لا اتذكر متى على
وجه التحقيق سمعتلأول مرة باسم الدكتور علي الوردي
او قرأته. ربما كان ذلك بين سنتي 1955 -1956 وكنتفي حينها طالبا في متوسطة
الديوانية يتملكني شغف جنوني بالقراءة والكتب.
وكانتالمعرفة في تلك السنين من الأمور
الثمينة التي يصعب الحصول عليهاوليس كما هو الحال في الوقت
الحاضر حيث المعرفة مبذولة و منتشرة وكان من يعثر
علىكتاب كمن عثر على كنز.
وكان اسم الوردي قد بدأ يتردد على الالسنة وعلى
صفحاتالجرائد بأعتباره
كاتبا مثيرا للجدل وانه قد صدر له كتاب بعنوان (
وعاظ السلاطين)اثار صخبا
واسعا على مستوى المجتمع العراقي.
وكما هي
العادة دائما فأن هنالك فئة منالبشر الذين يخطفون العناوين
ورؤوس الاقلام خطفا دون ان يعرفوا المحتوى الحقيقيللكتب لذلك كان الحديث عن الكتاب
كثيرا ومتناقضا.
وقد كان من الصعب ان اعثر علىالكتاب في مدينة ريفية صغيرة مثل
الديوانية في ذلك الوقت فالمكتبة العامة فيالمدينة لم تكن تشتري مثل هذه
الكتب ومكتبة المدرسة هي الاخرى ابعد ماتكون عن
ذلكوخاصة لمؤلف مشاكس
ولكتاب يطرح اراء خارجة عن المألوف والمتعارف عليه
في حينه كماان ميزانيتي
المتواضعة لم تكن تسمح لي بشرائه.
لااتذكر
اية صدفة سعيدة جعلتني اعثرعلى الكتاب و استعيره ولكن الذي
اتذكره جيدا ان آراءه العلمية الجريئة احدثت صدمةمذهلة وزلزالا فكريا بالنسبة لفتى
صغير مثلي. والغريب انني فهمت مضمون الكتاب مندون صعوبة تذكر فاسلوب الكتاب ليس
مما تعود النقاد ان يصفوا به اسلوب الجاحظ او ابنالمقفع او طه حسين بانه السهل
الممتنع ولكنه كان الاسلوب السهل غير الممتنع ولم
يكنيهتم بالسبك اللغوي او
جمال الديباجة فلغته كانت اقرب ماتكون الى اللغة
الدارجة فهيكانت خالية من
الزخرف اللفظي او عذوبة الصياغة فهو لايهتم بذلك
وقد عبر عن هذا فيكتابه
الذي صدر بعدئذ بعنوان (اسطورة الادب الرفيع).
يبدأ الكاتب
مقدمته الصادمة علىالشكل
التالي (اقدم بين يدي القارئ العربي بحثا صريحا لا
نفاق فيه حول طبيعة
الانسان وهو بحث كنت قد اعددت بعض فصوله منذ مدة
غير قصيرة لالقائه من دار الاذاعةالعراقية فرفضه جلاوزة الاذاعة)
ثم يضيف في هامش (حق على المذيع انذاك ان ينادي
" هنا بلد الجلاوزة
هنا بغداد") ثم يقول في مكان اخر ناعيا على الوعاظ
الذين يتسترونبستار الدين وينصبون انفسهم
اوصياء على الناس نفاقهم وتناقض سلوكهم ( والغريب
انالواعظين انفسهم لا
يتبعون النصائح التي ينادون بها فهم يقولون للناس
نظفوا قلوبكممن ادران
الحسد والشهوة والانانية بينما نجدهم احيانا من
اكثر الناس حسـدا و شهوة
وانانية). ويتحدث في مكان اخر عن قصة الشيخ
الازهري المتزمت الذي سافر الى فرنساالعام 1826 والذي كتب في مذكراته
وهو في غاية الدهشة حينما رأى سفور المرأةالفرنسية وتبرجها واختلاطها
بالرجل ذلك انه يعيب هذا ويعتبره من الفواحش
والبدع غيرانه ينوه بعد
ذلك بأستقامتهم وابتعادهم عن الشذوذ قائلا ( انهم
لايميلون الى اللواطاو
التعشق بالصبيان) ثم يعلق الدكتور الوردي على كلام
الشيخ الازهري وعلى التناقضفي كلامه ( وقد دلت القرائن على
ان المجتمع الذي يشتد فيه حجاب المرأة يكثر فيالوقت الانحراف الجنسي من لواط
وسحاق وما أشبه).
وبهذا المستوى نفسه من الاراءالجريئة استمر الكتاب ليناقش كل
المشكلات الاجتماعية في العراق والعالم العربيوهكذا حدث لي نوع من اللخبطة
الفكرية او التلبك الذهني الذي قلب افكاري رأسا
علىعقب. وبالطبع لم يسكت
عنه ادعياء الدين بل كالوا له الصاع صاعين. ونشرت
مئاتالمقالات بالاضافة
الى 12 كتابا والتي تتهمه بتشجيع الفسق والفجور
والالحادوالشيوعية. ولكنه
كعادته دائما لا يرد على مقالات النقاد الا لماما
وفي حالاتاستثنائية جدا.
وتمضي السنون
وانا مستمر بمتابعة مؤلفات وكتابات الدكتور الوردياقرأها حيث ما عثرت عليها وابحث
عنها في كل مكان يمكن ان تكون فيه. ثم سافرت
للخارجللدراسة وعدت واصبح
بامكاني شراء كتبه من دون ان اضطر الى استعارتها
من الاخرين. فيسنة 1969
صدر الجزء الثالث من كتابه الموسوعي ( لمحات
اجتماعية من تاريخ العراق)
وفيه يستعرض تاريخ
العراق منذ نهاية القرن التاسع عشر وحتى بداية
القرن العشرين.
وفي سرد ومناقشة تلك
المرحلة التاريخية المهمة.
وقد نجح في تسليط
الاضواء على كثيرمن الجوانب المظلمة و الغامضة في
تلك المرحلة. ولكن ما اثار دهشتي واستغرابي هو مااحتواه الملف الخاص بالماسونية
والذي وضعه كملحق في نهاية الكتاب. وقد كشف في ذلكالملف عن الكثير من القيادات
السياسية و الدينية والعسكرية المرموقة في العالم
هيمن اعضاء الجمعيات
الماسونية ففي هذه الجمعيات مثلا الكثير من ملوك
اوروبا مثل بعضملوك
بريطانيا والسويد والدنمارك وروسيا والمانيا
وغيرها اضافة الى القادة
السياسيين في العالم مثل جورج واشنطن وروسفيلد
وترومان ونابليون وكذلك الكتابوالمفكرون مثل فولتير واوسكار
وايلد ومارك توين وغيرهم الكثير. وكانت الماسونية
فيتلك السنين مثار خلاف
شديد فالبعض يقول ان الماسونية هي حركة غير سياسية
تحاولالتقريب بين الاديان
وخدمة الانسانية من خلال ازالة عوامل الخلاف
والشقاق بينالشعوب والبعض
يقول انها منظمة رجعية تخدم القوى الاستعمارية او
تخدم الصهيونيةوغير ذلك
من التهم.
وقد شجع على ذتك غموض اهداف هذه
المنظمة وعدم اعتمادها الشفافيةفي عملها والميل الى العمل السري
ومنعها اعضاءها من الافصاح عن نشاطها. ولكن الاغربمن ذلك والاكثر اثارة للدهشة هو
ان اغلب رجالات النهضة العربية والاسلامية في
القرنالتاسع عشر وبداية
القرن العشرين هم من اعضاء هذه الجمعية فكيف يمكن
التوفيق بينهذه الامور
المتناقضة والمتضادة.
فمن اعضائها مثلا الشيخ جمال
الدين الافغانيوالشيخ
محمد عبده ومدحت باشا وسعد زغلول وغيرهم كثيرون
كما يقال ان الكثير من افرادالعوائل الحاكمة في العالم العربي
والاسلامي هم اعضاء في هذه الجمعية. وقد كتبتمقالا في حينه (1969) في جريدة
النور التي كان يصدرها في بغداد الجناح الكردي
الذييتزعمه الاستاذ جلال
الطالباني قبل ان تلغيها الحكومة بعد بيان 11 اذار
1970 لتصدربدلا منها
جريدة التآخي التي تعود لجناح الاستاذ البارزاني.
كانت جريدة النور جريدة
ليبرالية معتدلة تنشر مختلف الاراء ولشتى
الاتجاهات. وقد نشرت فيها مقالتي عنالدكتور الوردي.
وكنت
اتساءل في المقالة بعد مناقشة الجوانب التاريخية
والفكرية فيالكتاب عن ان
المؤلف لم يقل لنا ما هو السر وراء انضمام هذه
القيادات النهضوية
المتنورة الى هذه الجمعية ذات المرامي الغامضة
واتمنى عليه ان يقول رأيه في ذلك.
ولكن الدكتور الوردي
كعادته دائما لم يجب على مقالتي ولم يعقب. وافسر
ذلك الان بأنهربما كان هو الاخر لايعرف سبب ذلك
والا لكتبه بجرأته المعهودة.
وفي بداية السبعينياتصدر ذلك الجزء من كتابه والذي
يناقش فيه مسألة الشيعة والتشيع وهل ان اصول
التشيععراقية ام ايرانية؟
وكان رأيه جازما بأن التشيع هو تيار سياسي وديني
عراقي انتقلالى ايران كما
كان البعض يؤكد. وقد ظهرت بعض المقالات التي تتهمه
بالطائفية وكانذلك اتهاما
خطيرا في ذلك الوقت لاسيما انه من عائلة شيعية في
الكاظمية.
وقد طالته
اثر ذلك بعض المضايقات كما علمت فيما بعد.وفي
بداية الثمانينيات كنت استاذا فيالجامعة المستنصرية في بغداد
التقيت الدكتور الوردي في احد المنتديات ووجدت فيهانسانا طيبا جم التواضع. وحاولت
ان اثير معه بعض الاسئلة التي عنت لي من قراءة
كتبهطيلة 30 عاما.
ولكنه كان يبتعد عن الموضوع وعن
النقاش ويحاول مداراة الموضوع بنكتةاو كلمة اعتذار خجولة. ولاشك ان
الجو الارهابي المخيف الذي كان يخيم على عالم
الفكروالسياسة وعلى
الجامعات بشكل خاص لجم لسانه
حق المعرفة فوق
كل الحقوق
جميع الحقوق محفوظة لموقع زيتونة
موقع
زيتونة نافذة مستقلة ليست مسؤولة عن مضمون المقالات التي
تنشر
ولا تعتبر المقالات المنشورة وجهة نظر رسمية للموقع
، بل فقط تعبرعن رأي الكاتب asfook@yahoo.com