية وإنشاء السجون
ويصبح معها القضاء الوسيلة الوحيدة التي تمنع أي
انحراف في استعمال السلطة والتعسف عند ممارستها،
وأصبحت الأحكام الدستورية تنص على مجموع الضمانات
التي تمنح للأفراد وتكفل حقوقهم وحرياتهم.
حق المعرفة فوق
كل الحقوق
جميع الحقوق محفوظة لموقع زيتونة
موقع
زيتونة نافذة مستقلة ليست مسؤولة عن مضمون المقالات التي
تنشر
ولا تعتبر المقالات المنشورة وجهة نظر رسمية للموقع
، بل فقط تعبرعن رأي الكاتب asfook@yahoo.com