قصيـــدة
يا لبراريكِ الغمامات
زيد الشهيد
بينَ طُرقاتِكِ الموبوءةِ
بالبؤس
ورفضِ حضورِك السادرِ في
التكرار
وجدتِني أتعثّرُ بلغةٍ
تبتغينها باباً للجمرِ .
تقذفينني بغيومِِ الكوابيسَ
والهمومِ .
ترمينَ عليَّ شهَقاتِ
الهويات التي ما شبعت
من الياسمين ،
ونشيجَ الذين أغمضوا
العيونَ على رمادٍ ملأتِ به
كفوفَكِ وأغدقتِهِ على
أفواهٍ كانت تلوكُ أنغاماً للرياحين .
لماذا نؤنِّثُكِ أيتها
الحربُ بينما أنتِ :
رجلٌ شرير ..
سفّاح ماهر ..
همجيُّ رعديد ؟..
............
تسحبينني من سهوب النسيان
لبراريكِ العائمةِ في
غمامات
الأسى .
مَن الذي دوَّنَكِ لوحةً
تُترجمُ عهر الموتورين
وهجاكِ في يناعةِ رفَلِكِ
الدموي ؟
أظنُّهُ بيكاسو الذي يومَ
سألوه :
" أهذا من فعلِكَ أنتَ ؟
(*) " ،
" بل من فعلكِكم أنتم ! "
ردَّ حانقاً .
.................
عنكِ ، كنتُ أخبّىء الفراتَ
في ذاكرتي
وأجعلُ الضفافَ تبتلعُها
الأشجار .
أشطبُ الجسورَ من خارطة "
الزيلات " (**)،
تاركاً الأماني تتعثّر على
خيبةِ الجنود .
أعدو لاهثاً بحثاً في هرجِ
الأمنيات العتيقة
عن كركرةٍ مختبئةٍ بحجمِ
رفرفةِ رمشٍ
أغلفُها بمنديلِ ابتسامةٍ ،
لأُهديها إلى طفلٍ نسيَ
العيدَ
واكتفى مُجبراً بحفظِ
أناشيد المعارك .
................
لكأنَّكِ غمامةٌ حلّت .
وليلَ جثومٍ تجيئين .
................
حينَ وزّعتِ الأحزانَ
على أراملَ الشهداءِ ،
وأمّهاتِ القتلى ،
وأولادِ المتبعثرينَ أشلاءً
كان العراقُ يرابطُ عند
سواترِ الضياع
مُثخناً بعبث المجانين .
كانَ العراقُ يأكلُ التراب
،
ويصنع من الدخانِ مجداً
للأكاذيب .
كانت بغدادُ امرأةً لائبةً
( مثل أم ولد غركان ) .
تغرقُ في يمِّ البحثِ عن
أبناءٍ
خطَّتهُم أيدي الفقدِ على
أقمشةٍ سوداء
ناموا فوقَ الحيطانِ ،
مجففَّينَ
بلا أحلام .
............
على قيدِ اللظى تركتِنا
وأجزتِ لضياعنا الترجُّلِ
على
سجّادةِ الرثاء .
احتسيتِ أصواتَنا
ومشيتِ رافلةً على ناي
آهاتِنا
فاتحةً سماءً للنواح .
............
كانت الطالباتُ في نادي
الكليةِ
ينتحبنَ على بعولٍ
مُفتَرَضةٍ
وأجنَّةٍ مُرتجاةٍ ؛ جففتها
الدموع .
كانت المزارعُ ترتدي معطفَ
اليباب .
والمزارعونَ يخلعون الهويات
ويمشون :
( احنه مشينة للحرب )
مشيةُ الماشيةِ المُساقةِ
للذبحِ والتقطيع .
كانت المعاملُ يتناقصُ
نحلُها المُنتِجُ
وتكثر الدماء .
و( ماركس ) يلوذُ بعباءةِ
الديالكتيك
هارباً من ندائه للعمالِ
بالاتحاد
وقيادةِ دفّةِ السلام .
لا يدري أنَّ الحروبَ آكلةُ
نهود النظريات
وهاتكةُ باكرات الجذل .
لا يدري أنَّ للحروبِ
توائمَ يتناسخون عن
" نيرون َ "
و " شمشون َ "
وأبالسةٍ ، أتقياءَ في
الجريمةِ وقطفِ
لوعات الفواخت .
لا يدري أننا في العراق
أغلقنا أسواقَ التطلُّعِ
وزرعنا بذارَ اليأسِ ،
وانتظرنا شمسَ الدبابات .
أنسميهِ حُلماً ذلكَ الذي
جرى
أم خطأً دفعت به أحكامُ
السماء ؟
...........
اليومَ ، لكأنها عرباتُ
الأنسامِِ
تحملُ ورودَ الابتهاج
وسكّةُ البهاء نمتطيها ،
حيثُ
محطّاتُ الحدائقِ ، وخارطةُ
المتنزهات .
اكروباتيك الدواليب ، وسكرُ
الأراجيح .
فيا أيها المحتسون عسلَ
الشمسِ
يا حواريَّ الأرضِ ،
وأنصارَ الضوء .
يا فضّةً تبرقُ .. وبرقاً
يشتِمُ الظلام .
لقد زرعنا النهارَ كتاباً ،
وأتينا على طائرةِ الغناء .
تركنا السيفَ ، والرمحَ
للخيام .
وركِبنا أصابعَ العقلِ .
في الجيبِ قلمٌ ..
وعلى الكف وطنٌ ..
وفي الرأسِ .. بُستان .
السماوة
----------------------------
(*) وكانوا يقفون عند لوحة
" الجورنيكا " يتصفحون محتواها .
(**) العجلات التي كانت
تنقل الجنود إلى سوح المحارق الحربية .